في الذات الحي بعد كل تفكيك

مطاع صفدي

قاست تاريخانية الذات –غربياً على الأقل- من تصعيدها نحو الذاتوية، كل تراجيديات المركزية الأحادية التي شكلت خارطة المشروع الثقافي الغربي خلال القرنين الماضيين بصورة خاصة. وها هي اليوم قد تقاسي أكثر وهي تهبط السلم عينه الذي صعدته، مفارِقةً عرش الذاتوية نزولاً نحو مجرد ذات. فلن تكون معرضة لخسارة ما اكتسبته إبان ارتحالات التصعيد والتجنيح فحسب، بل عليها كذلك أن تدفع أثمان ماضيها ذاك.

تحاول الذات، بعد أن فقدت إطلاقيات الذاتوية، التعويض عنها بإحياء مفهوم الإنسان مجدداً، بعد أن كاد يتلاشى مع غياب مفردات (الأنوار) وتجاوز حماساتها الأولى خلال تحقيب الشخصية الغربية، وقطيعاتها المتتابعة مع تكوينات الدولة القومية، وانخراطها في صراعات القوة والربح فيما بين وحداتها المتطورة. إذن يغدو الإنسان هو  السعيد الجديد الذي راحت تتكنّى به أهم فلسفات العصر تحت وطأة الغلبة الفكرية لتيارات التغيير الاجتماعي المتأثرة غالباً بالماركسية. هذا ضداً على النزعات العنصرية التي جسدت عملياً وسياسياً المحصّلة التاريخية لمغامرات الذاتوية على الصعيد الفلسفي ومن ثم على الصعيد الاستراتيجي الحضاري.

هكذا يظل (الإنسان) بمثابة المفهوم المرجعي الذي يلجأ إليه المفكر كلما اشتد اختطافه إلى ساحات متطفلة على حدوده الأصلية. هذا لا يعني بالطبع أن الإنسان كمفهوم يمكنه أن ينجو دائماً من عين الاختطافات التي تعرض لها تاريخ الذات، وخاصة عندما يتم تصريفه من خلال مفردات السياسة الدولتية أو اليومية. من هنا كان لا بد من لحظة تمعين وإعادة تمعين للفظ، والكشف عن براءته المفهومية ما فوق كل التوظيفات البراغماتية التي تتقاذفه من كل جهة. فليست تداوليات النزعة الإنسانية مخلصة لثقافة الإنسان باعتباره معياراً لذاته، دائماً.فإن ألفاظه وأسماءه ومشتقاته هي من الشيوع والعمومية، بحيث يغدو الإنسان عينه محتاجاً لإعادة تعريفه بعد كل استخدام لمفرداته، كخصائص أو كدلالات. فحالات التحريف التي تعتري الإنسان من خلال استخداماته اليومية اللامتناهية للأشياء والمفاهيم لا علاقة لها بكون أن للإنسان تعريفاً فلسفياً لامتناهياً أبداً. هذا ما يجعلنا نلج المدخل الآخر الذي نقصده بدئياً لاستئناف حوارٍ مع هذا التعريف الذي ربما لا نهاية لمعرفته في المحصلة.

كل دالة عن الإنسان تكشف عما لا يزال ينقصها كدالة عن الإنسان. ليست المسألة في غنى لامتناه لمفهومه، بقدر ما هي في هذا الانكشاف الشاسع للإنسان أمام صدف الوجود. وفي الآن عينه ليس هذا الانكشاف ليعبِّر عن ماهية الإنسان، بل إنه البرهان المباشر عن انفقاد الماهية. يكفي الانكشاف أن يكون دليل الفقْد حتى تكون هناك ماهية أبعد، ينبغي الجرْيُ وراءها. هذا الجرْيُ يصير بدوره غاية في ذاته، لأنه في الواقع هو جري وراء مجهول لا يمكن تحديده قبل مواجهته. وحين نصل إلى المواجهة فما يدرينا حقاً أننا بلغنا نهاية المطاف. لهذا تبقى عبارة الانكشاف أمام صدف الوجود، أشبه بمشروع تعريف لا يتم. لكنه قد يحدد هذه العلاقة البدئية بين حال الانكشاف وصُدَف الوجود؛ كما قال هيراقليط في أحد مقاطعه: “إنني باحث عني أنا نفسي” والمقصود أنه باحث عن ماهيته كإنسان وليس كفرد. فليس الفرد سوى حقْل تجربةٍ مكشوفٍ على صُدَف الوجود التي قد تسمح له باستطلاع الإنسان كما يتصوره أو يتوق إليه، أو ينشبك معه بجدلية الرفض أو القبول. فأن يكون الفردُ ذاتَه، كأنما يكون الإنسانَ الذي يظل يتخطاه مهما تقرّب الفردُ منه. وبالتالي مثلما يكون الفرد حقلَ تجارب مكشوفاً على صدف الوجود، كذلك يصير الإنسان محطّ المعايير. إنه الاسم الكلي الذي لا يمكن الاتصال به إلا عن طريق مفرداته. والكلي عبَّر عنه اليونانُ بأنه إشارة اللوغوس، أو أنه هو اللوغوس عندما تلتقي عنده جميع الكليات أو تصدر عنه.

الفرد قد يكون موضوع تحليلٍ تغطيِّه علوم كثيرة. لكن الإنسان –بالحرف الكبير- يتحدى الفكر بأسئلة لا تنتظر أجوبتها الحاسمة. كل جواب هو مفترقُ طُرقٍ. والاختيارُ فيما بينها أشبه بضربة نرد أو حظّ، أكثر منه نتاجَ قرارٍ معلَّل بأسبابه الكافية. فليس الفرد هو إنسانه دائماً، كما أن الذات ليس هو عينه تحت طائلة أية مساءلة عادية أو تراجيدية. هذه الأسماء الثلاثة ليست مترادفات. وقد تصبُّ على تمعين، يُفترض أنه واحد، لكن لكل اسم طريقته الخاصة في الاتصال به؛ إلى درجة أن ما كان تمعيناً أحادياً قد يغادر خاصيته تلك، أو يصير من نوع الجوهر الذي لا تختصره أعراضه مهما دقّت واتضحت معالمها.

الفكر اليوناني في فجره اعتقد أن الإنسان، هو ما به يتصل اللوغوس بالعالم ويُعقْلنه. ليس الإنسان محل اللوغوس. لكنه من دونه لن يكون للوغوس ثمة حضور ما في العالم. كما أنه ليس للفرد حضور بالنسبة لذاته إلا بقدر ما يحمل إشارة الإنسان. أما الذات فلم يُعِرْهُ الفكرُ اليوناني أيَّ اهتمام خاص، سوى أنه تعبير آخر عن الأنا. وعلى هذا يمكن الاعتبار أن الذات اختراع حديث. ولعله يخصّ المشروع الثقافي الغربي، حيثما يزدهر الذات مع حقبة الانتشار الأوروبي، ويشكَّل نموذج الأمة الدولة.

كان الفيلسوف اليوناني عندما يخاطب مستمعيه، يطالبهم ألا يصغوا إليه، بل ينتبهوا إلى صوت اللوغوس. كما أعلن ذلك بكل وضوح هيراقليط –في المقطع الخمسين من قصيدة الكون- فاللوغوس هو الواحد الذي تتلاقى عنده كل العقول، كما الأشياء. والفَرْدَنة ليست لها قيمة في ذراتها -أفرادها- إلا بقدر ما تكشف الذرة عن انضمامها إلى الوحدة الأصلية. ذلك هو تفسيرٌ أو تأويلٌ هيدغري يهدف إلى تبرئة المرحلة السابقة على الأفلاطونية من أية لوثة بالذاتوية. لكن الأفلاطونية هي التي جاءت بمصير الكارثة إلى الفكر الذي سيُنْعت مستقبلاً بفكر الغرب. إنها كارثة الذاتوية الحالَّة مع استدخال الروح كجوهر خفي؛ وعلى الفرد أن يقضي حياته باستكناه أسراره.

إن اللوغوس أو مفهوم الألتيخياL’altéthéïa  لا يتوافق مع مركزة الذات حول نفسه. ذلك أن اللوغوس هو محلّ الفهم المشترك. إنه العقلانية التواصلية بمعناها الحديث. لكنها تزيد عليها بكون اللوغوس هو عقلانية سابقة على فعل التعقيل عينه، والتي بدونها لا يمكن لشيء أن يكون معقولاً. وقد يمكن لأقنوم الإنسانية أن يمنحه، أي اللوغوس أو الألتيخيا، ثمة تجسيداً مباشراً عائداً إلى تداولية المفهمة اليومية. فالإنسان هو الموجود قَبْلياً بطريقة ما، تتيح لصدفة الفرد أن تكتسب ثمة معقولية؛ ثم إن الفرد لا ينتمي إلى نفسه، بقدر ما يحيل وجوده على الوجود الأصلي الذي هو الإنسان. بما يعني أن الإنسان يتمتع بوجود معياري، يقاس بالنسبة إليه بقية الأفراد. فلن يكون الفرد ذاته إلا بما يبديه من شبه بـ- الإنسان. شبْهٌ يتوق إلى التطابق مع الأصل لكن من دون أن يفوز به تماماً أو كلياً. فيظل الفرد في حال ضياع عن نفسه، إلى أن يجد نفسه تتحد بما يتجاوزها. فالانفتاح على الآخر هو طريق التواصل مع الإنسان الذي يجمعهما –الفرد والآخر- وينتميان هما إليه معاً، أو وفق إيقاع من معاناة الاعتراف المتبادل بينهما. فالإنسان هو اللامرئي الذي يجعلنا نرى, وما نراه هو ما يظهر. كأن العين لا تنظر إلا وهي في انتظار النظرة الأخرى التي تلتقي معها. ذلك أن النظرة ليست هي الكاشفة، ولا هي الباحثة عن النظرة الأخرى فحسب، لكنها هي التي تجعل المنظور يُلمح بجوهره.

حتى أن أفلاطون رأى أن الكون –الوجود هو نظرةٌ ووجهٌ. فالتعريف المبدئي للوجود هو هذا الظهور المتفتح إلى ما لا نهاية تحت النظر. إنه وجه العالم الذي نراه. والعين هي الحاسّة الأولى التي تثبت وجود الشيء، إنها تراه. وهذا كاف لإثبات وجود الشيء بل العالم. لكن ليس كل ما يظهر هو حقيقة. وقد علمتنا الأفلاطونية أن نحتقر تقريباً الظاهر سعياً إلى كشف الباطن. في حين أن الكوجيتو الديكارتي لم يتحصَّل على نقطة تعيين بذاته إلا بعد أن أن شكّك في كل معطيات الحواس، أي الظواهر. إلا أنه فيما يعني رؤية العالم وما فيه، والأخص رؤية الإنسان فيه يملأ جوانبه، فإنها لا تقدم لنا مجرد وثوق عفوي فحسب أو سطحي، أو خادع ومضلل؛ بل إنه العالم المحيط، أو هذا الفضاء الذي أُوجد أنا في أصغر رقعة من امتداده، كما يوجد كل الآخرين الذين لا أعرفهم؛ لكنني على ثقة بأنهم موجودون، ولهم حيواتهم الخاصة… في المُحصَّلة إنه العالم الذي يسكنه الإنسان. وسواء كانت سكناه شعرية أو وحشية، فإنه يبدو سيّد العالم. والعجيب إنه السيد الذي يدّعي كلُّ أحد صِلَةً به مطالباً الآخر بالاعتراف به، بما يحقق كذلك اعترافاً متبادلاً بين أحد وأحد. فالتعارف البينيّ الفردي يفترض انتماء قَبْلياً مشتركاً للواحد الذي يتمفرد كلُّ أحد بالنسبة إليه. قولي عن صديق: إنه إنسان رائع، قد يحرره من مفرده للحظة ليجعله معرّفاً بذلك الإنسان الرائع الذي يصير إليه. لكن إذا كان ذلك الواحد، الإنسان، غير موجود، ولا يتمتع إلا بنوع من الوجود أو الافتراض المعياري، فهذا لا يقرِّبه من فكرة المُثل الأفلاطونية إلا من وجهة شكلية خالصة. هذا لا يفرض على الفكر الحداثوي أن يفصل بنيوياً بين المَثَل ومفرداته –لا يُقْسرنا على منح المثل كل القيمة والوجود، وحرمان مفرداته منها.

السؤال الحداثوي قد يقلب المعادلة الأفلاطونية رأساً على عقب. فالإنسان ليس تكويناً نهائياً؛ ومفرداته -أفراده- محكومة بالنقص حتى لو راحت تتشبَّهُ به وتلاحقه كيفما كان ويكون ويتبدَّى. المفردة هي الموجودة كأحد، وأما الواحد فهو كائن رياضي محض، وقد يصير كائناً افتراضياً في فلسفة سياسية غير منجزة بعد، على الرغم من الابتذال الجيوسياسي المتبنّي لمعزوفة الإنسان وحقوقه. وحتى عندما تهدف نظرة تفاؤلية إلى أن تأتي باللوغوس اليوناني وتمنحه محلاً واقعياً كمفهوم للإنسان، فإن علوم الأنتربولوجيا قد فتَّتت وحدةَ هذا المفهوم وأحالته إلى مجرد أفاهيم نسبية، تتعلق بأنماط الحضارة وتشكيلاتها الثقافوية المتنوعة بين الأقوام والشعوب، وصولاً إلى المدنيَّات الكبرى؛ ثم تتدخل علوم الجينات والذكاء الاصطناعي لتحسم مرة واحدة كل النزاعات الماهوية حول طبيعة الإنسان. إذ تغدو هذه (الطبيعة) قابلة لأن تكون منتوجاً صناعياً أو افتراضياً، وليست قوةَ إنتاج مالكة لخصائصها الأبدية، كما تخيَّلَتْها ثقافاتُ الماهيات الثابتة التي لا تزال تتحكم بالفضائين معاً: الجيو فلسفي والجيوسياسي عالمياً لإنسانية العصر.

لكن هل حقاً يمكن التوحيد بين مفهوم اللوغوس والعقل الإنساني، كما لو كانا وجهين لحقيقة واحدة، تفيد في تثبيت ذلك التعريف الأزلي للإنسان كونه حيواناً ناطقاً. فاللوغوس ليس ماهيةً أو جوهراً ثابتاً في الأصل. ورغم تقريبه من النطق، فإنه قد يمثل تلك اللغة التي لم تَحْكِ بعد. أي اللغة الشاملة للأشياء والكاشفة لدلالاتها. وعلى هذا يظل اللوغوس أوسع وأغنى من مفهوم العقل الأفلاطوني الذي تتحدد مهمته في اكتشاف الماهيات أو صناعتها فحسب. فأين هو ذلك العقل الذي يسبق صناعة الماهيات، أو يتبقّى بعدها. ههنا يمكن تحديث اللوغوس بإعادة تعريفه، كونُه اللغةَ غيرَ المتكلَّمة بعد. فهو إذن ما يجعل وجود اللغة ممكناً، لكن دون أن تستوعبه أيٌّ من اللغات. في الوقت الذي تأتي فيه اللغة إلى العالم، فإنها تأتي معها بالمعرفة والقيمة والمدنية والإبداع؛ يصير اللوغوس جسداً معرفياً حداثياً.

لا تسكن الألتيخيا عالماً فوقياً، في الفكر الهليني. إنها لا تعثر على مكانها إلاّ حيثما ينجز الإنسسان بناء عالمه، أي ذلك العالم الذي يعكس صورته. ولكن التاريخ إنما ينبني من ذلك الفارق، غير القابل للإلغاء النهائي، ما بين متغيِّرات ما يعرفه الإنسان عن صورته في-ذاته، وما يراه من اختلاف صورته المنعكسة على العالم. فالعقلانية ليست خارج الحدث؛ لا يقيم الحدث بالنسبة لها، كما لو كانت هي تسكن عالماً أعلى سكونياً لا يريم. فالحدث ليس هو كذلك إلاّ لأن هناك عقلاً ما يعيّنه على أنه كذلك. أي أن الإنسان كما هو مُحْدث التغيير فإنه الشاهد الوحيد عليه. لقد قيل دائماً أن رؤية اليوناني للوغوس، لمكان الألتيخيا، تظل رؤية سكونية لما هو موطن السكون، أو تلك الحالة من تطابق الماهيات مع ذاتها دون أي وسيط غريب عليها، في عالم من (الملأ الأعلى)، كما سيتصوره الدين فيما بعد.

ما كان يفهمه الفيلسوف الإغريقي لمرحلة ما قبل السقراطية، عن عقلانية اللوغوس، يمكن الاصطلاح عليه من خلال عبارة الفكر بما يرجع إلى ذاته. فهو اللغة غير المنطوقة السابقة على اللغة، ولكنها هي الراعية لها. ولقد ميز هيراقليط بين لوغوس عائد إلى الإنسان واللوغوس الأصلي الذي هو الكينونة عينها. ويتكشَّف اللوغوس الأصلي بالنسبة للإنسان عبر تجليات الطبيعة، بمعناها الكوني Phusis، كما في جوهر الأخلاقEthos ، والمدينة  Polis. كأنما كلُّ هذه المساحات الدلالية لها سكناها الأصلي (ماهوياً) فيما قبل اللغوي؛ وعلى اللغوي أن يتعامل معها، بقدر ما ينزع التداول اللساني (الحوار) إلى اكتناه المعنى. تلك هي وظيفة الحكمة الإغريقية بالأمس. وقد يمكن أن تتقرب منها الحكمة الحداثوية في سعيها إلى الالتقاء بالفكر الذي بما هو في ذاته. ولقد حاولت الفينومينولوجيا بناء المنهج الذي يعيد التنبّه إلى اللامفكر فيه؛ فالايبوخيه Epoché. أي (تعليق الحكم)، ليس سوى الأسلوب المنطقي الأنطولوجي لاستعادة براءة الأفكار والأشياء، بتخليصها من كل ما يلحق بها من طفيليات الأحكام الأَنَوية المتسرعة، والاستقطابات المصلحية، والتأويلات المغلوطة الطارئة.

هنالك تطلّع دائم نحو بلوغ الفكر بما هو عيْنه، أي كونه لا يحتاج إلى سواه فيما يستكْنه ويتمعن. ليس هو الباحث عن الحق، لأنه هو الحق فحسب؛ ولكن كل الإشكالية هي فيما يلغي كل مسافة بين الفكر والحق. إنها المسافة الملأى بالطفيليات من أشباه الأفكار، ومن أشباه الحقائق. والفلسفي المحض هو الذي يعيد، من عصر إلى آخر، تجسيدَ هذا التطلع الموصوف بالأنطولوجي، نحو ذلك (الشيء) الأحق من كل الأشياء، نحو الفكرة التي ليس لها من معيار إلاّ ذاتها. لكن يقرُّ الفلسفيُّ المحضُ أن المتحقق في السعي إلى مثل هذه الفكرة، هو السعي نفسه تحت طائلة الفكرة، وليس في القبض عليها نهائياً. فإن استيعابها قد يعادل انقضاءها. كل ما تخلّفه وراءَها هو الحضُّ على استئناف السعي إلى ما هو أحقّ منها، إلى ما هو أكثر تفكيرياً منها.

وقد توسّل الفلسفيُّ المحض، في ممارسته لهذا السعي، بأسلوبين من المفهمة، تارة يكون محلّها هو الذات، وتارة أخرى هو الإنسان. فهما متكاملان بقدر ما هما متخالفان. فيبدو مثلاً أن السِّعَةَ المفهومية للإنسان تحتمل معها الذات وما سواه. بينما يتحصَّنُ الذاتُ بموقع الآمرية في أفعال الوجود أكثر منه بأفعال التقييم، تلك التي تنتشر عبرها ملامح الإنسان. على أنه ينبغي عدم التشبث بهذا التمييز؛ فقد يكون تصنيفاً مدرسياً أكثر منه تمعيناً واقعياً. ومع ذلك يمكن الاهتداء به خاصة فيما يتعلق بالمضمون الحقوقي الذي انتهى إليه اسم الإنسان كأقنوم، أو براديغم أخلاقي سياسي محوري للحياة المدنية المعاصرة.

في الأصل يكون انبثاق الذات كفعل أنطولوجي رداً على جزافية العالم. الذات نقطة ارتكاز الكائن في خضم من متاهات الأشياء والآفاق وكل الأشباه الآخرين. إنه بقعة المواطنة الخاصة، الآمنة نسبياً، حيثما كل صنوف غوائل الغربة والتهديد تعصف بالفرد من حوله، وتُشَرِّده عن سكناه الأصلي. الذات يلملم اسمَه، صاحبَه، من البعثرة خارج عباءته. هنالك رحلةً شاقةً للذات، عبر تكوينه المتعارض مع مجهول العالم من حوله؛ ولا بُدّ له أن يكررها مختلفةً كلَّ مرة؛ كيما يستعيد فيها الإنسان صفاء رؤيته لمفهومه؛ بما يعني أن الإنسان لا يتمكن من بلوغ عرشه في قمة القيم الاعتبارية، إلا بعد كل جولة جديدة من درامية الجدلية الأنطولوجية مع ذاكرة الذات. كما لو أن الإنسان كمفهوم، ليس سوى لحظة سلام موقتة مع توأمه الآخر المشاكس، الذات، الذي لا ينفك منفصلاً عنه؛ ومع ذلك ليس للإنسان من ذخيرة مفهومية سوى ما يستمدها من وجود الذات. أو هكذا الأمر على الأقل، كما يحلو للذات أن يصور علاقته الالتباسية مع الإنسان. فلا يكاد يحلّ أحدُ الأقنومين محلَّ الآخر، ولا يبدو أن التكامل بينهما هو من طبيعة الحدس على مستوى الحس المباشر، مثلما تقدّمه التجربةُ اليومية؛ إذ يظل الذات منزاحاً، متشبثاً بموقع المرجعية بالنسبة لكل ما يضاف عليه من تصنيفات، لا يمكن أن تكون إلا من طبيعة معيارية، بينما يتشبّث الذات بطبيعة أنطولوجية إفتراضاً.

إن التعريف الإغريقي للإنسان رأى فيه كائناً ناطقاً، أي متمتعاً بالعقل. هذه الصياغة التعريفية يمكن قلبها إلى عبارة شرطية أنطولوجياً كما يلي: لن يصير الكائن إنساناً إلا إذا كان عاقلاً. حول هذه النقطة يمكن للذات الادعاء أنه هو وحده الكائن الذي يسبق كل الشروط. إنه الكائن الأصل الذي لا ينتظر تمعيناً أو تخصيصاً من أحد سواه. إنه هو ما يكون. وأما الإنسان فإنه هو ما يجب أن يكون عليه الذات-أو أن يصير إليه.

ذاتوية المشروع الثقافي الغربي أعفت نفسها من هذا التكليف، دون أن تستغني عن استثماره عبر شتى تحقيباتها المعرفية، فيكون الإنسان بالنسبة لها، تارةً هو قناعها المفضل في مسار تجسيدها لأولوياتها حسب تقدير مصالحها، وفرضها كالمحرك المحوري لجدلية التاريخ؛ وتارة أخرى تضطر إلى وضع جاهزيتها الوجودية تحت طائلة إنسانوية تتكلم ثقافة الحق كشرط لمشروعية المحايثة. لكن بالرغم من تكوّن أقنومية الذاتوية (المطلقة) كإيديولوجيا مرآوية خلّف كل النزعات المثالية وتفريعاتها، منذ أواسط القرن التاسع عشر، فقد استطاع الذات التخلّص من عبء ذلك التراث، عائداً إلى ممارسة مفهوميته الأصلية باعتباره قائماً بوظيفة الانزياح الأنطولوجي بين الكوني الكلي والجزئي. كما لو أن الذات يقف على حدِّ العالم، منشغلاً بتشيكلات انزياحه الخاص بالنسبة لكليانية العالم، لكن، ومن موقع المحايثة لها وفيها معاً.

لعلَّ هذا الانزياح هو المنوط به أن يتمكن مفهوم الإنسان من استرداد الراية. وفي هذه الحالة لن يكون مجرد إضافة اعتبارية أو معيارية على (أُسّية) الذات، بقدر ما سوف يساهم في قلب العلاقة معه: إذ يغدو التعامل مع ثقافة المفهوم الإنساني هو الطريقة الوحيدة المعرفية، في تمكين انزياح الذات؛ بدلاً من تَسَمُّرِه على (حدّ) العالم، فإنه يغدو من نتاج صيرورته هو عالمياً، في عين اللحظة التي تمسي فيه حدثيات الصيرورة هذه قابلة لتسميات الإنسان بألفاظه، بلغته عينها. أي أن انزياح الذات ليس فاصلاً لا يُعبر؛ وليس من مهمته فحسب أن يحقق نوع التمفصل بين الجزئي والكلي، بين الأنا والعالم. وهو ذلك التمفصل الذي كان ولا يزال يُساء استثمارُه ثقافوياً سياسوياً. فيتحول تحت وطأة هذا الاستثمار التحريفي إلى جدلية استئثار بموقع القوة المطلقة، مقصورةً عليه ضداً على آخر، مُخضّعٍ للتشيِّؤ والاستخدام.

يعتقد الذات، وهو على طريق تطلعه إلى الإنسان الذي يريد أن يكونه، أنه قادر على أن ينزع عن العالم وحشته. يساهم في تحييد عدوانيته؛ وذلك بقدر ما يتحرر هو من توجسه من كل ما هو خارج إرادته. فإن أنسنة العالم تبدأ بأنسنة الذات لذاته، يكون الذات كالهاوية التي تمتص صاحبها إلى ما لا قرار له. صَمْتُ الذاتِ ليس صمماً عن سماع صخب العالم، بل هو انتظار الكلام الذي هو الدليل على وجود الآخر. إذ تبدأ فرص أنسنة الذات من اللحظة التي تتمكن فيها تاريخانية الفكر من إلغاء ذلك الوضع التعسفي الوهمي الذي يفترض أنه لا انقيام للذات إلا في مواجهة العالم. هذا الطرح التقابلي الاستقطابي كان دائماً هو العلّة لانفصام المحايثة عن الكونية، تحت طائلة ألا يكون (الواحد) إلا بانتفاء (الآخر). فليست هي مناهج الجدليات على تعددها المسقطة ما بين الحدَّين المرشحة لقراءة العلاقة بينهما، ومن ثم تعيينها، فالذات والعالم ليسا قَبْلياً، متعارضين أو متكاملين فيما بينهما. كأنهما حدَّان هابطان من علياء تجريد كوني –من (الكون)- ليلتقيا في سياق محايثة لاتاريخانية. أحدهما يفاجئ الآخر بما لا ينتظره منه أو يعرفه عنه. إنه افتراض تصوري ذلك الذي يتعامل معهما كما لو كانا مفهومين سابقين على لحظة اللقاء بينهما. وكل منهما له مجيئه الخاص، بما لا يحتم الاّ يُفهم أحدهما إلا باستقلال عن الآخر.

إنه الانشغال الجيوفلسفي العريق في قدمه، بمحورية الكلام عن عزلة الذات. شكّل التحفيز الماكر لتبرير هجومية الذاتوية، على أنها الشرط الأنطولوجي للانفكاك من نير العزلة العدمية، واختراق سدودها إلى ما يتجاوزها. بما يعني أن رفض العزلة واختراق السدود، سوف يبرر اكتساح ما وراءها. فإن وضع الذات(مقابل) العالم هو بمثابة إعلان الحرب عليه. وحين يكون الوضع في صيغة الأمر الميتافيزيقي الشامل، فإنه يفرض خياراً من اثنين: إما المضي إلى قعر العزلة، وهذا هو الانسحاب من العالم، حتى قبل التورط في أية معركة معه. أو الخيار الآخر وهو القبول بالتحدي ورفْعه إلى الحدّ الأقصى، بحيث يتضاعف الذات بنفسه مقابلَه إلى ما لا نهاية ليصير إلى الذاتوية المطلقة التي تغبُّ وَسَاعةَ العالم لتجعلها موقوفة فحسب على إرادة العمران الذاتوي وهندسته الخاصة به.

إن احتواء العالم كله أو بعضه، يريح الذاتوية من وعثاء الصراع، إذ تصير هي والعالم واحداً؛ وذلك بعد أن أعادت تكوينه على صورتها. فلماذا الصراع.. ضد نفسها إذن. غير أنه ليس من سلطةٍ أو قوة من دون مقاومة. فالذاتوية لا تعرف السلام حتى وإن حمل اسمها. كلُّ حدّ (مضاد) يقوم في وجه الذاتوية يؤكد قوتها عبْر مقاومته لها. فإذا كانت المقاومة تولد من القوة التي تعارضها، لكنها عليها أن تتجاوزها. إنها تلك النتيجة الفجائية التي تتخطى علّتها أو سببها. فالتسلط ينتج القوة الأخرى التي إن لم تدمره فإنها تساهم في خلخلته من داخله وتعجِّل بانهياره. إنها المقاومة التي تنمِّي تناقضات الذاتوية المطلقة لتحيلها إلى نسبية عند ذاتها، أي قابلة لحدوث انفراغات في كثافتها، قد تُقوِّضها من الداخل.

الذات – في – العالم، أو الذات –مقابل – العالم: صيغتان تنازعتا الفكر الإنساني. وهما معاً يشكلان صورة الواقع الراهن. الأولى تفترض علاقة تضايف أصلية بين الحدَّين تنفي كل انفصال استباقي أو التحاقي لأحدهما بالنسبة للآخر. والصيغة الثانية لا يمكن أن تقرّ بأحدهما إلا ضداً على الآخر. فأن يوجد الذات (في) العالم، هذا لا يعني مجرد تحصيل حاصل لواقعة قائمة فحسب. لكن على هذه الواقعة يمكن إشادة ثقافة فكر لا يكفّ عن التمعين فيما تتضمنه من إشارات يصحّ التعويل على فكّ رموزها، وذلك من أجل طرح الإشكالية الأساسية حول علاقة التآخذ الدلالي بين حديِّن، كالذات والعالم، لم يعد يمكن تأملهما وهما متناظران، بقدر ما هما متعاصران، متآنيان، بقدر ما هما موجودان معاً. ووجودهما المَعَويّ ذاك يكاد يكون واحداً. إلا أنَّ الواحد منهما لا يدخل على الثاني إلا مختلفاً. بمعنى أن كلاًّ منهما إنما يأتي الآخر بما ليس فيه لينال منه ما يتوقعه منه وما لا يتوقعه في آن.

فإذا كان الذات هو الناطق الوحيد دون العالم الصامت، إلا أنه في نُطْقه ذاك يتحمل الذات مسؤولية ذاته والعالم معاً. يتم التعبير عن هذه الحالة بفعالية الفهم. إذ لا يمكن للفهم أن يحقق وظيفته إلا بما يحمله إلى الذات مما لم يكن يملكه قبل عملية الفهم، وهو المعنى. من هنا يجيء تشارك الذات والعالم في صنع المعرفة. يقول الذات أنه يفهم ما يرى، ما يسمع، ما يلمس، ما يفعل الغير إزاءه. إنه فهم إجرائي يمكن وصفه كذلك أنه يتعلق بالموجود. أي أنه لا يمكن لعملية الفهم أن تتحقق دون أن تشتغل على موضوع. ولن يكون الموضوع من طبيعة مجردة فحسب. أي أن الفهم لا ينصبّ على الكلمات دون الأشياء. ذلك أن الفهم مقترن بالموجودين معاً: الذات/العالم. إنه فهم موجودي لكل ما هو موجود. أولُ شروط الفهم أن يكون موضوعه موجوداً، سواء على مستوى الكلمات أو الأشياء. والكلمة لا توجد إلا إذا كانت إشارةً لدلالة ما. كما أن الشيء ليس له واقعٌ إلاَّ إذا تمَّ استيعابه عبر الحواس. فالدلالة وحدها لا تعبر إلى المعنى إلا محفوفة بدلالات أخرى، تشكل معها ما يُصطلح عليه لسانياً بالنص. فالذات لكي يكون على صلة موجودية بالعالم لا بد له أن يعيد تشكيله عبر نصوص الكلمات والأشياء. الذات ليس موزعاً بين الكلمات والأشياء. إنه يمنحهما معاً طريقة وجودهما معاً. لا يقرأهما أو يكتبهما كنص، بل لأنه يجد نفسه هو كذلك كنص بين نصوص أخرى؛ فإنه يعمد بالفهم إلى اختصار هذه النصوص كتفاصيل زائدة عن اللزوم ما أن يفوز الفهم بالمعنى.

ليس المعنى صورة ذهنية. فالإنسان هو الكائن الذي يكلّم العالم، ويتكلم عن العالم. والمعنى يتلامح على نبرات هذا الكلام. فحين يكلّم العالم فإنه يحقق التواصل معه. وحين يتكلم (عن) العالم فإنه يقوم بتمعينه. والفعاليتان: التواصل والتمعين يشكلان سيرورة اللغة، وصيرورتها كلاماً وحالاتٍ موجوديةً بين الأنا والآخر، بين المتكلمين بالألفاظ وأصواتها، وحتى بين الصامتين المتكلِّمين بإشارات الصمت وحدها. لكن ليس التواصل والتمعين منفصلين أو متفاصلين. إنهما يعملان معاً. وكلٌّ منهما لا وجود له بدون الآخر. وكل منهما في ذاته إنما يرمز للآخر، حتى بدون غياب الآخر. ذلك ما يلقي بعضَ الإنارة حول عبارة الذات (في) العالم. هذه الـ (في) تلفيظ موجودي، تقرير لواقع منجز. والعبارة كلها: الذات (في) العالم، ليست إخبارية فحسب؛ فقد تُشعر القائلَ أو السامعَ بأنها أشبه بحكم. وهي ليست بحكم قيمة معينة، ليست قولاً معيارياً، ليست موضوع إثباتٍ أو نفي، ولا يرتفع هذا القول إلى مستوى خطاب، بل يوفِّر الأساسَ الأنطولوجيَّ لكل الخطابات، لكل الأقوال والأفعال. حتى أنه لا معنى لذات، لعالم، دون (وصلةٍ)، أو تواصل العلاقة بينهما؛ حتى دون الوعي بها، لعلّ الفكر هو الذي يعيد طرح هذه العلاقة موضع التساؤل. يجعلها تنزاح من حال البداهة والتلاؤم العضوي معها، إلى حال من التأرجح بين الإلماح والتلغيز. والكلام هو مسرح كل لحظة لهذا الانزياح. إذ يبقى أن جهدَ الكلام بل مقياسه، هو التعبير. وما يعنيه التعبير هو أن هناك ما يحتاج إلى القول عنه. فما يسبق الكلام هو ما لا يعبّر عنه بعد. إنها لحظة الحاجة إلى القول، كلحظة الحاجة إلى انزياح الذات عن صمتها البدئي دون التخلي أو الانقطاع عن رحمه. فالذات قوَّالةٌ فعَّالةٌ. وهي من دون أن تكون كذلك فليس لها ما يعنيها من العالم. وليس لها ما يعنيها من ذاتها عينها.

من هنا يجيء التعريف التحلينفسي بكون الذات فراغاً. إنها لا شيء. لكنها اللاشيء الطامح لأن يكون شيئاً. هذه الذات، لحظة الفراغ لا تُعرف أو تعرف هي نفسَها، إلا بما ستمتلئ به فورياً من حالات التذويت. لكنها ليست فحسب، لحظةَ فراغٍ حركية، نازعةٍ إلى أن تكون قوالة وفعالة فقط، بل جامحة كذلك للإنكار. إنها تفعّل عَدَمَها فيما تخلقه أو تكوّنه عن ذاتها. ذلك أن التذويت صيرورة لا حراك لها بدون فجوات الفراغ في سياقاتها. على ذلك تأتي النظرية القائلة بأن الذات مشروع تكوين ناقص أبداً. وربما كان الأصح القول كذلك أن إشارة الذات هي مجرد القصدية بدون قصد. ليس بمعنى أنها قصدية لا تعرف لها قصداً معيناً سلفاً، بل بالأحرى إنها قصدية منزاحة عما تقصده دائماً. وكأنما (القصد) الذي تنتجه لا يلبث أن يصير (عائقاً) أمامها لا بُدَّ من تجاوزه. من هنا يأخذ الموضوع غالباً صفة الحاجز الذي يصدم، ولكنه يحرِّض كذلك.

ما تفعله الذات في العالم هو أنها لا تكفّ عن معاناة غربتها فيه، بالإمعان في الكشف عن غرابته، لُغْزيته. إنها مضطرة أن تفترضه هو العائق الأكبر، كيما تستمر في معاودة اختراقه. مثل هذه النظرة باعثة على الهيمنة. إنها تفصم بداهة العبارة البدئية: الذات في العالم. تعيد تفجير علاقةِ استقطابٍ بين حدّيها، في حين ليس هو سوى التجريد وحده، المدّعي لمقدرة الانفصام كتبرير للاستقطاب.

هنالك شبه تسليم ساد فلسفات الثلث الأخير من القرن العشرين، في فرنسا خاصة، يكون الذات فيها ليس شيئاً قبل أن تنخرط في عمليات التذويت. متأبّطةً عبْرها إشارةَ الكاوس الأنطولوجي، الذي يحاول أن يمنحه فعلُ التذويت نظامَه العياني، بحيث يصير ما هو ذاتي شبيهاً بالموضوعي. لكن ليس هذا هو ما تعنيه فكرةُ أن الإنسان هو الذي يمنح العالم معناه، وبالتالي كأنه يعيد إنشاءه إنسانوياً. بالأحرى، ذلك قد يُعيدنا إلى علاقة الهيمنة، إلى علاقة الفصم بين الذات والعالم، مع منح الأفضلية (المعيارية) للحدّ الأول على الثاني، لأنه هو الفاعل والآخر هو المفعول. إنه، كما لا يمكن تجاوز صيغة: الذات في العالم، كذلك فلا يمكن ردُّها إلى أحد مكونيْها دون الآخر، ولا إلى ما هو مرجعي أكثر لأحدهما في تأسيس للصيغة، سابق عليها. ذلك، أنها هي الصيغة القادرة وحدها على انتزاع ثقافة الأنطولوجيا من سديمها الكاوّسي، وتفعيل انفتاحها على مشهديات الحياة بما تحتمله من رموز الكونية، دون فصلها عن وقائعها اليومية. فلماذا الذات إذن هي القوَّالة الفعَّالة، أليس لأنها في الأصل متورطة في صيغة وجودها البدئيّ: الذات في العالم. فأقوالها وأفعالها جهود دائمة، في السعي إلى الكشف عن التباسيةِ (الصيغة) هذه، عما يضيء بعض لمحاتها؛ فيُعَقْلِنُها قليلاً، بما لا يفصل كلَّ لمعةِ ضوءٍ عن ظلها المحجوب وراءها.

ليس هناك مبدأ: العالم في ذاته، كما أسّس لذلك نقد العقل المحض؛ إلا إذا ما فُسِّرَ هذا المبدأ، كتنويه مادي بصورة كوسمولوجيا أكوانية، مجهولة وبعيدة عن الإنسان وكونه الصغير المحدود. لكن ثمة تقليد فلسفي قديم دائم الطرح حول أصل العالم، وهل هو قديم أو حادث، وما يتفرع عن ذلك من أسئلة الميتافيزيقا الكلاسيكية، كما يعالجها قطباها الرئيسيان المادي والروحي. ولكن بالطبع لم تُحسم أجوبةً نهائية لأيٍ من هذه الإشكاليات التي اعْتُبِرَتْ في النهاية من طبيعة الفلسفة التأملية، غير المؤهلة أساساً للإتيان بالبراهين التجريبية المحسوسة.

وهكذا يظل مفهوم العالم حتى كما تتناوله الفلسفة الحديثة، والمعاصرة منها بخاصة، حاملاً لمفهومي الزمان والمكان المرتبطين مباشرة بواقعية الوجود الإنساني. بل هما الدَّالة على هذه الواقعية لكونهما هما المؤسسان لها سواء على مستوى التجسد أو الحضور الحي. غير أنه إذا كان المكان هو أرض المحايثة المادية المباشرة، فإن الزمان لا يبدو على هذه الصورة المجسمة والمالئة للحواس. الزمان موضوع إشكالية أنطولوجية قبل أن يكون موضوعاً علمياً، ورياضياً تحديداً. هناك تفرقة تقليدية بين الزمان (النفساني) والزمان الموضوعي. كلاهما يتفقان على الصيرورة، لكنهما يتباينان أشد التباين في كل ما لهما من الخصائص الأخرى المتعارضة فيما بينهما. فالإنسان موكول إليه وحده معاناة الزمن، من حيث أنه السياق الذي تتأتى عبره أحوال النفس ومتغيراتها المختلفة من جهة الداخل، أو الجوّاني الذاتي، كما أنه هو القائم بوظيفة التقاط أشياء الواقع وأحداثه، من خلال تعددية المشاهد وتتابع الوقائع. فالقول المأثور تقليدياً أنه مع الإنسان يدخل الزمان إلى العالم، كان يعني، قبل أن يعيد هيدغر تمعينه تأسيسياً في صلب التحليل الوجوداني للدزاين، أن الإنسان هو الكائن الوحيد المنوط به الشعور بالزمان أو إدراكه.

ههنا يصير للذات معنى الذاكرة؛ تلك الملكة المحدِّدة بدئياً بأبعاد الزمن الثلاثة، انطلاقاً دائماً من الارتكاز إلى لحظة الحاضر، نحو الماقبل، أي الماضي، ونحو المابعد، أي المستقبل. وقد يمكن لذلك التوزيع أن يتقاطع برّانيا جوانياً، فيكون للماضي ما يمثله في مشهديات الواقع وحادثاته، ويكون للحاضر ارتكازاته من مشهديات وحادثات أخرى، متسلسلة من الأولى أو مغايرة لها. وكل هذا الشريط من مشهديات العالم، المنظورة عبر مساحة الحواس، يكون لها مايناظرها أو يتفاعل معها وبها على مستوى الذات، من مكونات الذكريات وحصائلها من الانطباعات المنبثّة كمادة للأحاسيس، فالتصورات، فالمعاني والمفاهيم؛ وهي بدورها المنتجة لخُطاطات الأفعال وردودها الراهنة أو المؤجلة كمشاريع وآفاق لما سيفاجئ به المستقبل. هذا البعد الثالث للزمن الذي لا ينطوي على مجهوله، أو لغزه الأعمق فحسب، بل يفتح على رحابة ما يتمتع به الذات من الإمكان، ورحابة الانتظار لما ليس موجوداً بعد، لتلك الذات الأخرى غير المفكَّر بها بعد.

قلما يتحرر الذات من (قانون) التقاطع الحتمي بين برَّانية اللحظة وجوَّانيتها. فلا يقف الذات على حافة الشارع العام. ولا على ضفة النهر المتدفق. إنه مقذوف به إلى حمأة الزحام من كل ما يحدث ولا يحدث. ليس له توقيته في الساعة الكبرى المعلَّقة في ساحة المدينة فوق رؤوس الجميع. ومع ذلك فإنه يتشبث بمُهْلَتِهِ، بخاصيّته. قد يشعر، وهو تتقاذفه أمواج الخضمْ الهائج حوله أبداً، أن له جزيرته، تنتظره بين دَفَقٍ حدثيّ وآخر. كأنما الذات، بقدر ما يحسّ أنه صنيعة ماضيه، إلا أنه يعيش انتظار مستقبله. تجربته مع الزمن تحتضن معاناته الشخصية للانوجاد والانقضاء. فالزمن هو الذي يأتي بلحظة الحاضر وهو الذي يذهب بها. سيولة الزمن أشبه بسماع الصوت الذي تتوالى نَبرَاتُه، بحيث أن كل واحدة منها لا تُسمع إلا بانقضاء ما سبقها، وهي عينها ستكون السابقة المنقضية لما بعدها. فالعدم يخالط الوجود هنا، يأتي به ويزيحه. يصير الانقضاء تأسيسياً في المثول. فما يسبق المثول أو يلحق به هو العدمي. ومع ذلك تنبني كينونة الذات على إمكانيةٍ في ملء هذه الهُوَى، الفراغات، بين لحظات المثول المصابة بالتقطع والتفاصل. هذه الإمكانية المتصورة في مدّ جسور الاتصال ما فوق الفراغات العدمية، هي التي يعّول عليها الكلاسيكيون، من فلاسفة وعلماء نفس وإناسة في توليد الشعور بالاستمرارية، واعتبارها الحجر الأساس لمقولة الهوية الموجودية؛ أي بما يجعل الذات يشعر أنه لا يزال هو عينه. فليست أحوال النفس، أو متغيرات أو معطيات الشعور، بحسب برغسون، هي الباعثة على تأكيد وجود الحامل الواحد والمستمر لاختلافاتها، دون أن يكون اختلافياً؛ أي يظل مساوياً لذاته دائماً. إن سيولة الزمان ليست هي كذلك إلا لكونها متقطعة. وإن هذا التقطع لا يُبقي على أشلائها. ليست هي كالأشياء المموضعة المنفصلة عن بعضها، ولكنها المتواجدة معاً تحت الحواس في منظور المكان أمامي. الزمن يبتلع آناته. وهذا هو معنى أن وجوده هو في انقضائه. فالذاكرة لا تحتفظ بالحادثة، ولكن بانطباعاتها أو آثارها. الحادثة واقعة من حيث هي زائلة وبالعكس. لا تخلّف وراءها أيةَ نسخة عنها، ولا شبحاً أو ظلاً لها. قد تترك آثاراً، ستغدو مصنوعة من مادة الذاكرة عينها، الحافظة لها، التي لا مادة لها أصلاً.

قد يغيّر الذات من تضاريس الأمكنة حوله، ومن أشيائها. لكنه يعجز عن احتجاز لحظة واحدة من الزمن. بينما الأمكنةُ معروضة تحت الحواس، أو قابلة للاختفاء وللعرض، لكن ليس للذات إلا أن يحكي قصصاً وسرديات عن أزمانه وحادثاتها، الأمس واليوم وللغد. فليس من المغالاة القول إنَّ الذات هو ذاكرته. ولا يمكن للذاكرة أن تفارق صمتها البديء إلا باكتساب اللغة، فإذا لم تستطع الذاكرة أن تكرر الحادثات، إلا أنها تُلغْوِنُها، تتلفَّظُها. تمنح صاحبتَها كائنَه اللغوي. وهو بدوره يبني للذات جسده المعنوي المناظر لجسده العضوي.

الفكرة التقليدية التي تولد عادة التقريب بين الذات والهوية، تفترض ضمنياً أنه لا ذات بدون هوية، تكون لها كنواة ثابتة ترتكز إليها، وهي تخوض خاصة غمار التواجد الخارجاني ومؤثراته الكثيفة –هنالك فوارق هامة بين القول: أنا ذاتي أو نفسي، فالأولى تأتي كصفة، والثانية كاسم، لا بد من التمييز بين الصيغتين عبر متغيرات التحليل الوجوداني. فالذات ليست مندرجة هكذا في سياق الزمكان كشيء. وهي رغم خضوعها لمواصفات الهوية الشخصية، إلاّ أن لها صيرورتَها الخاصة التي تعوّض عن صيغة الثبات، بهذه الخاصية من الالتباس المنطقي الأنطولوجي معاً: الواحد المتغير. إنها خاصية يرفضها العقل الموضوعي، لكنها تستشعرها الذات كحميمية تخصها وحدها. فالصيرورة على مستوى هذه الحميمية، هي الموكول إليها أن ترفع التعارض بين الواحد والمتعدد؛ ذلك أن الزمانية هي الكفيلة بتسويغ الاختلاف، عندما تتابع دفقات الصيرورة، وفق سيولة متقطعة أصلاً، بحيث لا تتبع آناتُها سلاسلَ علّية مترابطة، بل تتدافع فيما بينها في إيقاع من التواصل والتفاصل؛ فلا تتشابه الآنات فيما بينها إلا عرضياً، أو وقتياً فحسب، مع أنها لا تفارق سيولتها الأصلية. حتى يمكن القول أننا لا نكون مع الذات إلاّ في صدد من يحاول التعيين في مسار هوية اختلافية دائماً.

فمن الوجهة الفلسفية الخالصة ينبغي التمييز بين الذات كمفهوم، هو أقرب إلى الهوية كمبدأ منطقي، وبينها –في صيغة التأنيث- كحامل للمتغيرات السيكلوجية. أن يبقى الفرد هو نفسه دائماً، فهذا لا يعني أنه مجرد حامل لانفعالاته وأفكاره وأحلامه، أو أنه هو المتلقي لمؤثرات المحيط من حوله فحسب. فأنْ يظلّ المرء هو عينه مهما تقلَّبت عليه أحواله جوانياً وبرانياً، هذا قد يعطي تجريدياً، ثمة يقيناً ما من نوعٍ وجودي بل أنطولوجي، يعادل تعريف الهوية المنطقي أو الرياضي. (1=1). وبناءً عليه يمكن تمثيل الذات كمبدأ للثبات، باستمرار الواحد الرياضي في كل الأرقام الأخرى التي تليه مهما تزايدت أو تناقصت. فالفلسفيّ يميل دائماً إلى الانطلاق من الذات كبدْءٍ نحو كل ما يغايرها. مني أنا يبدأ كل شيء. ولا يمكنني أن أتعامل مع أي شيء آخر، إلاّ وأنا شيئي الذي يخصُّني وحدي. لكن الذات الفلسفي لا يقنع بمثل هذا التأكيد البدئي كأساس لتأكيد كل شيء آخر من بدئه أيضاً، أي بما هو عليه مساوياً لما هو عليه دائماً، إن لم تردفه بما يقابل الذات، وهو العالم، كمسرح لتحقق الذات، نفساوياً وهي عينها دائماً.

هذا التعريف العضوي العفوي للذات باعتباره هو البدء بالنسبة لصاحبه على الأقل، شجّع نوع الفكر الإطلاقي على تجذير لحظة التمييز بين حديّ المعطى الأولي: الوجود في العالم؛ فصار الوجود رديفَ وجودي كذات. أنطلقُ منه بدئياً نحو العالم. هنالك نوع من التراتبية أو المتوالية المنطقية التي تمنح الذات حق الأولية، دون وضع هذا الحق موضع نقاش أو تساؤل. وقد يتمّ رفعُه إلى مرتبة البداهة التي تُغْني الفكر عن استفهامها. لكنها تغدو تلك البداهة المعادلة لمعيارية لا تقبل النصّ عليها بأية عبارة نسبية. حتى أن الكوجيتو الديكارتي يأتي تالياً على هذه البداهة. ذلك أن الكوجيتو احتاج إلى التفكير كيما يثبت وجوده. “أفكر؛ أنا موجود” أي هناك عدم اكتفاء ببداهة الذات، كبدء. إلا إذا كان البدء هو لحظة ولادة الفكر بالنسبة له وحده. هنا يتكوّن لدينا تعريف حداثوي اختلافي للكوجيتو. إذ يصير الكوجيتو محلّ استفهام خاص لسؤال: ما هو، ويكون جوابه الفوري: أنه بدؤه الخاص نحو العالم. إذ لا يمكن فهم البدء إلا من خلال ما يأتي بعده. هذا الآتي -فيما- بعد هو العالم، أو المغاير أو الآخر. فالذات لا يكون ذاته كلياً وهو في لحظة البدء. إنه البدء الذي لا يكون تماماً، إلا بما سيكونه بعد. إنه (كون) الذات المعلّق وجوده على ما يغايره. وهذا المغاير لن يفارق الذات، سيظل مصاحباً له من بدئه حتى منتهاه. وعلى هذا لا يأتي العالم، الذي هو المغاير ووطن كل مغاير، لا يأتي تالياً على الذات كبدء، لكنه هو قرينُه. الذي هو بقدر ما يكون متخارجاً مع الذات، فإنه مشارك في جوانيته.

هذا الكلام حول تمايز الذات/العالم بين حديها كعبارة ، هو توصيفيٌ اضطرارياً بحكم تفسير الظاهرة كونها واحدة. لكن الفكر الكلاسيكي اعتمد هذا التوصيف ليس كمنهج فحسب، بل كتمعين أنطولوجي. فقد اعتبر أن بداهة البدء إنما تنطلق من الفصل بين حديّ العبارة، ومن ثم اشتغل دائماً على عمليات البحث عن، واختراع (الوسائط) لإعادة الوصل بينهما. كان الكوجيتو الديكارتي هو النواة الصلبة لثقافة المرجعية: تلك التي تسجن الفلسفي في سيرورة الارتجاع الماهوِّي الذي دَأْبُهُ التخلص من العرضي، والارتداد نحو الجوهري. وقد شكلت عبارة الذات في العالم، المادةَ المركزيةَ التي تشتغل عليها أفعال التفكير، على اعتبار أنها أفعال تفضيل. يظل التقويم الحاكمُ بأمره في كل ما من شأنه إما تذويتُ العالم، أو علْمنة الذاتِ.

كانت هناك شبه استحالة التصور في البدء من حدّي العبارة الأنطولوجية معاً كواحد، وليس من أحدهما (ضداً) على الآخر؛ إنها استحالةٌ يجري تأويلُها دائماً من مذهب إلى آخر، استناداً إلى الصعوبات المنطقية الخالصة ، الحافَّة بالعبارة، والمانعة لإمكانية النظر إلى الذات إلا كفاعل البدء، السابق حتماً على موضوعه، على كل ما سيُخضعه لأفعاله المتعالية أصلاً. فالذات هو بَدْؤُه الخاص، مهما كان متواضعاً أو هامشياً بالنسبة للعالم. هذا البدء الذي يمكن أن يُذْهَبَ به إلى حدود غير معينة من الغلوّ، تفسره فلسفات الحياة بأنه غلوّ التعلّق بالوجود والحفاظ عليه، والعمل على ترقيته. كما أن الاجتماعيين يرون فيه مصدر الخصوصية المكونة للفردانية التي قد تصبح  عنواناً إيجابياً لنمو اجتماعيةٍ إنسانيةٍ مزدهرة. لكن بالنسبة للفلسفي المحض فإن هناك ثقافة تاريخية غنية بالتنوع انطلقت دائماً من البدء كبداهة أنطولوجية، وليس كأولوية منطقية. وهي تلك البداهة التي سمحت بإطلاق مفهومية المتعالي وتمثيلها عبر العقل المحض. بمعنى أنه إذا كان هناك ذات فهو أنه حامل العقل الذي يسميه هكذا، في عين اللحظة، التي يمارس فيها عقْلنته لمعطيات العالم من حوله. فقد يمكن التصور مع كانط أنه إذا كان ثمة تعريف حقاني للذات فهو أنه موطن العقل المحض. ولقد فهمت المثالية الألمانية هذا التعريف على أنه يعني القول بالذات المطلقة عبْر مفهوم العقل. إذ كيف يمكن قيامٌ للذات المطلقة إلا على أنها هي العقل المولج بدئياً بعقل ذاته. إنه أقصى التجريد المنطقي، لكنه في الوقت عينه يشكل ضرورة التفلسف المحض. فإذا كان الذات هو العقل المحض، أو هو مقرُّه البدئي فإن وظيفته الأنطولوجية هي وظيفة هذا العقل عينه، أي الفهم. فكل تفلسف محض لا بد أن ينطلق من فهم الفهم، أي من تمعين للعقل بما يفعله أولاً. هذا التمعين يميزه عن ثقافة الابستمولوجيا كونُه لا يتوقف عن طرح السؤال الكانطي الأصيل: ماذا عليَّ أن أفهم، إنه يتعداه إلى سؤال: ماذا يعني أن أفهم، وقد يتضامن السؤالان معاً، وهذا ما نقصده نحن، عندما لا نرى توحيداً تطابقياً بين الذات والعقل. فهنالك مساحات من الذات لا محل للعقل فيها، كما أن هناك للعقل آفاقاً، قد لا تستثير شغفاً لدى الذات.

فالتأويل الذي يرى جنتَه الفلسفية في هذه العلاقة اللغزية لعبارة فهم الفهم، كان مع ذلك، يرفض الاستغناء عن الذات كتمثال نفسه. بل هو على العكس تماماً، إذ يصرّ على وضع فهم الفهم تحت طائلة انهمام الذات بوجودانيته. ما يؤدي إلى كون هذا الانهمام هو الذي عليه ممارسةُ وجودانيته بطريقةٍ تأويليةٍ لأحواله في العالم. إنه انهمام درامي بمعنى ما، بل قد لا يكون إلا هكذا. إذ لا يدّعي الإحاطة المعرفية بالموضوع بقدر ما يقر بأنه ليس ثمة من حقيقة تقال عن الذات أو العالم، إلا وهي مجتزأة عن مجهولٍ كلٍّ منهما، الذي يظل أبعد من كل استفهام يتناوله. وبالتالي فالتأويل ليس قراءة موضوعية أو آلية لأشياء العالم، إلا وهي ملوثةً بغبار الطَلْع الذي يعلق بحوافي أجنحة النحلة وهي تمتصّ رحيق الزهرة البكر من شجرة الربيع. أي أن التأويل يعيد الذات إلى مركزية فهم الفهم. إنه أسلوب المعرفة الوجودانية المستقلة عن شروط المعرفة (العلموية) المتمسكة أصلاً بالموضوعية الجامدة.

هنالك المنهجية العلمية التي تستهدف بلوغ المعارف القابلة لصياغاتها بلغة الرياضيات. وهنالك التأويل الذي لا يمكن القول عنه أنه منهج بالمعنى الابستمولوجي، لكنه هو مقاربة لما هو حي أو معيوش. فهو (منهج) العلوم الإنسانية التي لا يمكن تأطير موضوعاتها الحركية المتغيرة في قواعد آلية. ولهذا تجد (الذات) نفسها في نطاق المعرفة التأويلية، وتنفر من قوننة ظواهرها كحقائق ثابتة أو صلدة. إنها تمثل ذلك الجانب الرخو دائماً من الانشغالات العلموية التي يمكن أن تدعها أو تسلمها إلى مجال النفساويات والاجتماعويات. هذا لا يجعلها أقلَّ شغفاً بالمعرفي. إن لم تكن هي مصدره وموضوعه الأول. لكن اكتشاف (التأويل) منح الذاتَ طريقتَها المعرفية التي تكافئ خصوصيتها. وبذلك تتحرر من عقدة اتهامها بكونها تفتعل الشغب على الموضوع، وتلعب دور القطب النقيض. فالعلوم الإنسانية التي هي في المحصلة بمثابة المرايا العاكسة لأسرارها، لن يضيرها نقصُ الموضوعية، بعد أن أثبت (التأويل) أنه يمكن أن يأتي بالمعرفي وهوامشه معه، دون ادّعاء إغلاق المشهدية الكلية التي تضمه وحواشيه في آن، وهي غير منجزة التمعين بعد، أو أنها لا تزال قيْد التأمل والتفكيك.

ذلك أن التأويل لا يريد أن يكون منهجاً. فالمنهجية متروكة لطرق البحث في العلوم الصحيحة. بينما التأويل لا يقع على نصّ، بل على وجود. وفلاسفة التأويل قبل هيدغر وغدامير، كانوا يقعون دائماً في هذا الخلط، ومنهم شليرماخير ودلتاي. إذ لن يكون التأويل حصرياً بتفسير النصوص، سواء منها المقدسة أو اللغوية الإبداعية. فالتغيير الانعطافي الذي أحدثه هيدغر، كان في فهم التأويل لذاته أولاً، وعلى أنه في الوقت عينه هو التأسيس الأنطولوجي للتواصل بين الذوات. إذ أن فهم الآخر لا يعني تحويله إلى معرفة علمية. إنه تعارف وجوداني بين الإثنين، يُعبّر عنه بألفاظ القبول والرفض، وعبر أحوال الوضعين هذين الشعورية. كالتعاطف والاستحسان إلى مستوى الاعجاب وفرح اللقاء، وحتى الشغف والانبهار، كل ذلك في خانة الموقف القابل والإيجابي؛ أما في الموقف المعاكس فهناك كذلك درجات ونوعيات أخرى من انفعالات الرفض والسلب، كالنفور والاستهجان، وحتى الحقد المكبوت أو الغضب المكشوف والعنف، أو ذلك الموقف الثالث الذي يُعبَّرُ عنه باللامبالاة والاهمال والانكفاء عن ذلك لآخر إلى حال الصَّدّ والنبذ والاحتقار. فهي كلها أعراض سيكلوجية، لكنها في الآن عينه تصير إلى ترميزات وجودية تعتري كيان الذات بما هو كذلك. فلا يمكن مقاربة هذه الترميزات إلا بتفكيكها إلى دلالاتها التي هي من مهمة التأويل. وقد يُعبَّر عنها بصفة إجمالية كونها إرادة في الفهم. وقد تتضاعف هذه الصيغة لتصبح إرادة فهم الفهم، وذلك عند التناول الفلسفي الذي من خاصّته في هذا السياق أنه يُمَشْكِل حقيقة الذات كترميز لموجوديتها. فليس التطلع إلى حقيقة الذات انتهاجاً معرفياً بقدر ما هو انهمام كينوني، يعيد طرح أحقيَّتها تحت طائلة القلق المتناوب من تناهيها؛ مذكّراً إياها برخاصتها الأصلية، وكونها معرضة في كل ظرف لامتحان الاستحقاق، أن تكون أو لا تكون.

إنه فهم الفهم ليس عملاً تنظيرياً، فهو جهد حقيقي يبذله التأويل في عملية استخلاص المعنى أو بالاحرى إعادة بنائه؛ وفي عين اللحظة يمارس التأويل وعيَه الذاتي المصاحب لأداء عمله. هذا الوعي لصيرورة العملية التأويلية خلال تحققها، هو الكفيل بإنجاز الفهم الصحيح، المجرَّد من الأحكام المسبقة، والمنطلق إلى الأشياء كما هي، وليس كما تحب أو تكره الذاتُ الفاهمة. قد تكون هذه الشروط هي عينها المطلوبة في كل معرفة، وخاصة منها العلمية المادية. لكنها في مجال العلوم الإنسانية، لا يمكن فهم موضوعاتها، أي استخراج دلالاتها إلا عبر الذات العارفة عينها. فإن تأويل النص إقرار بمشروعية التناص الإنساني الذي يثيره مقابله. إذ لا تبرز الحقيقة هنا إلا وهي حاملة أثر العقل الذي يكتشفها. هذا لا ينفي بالطبع أن فهم النص يعني جعله ينطق بما لديه أولاً. فما يفعله الوعي في هذا السياق هو انفتاحه على الآخرية. وأما مهمة فهم الفهم فهي التحقق من هذا الانفتاح وسلامة سيرورته من جهة الذات الفاهمة، كما التأكيد أو التيَّقن من كون النص هو ما تقدمه حروفه وظلالُها من الدلالات، من جهة الموضوع.

قد يكون السؤال الأنطولوجي الذي يطرحه التأويل على نفسه دائماً هو: ما مدى العلاقة فعلاً بين معنى النص في جسده اللغوي المعطى، وذلك المعنى الآخر الذي يحسب العقل أنه تلقاه عنه ومنه. بعبارة أخرى أليس هناك معنيان، أحدهما متغلغل في جسد النص، والآخر هو القول عنه. فإذا كان التأويل يتطلب الانفتاح البدئي من الذات، فما هي الضمانة أن يعود الانفتاح بالزاد الذي تنتظره الذات، عبر حركة ارتداد الانفتاح إلى منطلقه الذي هو الوعي المؤوُّل نفسه. وعلى هذا الأساس فالتأويل ليس منهجاً إبستمولوجياً، ليست له خصائص البحث العلموي الصرف. إنه بالأحرى قد يكون طارداً له، مبعداً إياه عن الحقل الإنساني، لكن دون أن يقصي التأويلُ نفسَه عن همَّ الحقيقة، بل لأن التزامه الأصلي البدئي هو بالحقيقة، فقد كانت له خصوصيته، وجاهزيته المعرفية المتميزة ، فهو على العكس من معايير الابستمولوجيا العلموية (scientiste) المتمسكة بما يشبه تصنيم الموضوعيةfetichisme de l’objeité، يصرَّ التأويل على ألا يأتي بالحقيقة إلا ومعها مكتشفها،  أي ذلك الإنسان الذي يقرأ الآخرية بعينيه ولسانه، و(كيانه)، سواء كانت الآخرية نصاً حروفياً، أو نصاً من لحم وعظم. فالوعي التأويلي ليس مجرد استقبالية متمسكة بالحيادية التامة الجافة، ولا تفترض انمحاءً للذات، بل نوعاً من الانخناء الطوعي نحو الموضوع المعرفي، والمشاركة ليس في إنتاجه فحسب، بل في استكناه كينونته بدئياً؛ وبما يُشرك دائماً قبلياتِ المفاهيم Les préconceptions لدى الذات وأحكامها السبقية في إنجاز العملية التأويلية.

……….التتمة في العدد

تفكير فينومينولوجي مع فيتغنشتاين حول بحوث فلسفية:

 ”لعبة لغة” أم وعي جديد بالأشياء – لا وضعي؟

بلغيث عون

تمهيد

الكتاب المتين الذي كتبه فيتغنشتاين في الخمسينات (نُشر سنة 1953) بعنوان بحوث فلسفية Investigations philosophiques وتَرجم، بشكل ظاهر، مرحلة في تفكيره مختلفة عن مرحلة المقالة المنطقية الفلسفية  Tractatus logico-philosophicusفي العشرينات. نطرح حوله هاهنا السؤال التالي: هل يتحرك الكتاب بعد ضمن الوعي الوضعي الأول للفيلسوف بالأشياء (التصور نفسه للموضوع والاسم والقضية والمعنى والحقيقة…)، لتكون “لعبة اللغة” والمفاهيم المعاضدة لها في الكتاب مجرد حركة على السطح ومجرد إخراج مختلف للوعي نفسه، أم أن الكتاب ينبئ بوعي جديد بالأشياء (تصور جديد للموضوع والاسم والقضية والمعنى والحقيقة …) لا يحتمله الوعي الوضعي الأول للفيلسوف وأن الأمر – أكثر من “لعبة لغة” – هو فهمٌ مختلفٌ للغة تسميةً وحكماً ولموضوعها، أي فهم آخر للأشياء، فهم لا وضعي بدأ النشوء لدى فيتغنشتاين الثاني؟ السؤال بشكل أدق: هل يمكن تعليل “لعبة اللغة” بكل الأمثلة المقدمة في الكتاب مع الحفاظ على الخلفية الوضعية للفيلسوف؟

إن الفرضية التي نود تأكيدها هنا إنما هي الثانية: إنه يصعب تعليل ما يقوله الفيلسوف في بحوث فلسفية بشان “لعبة اللغة” إلا إذا أفقدنا أشياء اللغة وموضوعاتها طابعها الوضعي الأول.

نعرض في كل مرة إلى وجهٍ من وجوه “لعبة اللغة” الممكنة وهي كثيرة داخل النص، نكشف من خلاله عن سؤال يظل معلَّقاً، نتأول بعده الإجابة بما هي إشارة إلى فهم مختلف للأشياء نفسها.

نعوّل في ذلك على الغموض الذي يقدم به فيتغنشتاين نصه. ونعني بالغموض أن الفيلسوف يصف الأشياء أكثر مما يفسّرها. إنه يفترض في كل مرة أن “وحدة ما” للشيء تظل قائمة داخل “لعبة اللغة”، “واقعا ما” يظل له، “بساطة ما” يحافظ عليها. إن “الشيء ما” الذي يصر عليه الفيلسوف دون تحديد لطبعه والذي يتخذ هيئة الفرضية هو ما يسمح ب”التفكير معه” بإمكان غير وضعي – فينومينولوجي مثلا هنا للتأويل.

نتخذ في كل هذا موقعا نسمّيه فينومينولوجيا للنظر نعرفه في حدود الحاجة هنا على النحو التالي:

- ماهية الأشياء عدم / وجود بالمعنى المخصوص بهيدغر وإنه ليقال بأشكال مختلفة l’être se dit de différentes manières . إن اختلاف إخراج الشيء في “لعبة لغة”، بحسب هذا الموقع للنظر، يعني اختلاف الشيء نفسه إلى أشياء دون وحدة، أعني دون مشترك يتبقى، وذلك ما لا يريده فيتغنشتاين لأنه يخلخل أُسّاً من أسس فرضيته الوضعية: الوحدة، وحدة الشيء.

- قيام الأشياء إمكان لا “واقع”. والإمكان هو التعريف الذي يمنحه هوسرل وعلى إثره هيدغر للفينومينولوجيا.إن الإمكان الذي يتمثل لدى فيتغنشتاين في تحول الشيء إلى شأن مخصوص بالقواعد، يعني النأي بالشيء عن الحضور وعن “الواقعية الساذجة” على النحو الذي انتبهت إليه الفينومينولوجيا، وهو ما لا يصادق عليه الفيلسوف طبعا هنا لأنه يخلخل أسا ثانيا من أسس فرضيته الوضعية: الواقعية.

- حضور الأشياء علائقي أو بالأحرى الشيء علاقة على النحو الذي دبَّر أمره هوسرل وهيدغر بتأويلات متباينة. إن إقرار فيتغنشتاين بالطابع العلائقي / التركيبي للأشياء يعني أن الشيء أصلا علاقة كما تشير إليه الفينومينولوجيا، وهو الحد الذي لا يريد الفيلسوف هنا أن يدفع إليه وعيه بالأشياء لأنه يخلخل أسا آخر من أسس فرضيته الوضعية: البساطة.

  I- “لعبة اللغة”  Sprach-Spielوالمعنى المختلف – نهاية الوحدة:

 بحسب بحوث فلسفية فإن اللغة لا تمتلك تعيُّنا يخصّها خارج أشكال الحياة formes de vie، وها هنا فقط يمكن تعريفها كلعبة:

« Un jeu est une façon spécifiée que les mots ont de s’intégrer à la vie »

على هذا النحو، ولما كانت هذه الأشكال متعددة، فإن اللغة لا تقال بمعنى واحد أو أنها لا تكون إلا متعددة، وذلك بمعان متفاوتة نذكر منها:

    أ- الاستعمال المختلف للغة / البنية متعددة المعنى: نذكر فقط تجلِّييّن لذلك في الاسم والقضية:

الاسم: لنقرأ أولا هذه الفقرة:

“Considérez cet exemple – ci: si l’on dit « Moïse n’a pas existé », cela peut signifier différentes choses. Cela peut signifier: les israélites n’avaient aucun chef lorsqu’ils sortirent de l’Egypte – – ou bien: leur chef ne s’appelait pas Moïse – – ou bien: il n’a pas existé d’homme qui ait pu accomplir tout ce que la bible relate de Moïse – – ou bien etc.

Selon Russell nous pouvons dire: le nom de Moïse peut être défini par différentes descriptions. Par exemple en tant que « l’homme qui a conduit les israélites à travers le désert », «  l’homme qui a vécu à cette époque et en ce lieu et que l’on nommait alors  « Moïse » » ]…[ Et selon que nous adoptons l’une ou l’autre définition, la proposition « Moïse a existé » acquiert un autre sens ]…[ Le nom de Moïse est-il alors pour moi d’un usage solide et déterminé sans équivoque dans tous les cas possibles? N’est-ce pas comme si je disposais pour ainsi dire de toute une série de béquilles et que je fusse prêt à m’appuyer sur l’une quand on voudrait me soustraire l’autre, et inversement? "

إن القضية "موسى لم يوجد" التي تبدو بيّنة المعنى على الأقل بالنسبة إلى ما يسمى بفيتغنشتاين الأوّل (Tractatus)، تصبح هنا ذات معنى متشابه. إننا لا نستطيع أن نفهم المعنى بوضوح لأن اسم العلم "موسى" يفقد صفته هذه ونكتشف أنه وصف description، وهو على الأدق أوصاف لا تتناهى. وهكذا فإن القضية برمّتها يتحوّل معناها بتحول الوصف الذي لموسى والذي لا يترك لهذا الأخير من هوية سوى إمكان الاختلاف بحسب كلّ وصف جديد.

إن لفظ "موسى" قد يقصد به في القضية أعلاه، الشخصية الموصوفة في التوراة. ولعظمة الأوصاف، وحينما نريد التعبير عن عدم إمكان وجود شخص فعلي ينجز كل ما ينسب إليه هنا، فإننا نقول "لم يوجد موسى"، أي ـ رغم إمكان وجود شخص فعلي بهذا الاسم ـ  فإنه لم توجد الشخصية الموصوفة في التوراة، وهذا جدّ ممكن. لكننا قد نقصد بلفظ "موسى" الاسم فحسب. فقد يكون وجد فعليا شخص كما وصفته التوراة، لكن اسمه ليس "موسى". يعني هنا قولنا "لم يوجد موسى" أنه لم يوجد بهذا الإسم. كما يمكن أن نقصد "بموسى" هذا الاسم وتلك الأوصاف في وجودها الفيزيائي وتكون القضية مشيرة إلى نفي الحضور الفيزيائي الكامل لموسى في زمانه ومكانه.

 القضية "لم يوجد موسى" قد تعني في الاستعمال المختلف للغة إذن: "لم يوجد شخص بهذه الصفات فعليا" رغم وجود فيزيائي بهذا الاسم لشخصية موسى؛ "لم يوجد شخص بهذا الإسم" وإنما باسم آخر؛ "لم توجد فيزيائياً أصلاً شخصية موسى".

إن اسم موسى ـ بحسب فيتغنشتاين ـ لا يمتلك استعمالاً "صلباً" و"محدّداً" كما يبدو من خلال الإستفهام المطروح أعلاه والذي يجيب عنه الفيلسوف على نحو ما إذ يقول "أليس الأمر شبيها بأن أعتمد على سلسلة كاملة من الدّعامات وأن أكون مستعدا لأعتمد على الواحدة حينما يراد أن تسحب منّي الأخرى؟". المقصود أن ليس ثمة اسم صلب، بل صفات نعتمد كلّ مرّة إحداها إذا تراجعت الأخرى عن الاستعمال. ليس الاسم هاهنا سوى ما باقتدار اللغة من توصيف بما هو الاستعمال المختلف والمتشابه له. لنقرأ مع فيتغنشتاين أيضا:

" Tout ce que nous avons l’habitude de nommer ce nom ne le serait que dans un sens imprécis, approximatif [ …] Nous nommons « nom »  des choses fort différentes; le mot « nom »  caractérise différentes sortes d’usage d’un mot, apparentées de différentes manières.

لم يعد بالإمكان حسب الفيلسوف أن ننسب إلى الاسم صفات الدقة والوضوح والثبات أي الحقيقة / المعنى الواحد / المتفرد. إن السؤال الذي يعنينا هنا هو التالي: هل يتعلق الأمر باستعمال مختلف للإسم نفسه / للمعنى نفسه أم بمعنى مختلف / باسم مختلف؟ هل أن “موسى” ظلَّ نفسه في الحالات الثلاث المذكورة -الشخصية الموصوفة في التوراة، الاسم، الوجود الفيزيائي- أي هل أننا نحصّل هاهنا في كل مرة مضموناً واحداً لـ”موسى” بأثواب متغايرة أم أن كل استعمال هو مضمون آخر وأننا لا نستطيع أن نحصّل معنى واحدا قارّاً يصدق على كل التجلّيات لموسى؟

إن فيتغنشتاين – رغم حديثه عن معاني للاسم وعن تعريفات له من جهة ما هو أوصاف إذ يسمى، لا شيء موحد – فإنه لا يعد ذلك دليلا على فقدان الشيء لوحدته، بل فقط على أن اللغة لا تمتلك إلا أن تكون غير دقيقة وتقريبية. إن الفرضية التي نفكر من خلالها تؤكد أن الشيء نفسه غير موحد بالدرجة الأولى وقبل أن تكون اللغة تقريبية وغير دقيقة. وإذا كان الشيء موحدا أنطولوجيا، فإن السؤال الذي يطرح على الفيلسوف هو التالي: أي معنى ل”موسى” يقع خارج اللفظ ويظل وضعيا ملزما للغة؟ هل بالإمكان صياغته في قول؟

إن الفيلسوف لا يقدم لنا داخل النص أكثر من حديث عما يمكث صلبا وموحدا من الشيء موضوع الحديث – شخصية موسى هنا. إنه لا يبين لنا طبيعة هذا الذي يتبقى من موسى بعد تصريفاته المختلفة وأي شيء هو. لذلك فإن زعمنا أنه حتى يستحيل على فيتغنشتاين أن يكشف لنا عن وحدة وضعية صلبة لاسم “موسى” تظل قائمة، فإن كل صياغة لها تتبين فحسب كأحد الأوصاف الممكنة لا أكثر، وإن التعدد هو في كل مرة عادة الشيء نفسه لا مجرد لعبة الاسم. أما ما أسميناه بمجرد حديث فيتغنشتاين عما يتبقى من “شيء وضعي صلب وموحد” فلا نحصله إلا على هيئة حديث إيماني: “إن ثمة شيئا بعد هاهنا قائما داخل لعبة اللغة” لكن لا دليل عليه، والشأن نفسه مع القضية proposition.

  القضية: – مثال أول:

“je dis: « j’ai peur »; quelqu’un me demande: « Qu’était-ce un cri d’angoisse; ou bien voulez – vous me faire part d’un malaise; ou bien est-ce qu’une considération sur votre état présent? » […] On se demande: « Que signifie « j’ai peur », à quoi est-ce que je me réfère quand je le dis? » Et naturellement nous ne trouvons pas de réponse, seulement une qui est inadéquate”.

إن قولي “أنا خائف” لا يشير بشكل مطابق ودقيق إلى موضوعه أو مرجعه. إننا لا ندرك بيسر إلى ماذا نشير: هل إلى وضعي النفسي الدّاخلي فحسب أم إلى علاقة لي بالآخرين؟ هل نحن نحدّد وضعا حاضرا أم نشير إلى أفق غيره؟

هاهنا سياقات ثلاثة ممكنة لقولي: أنا خائف – تحصيها الفقرة المذكورة. من الممكن تفسير ذلك على النحو التالي: في الوضع الذي يشتد علي فيه القلق من الخوف ويكون الصّياح: أنا خائف، ملبيا لغاية نفسية في التخفيف من القلق الناجم عن الكتمان، آنذاك فإن العبارة المذكورة إنما هي بالكامل مثلا: “أنا خائف = أنا أبحث عن الاطمئنان”. أما في الوضع الذي أكون بحاجة فيه إلى مساعدة خارجية ويكون إعلاني: أنا خائف، سبيلا لهذا الغرض، فإنّ العبارة المذكورة إنما هي بالكامل مثلا: “أنا خائف = أنا أحتاج مساعدة”. في الوضع الذي يكون المشكل فيه تشخيص عدم الإقدام على فعل شيء ما، ما إذا كان لعدم الاستطاعة أم لعدم الرغبة أم خوفا، فإنّ العبارة المذكورة هي بالكامل مثلا: “أنا خائف ولست غير قادر أو غير راغب في ذلك”.

إننا نرى إذن أن عبارة “أنا خائف” تحمل في كلّ مرة معناً مختلفاً حسب السياق أي حسب العلاقة الأعم التي للعبارة بعبارات أخرى يمكن تقديرها. “أنا خائف” تعني بالضبط في السياق الأول: “أنا قلق”، أما في السياق الثاني فإنها تعني “أنا أحتاج مساعدة” وفي السياق الثالث، فإن العبارة تعني “أنا لست غير قادر أو غير راغب”. من الواضح أن العبارة لا تمتلك مرجعا واضحا إذا عرفنا المرجع بموضوع ما محدّد تحيل إليه، بل ربما يمكن القول حتى أن العبارة ليست هي ما يحيل ويمتلك مرجعية. إن العبارة عنصر من سياق لا يحيل فيه شيء إلاّ بما يحيل السياق كلّه. إن ما يشير هو بشكل ما السياق كله. وها هنا حدث طريف فعلا في مستوى الإحالة.

لقد أصبح من الممكن أن نسجل أن ما ساد لدى فيتغنشتاين الأوّل ـ كون الأسماء الجزئية ومنها أسماء العلم ومن ثمّة القضايا الذرية atomiques هي وحدها ما يمتلك إحالة، ما له موضوع في حين أن العبارات الكلّية والقضايا المركبة لا تمتلك بذاتها ما تحيل إليه وهي تمتلك ذلك بالوساطة وبدرجة ثانية وعلى نحو مشتق ـ ذلك كله يبدو أن عكسه هو ما بات صحيحا لدى فيتغنشتاين الثاني: إن العبارات الجزئية دون سياقاتها لا نجد لها مرجعا محدّدا ولا نحصل لها على معنى مقنع، أما وضعها في سياقاتها، فذلك ما يهبها المعنى تماما كما المرجعية.

-مثال ثان:

“Supposez que vous avez des douleurs et que dans le même temps vous entendiez à coté un piano qu’on accorde. Vous dites: « ça va bientôt cesser ». Il y a pourtant une différence à savoir si c’est des douleurs ou de l’accordement du piano que vous parlez ! “

المضمون هنا هو التالي: إذا كنا في آن معا نحسّ بأوجاع ما وكنا نستمع إلى صوت عزف بيانو، فإن قولنا في هذا المقام: “إن هذا سينتهي فورا” لا يدرك بسهولة معناه هل المقصود أن الأوجاع هي التي ستتوقف أم صوت البيانو؟ المشكل هاهنا أن ليس ثمة موضوع واحد مباشر للقضية تتطابق معه دون أن يكون الموضوع الآخر ممكنا أيضا حمل القضية نفسها عليه. إن الخطاب الواحد قد يكون له أكثر من موضوع يشار به إليه على نحو تصبح معه العلاقة بين الخطاب وأيّ من الموضوعين على حدة ممكنة فحسب = غير ضرورية. بالطبع فإن الإستتباع الأكيد هو غموض المعنى بفقدان اللغة لإحالتها الدقيقة، الشيء الذي طالما كافحه فيتغنشتاين الأوّل خاصة.

يستدرك الفيلسوف أنه بالإمكان تدقيق المعنى المقصود بإشارات عدّة ممكنة تضاف للقضية المنطقية:

“je reconnais que dans beaucoup de cas une orientation de l’attention correspondra à l’intention, de même souvent aussi un regard, un geste ou une manière de garder les yeux clos que l’on pourrait nommer une sorte de regard à l’intérieur”

إنه بالإمكان أن نوضح معنى القضية الاحتمالي بوسائط إضافية: توجيه الاهتمام، النظرة، فعل ما، إلخ. يمكن مثلا أن أوجه نظري إلى البيانو وأشير إليه حتى باليد فينتهي الاحتمال الثاني أني أتحدث عن آلام ستنتهي وتصبح القضية دقيقة تماما برأب الهوة التي بين الخطاب والموضوع. إلاّ أن الفيلسوف يستدرك ثانية رافضاً أن تكون الصّعوبة قد ذُلِّلَت:

………………..التتمة في العدد

مفهـــوم الزمـــان

مارتن هيدغر

تقديم وترجمة : ربيع شلهوب (فريق مركز الانماء القومي)

تمهـيد:

إن محاضرة مفهوم الزمان -1924- هي تمرين أول على ما سيغدو لاحقاً الكتاب العمدة لهيدغر (الوجود والزمان)، فيها نجد بلورة أولية لمعظم الثَيْمات التي سيعكف هيدغر على تخريجها وتفصيلها وإعادة إنتاجها مراراً وتكراراً بين عامي 1924-1926. يحدد هيدغر هنا في فقرات ثمانٍ البُنى الأساسية للهوذاك كالوجود-في-العالم، الوجود-مع-الواحد-الآخر، الحديث، الهُمْ، الإنهمام، المخصوصيّة،… التي سيعنونها بالأنالوطيقا التمهيدية للهوذاك في كتاب “الوجود والزمان” والتي ستغطي الجزء الأول بكامله [45-9§§]، مع تغيرات كبيرة إن لجهة الحذف، أو التوسع في مضمونها وتعديلها، أو لجهة تنزيلها مقامها في سياق مشروع الأنطولوجيا الأساسية.

المقاربة الهيدغرية للزمان تتماسف إبتداءاً مع المنظور اللاهوتي الذي يفهم الزمان إنطلاقاً من الأبدي، ومع المنظور الفلسفي الذي يسأل عن الزمان إنطلاقاً من الزمان نفسه بغية بلورته في نسق من القضايا ذات “الصلاحية الكونية” حيث يتعالق الزمان مع جملة من المعقولات الأخرى. نقطة الانطلاق لفهم الزمان تبدأ من الهوذاك Dasein والذي تبعاً له فقط تكتسب الفلسفة والعلم معنى ما بما يقدمان له من أقاويل حول الوجود وحول العالم.

التأمل الهيدغري يزعم لنفسه هنا مقاماً مختلفاً عن الفلسفي واللاهوتي، والعلمي واليومي؛ إنه مقام العلمان البدْوي أو الحقل ما قبل النظري الذي دأب هيدغر منذ 1919 على توجيه المبحث الفينومينولوجي نحوه

علاوة على هذا، فالأسئلة التي تنعقد هنا، وبقدر ما تتنتج من الحقل الماقبل النظري السابق أنطولوجيا على العلوم فإنها “تضبط ركب العلوم”، وهذا يتأتى خَلَل المقام المستحدث للفلسفة كـ”علم أصلي” أو كـ”منطق منتج” يتملّك الهوذاك مسبقاً حيث تكتسب العلوم دلالتها بما يمكن أن تعنيه له بوصفها ضروبَ تطرّقٍ لميادين تنكشف أشياؤها بفعل الحركية الانكشافية الذاتية للهوذاك.

الهوذاك يملك نفسه مُتَّجداً على نحو يكون وجوده في كل مرة من شأنه؛ هذا الوجود الذي يكون إبتداءاً وجوداً في العالم يتصف بالانهماك وبالوجود مع الآخرين، حيث الحديثُ سِمةٌ أنطولوجية مميزة له، يعلن فيه الهوذاك تفسيره الذاتي لوجوده ولموقعه في العالم. هذا الوجود-في-العالم هو وجود في اليوميّة حيث يُستغرق الهوذاك في انهماكه ويكاد يضيّع نفسه في الهُمْ (الفضاء العمومي لجاهزيات الفهم والتعبير حيث يرى ما يُقال ولا نقول ما يرى) ويشارف على خسارة فرادته.

أصالة الهوذاك لا تُلْقَف من خلال وجوده اليوميّ بل من خلال لقْف الإمكان القصووي الذي لا يمكن أن يتشارك به مع أي أحد آخر، وهو الوجود نحو الموت. هذا الامتياز الفينومينولوجي للموت إنما يصدر عن سببين؛ الأول إنه إمكان محض وفريد للهوذاك الذي وإن سقط في العالم وكانت له قابلية أن يُخطئ إمكاناته الخاصة من خلال تماهيه مع الهُمْ وإعطاء نفسه التفسيراتِ الشائعةَ والمكرَّسة في العالم المحيط الذي يحيا فيه الأمر الذي يؤدي إلى تعطيل الإمكانات الذاتية لوجوده، فإن الموت هو الإمكان الخاص للهوذاك الذي لا يستطيع أحد أن يعفيه منه. السبب الثاني لميزة الموت إذاً هو الإمكان القصووي للهوذاك الذي يعرف مسبقاً أنه سوف يمضي. هذا الاستباق للمُضيّ هو “الكيف المحض والبسيط للهوذاك”، هو الذي ينتزع الهوذاك من اليوميّة ومن الانهماكْ واضعاً إيَّاه  وجهاً لوجه أمام ذاته بما هو مقبل نحوها وإليها؛ وعلى ضوء هذا الإقبال نحو نفسه يعود الهوذاك إلى كلّ من حاضره وماضيه واهباً لنفسه زمانه. وعليه، ليست إقامة الهوذاك في الحاضر ولا عودته إلى ماضيه سوى كيفيات مشتقة من الكيف الأصيل للوجود الزماني وهو الإقبال نحو (zukunft). فالهوذاك المقبل على نفسه يستبق مُضيّه، بمعنى أنه يقف قبل هذا الإمكان الأقصى مدركاً بأنه سوف يغدو ماضياً في زمن ما لا يملك أن يعيّنه وإنه على ضوء هذا المُضيّ، الذي يستبقه الهوذاك في إقباله على نفسه، يستنقذ الهوذاك ما مضى من إمكاناته حيث الماضي لم يمضِ تماماً بل يمكن أن يعاود مراراً وتكراراً في الكيف الذي يخصّه.

هذه العلاقة بين تعيين الهوذاك في أصالته وبين لقْفها في جملية وجوده من خلال الوجود نحو الموت تنطوي على قدر من التجريد في هذه المحاضرة، وهذا ربما ما سيحدو لاحقاً بهيدغر إلى المزيد من مَعْينَتِها من خلال تخريجه لفينمان الضمير كمستطاع الوجود الأصيل والذي يشير إليه لمحاً هنا ويخصص له فقرة واحدة في تاريخ مفهوم الزمان §35 قبل أن يعالجه على نحوٍ تفصيلي في “الوجود والزمان” [54-60§§].

ومهما يكن، فإن الطرح الأنطولوجي الطارف لهيدغر هنا هو المتابعة الراديكالية للإقصاء الفينومينولوجي للزمان الكوسمولوجي الذي كان هوسرل استبعده على نحو تام بوصفه ليس من مشمولات الفينومينولوجيا وذلك في دروسه عام 1905 عن الوعي الباطني بالزمان. إن هوسرل في استبعاده للزمان الكوسمولوجي كان على وعي تام بالصعوبات الفلسفية التي يُفضي إليها مثل هذا القرار الميتافيزيقي بصدد ترتيب العلاقة بين كل من الزمان الفينومينولوجي والزمان الكوسمولوجي، في الوقت الذي أعلن فيه صراحة أن مثل تلك الإشكالية –التي تعترف بوجاهتها- لا تجد لها حلاً على المبنى الفلسفي للفينومينولوجيا. الأمر الطريف هنا أنّ هيدغر وفي الوقت الذي ينكر فيه وجود الزمان، إذا أُخذ بلحاظ مستقل عن الهوذاك، يقدم طرحاً جدلياً مفاده أنَّ الزمان الطبيعي لا يعدو كونه فينماناً مشتقاً من الوجود الزماني ومنتزعاً من حركة الموجود التي لا تلاقى إلآ في الزمان الذي نكون نحن. [GA 20, P.442]

هذا الإرجاع أو الإختزال للزمان الكوسمولوجي إلى الزمانية يطرح أسئلة عديدة، نجد أنه ليس ثمّة تثريبٌ فلسفي علينا أن نطرح بعضها ها هنا: ألا يبقى المفهوم الكلاسيكي للزمان قارَّاً في طيّات تخريج فينومينولوجي للزمانية، قد لا يعدو كونه تراجعاً أمام ما تطرحه هذه الإشكالية من إحراج أنطولوجي لا تعفينا عواصته بالضرورة من الاضطلاع الصارم بمهمة الإتيان بقول يونيفرسالي جديد في الزمان؟ ثم أليس هذا “الاشتقاق” –والذي أملته جملة سياقات فلسفية، أغلب الظن أن هيدغر اختبرها تحت وطأة مناظرة ثقيلة مع الجدل الأفلاطوني والأنطولوجيا الأرسطية بين عامي 1922-1926 من جهة، وبتأثير من مبحث الشيامة الكانطي الذي سيعود إليه في درس المنطق عام 1925 من جهة أخرى- الناجم بالضرورة عن اتخاذ الزمان خيطاً هادياً للمنطق المنتج[GA 20, 2-9]، يفقد وجاهته الفلسفية لما له من مدخلية في انخرام مشروع الأنطولوجيا الأساسية لاحقاً؟ وإلى أي حدّ يكون الوقوف على أسباب فشل هذا المشروع باعثاً –على جهة الندب أو على جهة الوجوب!- لاستصلاح هذا الانزياح (الطريف!) الذي استحدثه هيدغر؛ عنيت “التحول” من سؤال: ما هو الزمان؟ إلى سؤال: من هو الزمان؟

ختاماً في تسويغ بعض المصطلحات؛ نقول:

لقد قمنا بترجمة sein إلى وجود مبتعدين عن ترجمتها بكل من “الكينونة” و “الكون”. وذلك أنّ الـ sein يمثل رأس الأمر الذي يدور حوله فكر هيدغر، فهو الفينمان الأقصى الذي أراد هيدغر أن يصل إلى تجليته في نهاية المطاف. وهو بالتالي يحف بدلالات الانفتاح والانكشاف والظهور المقترنة على نحو جدلي بالاحتجاب. وهذه المعاني نجدها مؤصّلة في المجال التداولي الفلسفي العربي حيث الوجود لا يدل على مجموع الموجودات القائمة خارجاً فقط، بل هو يشير إلى معنى التحقق والحصول إضافة إلى إقتران “تعريفه” دائماً بالظهور والخفاء معاً، حيث تمَّ اعتباره أنه الأشدّ ظهوراً لجهة المفهوم والأشدّ إحتجاباً وخفاء على مستوى الحقيقة والكُنْه. وهذا ما يمنح لفظة الوجود الأهلية الفلسفية لترجمة كلمة  seinالألمانية.

أما إستبعادنا لترجمة  seinبالكون فهو أن الكون كمفهوم فلسفي في التراث يفيد النقلة من العدم إلى الوجود على نحوٍ فجائي، وليس على نحو التدرج. وهذا المعنى يغيب تماماً عن الأفق الفلسفي الذي يتحرك فيه فكر هيدغر.

أما بالنسبة إلى لفظة الكينونة فهي بنظرنا غير ذات وجاهة، والسبب أنّ من يرتئي ترجمة sein بالكينونة ينطلق من مضمرة مفادها أنّ فلسفة هيدغر تتمحور حول الإنسان أو الكائن وبالتالي فإن الـ sein تكون بمثابة الصفة، أي كينونة هذا الكائن وهذا الأمر تدحضه التميزات التي يجريها هيدغر بين المراتب المختلفة التي نجدها عنده للوجود من قبيل Dasein، sein، vorhandensein، zuhandensein، حيث يكون السؤال الأساس هو بلورة الزمان كأفق ترسندالي لتخريج سؤال الوجود بعامة الذي يشكل المطلب الرئيس في الأنطولوجيا الأساسية برمتها.

أيضاً قمنا بترجمة Dasein بالهوذاك عوضاً عن الوجود-هنا أو الكينونة-هنا أو الوجود الإنساني، حيث الهو من الهُوية التي تفيد الوجود sein، وذاك إسم إشارة يعطي المعنى المكاني لكلمة Da. وقد قام موسى وهبي بترجمتها بالهوذا ونحن نتابعه فيما ذهب إليه مضيفين كاف المخاطب لأنها أوكد في تأدية معنى البعد حيث الهوذاك يكون دائماً أبعد من نفسه، أليس أعلى من الواقع ينتصب الإمكان؟

كذلك لم نجد ضرورة في ترجمة  Existenzبالكيان من أجل تفادي الخلط بينها وبين sein، لأن هذه الترجمة تفرغ مفهوم Existenz من الحركية الجدلية القارة فيه، حيث الـ Ex تمثل الجذر الإكراهي في وجود الدازاين المساوق للمقذوفية Geworfenheit بينما sistenz- تمثل الجذر التخارجي المساوق لاشتراع (Entwurf) الهوذاك لإمكاناته، وذلك دائماً في جدلية الانكشاف/الاحتجاب الحاكمة على وجوده. إن ترجمة  Existenzبالكيان تحيل إلى نوع من الفهم السكوني لهذا المفهوم، حيث يُوحي أنه ذو سمة ناجزة ونهائية ومكتملة. وهذا طبعاً يتعارض مع المنظور الذي دفع بهيدغر لإطلاق هذا المفهوم كإشارة صورية على وجود الهوذاك الذي يرى أنه لا يمكن أن يتعيّن ماهوياً على أنه واقع، لآن عليه –أي الدازاين- أن يكون وجودَه في كل مرة.

ولهذا إرتأينا أن نترجمها بـ التوجّد على وزن تفعّل، فيكون الدازاين متوجّداً أو متّجداً بوجوده في كل مرة وهذا ما يحفظ له مقام الفاعلية.

أما Augenblick فقد ترجمناها بـ اللحاظ، نظراً لأن هذه الكلمة تؤدي المعنيين؛ النظرة واللحظة. فنحن عندما نأخذ الشيء بلحاظٍ ما فأننا نلحظه –أي ننظر إليه أو نبصره- من حيث هو حاضرٌ أمامنا بوصفه كذا من حيث هو كذلك في الحاضر.

المقالة:

تتعلَّق التأملات التالية بالزمان. ما هو الزمان؟

إذا كان معنى الزمان يوجد في الأبدية فينبغي أن يُفهم إنطلاقاً منها. بذلك يظهر مقدماً مسار البحث ونقطة الإنطلاق من الأبدية إلى الزمان. هذا التسآل جيدٌ إذا كانت نقطة الإنطلاق المذكورة آنفاً متاحة لنا، أي إذا كنا نحيط علماً بالأبدية ونفهمها بطريقة ملائمة. إذا كانت الأبدية شيئاً ما مختلفاً عن الحالة الفارغة لموجود دائم، إذا كان الله هو الأبدية، فإن طريقة تأمل الزمان المفترضة أولياً ستبقى بالضرورة في حالة من الإحراج بقدر ما أنها لا تعرف شيئاً عن الله، وتخفق في فهم السأل المتعلق به. إذا كان وصولنا إلى الله يكون من خلال الإيمان وإذ كان انشغال المرء بالأبدية ليس شيئاً آخر غير هذا الإيمان، فإنّ الفلسفة لن تمتلك الأبدية أبداً وتبعاً لذلك لن نكون قادرين أبداً على توظيفها منهجياً كاعتبار ممكنٍ لمناقشة فيه الزمان. الفلسفة لن تتخفِّفَ أبداً من هذا الإحراج، وحينها يغدو اللاهوتي هو الخبير الشرعي الزمان، وإذا ما خدمنا الانتقاء بشكل صحيح، فإنّ اللاهوت ينشغل بالزمان باعتبارات شتَّى.

أولاً، ينشغل اللاهوت بالهوذاك (Dasein) كوجود بإزاء الله. إنه ينشغل بالوجود الزماني  (Zeitlichen sein)لهكذا توجّد(Existenz)  في علاقته مع الأبدية. الله نفسه لا يحتاج لاهوتاً لأن وجوده لا يؤسس عبر الإيمان.

ثانياً، الإيمان المسيحي يفترض في ذاته العلاقة مع شيء ما حدث في الزمان ذات زمان، أُخبرنا بما قد قيل: لقد حان الزمان “عندما تمَّ الزمان”.

الفيلسوف لا يؤمن. إذا سأل الفيلسوف بصدد الزمان فانه يكون قد قرَّر أن يفهم الزمان بواسطة الزمان أو بواسطة الدائم (αεί) والذي يبدو، أنه مثل الأبدية، مجرد مشتقٍّ من الوجود الزماني.

الاعتبارات التالية ليست لاهوتية. في المعنى اللاهوتي –ولك الحرية أن تفهمها بهذه الطريقة- إعتبار الزمان يمكن أن يعني فقط جعل السأْل-عن (Fragen nach) الأبدية أكثر صعوبة، تحضيره بطريقة صحيحة ووضعه بشكل ملائم. ولا تكون الأطروحة فلسفية إلا بقدر ما تقدم زعماً لتأمين صلاحية كونية، تعييناً نسقياً للزمان، تعييناً يمكن له إرجاع البحث عن الزمان إلى ترابطاته مع المقولات الأخرى.

يمكن للتأملات الناشئة أن تنتمي إلى العلمان البدْوي (Vorwissenschaft) والذي يقتضي اشتغاله التالي: توجيه الأسئلة بصدد ذاك الذي يُعنى أساساً بما تقوله الفلسفة والعلم والكلام الشارح للهوذاك عن الوجود وعن العالم. إذا أنجزنا الوضوح بصدد ماهية الساعة، فإننا نُحيِّ الفهم المزدهر في الفيزياء، وكذلك طريقة حصول الزمان على فرصة إبداء نفسه. العلمان البدْوي، حيث تتموقع ملاحظاتنا، يربو على تحكمات غير مصطلحٍ عليعا ربما، بأنَّ الفلسفة والعلم ترتكزان على المفهوم. إمكان هذا العلمان البدْوي تقتضي أن يُنجز كل باحث الوضوح المتعلّق بما فهم وبما لم يفهم. وهذا يخّولنا أن نعرف متى يتصل جزء مخصوص من البحث بشيئه، أو متى يغتذي على معرفة لفظية تراثية ومبتذلة.

هذه الأسئلة هي، وكما كانت، ضبط لركب العلوم والذي يكون خاضعاً بعدُ أحياناً لانشغالات طارئة في رأي البعض. وارتباط هذه الأسئلة بالفلسفة هو مجرد مرافقتها من حين لآخر لتوجيه مبحث ما للقدماء بغية رؤية كيف توجَّهوا للأشياء. التأملات التالية تملك فقط هذا القدر من الاشتراك مع الفلسفة: واقعة كونها ليست لاهوتاً.

نبدأ، بإشارة تمهيدية إلى ذلك الزمان الذي نصادفه في اليومية، أي زمان الطبيعة وزمان العالم. وقد أُحيي الاهتمام بالزمان في يومنا الحاضر بواسطة تطور المبحث في الفيزياء مع مداولاته حول المبادئ الأساسية حول ضرب اللقف  (Erfassung)والتعيين المُستلزمَيْن هنا: قَيْس الطبيعة ضمن نسق من العلاقات الزمكانية. والحالة الشائعة لهذا البحث أُرسيت في النظرية النسبية لـ أنشتاين. وهذه بعض مبادئها: المكان ليس شيئاً في ذاته، ليس ثمة من مكان مطلق. إنه يوجد فقط بواسطة الأجسام والقوى المحتواة فيه، (وهذا مبدأ قديم عند أرسطو). الزمان نفسه ليس شيئاً. إنه يدوم فقط كتوالي للأحداث الواقعة فيه، ليس هناك زمان مطلق ولا حتى تزامن مطلق. وفي رؤية هذا الجانب التقويضي من النظرية يمكن للمرء بسهولة أن يهمل ما هو موجب بصددها أي كونها تبيّن تحديداً ثبات المعادلات الواصفة للعمليات الطبيعية بإزاء التحولات العشوائية.

الزمان هو ذلك الذي ضمنه تقع الأحداث. وهذا ما كان قد رآه أرسطو في سياق نمط الوجود الأساسي المتعلق بالموجود الطبيعي: التغير، تغير الموقع (Platzwechsels)، التحرك. وحتى لو لم يكن الزمان نفسه حركة فإنه يرتبط بطريقة ما بها. يُصادف الزمان أولياً في تلك الكائنات الصائرة؛ التغير يكون في الزمان. كيف يكون الزمان معروضاً في هذه الطريقة من مصادفته أي بوصفه ذلك الذي ضمنه تتغير الأشياء؟ هل يعطي نفسه بما هو هو في ماهيته؟ وهل يمكن لبسط الزمان الذي بدأ هنا أن يكفل بذلك تعيين الزمان كفينمان أصلي يُعيَّن في وجوده الخاص، أم أنّ بحث أصول الفينمان يمكن أن يشير لنا نحو شيء ما آخر؟

كيف يصادف الفيزيائي الزمان؟ إن لقفه وتعيينه الزمان له سمة القيْس الذي يظهر كم-طال ومتى، ومن متى حتى متى. وما يظهر الزمانَ هو الساعة التي هي عبارة عن سيستام فيزيائي حيث متوالية زمانية متماثلة تتكرر بثبات مع امتياز هذا السيستام بكونه غير خاضع لأي تأثير خارجي. التكرار هو دوري وكل ساعة لها مدة زمانية متماثلة. الساعة تؤمّن مدة زمانية متماثلة تكرر نفسها بثبات والتي يمكن أن يرجع إليها دائماً. إن طريقة تقسيم امتداد المدة هي عشوائية. تقيس الساعة الزمان بقدر ما يكون امتداد مدة لحدوثٍ مقارناً مع متوالية متطابقة في الساعة ويمكن بذلك أن يُعيَّن عددياً.

ما الذي يمكن أن نتعلَّمه من الساعة بصدد الزمان؟ الزمان هو شيء ما حيث يمكن تنسيق نقطة الآن على نحو عشوائي. تبعاً لآنين مختلفين، سابق ولاحق.

وبعد، فليس ثمة امتياز لآنات الزمان بعضها على بعض الآخر. فالآن هو السابق الممكن على آن لاحق، كما أنّ الآن اللاحق هو آن لاحق لآن سابق. هذا الزمان هو موحّد ومتجانس بشكل كامل. وفقط بقدر ما يتشكَّل الزمان على نحوٍ متجانس يكون مقيساً. نتيجة لذلك فإن الزمان ليس التفافياً على نحو تنتظم علاقة مراحله تبعاً لسابق ولاحق، وكل سابق ولاحق يمكن أن يتعيّنا بواسطة آنٍ ما والذي، مهما يكن، يكون هو نفسه عشوائياً. إذا ما قاربنا حدثاً ما بواسطة الساعة فإنها تجعله واضحاً تبعاً لانكشافه في الآن أكثر من كونه كذلك بالنسبة إلى كم يدوم، وما تفعله الساعة وفي كل مرة هو تعيين التثبيت المخصوص للآن وليس للإشارة إلى طول ومدة الزمان في جريانه الحاضر. إذا ما لاحظت الساعة فإن أول ما أقوله هو: الساعة الآن هي التاسعة، لقد حدث ذلك منذ ثلاثين دقيقة، في غضون ثلاثة ساعات ستصبح الثانية عشرة.

ما يكون هذا الآن، الآن الزماني عندما أنظر إلى ساعتي؟ الآن عندما أفعل هذا، الآن عندما ينطفئ الضوء على سبيل المثال. ما هو هذا الآن وهل هذا الآن في متناولي؟ هل أنا هو هذا الآن؟ هل كل شخص آخر سيكون الزمان، وفي وجودنا بمعية الآخرين سنكون الزمان –كل واحد ولا أحد. هل الآن هو أنا أم فقط ذلك الشخص الذي يقول هذا؟ مع أو بدون ساعة واضحة. الآن في الصباح، المساء، العشية، اليوم: هنا نقف على الساعة التي افترضها دائماً الوجود الإنساني، الساعة الطبيعية لتعاقب الليل والنهار.

ما هو المتضمن في حقيقة كون الوجود الإنساني كان بَعْدُ قد حصَّل ساعة سابقة على كل ساعات الجيب والساعات الشمسية؟ هل أتثبّت من وجود الزمان وهل أعني نفسي في الآن؟ هل أنا الآن وهل الهوذاك الذي لي هو الزمان؟ أم أن الزمان أساساً حصَّل لنفسه ساعته فينا؟ في الكتاب الحادي عشر من اعترافاته تابع أوغسطين هذا ليسأل فيما إذا كانت الروح        هي الزمان. وهو الحد الذي سيقف عنده سؤال أوغسطين بإعادة صياغة: فيك يا روحي أقيس الأزمنة. أقيسكِ أنتِ إذ أقيس الزمان. لا تقطعي طريقي بالسؤال: كيف يكون هذا؟ لا تُضَلِّليني بالبحث بعيداً عنك خلال سؤال خاطئ. لا تعيقي طريقك بتشوّش الذي يمكن أن تنشغلي به. فيكِ، أكرِّر، أقيس الزمان؛ المتحركات التي تقابلين تأخذك إلى وجدانٍ (Befindlichkeit) يبقى بينما تختفي هي. أقيس الوجدان في الوجود الحاضر وليس الأشياء التي عبرت به حينما بزغ للعيان لأول مرة الوجدان، وجداني لنفسي.. أكرِّر، أقيس أنا نفسي حين أقيس الزمان.

السؤال عن ما هو الزمان وجّه سأْلنا جهة الهوذاك إذا كنا نعني بالهوذاك ذلك الموجود في وجوده الذي نعرفه كحياة إنسية، هذا الكائن في مخصوصية (Jeweiligkeit) وجوده والذي نكونه نحن أنفسنا حيث كل واحد منا يجده في التوكيد الأصيل: أنا أوجد (ich bin).

وبعد، هل كان هذا التأمل المرهق مطلوباً لإصابة الهوذاك؟ ألا يكفي أن نشير إلى أفعال الوعي والعمليات الذهنية الواقعة في الزمان، حتى عندما تتجه هذه الأفعال نحو شيء ما لا يكون هو نفسه معنياً بالزمان؟ هذا تدويرٌ للمشكلة، فالمهم في السؤال المتعلق بالزمان هو إحراز إجابة من خلال الطرق المتنوعة لتصيّر الوجود الزماني مفهوماً؛ والذي يهم هو إتاحة الربط الممكن بين ذلك الذي في الزمان والزمانية الأصلية (Die eigentliche zeitlichkeit) ليصير مرئياً إبتداءاً.

الزمان الطبيعي مألوفاً ومبحوثاً لطالما وفَّر الأرضية لشرح الزمان. وإذا كان الوجود الإنساني يكون في الزمان بمعنى مميَّز، فنستطيع انتزاع ماهية الزمان منه، فعلينا أن نَصِفَ الهوذاك في التعيّنات الأساسية لوجوده. وفعلاً، ولفهم مسدَّد (Recht verstanden) ينبغي أن يكون الوجود الزماني البيان (Aussage) الأساسيّ للهوذاك تبعاً لوجوده. بعض الإشارات المسبقة لعدة بنى أساسية للهوذاك مطلوبة هنا.

1-الهوذاك هو الموجود الذي يتَّسم بـ “الوجود-في-العالم” (In-der-welt-sein). الحياة الإنسانية ليست ذاتاً عليها أن تنجز حيلة ما من أجل دخول العالم. الهوذاك كـ وجود-في-العالم يعني أن هذا الوجود يقال على: التعامل مع العالم؛ واحتماله في طريقة الإنجاز، التنفيذ، الإكمال، وأيضاً التأمل، التسآل، والتعيين بطريقة التأمل والمقارنة. الوجود-في-العالم يتصف بالإنهماك (Besorgen). [أو الانشغال].

2-كـ وجود-في-العالم يكون الهوذاك موجوداً مع هذا الوجود-مع-الواحد-الآخر (Mit-einander-sein)، الوجود بالمعيَّة: إمتلاك العالم ذاته مع الآخرين، ملاقاة الآخر، الوجود مع الآخر على نحو الوجود من أجل هذا الآخر (Für-einander-seins). ومع ذلك يكون الهوذاك موجوداً قائماً بالنسبة للآخرين وتحديداً كمثل حجر لا يملك عالماً ولا ينشغل به.

3-الوجود مع الآخر في العالم. بل وامتلاك العالم كوجود مع الآخر، له تعيين أنطولوجي مميّز. النحو الأساسي لعالم الهوذاك وتحديداً لامتلاك عالم مع آخر هو الحديث (Sprechen). ملحوظاً بعنايةٍ: الحديث هو الجهر في الحديث مع آخر حول شيئ ما. وغالباً ما يأخذ وجود الإنسان في العالم موقعه من خلال الحديث وهذا قد كان معلوماً لأرسطو، النحو الذي يتحدث به الهوذاك في العالم عن طريقة تعامله مع العالم يعطي تفسيراً ذاتياً [إفتساراً] (Selbst auslegung) للهوذاك. إنه ينص تخصيصاً على كيفية فهم الهوذاك لنفسه، وما يأخذ على عاتقه ليكونه. في الحديث مع الآخر يكمن الإفتسار الخاصيّ للحاضر (Gegenwart) الذي يصون نفسه في المحادثة (Gespräch).

4-الهوذاك هو الموجود الذي يعين نفسه بـ “أنا أكون” ومخصوصيِّة الأخيرة هي مقوّمة للهوذاك. فقط، في المقام الأول كوجود في العالم، يكون الهوذاك بذلك الهوذاك الخاصيّ. إنه في كل مرة له، وله على نحو مخصوص. لتعيين الهوذاك أنطولوجياً ينبغي أن لا نجرّده من مخصوصيته التي تكون في كل مرّة له (Mea res agitur ما يشغلني هو أن أكون). السمات الأنطولوجية ينبغي أن تحتشد في المخصوصيّة التي تكون في كل مرة من شأني.

5-الهوذاك، وبقدر ما هو الموجود الذي أكونه ويُعيّن أيضاً كـ وجود-مع-الواحد-الآخر، ليس هو أنا نفسي التي لا تكون وسطياً وإلى حد بعيد الهوذاك الذي لي بل تكون الآخرين؛ أنا أوجد مع الآخرين والآخرين كذلك مع الآخرون. لا أحد يكون نفسه في اليومّية. ما يكونه شخصٌ ما، وكيف يكون هو تنكيرٌ: لا أحد وكذلك كل أحد مع واحد آخر. كل واحد لا يكون نفسه. التنكير الذي نحياه نحن في اليوميّة هو الهم (Man) الذي يقع فيه القول، الإصغاء، كون شيء في صالح شيء ما، والانشغال بشيء ما. إمكانيات الهوذاك تكمن في معاندة الهُمْ وخارج هذا الإنحسار تكون الأنا أوجدُ ممكنةً. إنّ موجودية (Seiendes) إمكان “الأنا أوجد” هي، غالباً، موجودية هذا الهُمْ.

6-الموجود المتّسم بوجود في العالم، يوميٌّ ومخصوص، يهمّه وجوده. وكما أنه حديث الهوذاك عن العالم جهر بالحديث حول نفسه، كذلك فإن التعاطي المنهمك هو انهماك من أجل وجود الهوذاك. أنا أكون إلى حد ما ذلك الذي أتعاطاه، الذي يستغرقني، وذلك الذي تقيّدني به مهنتي وفي كل هذا يحدث الهوذاك العائد لي: إنهمام (Sorge) في كل مرة مخصوصة يضع الوجود، المألوفَ المفهومَ، للتأويل السائد للهوذاك، في الانهمام.

7-ليس ثمة من تفكر حول الأنا أو الذات في اليومية الوسطية، الهوذاك يملك نفسه فقط. يجد نفسه جنباً إلى جنب ذاته. هو يأتي عبر نفسه إلى الهناك أيَّاً كان ما يتعاطاه عموماً.

8-لا يمكن البرهنة على الهوذاك كموجود ولا يمكن حتى الإشارة إليه. العلاقة البدوية مع الهوذاك “أن نكونه” وليس أن نتأمّله. إختبار الذات، الحديث حول النفس والإفتسار هي طريقة مفردة مميزة حيث يملك الهوذاك نفسه كل مرة على نحو خاصيّ. وسطياً يكون تفسير الهوذاك محكوماً باليوميّة وبما قاله الهم تراثياً بصدد الهوذاك والحياة الإنسانية. إنه محكومٌ بالهم والتراث.

تظلّ الإشارة إلى هذه الخصائص الأنطولوجية، خاضعة إلى تحكمة تفيد بأن هذا الموجود متحصّل في ذاته للبحث بمعنى تفسيره تبعاً لوجوده، فهل هذه التحكمة تفيد السداد أم التردد؟ الإحتمال الأخير وارد. هذه الصعوبة لا تبرز من اللجوء لواقعة أنّ التأمل النفساني للهوذاك يقود إلى الغموض. ثمّة صعوبة أكثر جدِّية من محدودية طبيعة العَرْف (Erkennen) الإنساني ينبغي الإبصار بها على نحو لا يجعلنا نتفادى الإحراج وبطريقة نحوز معها على إمكانية اغتنام الهوذاك في أصالة وجوده.

أصالة الهوذاك تقوّم الإمكان القُصووي (äußerste sein möglichkeit) لوجوده الذي يعين به الهوذاك إبتداءاً. الأصالة كإمكان قصووي لوجود الهوذاك هي التعيين الأنطولوجي حيث تكون الخصائص الآنفة الذكر ما تكون عليه. الإحراج المتعلق بلقف الهوذاك (Daseinserfassung) لا يتأصل في محدودية، لا يقينية أو عدم اكتمال ملكة العرفان (Erkenntnisvermögens) لدينا، بل في الموجود الذي ينبغي عَرْفه: إنه يتأصل في إمكان أساسي لوجوده.

ذكرنا بين أمور عدة أن الهوذاك يُعيّن بمخصوصيّته؛ بقدر ما يكون ما يمكن أن يكون عليه يكون في كل مرة لي. هذا التعيين يُقوّم وجوده على نحو تام، ومن يُغفله يضيّع ما عنه يُتحدّث في الثَيْمة (Thema).

كيف يمكن عرف وجود هذا الموجود قبل بلوغه منتهاه؟ بعد كل شيء هل ما زلت أجري مع الهوذاك الذي لي. شيء ما يمكن أن يكون على نحو أصيل، أما إذا كان كذلك فإنه لا يعود كائناً بعد.

هل هوذاك الآخرين بالمعنى الأصيل غير قابل للاستبدال؟ ما أعلمه عن هوذاك الآخرين الذين كانوا معي والذين انتهوا ضئيل، فهم لن يكونوا بعد، ونهايتهم هي فعلاً العدم. لهذا، فإن هوذاك الآخرين غير قابل للاستبدال من قبل الهوذاك بالمعنى الأصيل إذا كنا فعلاً نريد الاحتفاظ بمخصوصيته التي لي. أنا لا أملك أبداً هوذاك الآخرين بطريقة أصلية، فالطريقة الوحيدة الملائمة لامتلاك الهوذاك أن لا أكون الآخر أبداً.

كلما لم نكن في عجلة من أمرنا للتسلل خفية من هذا الإحراج كلما استطعنا احتماله، أكثر ورؤيته بنحو أوضح أياً تكن الصعوبة التي تخلقها حقيقة أن الهوذاك يبدي نفسه في إمكانه القصووي.

نهاية الهوذاك، أي موتي، ليست نقطة تنقطع عندها بغتة متوالية الأحداث، ولكنها إمكانية يعرفها الهوذاك على هذا النحو أو ذاك: الإمكان القصووي الذي يمكن أن يغنمه ويمتلكه بالوقوف دائماً قبله. يمتلك الهوذاك إمكانية اللقاء مع موته بوصفه إمكانه القصووي الذي يتسم بالوقوف-قبل (Bevorstehens) في اليقين وهذا اليقين يتسم من جانبه بلا تعيّنية كاملة. الإفتسار الذي يعلو على كل قضية لليقين والأصالة هو تفسير الهوذاك لموته، اليقين اللامتعيّن لإمكانه القصووي في الوجود نحو النهاية (Zu-Ende-Sein).

ولكن ما صلة هذا كله بسؤالنا عن ما هو الزمان سيَّما السؤال الأولي عن ما يكون الهوذاك في الزمان؟ الهوذاك، وبوصفه خاصَّتي في كل مرة، يعرف عن موته حتى لو لم يشأ أن يعرف شيئاً عنه. ما يعني إمتلاك الواحد لموته في كل مرة؟ هو استباق (vorlaufen) الهوذاك لمضِيِّه (Vorbei)، لإمكان قصووي لنفسه التي يقف قبلها في اليقين وفي لا تعينية كاملة. الهوذاك كحياة إنسية هو بدْوياً وجود ممكن وجود إمكان يقينه اللامتعيّن بمضِيّه بعد.

وجود الإمكان هنا هو دائماً الإمكان على نحو أن هذا الإمكان يعرف الموت غالباً بمعنى “أنا أعرفه، ولكنني لا أفكّر به”. غالباً ما أعلم الموت على طريقة علمي بذلك الذي ينكمش. كتفسير للهوذاك، هذا العلمان (Wissen) يحجب بلا توسط إمكانية وجوده حيث للهوذاك إمكانية تحاشي موته.

هذا المضيّ، الذي أستبقه، ينكشف في استباقي: إنه مضيّ أنا. المضيّ يكشف الهوذاك العائد لي كما لو أنه لم يعد هناك فجأة، وفجأة أنا لم أعد موجوداً هناك بجانب كذا وكذا من الأشياء والناس، بجانب الأكاذيب، الحيَل، والثرثرات. المضيّ يشتّت كل سُكنى (Heimlichkeit) ومشغولية، ويأخذ كل شيء معه إلى العدم. والمضيّ ليس حادثاً ما وليس عارضاً على الهوذاك الذي لي. إنه يكون مضيّه وليس “ما” (Was) بصدد الهوذاك أو حدث يحصل له ويغيّره. هذا المضيّ ليس “ما” بل “كيف” (Wie) وحقاً “الكيف” الأصيل للهوذاك العائد لي. هذا المُضيّ الذي يمكن أن أستبقه بوصفه لي ليس “ما” بل هو الكيف المحض والبسيط للهوذاك.

بقدر ما يكون إستباق المضيّ حفظاً لهذا المضيّ في كيفه المخصوص، يصبح “كيف” الهوذاك مبصراً. إستباق الهوذاك للمضيّ هو سعي معاكس لإمكانه القصووي وبقدر ما يكون هذا “السعي المعاكس” جدّياً يُقذف إلى الهوذاك الذي لا يزاله. هذا هو عودة الهوذاك ليوميّته الذي لايزال فيها، بمعنى أن المضيّ ككيف أصيل يكشف أيضاً “كيف” اليومية ويأخذها من صخبها ومشغوليتها إلى كيفها. المضيّ يرجع المائية، الانهمام والاختطاط إلى “الكيف”.

هذا الوجود الذي يمضي، وككيفٍ، يجتلب الهوذاك بفظاظة لإمكانه الأوحد متيحاً له الوقوف وحيداً بشكل كاملٍ بإزاء نفسه. هذا المضيّ قادرٌ أن ينقل الهوذاك من كبرياء اليومية إلى اللا سُكنى (Unheimlichkeit). إنه وبقدر ما يحمل بإزاء الهوذاك إمكانه القصووي. فإن الإستباق هو الطريقة الأساسية التي يحصل عبرها تفسير الهوذاك. الاستباق يغنم لنفسه الاعتبار الأساسي الذي فيه يتموضع الهوذاك، ويُبدي أيضاً المقولة الأساسية لهذا الموجود: “الكيف”.

ليس مصادفة ربما أن يكون كانط قد عيَّن المبدأ الأساسي للإتيقا بطريقة ندعوها صورية، فهو ربما عرف من ألفته بالهوذاك نفسه انه يكون “كيفه”. ولقد ترك الأمر للأنبياء المعاصرين لانتظام الهوذاك بطريقة تحجب هذا “الكيف”. الهوذاك يكون أصيلاً بجانب نفسه، إنه يوجد حقيقة حينما يحتفظ بنفسه في هذا الاستباق. هذا الاستباق ليس سوى الإقبال الأصيل والمفرد مملوكاً للهوذاك. في الإستباق يُقبل الهوذاك على نحو أنه يعود في هذا الوجود المستقبلي إلى ماضيه وحاضره. مفهوماً في إمكانه القصووي، يكون الهوذاك الزمان نفسه ولا يكون في الزمان. الوجود المقبل (Zukünftigsein) كما وصفناه، وككيف أصيل للوجود الزماني، هو طريقة وجود الهوذاك الذي فيها وخارجها يهب الهوذاك زمانه لنفسه. أنا أملك زماني باحتفاظي بنفسي بجانب مضيِّ في الاستباق. الثرثرة، ذلك الذي فيه تحتفظ الثرثرة بنفسها، العناء، المشغولية، الضجة، والسباق حول، كله ينكسر. أن لا نملك الوقت يعني أن نرمي بالزمان إلى حاض سيء لليوميّة. الوجود المقبل يمنح الزمان، يصقل الحاضر، ويتيح للماضي أن يُعاود في الكيف الذي كان به معيشاً. بالنسبة للزمان. يعني هذا أن الفينمان الأصلي للزمان هو الإقبال (Zukunft). للإبصار بهذا دون اعتباره مفارقة مثيرة، كل هوذاك مخصوص يحتفظ بنفسه في الاستباق وبالقيام بهذا يغدو واضحاً أن السبيل الأنجع للتعامل مع الزمان ليس القيْس. الرجوع في الاستباق هو نفسه “كيفٌ” لذلك الانهماك الذي أكون أنا محتملاً إيَّاه تحديداً.هذا الرجوع لا يغدو أبداً ما يسمى بالسأم، ذلك الذي يستنفذ نفسه ويغدو متهالكاً. المميّز بصدد المخصوصيَّة أنها، خَلَل الاستباق نحو الزمان الأصيل، تمتلك الزمان كله لنفسها في كل مرة تخصّها. لا يتطاول الزمان لأنه أصلانياً بلا طول. الإستباق إلى… ينهار إذا فُهم كسؤال عن “متى” و “كم يستغرق” المضي لأن الأسئلة بصدد “كم استغرق” و “متى” لا تحاذي إطلاقاً المضيّ في الإمكان الذي حدّدناه؛ إنها تلتصق بدقة بذلك الذي لم يمضِ بعد، شاغلة نفسها بما يمكن أن يكون متبقياً لي. هذا السؤال لا يغنم لا تعينّية يقين المضيّ، بل يرغب أن يعيّن بدقة الزمان اللامتعيّن. هذا السؤال يريد أن يحرّر نفسه من ما يكونه الزمان تحديداً كلامتعين بل كيقين لامتعيّن. مثل هذا السأْل ليس إستباقاً للمضيّ الذي يُنسّق بدقة سمة الهروب من أمامه.

يغنم الاستباق المُضيّ كإمكان أصيل للِّحاظ (Augenblicks) بوصفه ما هو يقيني الآن. الوجود المقبل كإمكانية للهوذاك الخاصيّ، يهب الزمان لأنه يكون هو نفسه الزمان. وبذلك يغدو أيضاً مُبصراً السؤال عن “كم من” الزمان، “كم طال” و “متى” – إلى حدّ أن الإقبالية (Zukünftigkeit) هي الزمان أصالةً– أسئلةً غير ملائمة للزمان. إن البيان الأصيل للزمان هو أن الزمان لا يملك زماناً ليقيسه.

لقد تآلفنا حتى الآن مع الهوذاك بوصفه يُحسب حتى مع الزمان الذي يقيسه بواسطة الساعة. مع أنه يُفترض أنه هو الزمان.

يكون الهوذاك هناك مع الساعة، وإن تكن فقط الأكثر قرباً أعني ساعة الليل والنهار. الهوذاك يقدّر ويتحرى عن “كم” الزمان وبذلك لا يحاذي الزمان في أصالته. بالسؤال على طريقة “كم” و “متى” يخسر الهوذاك زمانه. كيف يضع مثل هذا السؤال، الذي يبدو قريباً من الأشياء، الزمان؟ أين ذهب الزمان؟ الهوذاك الذي يحسب مع الزمان ويعيش مع ساعة في يده، هو تحديداً الذي يقول باستمرار “أنا لا أملك الوقت”. ألا يخون نفسه بذلك في ما فعله بالزمان بقدر ما يكون هو، بعد هذا كله، هو الزمان؟ إضاعة الوقت وطلب ساعة لهذا الغرض! أليس ثمة اجتياح هنا للا سُكنى الهوذاك؟

سؤال الـ متى للمُضيّ اللامتعيّن، وبشكل عام لـ “كم من” الزمان هو سؤالٌ عن ما بقي لي كحاضر. لاجتلاب الزمان إلى “كم” يعني اتخاذه كآنٍ للحاضر. للتحرّي عن “كم” الزمان يعني أن نُستغرق في الانهماك مع “ما” يكون حاضراً. يفر الهوذاك أمام “الكيف” متشبثاً خاصة بما يكون حاضراً. يكون الهوذاك ما يكون منهمكاً به؛ الهوذاك يكون حاضره. كلّ ما في العالم يُلاقى من قبل الهوذاك بوصفه يقيم في اللحظة؛ لذلك يُلاقى الزمان نفسه، الذي يكونه الهوذاك في كل مرة، بوصفه حاضراً.

الانهماك يكون مُستغرقاً في الحاضر، كما الانهمام، ولكنه مع ذلك يُحاذي ما ليس-بعد (Noch-nicht) الذي يجب أن يُقصد إليه إبتداءاً في الانهمام. حتى في حاضر إنهمامه يكون الهوذاك كلَّ الزمان على نحوٍ لا يستطيع معه فكاكاً من إقباله. الإقبال إذاً هو ما يتشبث به الانهمام، ليس الوجود الزماني الأصيل للمضيّ بل الإقبال الذي يصقله الحاضر لنفسه بوصفه من شأنه، لأن المضيّ كما الإقبال الأصيل لا يستطيع أن يصير حاضراً، لأنه إذا كان حاضراً فسيغدو عدماً. الإقبالية إلى حيث يتشبث الانهمام تكون كذلك بفضل الحاضر، والهوذاك المستغرقَ في آن العالم الحاضر ليس في وارد الإقرار أنه قد أخذ خفية من الإقبالية الأصيلة، القول بأنه قبض على المستقبل خارج الانهمام بالتقدم الإنساني، الثقافة، الخ..

الهوذاك كحاضر منهمك يقيم بجانب أياً ما كان منهمكاً به. إنه يضجر في الـ “ما”، وفي ملء اليوم. فجأة يتطاول الزمان للهوذاك كوجود حاضر، لهذا الهوذاك الذي لا يملك الوقت. يغدو الزمان فارغاً لأن الهوذاك، وفي سؤاله عن “كم”، جعل الزمان طويلاً سلفاً بينما رجوعه المستمر في الاستباق نحو المضيّ لا يغدو أبداً مضجراً. يُحبذ الهوذاك أن يلاقي باستمرار أشياء جديدة في حاضره الخاص. حدوث العالم (Weltgeschehen) في اليومية يُلاقى في الزمان، في الحاضر.

يعيش اليوميّ مع الساعة، بمعنى أنّ الانهماك يرجع باستمرار إلى الآن، هو يقول: الآن، من الآن وحتى ذلك الحين وحتى الآن المقبل.

الهوذاك مُعيَّناً كوجود-مع-الواحد-الآخر يعني أيضاً أنه يُقاد ليهب التفسير السائد لنفسه بواسطة أيّ شيء يقوله الهم، بالنمط (Der Mode)، بالميول، بما يجري؛ الميل الذي لا أحد يكونه، وكذلك النمط الذي هو لا أحد. في اليومية لا يكون للهوذاك الوجود العائد إلى أنا أوجد، لأنه في اليومية يكون الهوذاك على نمط وجود الهم.

تبعاً لذلك يكون الهوذاك الزمان الذي فيه يكون الهم مع أحد آخر: زمانٌ غفل. ساعة الهم، يعني كل ساعة، تُبدي زمان الوجود-مع-آخر-في-العالم.

إذا بحثنا على نحو تاريخي فسنجد فينمانات ذات صلة وإن كانت غير موضّحة بعد، مثل الأجيال وترابط الأجيال، فهي تتَّصل مع الفينمانات التي نتعامل معها هنا. الساعة تُبدي لنا الآن، ولكن ليس ثمّة من ساعة تستطيع إبداء المستقبل والماضي، فكل قيْس للزمان يأخذه إلى سؤال “كم”. حين أعيّن نقطة، بواسطة الساعة، سوف يقع عندها حدث مستقبليٌ فلا يكون هذا الأخير ما أقصده بل ما يكون قد عُيّن هو كم يطول انتظاري لهذا الآن المقصود. يُعتبر حاضراً ما يُتحصَّل عليه من الزمان بواسطة الساعة، وإذا كانت المحاولة هي لاشتقاق ما هو الزمان من زمان الطبيعة فإنّ الآن يغدو هو مقياس  (μέτρου)الماضي والمستقبل. وعليه يفسَّر الزمان كحاضر، والماضي ما لم يعد حاضراً، والمستقبل كحاضر لامتعيّن وغير حاضر بعد: الماضي لا يرجع (Unweiderbringlich) والمستقبل لا متعَيِن.

لهذا السبب، يتكلّم العقل اليومي عن نفسه بوصفه ذلك الذي ضمنه تلاقى الطبيعة باستمرار، وإن كون الحادثات في الزمان لا يعني أنها تمتلك زماناً، لكنها، وبوصفها حادثة وموجودة هنا، تلاقى من حيث أنها تجري خلل الحاضر. يُشرح زمان الحاضر كمتوالية مستمرة تتدحرج  خلَلَ الآن؛ متواية معنى اتجاهها هو أن يكون مفرداً وغير قابل للإنعكاس، بحيث تتدحرج الحادثات من مستقبل لانهائي إلى ماضٍ لا يرجع.

يتصف هذا التفسير بأمرين: 1) اللامعكوسية (Die Nicht-Umkebrbarkeit)، 2) تشاكل الآنات(Homogenisierung auf Jetztpunkte)  اللامعكوسية. تضم ما تبقّى من الزمان الأصيل ليقف عليه هذا الشرح. هذا هو ما يبقى من المستقبلية كفينمان أساسي للزمان بوصفه هوذاك. هذا الضرب من النظر يشيح عن الإقبال نحو الحاضر، منطلقاً من الحاضر إلى الماضي الذي يتلاشى. إنَّ تعيين الزمان في لا معكوسيته يتأصّل في واقعة أن الزمان قد عُكِس بعد.

المشاكلة هي تمثيل الزمان بالمكان، وبحضور محض وبسيط، فهي الميل إلى طرد الزمان من نفسه إلى الحاضر. يغدو الزمان مُرَيضنا (Mathematisiert)، يغدو إحداثية د بجانب إحداثيات المكان أ، ب و ج. الزمان هو غير معكوس، وهذه اللامعكوسية هي العامل الوحيد الذي يعلن الزمان فيه عن نفسه خَلَل الكلمات، والاعتبار الوحيد الذي لا يزال الزمان يقاوم من خلاله ريضنة قصوى. القبل والبعد ليسا بالضرورة السابق واللاحق، وليسا طرائقَ للزمانية. في المتتالية الهندسية، وعلى سبيل المثال، 3 هي قبل 4، و8 هي بعد 7، ولكن 3 ليست السابق على 4 بهذا الاعتبار. الأعداد ليست سابقة أو لاحقة، لأنها ليست في الزمان على الإطلاق.

السابق واللاحق يعيّنان القبْل والبَعد، وحالما يحدد الزمان بواسطة الساعة فإنه لا يعود ثمّة أمل ببلوغ الزمان في معناه الأصلي.

إنّ كون الزمان يُعرف بدْوياً وغالباً على هذا النحو إنما يكمن في الهوذاك نفسه. المخصوصية متوِّقة، والهوذاك في أصالته يكون خاصتي فقط كهوذاك ممكن، فغالباً ما يوجد الهوذاك على نمط اليومية. ومهما يكن، فاليومية وبوصفها ذلك التزمن الذي يتلاشى في وجه المستقبلية، يمكن أن تفهم فقط عندما تقابل بالزمان الأصيل للوجود الزماني للمضيّ. ما يقوله الهوذاك عن الزمان إنما ينطق به إنطلاقاً من اليوميّة متشبّثاً بحاضره يقول الهوذاك: الماضي هو ما قد مضى، إنه لا يرجع، وهذا هو الماضي تبعاً لحاضر اليومية التي تقيم في حاضر مشغوليتها. ولهذا يفشل الهوذاك، المعيّن كحاضر، في الإبصار بالماضي.

إن تأمل التاريخ في الحاضر يرى فيه فقط مشغولية لا تسترجع: ما كان يجري. تأمل ما كان يجري لا ينضب (Unerschopflich)، وهو يضيع نفسه في شيئيته. هذا التاريخ وهذه الزمنية يفشلان تماماً في بلوغ الماضي لأنهما يمتلكان حاضراً آخر. فالماضي يبقى مغلقاً على أيّ حاضر طالما، الهوذاك الحاضر ليس تاريخيا في حد ذاته. يكون الهوذاك نفسه تاريخياً بقدر ما يكون إمكانه. في وجوده المستقبلي يكون الهوذاك ماضيه؛ فهو يعود إليه في “الكيف”، ونحو عودته، من بين أمور أخرى، هو الضمير (Das Gewissen). فقط الكيف يمكن أن يستعاد مختبراً كتاريخية أصيلة. لا يكون الماضي أبداً ما مضى، فهو شيء أعود إليه مراراً وتكراراً.

يظن الجيل الحالي أنه قد وجد التاريخ وانه حتى قد أتخم به. إنه ما انفكّ يُعْول بشأن التأريخية (Historismus) وهذا ليس من التاريخ في شيء حالياً، ولأن كل شيء انحل في التاريخ، فإنه علينا استيفاء الفوتاريخي (Ubergeschichtlichen) مجدداً.كأن لم يكف أن يخسر الهوذاك المعاصر نفسه في التاريخ المزيف الحالي. فكان عليه أن يستخدم البقيّة الباقية من زمانيته بغية الإنسلال على نحو تام من الزمان ومن نفسه. إنه في هذا المسار الغريب نحو الفوتاريخي كنا قد وجدنا رؤيا العالم (Weltanschauung) (وهذه هي اللا سُكنى [الغربة] التي تُقوّم زمان الحاضر)

التفسير العمومي للهوذاك يحمل التهديد الخطر للنسبويّة (Relativismus)، والقلق (Angst) إزاءها هو قلق إزاء الهوذاك. الماضي يمكن أن يُعاود في الكيف كتاريخ أصيل. إنّ إمكانية التحصل على التاريخ تتأصل في الإمكان تبعاً لفهم مُطْلَق مخصوصيّةٍ حاضرةٍ لكيف توجد مستقبلياً. هذا هو المبدأ الأول لكل هرمينوطيقا. إنه يقول شيئاً ما بصدد وجود الهوذاك الذي يكون بعينه التاريخية. لن تبلغ الفلسفة جذر التاريخي طالما أنها تحلل التاريخ كأوضوع تأملي (Betrachtungsgegenstand) في المنهج، لأنّ لغز التاريخ يكمن في ذلك الذي معناه أنه يوجد تاريخياً.

بإيجاز يمكن أن نقول: الزمان هو الهوذاك. الزمان هو مخصوصيّتي التي يمكن أن توجد مستقبلياً بواسطة استباق اليقين اللامتعيّن بَعدْ. الهوذاك يكون دائماً على نحو وجوده المستقبلي الممكن. الهوذاك هو الزمان، والزمان هو زمانيّ. الهوذاك ليس الزمان بل الزمانية. إن البيان الأصلي (Grund Aussage) عن الزمان بأنه زمانيّ هو بذلك التّعيّين الأصيل الأقصى الذي ليس من الهيهية (Tautologie) في شيء لأن وجود الزمانية يدل على فعلية غير متهوِّية المضيّ. في هذا الاستباق أنا أكون الزمان أصالةً، أنا أمتلك الزمان. إنه بقدر ما يكون الزمان خاصيّتي توجد أزمان متعددة. الزمان بحد ذاته لا معنى له (Sinnlos)؛ الزمان هو زماني.

إذا فُهم الزمان على أنه الهوذاك، سيغدو مفهوماً التعريف التقليدي للزمان بأنه المبدأ التفريدي السديد (Das Rechte principium individuationis). هذا يُفهم غالباً على أنه جريان غير معكوس تبعاً لزمان الحاضر وزمان الطبيعة.

إلى أيّ حدّ بعد يكون الزمان الأصيل مبدأً للتفريد ينطلق من الهوذاك في مخصوصيّته؟ بالانوجاد مستقبلياً في الاستباق يغدو الهوذاك الوسطي نفسَه؛ في الاستباق يغدو مُبْصراً بوصفه هذه الفرادة الفريدة لمصير (schicksals) في مُضيِّه الفريد. الغريب تماماً بصدد هذا التفّريد أنه لا يترك الأمور تذهب بعيداً شأن تفريدٍ يُؤخذ بمعنى الانبثاق الغرائبي لوجودات إستثنائية؛ إنه يحطم كلّ صَيْرٍ إستثنائي، فهو يفرّد على نحو يجعل الجميع متساوياً في الوجود مع الموت يُجتلب الكلّ إلى “الكيف” الذي يكونه الجميع على قدم سواء؛ إلى إمكانية لا تميز أحداً عن آخر، أي إلى كيف تنحل فيه الـ “ما” إلى غبار .

إستنتاجاً؛ لنضع التاريخية وإمكان المعاودة على المحكّ. في كتاباته غالباً ما يستعمل أرسطو في معرض التأكيد أن الأمر الأكثر أهمية هو التعليم (Пαίδεία) السديد، التأمين الأصلي للشيء، الإنطلاق من المألوفية مع الشيء نفسه، وتأمين الطريق الملائم للتعامل معه. من أجل أن نتكلم محتفظين بالعنصر الوجودي (Seinscharkter) لثَيّمَتِنَا، ينبغي أن نتكلم زمانياً عن الزمان.

نأمل أن نُعاود زمانياً السؤال بصدد ما هو الزمان. الزمان هو “الكيف”. سأْلُنا عن ما هو الزمان ينبغي أن لا يتشبث بسذاجة بإجابة من قبيل (أن الزمان هو كذا وكذا) لأن هكذا إجابة تتعلق دائماً بـ “الما”.

لنضع جانباً الإجابة ونعاود السؤال: ماذا حدث للسؤال؟ لقد حوَّل نفسه. ما هو الزمان؟ أصبح من هو الزمان؟ وتحديداً هل نحن أنفسنا الزمان؟ بل أكثر: هل أكون أنا زماني؟ على هذا النحو أكون قد اقتربت جداً منه، وإذا فهمت السؤال على نحو سديد أكون قد اضطلعت به بجدية تامة. هكذا تسآل يكون الطريقة الأكثر ملاءمة للوصول إلى وللتعامل مع الزمان بوصفه يكون كل مرة من شأني بعدها يصبح الهوذاك الوجود الذي يُسأل عنه.

 

محنة العقل في أفق العلم :

نحو استشكال الماهية والآثر في الفلسفة الألمانية المعاصرة.

يوسف أشلحي

 

إن النظر إلى التقنية بما أنها “قدر العصر” “das Schicksal des Zeitalteres” لم يكن فقط من قبيل الوصف المبالغ فيه، بقدر ما سيكون ضرباً من الاستشعار القبْلي والحدس الفلسفي السابق لأوانه، أو هو خلاصة نظر بعدي، إنبنى على جلال أثر العلم وجلاء وقع التقنية. حاصل ذلك، أمكن للعلم والتقنية أن تصير العنوان اللافت للراهن بما هو زمن تقني، بما له من دلالة مفصحة عن روح العصر بما هو زمن رقمي.

إذا كان المقام الذي أدركه العلم بادياً في أبسط نظرٍ يروم تحديد تعينات التقنية، فآنذاك لن يكون من سويةِ الأمر الإقرارُ بحاصل النظرة التعينية، دون موافاتها بالنظرة التعقلية. وبعابرة استشكالية ؛ كيف نتلمس وجاهة لراهن الفلسفة أو وجوداً حياً لها، إذا لم تساكن عمق الراهن، أو لم يساكنها همُّ العالم؟. فربَّ أصالة فلسفية تتجلى بفعل فرادة الصلة التي تسعى إلى تجسيد مفعولها، قبالةَ أي وضع أو موضوع ينبثق نحو معطى وجودها. بما هو متحيز في وجودها، لكون ذلك السبب الكفيلُ للنظر الفلسفي، لكي يؤمِّن وجوده ويمتن استمراره.

ولما كان تاريخ الفلسفة ما هو إلا ضرب من تجديد الصلات، فليس من غريب الأمر على الفلسفة من أن تجدد الصلة القائمة راهنا بين الفلسفة في عمومها و” فلسفة الأخلاق ” في خصوصها. وبين العلم في عمومه و” التقنية ” في خصوصها. إذن فقبل المضي في أي نمط من الاستشكال لتاريخية الصلة بين التعقل الفلسفي والتعيّن الطبيعي (الفيزيقي). يتعين علينا تحديد طرفيّ العلاقة بما هما عبارة عن نمطين من الانكشاف الخاص للصلة الآنفة. ونعني بذلك معنى الأخلاق؟ ومعنى التقنية ؟.

فليس بخافٍ على مدرك، أن حضور الحكمة الأخلاقية يرتد قرونا إلى القدامة، ارتداد الحضارة الإنسانية ذاتها على القدامة. بيد أن الإقرار بنضج عناصرها الفلسفية. لم يكن ليبرز إلا مع اليونان ” فمعلوم أن اليونان استعملوا للدلالة على هذا الموضوع لفظ Ethikos” (أي خلقي) وهو الذي نقله اللاتين إلى لغتهم بلفظMoralisوقد استعمل المتقدمون من فلاسفة الغرب اللفظين بمعنى واحد باعتبارهما مترادفين، وإن كان نجد بينهم من يؤثر استعمال هذا اللفظ أو ذاك، أما المعاصرون منهم ؛ فأبوا إلا أن يفرقوا بينهما “.

وإذا كان من اليسر بما كان تبيان مدلول الأخلاق في اللغة العربية، فإن الأمر أعوص ما يكون في اللغات الأوربية، حيث أن الترسيم اليوناني للأخلاق “Ethos” سرعان ما صيره التداول التاريخي إلى انطباق تعددي، حتى بات يعسر معها الأمر إقامة تمييز محدد لعوالم كل واحدة على حدة.

إن تقرر أمر تضارب الدلالة المفهومية، فإن التضارب عينه نلحظ واقعه على مستوى الدلالة الإصطلاحية، وذلك ما يكشف عنه المعطى التعريفي بصدد تحديد الأخلاق. رب تعريف قديم يرى في حال الأخلاق رأي فلاسفة اليونان بما هي حال النفس، يسير المرام عبرها ” أن يكون الإنسان مرتاضاً بمكارم الأخلاق ومحاسنها، ومنزها عن مساوئها ومقابحها. آخذاً في جميع أحواله بقوانين الفضائل، عادلاً في كل أفعاله طرف الرذائل“، إلى حيث تعريفٌ من جملة التعريفات الحديثة، يرى في الأخلاق، إنه علم ينصب نظره على أحكام القيمة في ارتباطها بانطباق الأفعال، إن تحسينا أو تقبيحا، أو هي جملة من الأحكام المقررة عند مجتمع معين في زمن محدد.

أما بخصوص مفهوم التقنية Technik، فإن شأن آمرها شأن الأخلاق من حيث أَوْبَة مفهومها إلى الجذر اليوناني. فلفظ التقنية، كما يشي بذلك مارتن هيدغر، ينزح إلى الكلمة اليونانية (Techne) (التخني). ومن حيث معناها التداولي، نجد أن دلالتها تتراوح بين فعل الصناعة اليدوية وحصول القدرة عليها، إلى جانب ارتباطها بالفنون الجميلة.

بذلك استوى حمل مفهوم التقنية على ثلاثة ضروب من التصورات الكبرى: هناك تصور يحمل مدلول التقنية على المعنى الصناعي، وضرب ثان من التصور يرى في فعل التقنية تجسيداً للفعل الإنساني (الأخلاقي، الاقتصادي والسياسي). ونمط أخير من التصور يربط مدلول التقنية بالفنون الجميلة beaux arts. بيد أن التداول الحالي للتقنية أمْيَلَ إلى تزكية التصور الأول بما هي فعل صناعي.

ماذا عن روح الاستشكال التي تطرحه التقنية راهنا ؟. رب نظرة أركيولوجية صوب فاتحة إشكالها لدى اليونان، من شأنها أن تٌُنير لنا عمق الإشكال الذي تراكم صعُدا إلى أن اشتد وتقوَّى بما فيه الكفاية، لتزج بالوجود المعاصر في حمأة دوامة، لا مستهلّ لفكاكٍ يُرجى عبرها.

فالتصور الفلسفي اليوناني، انطوى على ضرب من التعقيل التأملي للوجود، وذلك عبر تأهيل واجهة العلم العملي، وبالأساس في شقه الأخلاقي، قاصدا تأمين صلاح الفرد والجمع في إطار المدينة – الدولة، أو السعي إلى تعقيل علم النظر، وبالأخص في شقه الطبيعي، قَصد استكناهِ روح الطبيعة كما ظهر أمرُ ذلك بجلاء مع أرسطو طاليس ” لما كان حال العلم واليقين في جميع السبل التي لها مبادئ وأسباب أو إسْطقسات، إنما تكون من قبيل المعرفة لهذه، ذلك أن حينئذ إنما نعتقد في كل واحد من الأمور أن قد عرفناه متى عرفنا أسبابه ومبادئه الأولى حتى تبلغ إلى اسطقساته، فمن البين أن في العلم بأمور الطبيعة أيضا قد ينبغي أن تلتمس أولا فيه تلخيص أمور مبادئها “.

إلى جانب قدامة الصلة التي تربط عين الإشكال الدائر حاليا حول التقنية في مهدها اليوناني، فإن روح هذا الاستشكال ما فتئ يكشف بجلاء عن عمق أسبابه ودوافعه وشتى أسبابه، بمجرد إقامة صلة مع بدء تمظهرات حداثته.

ولعل فرادة لحظة الحداثة، يعود بالأساس إلى حدث الانزياح الطريف الذي أقيم في مدار التمرحل التاريخي، والتي كان من بين ما كان من ثمراته، عينُ الاستشكال الراهن الذي نحن عارضون لأمره. فسِرُّ طرافة اللحظة، ينبني على واقع التمكن من إرساء قواعد كلية صلبة، تكفل نجاعة كل الانبناءات التي أرسيت تاليا، إنها بالأساس النظرة التعقيلية التامة بما سعت إلى إحداث انعطاف فلسفي وعلمي متكامل، القاصدِ تأهيلَ فاصلٍ ومؤِّسسٍ لكل ما من شأنه أن يغني نمط الوجود الشخصي أو التاريخي الكلي الجديد.

ومواكبةً لنفس مساق النظرة التعقيلية، فإن عمق مشروع الحداثة رام في نفس الآن الانطباق الفعلي، بما يمكن وسَمْه بضرب من ” التعقيل العلمي للطبيعة ” طامحا من وراء ذلك حيازةَ مفاتيح الغلْق، التي بمُكْنتها فكُّ شفرة الطبيعة وإدراكُ لغز الكوسموس. ولعل جلاء الإفصاح الآنف، لكامن في مسعى غاليليه لترييض الطبيعة “Mathematisierung der Natur“. أو من خلال النظرية الميكانيكية والآلية أفصح عن مرامها ديكارت ” إن ديكارت كشف لأول مرة على الأقل من ناحية الوعي التام بقيمة هذا الاكتشاف، كشف أن العالم هو آلة كبيرة، وآن الأجسام المادية الحيوانية وحتى جسم الإنسان ذاته هي عبارة عن آلات تحكمها قوانين ثابتة، هذا هو التعليل الميكانيكي للوجود الذي سوف يصلح عماد الجدلية الحضارية ذات الاتجاه التكنولوجي “.

إذا كانت مرحلة الحداثة أرهصت بشكل حاسم لمآلات العلم التي بتنا نشهد ونشاهد الأفق الأخير لها راهنا. فإن ثمار هذا التنظير نرى له من التعينات التي ما فتئت تؤثث فضاء الكون وبنية العالم بما لا يكاد يُحصّى ويُعصّى أمره. حتى بدا معه الوجود المعاصر في قَذْفِ من طوفان التقنية، وصار الإنسان في خضم هذا الزمان الرقمي في حيرة مدوية من أمره، وهو تُلاطمه أمواجُ المعلومة وإفرازات الديجيتال.

وهي حيرة باتت تفرض ذاتها على الفلاسفة، وصارت تتسلل لتتوطن معقل الفلسفة؛ بذلك اكتسحت وأزالت الإشكالات التليدة من موطنها وموطئها، لتصبح المسكن المستجد وليس الأخير بالنسبة لها. بما أن التقنية هي جبرية العصر الحالّة في ضيافتنا، أو كما استشكلت أمرها الفلسفة الألمانية في توصيف لها، يحدد موضعها الذي أَهَّلها لكي توسم بـ ” قدر العصر ” “ein Schicksal des Zeitalters“. وهو عين الاستشكال الذي ننقل رِحالَه ونُجري فحصاً لعلل تكونه، ومعلول تعيناته في رحاب هذه المحاولة.

 

I- مـحك التقنية في رحاب النظر الأونطوفينومينولوجي :

إن الأثر الذي أفصح عنه تصيُّر العلم، وما فتئ ينير دربه الانجلاءات التقنية المعاصرة، بما أن هذه الصيرورة اهتدت بشكل حاسم إلى حيث استطاعت ترسيخ قدمها وإنعاش مشروعها بشكل خصب، كما بدا ذلك ساطعا عبر سيولة انطباقاتها في الزمنية المعاصرة. ولعل واقع الأثر ذاك وآنذاك، شكل منطلق النظر ومبعث النقد الذي سيجترح عِلَلَه فلاسفةُ مدرسة فرانكفورت. في تزامن مع ذلك، نلفي ضربا آخر من الاستشكال الفلسفي الفريد einzigkeit ، بما أنه لم يؤسس مهمته تالياً على الأثر، يقدر ما رام ممارسة نمطاً أثيراً من الحدس القبلي. وذلك من خلال معاينة التصيّر الذي آلت إلى تمامه ذاتية المشروع العلمي، وماهية التبدل الذي طرأت على التقنية. وهو عين الاستشكال الماهوي الذي استشكل أمرَه كل من إدموند هوسرل ومارتن هيدغر.

1-            التوصيف الفينومينولوجي لـمحنة الفلسفة والعلم في الراهن :

انسجاماً مع المهمة المعهودة الكائنة على عاتق كل فيلسوف بما يقتضيه المقام من استنسال السؤال، بما هو تعبير عن استشكال راهنه، بما أفضي إليه أو بما سيؤول إليه، وبما أن كل نقد ينبني بالأساس على فرط انفلات يشي به التمشي التاريخي، بما هو مشير ومؤشر على حدوث أزمة، وهي عين القناعة التي نلفى حضورها الملفت عند إدموند هوسرل وبالأساس في كتابه ” أزمة العلوم الأوربية والفينومينولوجيا الترسندنتالية “.

بما أن مكمن الأزمة في المقصد الهوسرلي ” أزمة هذه العلوم في علاقتها مع الإنسان ومع عالم حياته اليومية، وهي تتجلى في أن العلم والفلسفة أمسيا عاجزين عن معالجة الأسئلة التي تلتصق بالإنسان، أسئلة المعنى والتاريخ والحرية “. ولعل علة الأزمة التي استشرى أثرها بشكل بارز في اللحظة الحاضرة، بما لا محيد عن فهم خيط انتسابها إلى عمق لحظة الحداثة، هي روح المهمة التي راح هوسرل يحدد مناط خَلَلها ؛ إن في كتابه ” أزمة العلوم الأوربية…” كما هي ممثلة في سيادة النزعة الموضوعية، أو هو الأمر المماثل الذي سيعمد اجتراح علته، وذلك في كتابه “الفلسفة بوصفها علما دقيقا ” كما هو ممثل في سيادة التمذهب الطبيعي. وتوسلا بالمنظار الفينومينولوجي، سيعمد هوسرل إلى إيضاح مظاهر ” سيادة النزعة الموضوعية التي تجعل من علم الطبيعة الرياضي نموذجا للعلم وتعتبر أن كل دراسة لا يمكن أن تكون علمية إلا إذا حققت المعايير التي بلورها هذا العلم. لمواجهة هذه النزعة يقوم هوسرل بتحليل فينومينولوجي تاريخي لعلم الطبيعة الحديث يستهدف الكشف عن الافتراضات الضمنية التي استند إليها والتي ساهمت في تحديد المفهوم الحديث للعلمية “.

وحده هنا في نظر هوسرل، يصير للمنهج الفينومينولوجي وجاهةَ الكشف عن جذر ومكمن العواصة الذي تراكم ليستحيل إلى أزمة. ما فتئنا نعاين، ويعاني من لوعة أثرها الوجودُ المعاصر. وبألفته، يمضي هوسرل في حصر معالم الدلالة المبدئية لمشكل أصل علم الطبيعة الرياضي في ” التحول الذي طرأ على تكوين المعنى الحي الأصلي وبالنتيجة على وعي المهمة الحي الأصلي الذي نشأ عنه المنهج في معناه الخاص في كل حال. وهكذا فإن المنهج الناشئ التحقيق التدريجي للمهمة، هو منهج فن (Techne) يتم توارثه، لكن لا يتم توارث معناه الحقيقي تلقائيا “، وقد أتاح الاستقصاء الفينومينولوجي بالنسبة لهوسرل إنجاز تحليل رصين لفعل التقننة Technisierung، ومدى أثرها في فراغ علم الطبيعة الرياضي ” يجب أن نأخذ بعين الاعتبار تأثير تقننة العمل الفكري الرياضي الصوري… بحيث تتمكن التقننة من كل المناهج الأخرى الخاصة بعلم الطبيعة… إن كل منهج يحمل بمقتضى ماهيته طابعا سطحيا. هكذا خضع إذن علم الطبيعة عدة مرات إلى تحول وحجب للمعنى “. حتى بات من أوبل المآلات التي تمخضت عن سيادة النزعة الموضوعية Objektivismus، تتبدى جليا في أيلولة عالم المعيش Lebenswelt إلى محض ضرب منسي Vergessenes لعلم الطبيعة.

………………التتمة في العدد

 نيتشه والحقيقة

ريمون غوش

 أ- جدلية العلاقة بين الفكر الحرّوالحقيقة:

يتصف الفكر الألماني بأنه يعشق العقل ولا يسلّم إلا بمعطياته اليقينية النابعة من التجارب، وبالتالي، فإنه يتميز بالبراغماتية. ولكن حين يصطدم بعقبات كبرى يعود ويلجأ إلى الإيمان والاعتقاد. وقد عبّر عن هذا الواقع خير تعبير الأديب الفرنسي ستاندال في هزئه من الفلاسفة… فعندما يقول أحدهم: “يطيب لي أن أعتقد”، فهذا يعني أن عقله لم يعد يجد الحلول للمشكلات التي يعالجها، فيلجأ إلى الإيمان. أما المفكر “لوسيان لوين”، فقد ذهب بعيداً في نقده لطرق التفكير الإلماني، وقد تناول هذه القضية باستخفاف، إذ يقول: “عندما يكون الفيلسوف الألماني قد وصل في بحثه إلى الاسنتاجات المنطقية، يعود إلى الإيمان ليفسّر ما عجز العقل الألماني عن أن يقدمه”.

وينطبق هذا الأمر بدقة على نيتشه بطبيعة الحال، إذ أنه يتناول الحقيقة تماماً كاللا حقيقة، ويهزأ من الفلاسفة التقليديين الذين ألّهوا الحقيقة وجعلوا فلسفتهم تدور حولها، كأنها الأمل المرتجى، وهي بمثابة خشبة الخلاص في حياتنا. لقد احتقر نيتشه سلطان العقل، وكان همّه الأساسي إبعاد أية فكرة تؤسس لأي عمل كان، ورفض كل استنتاج ينبثق من هذه الفكرة أو تلك، كما هي الحال والعادة في المفاهيم الكلاسيكية. وهو يعتقد أن كل عمل إرادي يهدف إلى تحقيق المطلق سرعان ما يجعل الفكرة تتناقض مع ذاتها. فلكي يحظى التأمل الفلسفي بسبر أغوار الأشياء ودرسها بعمق، عليه أن يستند إلى منطق قوي وأن يشكّك في النتائج التي وصلت إليه. كما أن التحليل الفلسفي يتطلب من المفكر التمتع بعقلٍ حر إلى أقصى درجة. والفيلسوف الواثق من فكرة سرعان ما يتساءل عن ماهية آخر حقيقة وصلت إليه وعندئذٍ يتأكد من أنه ما من أحد باستطاعته أن يطال الحقائق بشكل نهائي ومطلق. لذلك يعتبر نيتشه أنه يجب تناول الحقيقة كتأويل وتفسير لأنها تتكوّن بالواقع من مجموعة تفاعلات متداخلة وناشطة بين الغرائز. وتعمل دون كلل في خدمة علاقات وتجمعات منظمة، وتمتحن نفسها بشكل عام. والمقصود بالغرائز عنده إرادة الاقتدار، أي نزعة جارفة غير محدودة تغذّي حركة التأويل أو الشرح أو التفسير. فالغريزة لا تكوّن الكائن الأونطولوجي، ولا تطرح إشكالية، وبالتالي لا توصلنا إلى الموضوعية العلمية كونها تعمل وفق تأويلات متنوعة ومختلفة، فلا يمكن الركون إليها. إن قراءة الواقع مهما كانت قوية من حيث أنها تبعد الأفكار المسبقة والمنطق الضعيف، فإنها تبقى في باب التفسيرات. وهذا يعني أن كل حقيقة هي تأويلية وضرورية لجنسنا البشري.

إن تفكير نيتشه يقودنا إلى نتيجة تبعث على الدوار، ذلك أنه إذا كانت الحقيقة تدخل في لعبة الغرائز الأزلية، فالفيلسوف ليس غريباً عن هذه اللعبة، وعليه أن يلعبها بامتهان. إن فهم هذا المنطق وقبوله يصنع حتماً الفكر الحر الذي اعتبر العمود الفقري عند نيتشه.

وثمة جدلية قائمة بين الحقيقة والفكر الحرّ، وقد تناول نيتشه هذه الجدلية في معظم كتبه… وأكّد أن الفكر الحرّ عليه أن يتخلّص من الإرث الثقافي والعلمي والديني، وأن يحلّق على القمم ليحصل على النشوة بعيداً عن الحياة اليومية. على المرء أن يتحرّر من علائق المجتمع، ويهتم بذاته وبفرديته، وبالأنا التي طالما حاول الإنسان تدميرها. لقد تعلّم الإنسان أن يحارب نفسه ونزواته ورغباته لأنها تعود عليه بالأشياء السيئة. فطالب نيتشه في المقابل، بأن يعود إلى الجسد والغرائز وتموّجات الرغبات، كي يحصل على لذة الحياة ولْيقبل عليها كالمجنون.

إن جدلية الحرية والحقيقة تتطلب من كل مَن يريد أن يكون مبدعاً في الخير والشرّ، أن يكون أولاً مدمّراً أو أن يحطّم القيم: وذلك لكي يتحرر من وطأة “الموروث” الذي يكبّل الإنسان ويمنعه من الصعود إلى أعالي الجبال ليرى الأودية السحيقة. يقول البعض بشرعية وجود فكرة الحقيقة كالعلماء والمفكرين ورجال الدين، وذهبوا بعيداً في جعل الإنسان الذي يحصل على حقيقةٍ ما يعمل بموجبها. وعلى الفيلسوف بالذات، أن يكون حازماً في نتائج عمله العقلي، بعد أن يكون قد شكّك وطرح  الأسئلة حول الموضوع المطروح. وهذا يعني أنه من واجب الفيلسوف، خدمةً للحقيقة، أن يكون جريئاً بالتضحية بكل آرائه واعتقاداته ومنافعه الذاتية التي يتبيّن أنها بعيدة عن جوهر الحقيقة التي يفتّش عنها. إن واقع الدفاع هذا يضع الفيلسوف في مرتبة متساوية مع سائر الناس، ويبعد عنه أي امتياز. كما كان الحال بالنسبة الى سقراط الذي استخدم فن الخداع الذاتي في تساؤلاته مع محاوريه… وهذا ما جعل التطبيق الكلي للفلاسفة يُكذّب نظرياتهم. يقول في “نَسَبِ الأخلاق”: “ولنأخذ أهم آراء الفلاسفة القدامى والمعاصرين، فلم أحظَ على فلسفة واحدة لديها درجة من الوعي فيما يتعلق بإرادة الحقيقة، لأنها جميعاً تفتش دائماً عن تبريرٍ لأعمالها. وهذا الأمر يخلق حماقة ترتكبها كل فلسفة”.

ويسأله البعض فيما إذا كان واحدنا عليه أن يقيم مثالاً له؟ فيجبيه نيتشه، هل التطور الحياتي يتطلب منا إقامة مثال، أم إسقاط مثال؟ وهل تساءلتم كفاية عن ثمن قيام أي مثال، وعن إمكانية وجوده؟ ولتحقيق هذا الأمر، كم من مرة أخفينا الحقيقة وغفلنا عنها ؟ كم من مرة برّرنا أكاذيبنا وضعضعنا ضمائرنا وضحّينا بالمقدسات؟! ويختم: حتى نستطيع أن نشيّد معبداً، علينا هدم آخر. وهذه هي القاعدة. فليبرهن لي أحدهم وقوع حادثة واحدة تخالف ما قلته!… في الواقع، نحن الرجال المعاصرين إننا ورثة التشريحات الحيوانية لضمائرنا، وكم من طريقة سيئة طبَّقناها على أنفسنا خلال الآلاف من السنين. يقول إن الإنسان نظر إلى نفسه بعين سيئة، وخاصة إلى ميوله الطبيعية، بحيث جعلها متماثلة مع “الضمير السيء”. وهذا يعني أننا جعلنا المثال عدو الحياة لأنه يلزمنا أن نضحي بغرائزنا، وبأحاسيسنا، وبطبيعتنا، من أجل إعلاء شأنه وعبادته.

في هذه الجدلية الطامحة إلى تحقيق المثال التقليدي، نقع في الالتباس، ذلك لأن هذا المثال هو مدّمرٌ للحياة، وقاتل للحرّية ولمتطلبات الإنسان على هذه الأرض. إن المثال التقليدي يبعدنا عن الحياة الرغيدة على هذه الأرض، ويطلب منا التضحية بكل شيء من أجل تكريس سلطة المثال الذي نبدعه. وإذا خالفنا هذا الأمر سيقف ضدّنا كلّ الصالحين من الرجال، وكل الحكماء وغير المبالين والتوفيقيين والسطحيين والمتعبين.

ويلاحظ نيتشه أننا ندمّم أنفسنا أو ندمرها إذا نظرنا إليها من علياء مثالنا هذا. كما نرى أن العديد من الناس يقف إلى جانبنا ويدفع بنا إلى الاقتناع بما نحن ذهبنا إليه. ولكن المطلوب هو النقيض، علينا أن نجد نمطاً آخر من التفكير وجنساً آخر من المفاهيم: علينا أن نجد مفكرين قَوَّتهم الحروب والانتصارات، إذ أن الاكتشافات والمغامرات والأخطار، وحتى الآلام، أصبحت ضرورية لهم، هؤلاء أصبحوا معتادين على الهواء الناشف في المرتفعات، ولا تغيرهم عادات المشي في الشتاء وعلى الجليد، وفي الجبال”. يلزم هؤلاء نوعاً من الخبث والدهاء العالي، وحسّ للمعرفة وهمّة عظيمة، وذلك لأنه يعتقد أن الإنسان في نظره هو ” حيوان لطيف وباسل وواسع الحيلة، ولا مثيل له على الأرض، وما من متاهةٍ لا يجد فيها طريقاً له”. ويضيف إنه يعمل ليجعل هذا الإنسان يتقدّم ويجعله أكثر قوّةً وخبثاً وعمقاً مما هو عليه” ولكن كيف يأتي صاحب هذه القدرات؟

ب- جدلية العلاقة بين المبدع والحقيقة:

يؤكّد نيتشه أنه في زمنٍ ليس ببعيد، وفي وقت الشدائد الذي يتطلب القوة، لا بدّ من أن يجيء الرجل المنقذ صاحب الحب الكبير والاحتقار الكبير. سيأتي الرجل المبدع الذي يتمتع بقدرة رفض تبعد كل الهامشيين وكل الأغبياء، الرجل الذي تكون وحدته مجهولة من قبل الشعوب والتي تكون كالهاربة أمام الحقيقة. لا همّ لدى هذا المبدع سوى الغوص في الأعماق، وتَلْف ما يمكن تلفه، والتوحّد مع الحقيقة، ليعود يوماً ويخلّص هذه الحقيقة المدفونة، ويفتديها بما علق بها من تشوّهات، وما تركه فيها من مغالطات.

وفي هذه الجدلية، لا بد من أن يأتي رجل الصيرورة الذي طالما حلم به نيتشه، ليخلّصنا مرةً واحدة من مثالنا الحالي، أو مما يمكن أن يظهر منه بفعل الضرورة، من قرفٍ كبير، ومن إرادة العدم، ومن إنكار للقيم. عندئذٍ يدق جرس الظهيرة، وتأتي الدينونة الكبرى. سيأتي محرّر الإرادة الذي سيحدّد للعالم هدفه، وللإنسان رجاءَه، وهو ضد المسيح وضد العدمية (…) عليه أن يأتي يوماً.

وبانتظار مجيء الموعود لا عمل لديَّ سوى الصمت وإلا عليَّ الجلوس في حقل حيث سيأتي الموْعود الذي سيكون أكثر شباباً مني وله مستقبل ماجدٌ وقوّةٌ تتفوّق على قوّتي. إنه زرادشت.

في هذه الجدلية بين الفكر والحقيقة، لم يستطع نيتشه أن يصل إليها من خلال فكره كما فعل هيغل، إنما قادنا نحو نظرية ما ورائية يشحذ منها مجيء المخلص الموعود الذي سيأتي ويخلّص الفكر من موروثه السيء ويجعله يتلذذ بالحياة ويقبل عليها.

هذا المخرج الذي أنبأنا به هنا، نراه موجوداً في “ما وراء الخير والشر” أيضاً، وكأنه يكرّر ذاته. يقول في كلمات الفلاسفة عن الحقيقة وعن جدلية وجودها، وعن ارتباطها بالحرية: “إن إرادة الحقيقة هذه، كم من الأسئلة قد طرحت عليها! يا لها من أسئلة عجيبة ورديئة ومريبة! إن لها بالفعل تاريخاً طويلاً، وإن بدا أنه لا يزال في أوَّله، ولا عجب إذا ما انتهينا إلى الارتياب، إذا ما فقدنا صبرنا وتَبَرّمنا بالأمر؟ إذا ما علّمتنا هذه السفينكس أن نطرح الأسئلة بدورنا؟ وأصلاً ما الذي يطرح علينا الأسئلة هنا؟ وأصلاً ما الذي فينا يصبو إلى الحقيقة؟”

لقد توقفنا بالفعل، مطولاً أمام السؤال عن منبت هذه الإرادة، حتى استقر الأمر بنا كلياً في آخر المطاف، أمام سؤال أكثر عمقاً، إذ سألنا عن قيمة هذه الإرادة”.

ويضيف نيتشه: هل الحقيقة تأتي من الضلال، وإرادتها من إرادة الخداع، والفعل الغيري من المصلحة الذاتية، أو حكمة الفيلسوف عن الشهوة ؟ ويؤكد أن هذه العملية الذهنية خاطئة إذ أن الأمور لا تتولّد على هذا الشكل. فالأمور السامية لا يمكن أن تأتي من هذا العالم ومن هذه الدنيا الفانية والخادعة والوضيعة، بل من الإله المخفي القاطن هناك وليس هنا.

ويستنتج نيتشه أن القضايا المثالية مرتبطة بالميتافيزيقيين الذين يؤمنون “بأضداد القيم” ولم يخطر على بال أحد منهم، التشكيك، في هذا المنبع للحقائق، حتى ديكارت الذي قال بأنه “يشكك في كل شيء”، وذلك لأن لا وجود للأضداد على الإطلاق، وإن ما ذهبوا إليه ليس سوى “تخمينات سطحية ” تذهب بها من أسفل إلى أعلى. وينهي نقده بأن كل الموروث الميتافيزيقي الآتي من الفلاسفة التقليديين، لا يوصلنا إلى الحقيقة، وعلينا انتظار مجيء جيل جديد من الفلاسفة “الذين لهم ذوق ما وميل ما مغاير ومعاكس لأسلافهم (…) ولنقل بكل جدّ: إني أرى بزوغ مثل هؤلاء الفلاسفة الجدد”. وبطبيعة الحال، سيظهرون بعد مجيء المبدع الذي سيعطي هؤلاء الفلاسفة مفاهيمه الجديدة ونظرته المختلفة إلى الكون.

وبانتظار مجيئه ومجيئهم، علينا أن نعمل على حلّ المشكلات التي تعترضنا، وذلك باستنهاض ” فِطَر الإنسان الأصيلة المبدعة ” والتي هي أقوى من كل المشاعر القيّمة، لأنها والدتها، في التوليد المستمر سمو تعزيتها لأنها تفقد أولادها باستمرار. ويضيف: “أية قوى يا ترى استطاعت أن تخبرنا عن جحد ذلك “الإيمان بالحقيقة”، إن لم تكن الحياة نفسها بكل فطرها الأصلية المبدعة! هذا يعني أنه لا يؤمن إلا بالجسد وبالغرائز، وبإرادة الاقتدار التي تقود حياة الأفراد. ويحاول بالمقابل، أن يبتعد عن آراء الفلاسفة الذين يوهمون الناس بأنهم يملكون الحقيقة بفعل إلهامٍ يأتيهم على غرار ما يحصل للمتصوّفين، يرى أنهم نفعيون، لا همّ عندهم سوى تأمين غلبتهم، لذلك يلقّبهم “بالمحامين الماكرين”، إذ يطلقون أحكاماً ويطلبون منا تصديقها “كحقائق”، “وما أبعدهم عن شجاعة الرأي التي تقرّ، بذلك بالضبط، وما أبعدهم عن ذوق شجاعة الرأي الذي يفصح أيضاً عن ذلك، يفصح عنه سواءً لتحذير خصم، أو صديق، أو للهزء من الذات وبفعل بَطرٍ مقدام”.

ج- جدلية العلاقة بين الفلاسفة والحقيقة:

إنه يطلب من الفلاسفة الإقدام والقوة، وعدم الاسترخاء للمقولات الميتافيزيقية التي تبعدنا عن الواقع المعيش وعن متطلبات الجسد. يرى مثلاً أن ” كانط العجوز يجرّنا بريائه المتكلّف والمحتشم معاً، إلى الشعاب الجدلية التي تقودنا، أو بالأحرى تؤدي بنا إلى “الأوامر” والمقصود بها الأوامر الأخلاقية التي تنبع من الواجب، وقد توسّع بها في كتابه نقد العقل العملي. وهي أوامر لا شيء يحدّها، وتطلب منا الوصول إلى المطلق في عملية تنفيذها، مؤكدة أن لا غاية من ورائها سوى إتمام الواجب على أكمل وجه.

ويعتبر نيتشه أن أوامر كانط في الأخلاق هي حيل لطيفة تقودنا إلى تنفيذها وتصديقها والعمل بموجبها، وهي أوهام استقاها من مفهوم ميتافيزيقي بعيد كل البعد عن حياتنا ورغباتنا. إن هذه الأوهام تدفع نحو الكبت والإخصاء، ولا تحترم حرية الإنسان في فعل ما يحلو له وانتقاء ما يريده… وبالتالي لا حقائق كما يدعي كانط.

ومثلما حارب نيتشه كانط، هاجم أيضاً سبينوزا الذي يعتبره مشعوذاً، لأنه يدعّم حقائقه بالصور الرياضية، كما فعل قبله أفلاطون عندما وضع نظرية المثل والمشاركة، والتي دعّمها بالأصول الرياضية التي تقوده إلى التجريد. فسبينوزا “يحب حكمته” ويُقنّعها بالرياضيات ” ليثبط بدءاً عزيمة أي معتدٍ قد يجازف بإلقاء نظرة على هذه العذراء المحصنة، على أثينا الفتاة. فكم ينمّ تنكّر ذلك الناسك المريض عن حياة ووهن!”.

يستخلص نيتشه بأن أهم الفلسفات هي أفكار ذاتية يسقطها المفكّر على الآخرين، ويدّعي أنها أفكار عامة، محاولاً إبعاد ذاته عن الموضوع. وهذا أمر يعتبره بمثابة استغباء للآخر وتحايل عليه، لذلك سيقول عن أهم الفلاسفة بأنهم ماكرين محتالون يشحذون من الميتافيزيقا أفكاراً لإقناع الناس بها، وهي في الواقع أفكار نابعة من ذاتهم يحاولون فرضها على الآخرين. قال: “إن كل فلسفة كبيرة” حتى الآن هي نوع من المذكرات، وأن النوايا الأخلاقية أو (اللا أخلاقية) تشكّل في كل فلسفة “بذرة الحياة الأصيلة التي انبثقت عنها في كل مرة النبتة برمتها”.

بعدئذٍ، يهاجم أبيقور وخبثه، لأن همّه كان النيل من أفلاطون والأفلاطونيين الذين أسماهم “مدّاحو ديونيسيوس” والذي اعترف بأنهم “ممثلون ليس فيهم شيء أصيل”. انتقده أبيقور لأنه كان مستاء من فخامة اللباقة، ومن فن تسليط الأضواء على الذات الذي حذق فيه أفلاطون وكل تلاميذه.

كذلك رأى في تنظيم الطبيعة من قبل الرواقيين تلاعباً بالألفاظ. يقول نيتشه “تصوروا كائناً على غرار الطبيعة، مسرفاً بلا قياس، ولا مبالياً بلا قياس، من دون نوايا ولا اعتبارات، من دون رحمة ولا عدل، مثمراً ومقفراً ومبهماً على السواء. تصوروا اللامبالاة عينها سلطاناً، فكيف يمكنكم أن تعيشوا وفقاً لهذه اللامبالاة! والحياة أليست بالضبط إرادة كون مغاير لهذه الطبيعة؟ (…) إنكم تطلبون من الطبيعة أن تكون “وفقاً للرواق”، وترغبون في جعل كل الوجود وفاقاً لصورتكم الخاصة، وحسب، كتبجيلٍ عظيمٍ وأبدي للرواقية وتعميم لها”.

وينهي نيتشه نقده بالقول إن الرواقية تَسْتبّدُ بذاتها وبالطبيعة أيضاً. وإن ما تدّعيه من حقائق غير صحيح، وإن حريتها أصبحت أسيرة ما طرحته من مفاهيم ومن العيش وفق الطبيعة. ما يريد أن يؤكده ضدها هو أن إرادة الإنسان أقوى من إرادة الطبيعة، وأن الأفراد يعيشون انطلاقاً من ذاتهم وغرائزهم ونزواتهم، وليس بناءً على ما تطلبه الطبيعة، لذلك يرى نيتشه هنا أن الرواقية ترتكز في ميتافيزيقا من أجل أن تعطينا حقائقها، وأن المطلوب هو ترك تلك المفاهيم والانطلاقة من الذات البشرية العاملة على سدّ حاجاتها ومتطلباتها.

في هذا المقام عكف باتريك وتلنغ على إيجاد علاقة جدلية بين الحقيقة والنسيان، إذ اعتبر أن النسيان عند نيتشه هو عملية استبطان داخلي يعكس دليل قوة، لأنه يصبح جزءاً لا يتجزأ من اللاوعي، ويلعب دوره بثقة كاملة. هذه الثقة لا يمكن للفكر الواعي أن يطالها مهما استند إلى البراهين، لأنه يقع أحياناً في الحيرة، أو يقوم بخطوات خاطئة في مجال التفتيش عن الحقيقة. إن المعرفة اللاواعية تحدس المعرفة حدساً، وعبر العرفان تحقّق مبتغاها في تحصيل العلم اليقيني. هذه الوظيفة المعرفية للوعي تعادل الغريزة عند نيتشه، لأنها تقود إلى المبتغى من دون أن نفكّر. وهذا ما قصده أيضاً ديكارت عندما قال “بأن معرفة الحقيقة شبيهة بصحة النفس: عندما نملكها لا نعود نفكر فيها”. وذلك لأنها تصبح مكتسبة وفطرية في إدراكاتنا. فالنسيان إذاً، لا يعني غياب الشيء المفكّر فيه، بل إدخاله في باطننا بحيث يمكن أن يصبح جزءاً من مفاهيمنا يعكس قوة في ثقافتنا. فالحقيقة لا تصبح حقيقة فعلاً، إلا إذا هضمناها وأصبحت في باطننا، وتحوّلت دون عناء فكراً متموضعاً. يقول نيتشه: “إن قوة المعارف لا تكمن في درجة الحقيقة، بل في قدمها وفي درجة هضمها وفي ارتباطها بشروط الحياة”. فالحقيقة بحدّ ذاتها هي عملية تفسير للواقع من بين سائر الأغراض والإمكانيات والأهداف. ونظرية ديكارت في المعرفة تؤكد وجود رابط أساسي بين الحقيقة والنسيان، شرط أن يكون هذا الأخير قد هضم كامل المعارف التي أدركها الإنسان.

لم يستطع نيتشه أن يتفهّم عمل الفلاسفة الطويل في تفتيشهم عن الحقيقة، لأنهم ضلّوا الطريق وضلّلوا بدورهم الناس. فهو يهاجم فولتير على “سذاجة غير مسموح بها-” آه فولتير! يا للإنسانية! يا للبلاهة. إن للحقيقة وللبحث عنها خطباً ما؛ فإذا ما انكبّ الإنسان عليه بإنسانية مفرطة- وهو لا يبحث عن الحق إلا من أجل فعل الخير- أراهن على أنه لن يجد شيئاً !”.

يعتقد نيتشه أن البحث عن الحقيقة ليس إلا لتضليل الناس، لأن الحقيقة هي نتيجة الخطأ الذي يقع فيه الإنسان. فكل الفلاسفة عبر التاريخ الذين دافعوا عنها، وطالبوا بها اعتبرهم “أغبياء وبهائم وثيران”. يقول لهؤلاء الفلاسفة: أتعتقدون أن “الحقيقة امرأة ساذجة وخرقاء إلى حدّ أنها بحاجة إلى مدافعين: وكأن بها حاجة إليكم بالذات، يا فرسان الهيئة المحزنة، أيها السادة التنابل (…) أنتم تعلمون جيداً أنه ليس من المهم البتة، أن لا تكونوا أنتم بالذات على حق، وأن لا يكون أيّ فيلسوف على حق حتى الآن (…) فمن الأفضل لكم أن تروغوا جانباًّ! افزعوا إلى الخفاء (…) فاستشهاد الفيلسوف “وتضحيته في سبيل الحقيقة” تظهر ما كان يخفي في ذاته من ممثّل وداعية محرّض”. وهذا ما حصل لسقراط لأنه أراد تحدّي السلطة القائمة ولم يترك المدينة مع طلابه.

على الإنسان الواعي والناقد أن يعي حقيقة الفلاسفة هؤلاء، ويميّزها من حقيقة الحقيقة. وعليه أن يدرك أنهم يستخدمون الحقيقة في الفلسفة من أجل قمع سائر الناس، وقتل روح التمرد فيهم، والإندفاع والعنفوان، فكل ما يقدمونه هو ملهاة ساخرة، ذلك لأن كل فلسفة هي من نشأتها تراجيديا طويلة، بعيدة عن فلسفة القوة وإرادة الاقتدار.

يرى نيتشه أن الحقيقة مرتبطة بالخطأ، وبأن جميع الوقائع تأتي منه. “فمغلوطية العالم الذي نعتقد أننا نعيش فيه، تبقى من أي منظورٍ كان، أوثق وأمتن ما يمكن أن يقع تحت بصرنا، ذلك أننا ننخدع بألف حجة عندما نفتّش عن ماهية الأشياء”. يقف الفلاسفة أمام الوعي يطلبون منه أن يعطيهم أجوبة صادقة لأن لا يقين عندهم كونهم كانوا عرضة لأفضل خداع، وجلّ ما وصلوا إليه التخيّل والترائي، ولأن لا فرق بين الحقيقة والمغلوط وفق نيتشه/ عملية تأويل وتفسير ولا توفّر قاعدة مطلقة. عندئذٍ نلجأ إلى الوهم كضرورةٍ، نركض وراءه من أجل استقرار الحياة. ونحوّله حقيقة، نؤمن بها بقوة. فالحقيقة تحوّلت إلى خطأ، فنقول هذا خطأ قديم، وهذا خطأ سطحي، وذلك أعمق. يقول المناطقة إذا كانت مقدمات القياس صحيحة، فالعملية المنطقية هذه  تقود إلى نتائج منطقية. يعترض عليهم نيتشه قائلاً ما السبب الذي يدفع نحو هذه القناعة؟ فيجنّ جنون المناطقة لأنهم يعتقدون أن غرفة العمليات هي الأشياء العينية، ولا يمكن العمل خارج التجربة. يرد عليهم نيتشه بأنه إذا كان الواقع هو تأويل يقودنا إلى الخطأ والوهم، فالفلسفة إما أن تكون في موقع غير مبالٍ، أو أن يكون عليها انتظار تدخل عوامل جديدة في عملية التأويل تلك من أجل تغيير الواقع.

وهل يوجد فرق في الخطأ؟ أخطاء يمكن دحضها وأخرى لا يمكن دحضها؟ هذا هو خط نيتشه في التأويل المعرفي. فالمعرفة التي لا يمكن دحضها تكون متجذّرة في قيم فريدة لثقافة معينة هي نتيجة لاستخدامات عملية ولعادات قد مورست لفترات زمنية طويلة. فالحقيقة لا تكون شابة. أما في قضايا الوهم والتخيل الخاطئة، فإذا عاشت لفترات طويلة في مخيّلة الناس، فإنه من الواجب علينا أن نقول عنها أنها تخيّل فعّال، خطأ تمّ وضعه على محك التجربة وبقي حيّاً في تنظيم جماعةٍ بشريةٍ معينة.

وبناء عليه، يمكن تعريف الحقيقة بأنها الخطأ المعمّر الذي أثبت جدارته عبر الأزمنة، والذي تعوّدنا عليه، ولذلك لم نعد نتساءل عن صحّته. لذلك يصرّ نيشته على القدم من أجل أن يحدد الحقّ. يقول في أغانيه للأمير فوجيلفري Ghansons du prince Vogelfrei وتحت عنوان “في الجنوب”:

في الشمال أتردد كي أعترف،

لقد أحببت امرأة صغيرة من عمر الكهولة وفي حدود الرجفان.

كان اسم تلك المرأة العجوز: “الحقيقة”…

على الفيلسوف أن يحدّد خياراته ومصادراته الفكرية وتأويلاته في مدى بعيد، والذي يحدّد صحة خياراته هو المعيار التطوري للثقافة على مدى مراحل طويلة من تاريخ الشعب الذي ينتمي إليه. عندئذٍ، يستطيع أن يحكم إذا كانت القيم التي اختارها مؤاتية أو معوّقة لتطوره. ذلك أن الزمن وتجاربه هو الذي يحدّد أية قيمة تعمّر أو

تسقط: إنه قادر على إسقاط كل قيمةٍ لا تنفعه من خلال الإستعاضة عنها بقيمٍ أخرى، أو بمعاكستها، وفق متطلبات الواقع وتفسيراته.

فالفلاسفة الذين ادعوا أنهم يمضون وقتهم من أجل خلق فلسفات تعمل للوصول إلى الحقائق واكتشافها، هي فلسفات فارغة وأصحابها يدّعون الفلسفة، وهم فارغون مثل أقوالهم. إن الفلسفة الحقيقية هي التي تنبثق من نظام خاص لتأويل الأشياء، وهذا يعني أن عليها أن تكشف عن شكل معيّن من إرادة الاقتدار: “تنمو إرادة الحقيقة بقدر ما تخدم إرادة الاقتدار”. والفلسفة التي يدعو إليها عليها أن تكون أيضاً مرادفاً للنصر والديمومة، وهذا بفضل نموذج محدد من اللاحقيقية التي تجعل من العديد من الأخطاء، الأساس لحفظ نوع محدود من الكائنات الحية. وعلى الفيلسوف أن تقوده غريزة فنّان مبدع  ليخلق أشكالاً جديدة ويطرح معادلاتٍ وعلاقاتٍ تسمح له بأن يضع حقائق جديدة. فغير مسموحٍ أن يفتش الفيلسوف عن الحقائق في الماضي، ويقول لقد وجدت نظرية تعكس واقع حياةٍ شعب ما، بل المطلوب منه هو أن يبتكر أفكاراً جديدة تنقل الشعب من حالة إلى أخرى أكثر تجدداً ونشاطاً وابتكاراً. ولا يتمّ ذلك إذا لم تحرّكه فلسفة القوة التي هي الحافز والمعيار لكل وثبة ثقافية وحضارية. على الفيلسوف إذاك، أن يحدّد العلاقات الأساسية التي تربط الوقائع، وأن يحوّل العمليات الغرائزية إلى “أشياء” وأن يقيّم التفسيرات والتأويلات المتعددة والمتنوعة. ويتجلى هذا الأمر في الفن، وليس من خلال التأملات الفكرية التي تعود إلى العدمية والمحو الذاتي.

……………………..التتمة في العدد

قراءة سيكولوجية لكتاب “الكينونة والعدم”.

نقولا المتيني

…. الإشكالية الأساسية التي تفرض نفسها للوهلة الأولى، إنما هي إيجاد شروط إمكان قراءة سيكولوجية لبحث أنطولوجي فنومينولوجي يرتكز على خلفية وجودية. لا يكفي القول إن سارتر يقوم، في بعض الفصول، باستعمال مصطلحات سيكولوجية لمقاربة موضوعات مفصلية قي علم النفس كالتحليل النفسي واللاوعي والخداع النفسي والحب والرغبة والسادية والمازوشية وعقدة النقص…، ولا يكفي القول إنه يلجأ في بعض الأحيان إلى مؤلفاته السيكولوجية المتعلقة بالانفعال والمخيلة، بل ينبغي التأكيد أن المقاربة الفلسفية الأساسية في هذا الكتاب، تتناول تركيبة الوعي في علاقته مع ذاته ومع الآخر، وتستخدم لغة فلسفية -وسيكولوجية في بعض الأحيان– لصياغة رؤية جديدة “للواقع الإنساني” في كل تفاصيل حياته النفسية الملموسة. الكينونة المفصلية في هذا المؤلف، إنما هي كينونة الوعي الإنساني، والعدم ملازم لنشاط الوعي من حيث إنه يعدّم المعطى الذي يموضعه ويتجاوزه؛ وفعل التعديم هذا ملازم للكائن الإنساني المحكوم بالحرية بمقدار ما يكوّن ذاته وزمنيته النفسية عبر تجاوز مستمر لما هو معطى. الحرية هي محور هذا المؤلف لأنها تشكل الخاصية الأساسية لهذا الكائن الواعي، فكل الموضوعات تتمحور حول هذه المسألة. من هنا، فإن الانتقادات التي يوجهها سارتر باستمرار لنظريات اللاوعي والحتمية النفسية، مستبدلاً مفهوم اللاوعي بمفهوم الخداع النفسي، والتحليل النفسي الفرويدي بالتحليل النفسي الوجودي، وإن نظريات الحب والرغبة والسادية والمازوشية والفعل الإرادي وغيرها من النظريات السيكولوجية تهدف إلى إثبات حرية الاختيار الملازمة للواقع الإنساني من حيث هو كائن يعي كلَّ ما يعيشه نفسياً في علاقته مع ذاته ومع الآخرين. غير أن سارتر يميّز بين وعي الذات

1-              بنية الوعي و”النفس“.

…. إن السيكولوجيا السارترية المتأثرة بالكوجيتو الديكارتي وبالقصدية الفنومينولوجية ومعرفة الذات. أما أهم الموضوعات السيكولوجية في هذا المؤلف فأهمها: للوعي (عند هوسرل بشكل خاص) هي في جوهرها سيكولوجيا الوعي التي تردّ المعيش النفسي

*-هذا الكتاب من تأليف جان بول سارتر وترجمة د. نقولا متيني صاحب هذا البحث

إلى أفعال الوعي القصدية، وترفض أي محتوى وأي معطى نفسي “داخل” الوعي، أو قابعاً في أي كيان للاوعي أو للأنا العميق. الوعي هو فعل يستهدف دائماً موضوعاً ما، ويحدد علاقته النفسية به بفعل قصديته، وهو الذي يعطي دلالة ومعنى للموقف المعيش. ويقدم سارتر تصوراً “جشطلتيا” للإدراك الحسي عندما يصف العلاقة بين صديقه “بيار” الذي ينتظره في المقهى، بحيث يجعله وعيه شكلاً بارزاً في الحقل الإدراكي وبين المقهى الذي يعدّمه وعيه هذا، فيحوله إلى عمق خلفي (57).

… من ناحية أخرى، فان الوعي في تركيبته الإنعكاسية، هو إدراك حدسي شفاف لذاته، فالعلاقة بينه وبين ذاته هي علاقة بين الوعي المنعكس على ذاته وبين الوعي المنعكس. هذا التمييز هو تمييز نظري بين لحظتين: المنعكس على ذاته يجب أن يكون وأن لا يكون في الوقت نفسه، هو المنعكس الذي هو المعيش النفسي. مثلاً، إن وعيي بخجلي هو خجلي ذاته، وليس هو في الوقت نفسه، هذا الخجل كما هو في ذاته.

… هكذا فان الوعي ينسلخ عن ذاته حين ينعكس على ذاته، وحين يخرج من ذاته مستهدفاً الموضوع الخارجي، والآخر بشكل خاص. إنه يعيش حالة نفسية من “التشتت الاصلي”في بحثه عن ذاته في مكان آخر، في العالم الخارجي. ولكنه يحاول دائماً، بواسطة انعكاسه على ذاته، أن يستعيد وجوده الذي يعيشه خارج ذاته، ليشكل به كيانه النفسي (ماهيته). انه “كائن الابعاد”، يعيش خارج اللحظة الراهنة، في الماضي والمستقبل، فيولّد هكذا زمنيته النفسية التي هي نسيج من الوقائع النفسية المتتابعة.

… انطلاقا من كل هذا، يقدم سارتر تحديدا لمصطلح “النفس” فيقول إن كلمة “نفس” (psyché) تعني لنا الأنا الشخصي (je) من حيث هو ضمير المتكلم، وتعني الأنا (moi) الذي يمثل شخصنا من حيث هو وحدة نفسية. إن صفات الأنا تمثل مجمل القوى الكامنة التي تشكل خلقنا (caractère)، أما الحالات فهي عواطف وانفعالات معاشة. ان وحدة الظاهرة النفسية ناتجة عن وحدة الكائن الواعي الذي يحدد معاشه النفسي: الكره ليس مؤلفا من أجزاء وليس حصيلة حالات الوعي، بل يتجلى لنا من خلال التصرفات ووعي الذات. حين يعتبر “برغسون” أن الوعي الذي يعيش في الديمومة هو كثرة متداخلة ببعضها، فهو يجعل الحالة النفسية كثرة مستدخلة، اي معطيات موجودة بطريقة سلبية في الأنا العميق، من دون أن نعيها. كذلك فان “سارتر” ينتقد نظرية فرويد الميكانيكية التي تعتبر الحالات النفسية نتاجاً لصراع بين قوى من طاقة، والمذهب الفكراني (intellectualisme) الذي يربط الحالات النفسية بسببية “عقلانية” وميكانيكية، ويوجه انتقاداً جذرياً لكل اختزال اعتباطي بعض الشيء، يقوم على إرجاع الأشكال النفسية الكبرى إلى عناصر اكثر بساطة مما يحوّل النفس إلى شيء معطى ويقلص دينامية الوعي من حيث هو فعل (245). إن العلاقات بين الأشكال النفسية، يحكمها نوع من “التأثير عن بعد” بفعل نشاط الوعي: “إن الشكل النفسي السابق عليه أن يولد، شكلاً نفسيا من طبيعته ذاتها، ينتظم عفوياً متخذاً مظهر مجرى زمني” (244). هكذا يتكون الوعي المنعكس على ذاته كوعي بالديمومة. هذه الزمنية النفسية هي إسقاط للزمنية الاصلية على وقائع وحالات نفسية قائمة بذاتها، مرتبطة بالتكون النفسي الزمني الذي يدركه الانعكاس على الذات؛ إنها تتكون انطلاقا من الماضي المعاش. حين نضع أنفسنا على مستوى الانعكاس على الذات الذي يحاول ان يحدد الكائن الذي هو أنا، يظهر عالم بأكمله، ويسكن الزمنية. هذا العالم، إنما هو العالم النفسي أو النفس. إن وجوده هو، بمعنى من المعاني، ذهني محض، وهو بمعنى آخر موجود لانه “قد كان”، ولأنه ينكشف للوعي، انه ظلي، وإنه ينكشف لي عندما أريد أن أرى نفسي” (247).

… الكيان النفسي ليس بنية محدَّدة بشكل نهائي، إنه يتجاوز نفسه باستمرار عبر تجاوزه للماضي باتجاه المستقبل. الكائن الواعي يوجد على مسافة من نفسه عبر مشاريعه الإرادية وممكناته: إنه ليس ما هو عليه وليس هو ما هو عليه. إنه موجود خارج ذاته عبر علاقاته بالآخر، وعبر أفعاله الحرة الإرادية. إن الفعل الإرادي ليس فعلاً اعتباطياً معزولاً عن مكوّنات الشخصية أي الدوافع والحوافز. الدافع هو واقعة ذاتية تشمل الرغبات والإنفعالات والأهواء الشغفية، أما الحافز فهو المبرر الموضوعي للقيام بعمل معين، أي مجموع الاعتبارات العقلية التي تبرره، ومجموعة الظروف الموضوعية والمصالح الشخصية التي تخدم هدفاً معيناً وتبرره. الدافع والحافز متلازمان مع بعضهما كما يتلازم وعي الذات العفوي والوعي النظري بالموضوع. “كما أن الوعي بشيء ما هو وعي بذاته، كذلك فان الدافع ليس سوى إدراك للحافز من حيث إن هذا الإدراك واعٍ بذاته”. (577). وينتج عن ذلك أن الفعل الإرادي يفترض تلازم الحافز والدافع والغاية التي تكوّن وعياً حيوياً حراً يندفع نحو ممكناته ويحدد ذاته بهذه الممكنات. والنشاط الإرادي لا يتطلب مداولة لان المداولة تفترض اعتبار الدوافع والحوافز كأشياء وقوى كمية لها وزن قابل للقياس. والواقع أن المشروع الحرّ أي الانتاج الحرّ للغاية ولكيفية تحقيقها، هو الذي يعطي وزنا وقيمة لتلك الدوافع والحوافز، وأن العفوية الإرادية  الحرّة هي التي تنظم عملية الاختيار مع مجمل الحوافز والدوافع والغاية، وعندما تتدخل المداولة يكون القرار متخذاً، فهي تعلن لي ما صممت عليه، ومن ثمة ما أنا عليه. بالمقابل فان العفوية غير الإرادية تفترض عدم وعي بالحوافز والدوافع: “إن بنية الفعل الإرادي تقتضي ظهور وعي منعكس على ذاته بحيث يدرك الدافع كموضوع تقريبي، أو يستهدفه قصدياً كموضوع نفسي من خلال الوعي المنعكس” (579)

2- العلاقة النفسية بالآخر

        إن اندفاع الوعي القصدي خارج ذاته، يجعلني في مواجهة مع الآخر؛ وتحكم سيكولوجيا النظرة هذه المواجهة بيني وبين الآخر. إن الواقعة الأساسية هي كوني منظورا إليه أي كوني موضوعاً لنظرة على خلفية عالم لا متمايز، وإنني أعيش هذه الواقعة في حالة من القلق. إن الآخر ليس هو بالفعل من أراه فحسب، بل هو أيضاً من يراني، وبالتالي أبدو له موضوعاً أي إنه يحدّدني ويجمّدني كشيء يحكم عليه. إن “المسألة هي إجراء مقارنة بين ما أنا عليه بالنسبة إليه، وما هو عليه بالنسبة إليّ، وما أنا عليه بالنسبة إليّ، وما هو عليه بالنسبة إليه” (333).

… ومن أجل توضيح سيكولوجيا النظرة، يقدم سارتر مثل الحديقة العامة حيث يظهر رجل في عالمه المحيط به: “إن ظهور عنصر يفكك وحدة عالمي المحيط بي، وسط المواضيع المشكلة لهذا العالم، هو ما أدعوه ظهور إنسان في عالمي” (360).

        إن وجود الآخر هو “سقوطي الأصلي” (359)، فهو يسرق العالم مني، فيخترقه ويجذبه إليه؛ إلا أنني أستعيد هذا العالم لمجرد أن أنظر إلى هذا الآخر، وأحوله إلى موضوع مجمّد، مجرد من ذاتيته. هكذا، فان العلاقة بيني وبين الآخر هي علاقة صراع بين حريتين، بين ذاتية وأخرى، وهو صراع يجعلني أعيش تناقضاً بين وضعيتي كذات فاعلة تنظر وتحكم، ووضعيتي كموضوع لنظرة الآخر وحكمه. إن نظرتي إلى ذاتي تتغير بمجرد أن أصبح موضوعاً لنظرة الآخر، فالوعي المنعكس على ذاته يكشف الأنا كموضوع له. ولكن، تحت تأثير نظرة الآخر، فان وعيي المنعكس على ذاته يدرك الأنا من حيث هو موضوع بالنسبة إلى الآخر. ولعل حالة الخجل هي نموذج للواقعة النفسية التي تكشف الارتباط بين علاقتي بذاتي وعلاقتي بالآخر، فالخجل يتيح اكتشاف الذات كموضوع عبر الآخر وبواسطته. بالمقابل، هناك شعور بالافتخار والكبرياء حين أحوّل الآخر إلى موضوع موجود ضمن موقف مؤلف من أدوات وعقبات واهداف، أي حين أجعله جزءاً من نظام الأدوات في العالم، وبالتحديد في عالمي الذي هو “صورة إسقاطية لإمكانياتي” (394) منعكسة على العالم، إذ “إننا لا نجد في الاشياء إلا ما وضعناه فيها” (317). إذا كان من الممكن معرفة الآخر كموضوع، فلا يمكن معرفته من حيث هو ذات فاعلة: الذاتية تفلت مني، فهي ما ليست عليه وليست ما هي عليه، ولديها غايات وممكنات لا يمكن حصرها وضبطها.

… إن العلاقة بالآخر كموضوع تتضمن العلاقة به من حيث هو جسد، إذ إن نفسيته تنكشف كلياً للإدراك الحسي، ولا يمكن تصورها خارج الوضعية الجسدية، وخارج موقف محدد. إنني “أعيش جسدي كوجود”، وإن وجودي كجسد يجعلني أنكشف للآخر. وخلافا للسلوكانية، فان الإدراك الحسي للجسد ضمن موقف، أي في إطار يحمل دلالات، يختلف نوعياً عن الإدراك الحسّي للجسد كموضوع فيزيولوجي. إن التجليات البدنية للخوف – والانفعالات عامة – ليست مجرد استجابات فيزيولوجية ميكانيكية يمكن تحديدها، بل هي تعبير عن سلوك غائي يهدف بطريقة سحرية إلى إلغاء خطر يتعذر تجنبه. إن انكشافي كجسد هو مصدر استلاب؛ فجسدي هو أداة عمل من بين الأدوات وهو موضوع لنظرة الآخر الذي يعيد تشكيله من دون أن اعرف الشكل الذي يراني فيه؛ إنه يجمدني كشيء مادي محصور في اللحظة الحاضرة.

…. إن علاقتي بالآخر تتكون على خلفية علاقاتي وعلاقاته بالآخرين، خاصة ضمن مجموعات حيث الفرد “يوجد” مع الآخرين، وينتمي إليهم ويعبّر عن ذلك بكلمة “نحن”. وينتقل الصراع بين فرد وفرد، إلى صراع بين مجموعة يعيش أفرادها الشعور بالـ “نحن” كذات فاعلة (مثلاً الطبقة العاملة حين تتمرد على البورجوازية) ومجموعة يعيش أفرادها الشعور بـ “نحن” كموضوع (مثلاً الطبقة العاملة حين تخضع لاستغلال البورجوازية لها). انطلاقاً من هذا التصور، يحاول سارتر التأسيس لسيكولوجيا اجتماعية عبر تطبيق سيكولوجيا النظرة والصراع.

….إذا كانت العلاقة بين الأنا والآخر هي علاقة صراع، إذا كان “الآخرون هم الجحيم “كما يقول سارتر في مسرحيته” الأبواب المقفلة”، فكيف يمكن تفسير الحب؟ بعبارة اخرى، إذا كانت العلاقة بين الأنا والآخر مدفوعة بغرائز الحفاظ على الذات وبالليبيدو النرجسي، ومشحونة بدفاع عدواني عن “الأنا” وفقاً للغة الفرويدية، فكيف يمكن للحب، أي لليبيدو الغيري (objectale) ان يجد مكاناً له في هذه العلاقة؟

….يقدم سارتر تحليلاً للحب والرغبة الجنسية والسادية والمازوشية في ضوء سيكولوجيا النظرة والصراع تلك: إن العاشق يهدف أساساً إلى أن يحبه الآخر، كي يجعل حرية الآخر خاضعة لحريته. إنه يريد امتلاك المعشوق بوصفه ذاتا حرة وليس بوصفه أداة وموضوعاً، لأنه يريد ان يكون هذا المعشوق قد اختاره بملء إرادته الحرة، وليس تحت تأثير الظروف والحتمية النفسية. إنه يريد أن يجعله المعشوق غاية مطلقة، فيستعيد بذلك ذاتيته الحرة وقيمته كشخص إذ يصبح مركزاً مرجعياً تنتظم حوله أشياء العالم وعناصره وأدواته، ومحوراً لكل اهتمامات المعشوق. غير أن هذا المشروع محكوم بالفشل لأن الامتلاك يحوّل الشخص المملوك إلى موضوع، ولأن المعشوق حين يحبه كذاتية حرة، يحوِّل نفسه إلى أداة تابعة. من هنا لا يمكن لهذا المعشوق أن يكون، في هذه الحال، ذاتية حرة. يريد كل واحد منهما أن يحبه الآخر ولا يحب غيره، لكنه يطلب في الوقت ذاته، من الآخر حباً غير مشروط بالتبادل، أي أن لا يكون الحب وسيلة يستخدمها كي يكون محبوباً، بل أن يكون هذا الحب غاية بحدّ ذاته، وأن يكون المعشوق قيمة مطلقة. غير أن هذا العاشق يجعل نفسه موضوعاً بالنسبة إلى المعشوق حين يحب هذا المعشوق كذاتية حرة. هكذا يبقى كل عاشق معزولا داخل إطار ذاتيته. من هنا، يحمل الحب بذور انهدامه وهذه الإنهدامية ثلاثية (479): أولاً لأن الحب في ماهيته مشروط بالتبادل، فهو خداع ودخول في حلقة مفرغة لأنني حين أحب، أريد أن أكون محبوباً، إذاً أريد أن يريد الآخر أن أحبه. من هنا الشعور المستمر بعدم الرضى. ثانياً يحاول العاشق، بين لحظة وأخرى، أن يجعل المعشوق موضوعاً له، من هنا شعور العاشق بعدم الاستقرار. ثالثاً لأن الحب مطلق، لكن العاشقين يجعلانه نسبياً بشكل متواصل. وأخيراً يتضمن الحب تناقضاً آخر، لأن العاشق يريد أن يحتفظ بالمعشوق كذاتية حرة مستقلة، ويريد في الوقت نفسه، أن يدمجه داخل ذاته، وهذا الاندماج النفسي يتجلى عبر الامتلاك الجنسي. إن الرغبة الجنسية هي سلوك سحري قائم على اجتذاب الآخر، إنها رغبة في الجسد ضمن موقف له دلالة ويشكّل الوعي عمقه الخلفي. انها المحاولة الاصلية لامتلاك ذاتية الآخر وتحويله إلى أداة جنسية؛ فهي وعي يتجسد كي يمتلك جسد الآخر، من أجل تحقيق تجسّد الآخر كأداة جنسية من لحم، أي أن يوجد الآخر كلحم مثير للرغبة. غير أن هذه الرغبة تفشل في أهدافها لأن الآخر يفلت من حيث كونه كائناً حراً، وذاتية يتعذر امتلاكها لأنه لا يمكن امتلاك سوى الأشياء والأدوات. كذلك فإن السادية تفشل حين تحاول أن تستعبد الآخر كموضوع وأداة، وكذاتية مجسّدة في اللحم. انها تسعى لتجسيد الآخر أي لتحويله إلى لحم بواسطة العنف وعبر الوجع والإذلال. إنها تحمل بذور فشلها: ثُمة تناقض عميق بين إدراك الجسد بوصفه لحماً واستخدامه بوصفه أداة: “في اللحظة التي تصل فيها السادية إلى هدفها، تحلّ الرغبة مكانها، فالسادية هي فشل للرغبة والرغبة فشل للسادية… ولا يمكن الخروج من الدائرة إلا عبر الإشباع والإمتلاك البدني المزعوم… وإذا كانت اللذة تتيح الخروج من الدائرة، فذلك لأنها تقتل في الوقت ذاته، الرغبة والشغف السادي من دون ان تشبعهما” (524). ويزداد شعور السادي بالفشل حين تنظر اليه ضحيته، وتجعله يحسّ بأنه لم يستطع امتلاك ذاتيتها. ان الإشباع الحقيقي للسادية يكمن في امتلاك حرية الآخر، حتى لو أُجبرت الضحية على إذلال نفسها، لكن، كلما أصرّ السادي على معاملة الآخر كأداة، يتجرّد هذا الآخر من ذاتيته الحرة، فلن تكون للسادي حينئذٍ القدرة على امتلاك الآخر من حيث هو ذاتية، بل من حيث هو أداة.

التتمة في العدد

حركيّة التأويل في التراث النقديّ

الموازنة للآمدي أنموذجا

 

الحبيب بو عبدالله

        * على سبيل التقديم:

يعدُّ كتاب الموازنة للآمدي ( ت 370 هـ ) من الكتب والمصادر الأمهات في تراثنا النقدي فهو علامة بارزة وفارقة في تاريخ النقد الأدبي ، أسهم به صاحبه في القرن الرابع هجريا في تأسيس أصول الاتجاه التطبيقي في نقد الشعر عند العرب. ولقي كتاب الموازنة من الحظوة والشهرة ما يؤكد قيمته ومنزلته فقد أثار الكتاب بمنهجه وقضاياه وأسلوب صاحبه في الموازنة، اهتمام النقاد فأولوه من فائق العناية ما يستحق درسا وتحليلا أو نقدا ومناقشة . ولسنا نروم في هذا المقام الكشف عن مختلف القضايا النقدية التي عالجها الدارسون المعاصرون من خلال الموازنة  فكثرتها تحول دون إحصائها. إن الذي يعنينا هو الإشارة إلى أن ذلك المتن الشعري في الموازنة لا سيما ما تعلق بشعر أبي تمام وكيفية تعامل الآمدي معه شرحا وتفسيرا وتأويلا بدا مبحثا لا يزال في حاجة إلى مزيد الدرس رغم أهمية بعض الدراسات النقدية، القليلة التي تطرقت إلى الموضوع، بصفة متفاوتة ومن زوايا نظر مختلفة. فقد بدت لنا تلك الأبيات الغوامض من شعر أبي تمام والتي وصفت بالإشكال والاستغلاق والإبهام فلا يدركها الذهن إلا بعد إتعاب الفكر وكد الخاطر،  قد شكلت متنا شعريا أجرى الآمدي على بعضها آلية الشرح حينا وآلية التأويل حينا آخر، واستساغ بعضها فبرره، واستهجن بعضها الآخر فرفضه ونفر منه.

وكان المعنى في هذا الشعر قضية القضايا، وصف من خلاله الآمدي المعركة بين أنصار البحتري ممن يفضل ” حلاوة اللفظ وحسن التخلص ووضع الكلام في موضعه، وصحة العبارة وقرب المعاني وانكشاف المعنى وهم الكتاب والأعراب والشعراء المطبوعين، وأهل البلاغة” وبين أنصار أبي تمام ومن يفضل ” غموض المعاني ودقتها وكثرة ما يورده مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج . وهؤلاء أهل المعاني والشعراء وأصحاب الصنعة ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي الكلام”.

و كما أثارت هذه الخصومة بين القديم والمحدث في الشعر عديد القضايا النقدية المتصلة بالطبع والصنعة ، واللفظ والمعنى ، والغلو والمبالغة فإنها أثارت أيضا قضايا أخرى تتصل بالفهم والتقبل والشرح والتأويل .. فكثيرة هي الأبيات التي توشحت بسحر الغموض وفن البديع فخفي معناها واحتجب ، واستشكل أمرها عند النقاد ولا يكاد يظهر سرها ويبين غرضها إلا بعد طول ممانعة ومماطلة وطول تنقيب وتنقير.

ولا يمنع ذلك النقاد من الاختلا ف في أمرها بين من يتوسل لها التأويل القريب أويتمحّل لها التأويل البعيد، وبين من يردها ويرفضها لأنها مما يمجها الذوق لخروجها عن سمت العرب في صناعة الشعر.

لذلك سنحاول أن ننظر في التأويل وكيف أنه مثل آلية قرائية لفهم المعنى / المعاني في الشعر القديم وأثار من قضايا الفهم والتقبل وصراع التأويلات ما هو حقيق بالتتبع والاستقصاء..

ويقودنا في ذلك كله مقصد أساسي هو الكشف عن وضع التأويل في تراثنا النقدي ومدى حركيته وفاعليته في التعامل مع الشعر.

         التأويل و قضاياه في “الموازنة”: لحظة المحاورة       

1-                      في مصطلح التأويل:

اقتصرنا في ضبط الدلالات اللغوية والاصطلاحية لمفهوم التأويل على لسان العرب. فقد عدد ابن منظور للجذر اللغوي ( أ،و،ل) جملة معان يمكن حصرها في ما يلي :

  • أول : الأول، الرجوع، آل الشيء، يؤول أولا ومآلا، رجع، وأول إليه الشيء رجعه.
  • وأول الكلام وتأوله: دبره وقدره، وأوله وتأوله ، فسره.
  • قال ابن الأثير: هو من آل الشيء يؤول إلى كذا أي رجع وصار إليه. والمراد بالتأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ. ويقال ألت الشيء وأؤوله إذا جمعته وأصلحته، فكان التأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت بشكل واضح لا إشكال فيه.
  • التأوّل والتأويل تفسير الكلام الذي تختلف معانيه ولا يصح إلا بيان غير لفظه.
  • التأويل المرجع والمصير مأخوذ من آل يؤول إلى كذا أي صار إليه. وأولته صيرته إليه.
  • وآل ماله يؤوله إيالة إذا أصلحه وساسه. والائتيال: الإصلاح والسياسة.

تستوقفنا من هذه التحديدات بعض المعاني المفيدة لغويا في ضبط مفهوم التأويل والكشف عن علاقتها بدلالته الاصطلاحية أيضا. والطريف في هذه الدلالات اللغوية الاشتقاقية تأكيدها على أن التأويل في ماهيته وجوهره حركة.

فأول هذه المعاني التي تدل عليها كلمة التأويل هو الرجوع إلى أصل الشيء قصد الكشف عن معناه ومغزاه. ومتى اقترن الفعل بالكلام تمحضت الدلالة فيه إلى حسن التدبير والتقدير وما ينتج عن ذلك من تفسير المبهم والغامض فيه بتوضيحه وبيانه. ثم تتدرج الدلالة نحو وجه اصطلاحي في العبارة مفاده أن التأويل تجاوز ظاهر اللفظ إلى باطنه لوجود دليل يسمح بهذا التجاوز فيكون التأويل بهذا المعنى “حركة ذهنية عقلية” تقوم على استنباط المعنى الخفي الثاوي في باطن النص والمحتجب وراء ظاهر اللفظ والمسوغ في ذلك الدلائل أو القرائن التي تسمح بهذا العبور من الظاهر إلى الباطن ومن الحقيقة إلى المجاز ومن الغامض إلى البين الواضح كشفاً عن حقيقة المراد.

فالتأويل إذن هو حركة رجوع إلى الأصل، أو ترجيع على حد تعبير الجرجاني في تعريفاته. وكأن التأويل بهذه الحركة العكسية يحاكي ويضاد -في آن واحد- فعل اللغة في أصل نشأتها زمن البدايات والأصول وهي تحاول عبر فعل التسمية امتلاك الوجود، وذلك بإطلاق الأسماء على الأشياء فيغدو الوجود تبعاً لذلك أليفاً بيّناً واضحاً ناطقاً بالمعنى بعد أن كان غامضا موحشا يلفه الصمت والسكون.

كذا هو النص الشعري لحظة يكون متسربلاً بالغموض والغرابة والإبهام إلى حد الوحشة، فيكون شبيهاً بالوجود في صورته الأولى قبل أن تنطقه اللغة بأسمائها وتحول غرابته إلى ألفة، غير أن النص على خلاف هيئة الوجود الأولى، وباعتباره كياناً لغوياً في الأصل، يكون كياناً ممتلئاً بالمعاني المتعددة زاخراً بالدلالات المتنوعة، فلا نستطيع حينئذ امتلاكه والظفر بتلك المعاني والدلالات الخبيئة فيه إلا بفك التسمية وكشف العلامات والعودة/الرجوع بالعلاقات بين الدوال والمدلولات والأسماء والمسميات إلى هيئتها الأصلية في الكلام… ولا يكون ذلك إلا بفعل التأويل.

2-                      التأوّل / التأويل عند الآمدي :

استعمل الآمدي في خطابه النقدي الجذر اللغوي (أ.و.ل) وصاغ منه عديد المشتقات، فاستعمله في صيغته المصدرية المتداولة مفردة وجمعاً (تأويل/تأويلات)، وراوح بينها وبين صيغة (تأوّل) في العديد من المواطن. كما أنه استعمل الفعل آل في المضارع بدلالته اللغوية بمعنى الرجوع، وصرف الفعل تأول مسنداً إلى المفرد والجمع. وصاغ منه اسم الفاعل في صيغة الإفراد (متأوّل). فهذا التنوع في الصيغ الصرفية (المصدر، الفعل، اسم الفاعل) التي استخدمها الآمدي في خطابه يكشف عن وجه من وجوه حركية هذا المصطلح. فهو تشكل في تلك الصور اللغوية التي تؤكد مرة أخرى دلالة الحركة في التأويل.

وسعياً منا إلى الإفادة من بعض مستويات الدراسة المصطلحية، حاولنا أن نرصد حضور مصطلح “التأويل” وصنوه “التأوّل” وبقية المشتقات (الفعل/اسم الفاعل ) في كتاب الموازنة، فاكتفينا في هذا المقام بالمستوى الوصفي.

فقد استعمل الآمدي في موازنته مادة (أ. و. ل) بتلك الصيغ الاشتقاقية التي ذكرنا ثماني وثلاثين [38] مرة، توزعت في أجزاء الكتاب

إن قيمة هذا الجدول الإحصائي تكمن في  ما يقدمه لنا من معطيات عن حضور مصطلح التأويل وبقية المشتقات في موازنة الآمدي. فنلحظ استعماله بكثافة واضحة في الجزء الأول، وبالمقابل انخفض تواتر ذكر المصطلح بصورة جلية في الجزأين الآخرين إلى حد الغياب غياباً تاماً في القسم الثاني من الجزء الثالث. فبم نفسر هذا التفاوت الكبير في حضور مصطلح التأويل وإجرائه آلية في تفسير الخطاب الشعري وإنتاج المعنى فيه؟؟

إن تفسير هذا التفاوت يرتبط في تقديرنا بمنهج الآمدي في الموازنة وطريقته أو “استراتيجيته” في عرضها. فقد سلك في بناء كتابه منهجا طمح من خلاله أن يظهر بصورة الناقد المحايد الذي يطمع في تحقيق الإنصاف في مسائل الخلاف بين الخصمين حول شاعرين كبيرين لكل منهما طريقته ومذهبه في صناعة الشعر.

لأجل ذلك تميز الجزء الأول من الموازنة بطابع نظري تطبيقي فاشتمل على جل القضايا النقدية التي آثارها الكتاب مثل السرقة والبديع وأخطاء اللفظ والمعنى..، وهي قضايا دخل الآمدي في سجال وجدال في شأنها مع أنصار أبي تمام بصورة خاصة. فهذا الاختلاف في مثل هذه القضايا وما اقتضاه من جدال وحجاج هو الذي يفسر هذه الكثافة في استعمال التأويل، ليس مجرد لفظ أو عبارة يجري بها الكلام أو الخطاب، وإنما منهج في القراءة وآلية في الفهم وأداة في الجدال والاحتجاج.

أما في الجزأين الثاني والثالث من الموازنة فقد غلب عليهما التمثيل بالشعر على حساب النقد والتعليل واقتصر الآمدي على ذكر شواهد من شعر الطائيين في عديد المعاني والمواضيع والأغراض، ثم التعليق عليها يسيرا قصد إبراز تكافئهما أو أفضلية أحدهما على الآخر.

لذلك تقلص حضور التأويل لفظا وعبارة وممارسة وإجراءً، بصورة واضحة إلى حد الغياب تماماً في القسم الثاني من الجزء الثالث.

أما عن عبارتي تأويل وتأول فقد استعملهما الآمدي بصفة متقاربة جداً. فقد تواتر لفظ التأويل اثنتي عشرة مرة في الكتاب، وتواترت عبارة التأوّل عشر مرات، مما يدل على أن الآمدي كان يراوح بينهما في الموازنة على سبيل الترادف في المعنى والدلالة. وهذا ما أشار إليه ابن منظور في معجمه لحظة جمع بين العبارتين فقال: “التأوّل والتأويل تفسير الكلام الذي تختلف معانيه ولا تصح إلا ببيان غير لفظه”

فهما يتفقان إذن في الدلالة على التفسير والإبانة ورفع ما يعلق بالكلم من إشكال في اللفظ، أو غموض في العبارة كشفاً عن وجوه المعنى التي يحتملها الكلام وفق دليل معين..

ونلفي لدى عبد القاهر الجرجاني أيضا تأصيلا لغويا للتأول/التأويل ورد في سياق مخصوص من الحديث عن التشبيه وما يتعلق به من “الاشتراك في الصفة”، يقول: “وليس ههنا عبارة أخص بهذا البيان من التأوّل، لأن حقيقة قولنا “تأولت الشيء” أنك تطلبت ما يؤول إليه من الحقيقة أو الوضع الذي يؤول إليه من العقل لأن “أولت وتأولت، فعلت وتفعلت من آل الأمر إلى كذا يؤول إذا انتهى إليه المآل والمرجع..”.

ورغم هذا الترادف بين العبارتين، فإننا نلحظ تداولا واستخداما لعبارة التأويل في الخطاب النقدي القديم (12) أكثر من عبارة التأوّل، ولعل صيغتها الصرفية (تفعيل) وما دلت عليه من معنى الحركة وخفة جريانها على اللسان واقترانها باستمرار بعبارة التفسير(=تفعيل)، يبرر في زعمنا انتشار عبارة التأويل وانحسار لفظة التأوّل.

ولعل دوران العبارة في فنون وعلوم شتى من المعرفة على مسار التاريخ يَسَّرَ لها أن تترقى في مراتب التجريد الاصطلاحي لتستقر بذاتها لاحقاً مصطلحاً أوحد في الخطاب النقدي

3- تجليات حركية التأويل في الموازنة :

أ- التأويل وإشكال المعنى:

عرض الآمدي في مقدمة موازنته مذاهب النقاد في الشاعرين أبي تمام والبحتري. وما يستوقفنا في هذا الكلام هو تلك الصفات التي وَسَمَ بها شعر كلّ منهما تأكيداً على الاختلاف بينهما في صناعة الشعر، وما يستتبع ذلك أيضا من تباين في مدى حاجة كل نمط من الشعر إلى الشرح والتأويل، يقول: “ووجدتهم فاضلوا بينهما لغزارة شعرهما وكثرة جيدهما وبدائعهما ولم يتفقوا على أيهما أشعر؟ وذلك لميل من فضل البحتري ونسبه إلى حلاوة اللفظ وحسن التخلص ووضع الكلام في موضعه وصحة العبارة وقرب المعاني وانكشاف المعنى، وهم الكتاب والأعراب والشعراء المطبوعون وأهل البلاغة، وميل من فضل أبا تمام ونسبه إلى غموض المعاني ودقتها وكثرة ما يورده مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج، وهؤلاء أهل المعاني والشعراء وأصحاب الصنعة، ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي الكلام..”

إن صفات الشعر المنسوبة إلى أبي تمام والبحتري تبرز التقابل بين مذهبين أو طريقتين في صناعة المعنى وإبداعه في الشعر .

فمذهب البحتري يتأسس على “قرب المعاني وانكشاف المعنى” ولذلك فضله أهل الطبع ومن يميل إلى الوضوح والبيان في الشعر جرياً على سنة الأوائل واتباعاً لسمت العرب في الكلام.

وأما مذهب أبي تمام فإنه يقوم على “غموض المعاني ودقتها وكثرة ما يورده مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج” ولذلك فضله أهل المعاني وأصحاب الصنعة ومن يميل إلى الدقيق اللطيف من الكلام، مما يستدعي إعمال الفكر وكد الخاطر لشرحه وفهمه..

وإذا كان الشرح يشترك مع التفسير في دلالة الكشف والبيان، فإن الاستخراج والاستنباط عمليتان ذهنيتان تنهضان على العبور من ظاهر الكلام إلى باطنه وفق أدلة وقرائن إبانة للمعنى الخبء وكشفا للمراد. وهذا هو التأويل.

فالآمدي إذن جمع بين الشرح والتأويل على سبيل التظافر والتكامل في التعامل مع نمط من الشعر وصفه بالغموض والدقة واللطافة في المعنى.

ولعل شغف أبي تمام بالغوص على لطيف المعاني ودقيقها وولعه بالبديع وفنونه يمثلان أبرز الخصائص التي دفعت بشعره إلى دائرة الغموض والإشكال والاستغلاق..

وهو شغف أو “شره” شبيه بالشهوة الآسرة تستبد بالشاعر فتصير له عادة أو طبيعة، وإن كانت في مذهب الشعر صنعة وتكلفاً وحملاً للنفس على ما لا يُطاق، فيكون الشاعر كالناحت من نفسه أو كيانه معنى أو معاني أبكارا مما قد يشرف به على الهلاك.

أما البحتري فقد تميز بجودة اللفظ واستواء الشعر وانكشاف المعنى، لذلك كان كثير الجريان على اللسان، سريع العلوق بالقلوب والأذهان.. فهو في معظمه لا يحتاج إلى إجهاد الفكر وكد الخاطر للفهم. من هنا كان المعنى إشكالا في شعر أبي تمام بصورة خاصة. ولما كان وضع المعنى في شعره على هذه الصورة من الغموض والإبهام لم يتردد الآمدي في الإقرار بأن فهم هذا الشعر لا يتحقق إلا بالشرح والتأويل .

إن المعنى في شعر أبي تمام غالباً ما يكون خفياً دقيقاً باطناً غير ظاهر، مخبوءاً في قاع النص، محتجباً وراء بلاغة العبارة وكثافة الصورة. لذلك لم يكن الأمر هيناً مع الآمدي في التعامل مع هذه الأبيات الغوامض العويصة المعنى والغريبة اللفظ والمعقدة التركيب…

فانطلاقاً من مرجعيته النقدية المحافظة والتزامه بمقاييس عمود الشعر، كان موقفه من هذه الأبيات في أغلب الأحيان، النقد والرفض بنعت المعنى واللفظ فيهما بالخطأ والفساد، بعد أن أسقط منها “كل ما احتمل التأويل ودخل تحت المجاز”. لقد أراد الآمدي بهذا الموقف أن يبدو في صورة الناقد المنصف الذي يرفض موقف المتعصبين لأبي تمام، والذين أفرطوا في تفضيله “وقدموه على من هو فوقه من أجل جيده وسامحوه في رديئه، وتجاوزوا له عن خطئه وتأولوا له التأوّل البعيد فيه”. كما يرفض موقف أولئك المنحرفين عنه الذين قابلوا الإفراط بالإفراط “فبخسوه حقه واطرحوا إحسانه ونعوا سيئاته وقدموا عليه من هو دونه، وتجاوز بعضهم ذلك إلى القدح في الجيد من شعره وطعن فيما لا مطعن عليه فيه”.

فكيف تعامل الآمدي مع فساد المعنى في شعر أبي تمام؟

ما هو مدى حضور التأويل منهجاً في القراءة والفهم تسويغاً وتبريراً لمعنى أو رفضاً وإقصاء لمعنى آخر؟

وما هي أبرز الآليات التي استدعاها الآمدي أثناء تأويل المعنى في الشعر؟

يعسر في الحقيقة استقصاء مختلف المعاني التي خطأ فيها الآمدي أبا تمام والبحتري، لذلك رأينا في هذا المقام أن نكتفي باختيار أمثلة راعينا فيها التنوع حتى تنهض بوظيفتها في الدلالة والتمثيل على إشكالية العلاقة بين المعنى والتأويل في كتاب الموازنة.

وآثرنا أن ندرس هذه العلاقة انطلاقا من ظاهرتين: ظاهرة “صراع التأويلات” وظاهرة “تعدد المعنى”. وليس يخفى علينا مدى التكامل والتداخل بين الظاهرتين، غير أننا انتهجنا الفصل بينهما في التحليل إجراءً منهجياً قصدنا من ورائه التأكيد والتنصيص على أهمية بعض قضايا التأويل في النقد العربي القديم.

  • المعنى وصراع التأويلات:

لقد كشف الآمدي في هذا الباب عن خطته في استقصاء خطأ المعنى في شعر أبي تمام فقال: “وأنا أبتدئ بالأبيات التي ذكرت أنّ أبا العباس أنكرها، ولم يقم الحجة على تبيين عيبها وإيضاح الخطأ فيها، ثم أستقصي الاحتجاج في جميع ذلك، لعلمي بكثرة المعارضين ومن لا يجوز على هذا الشاعر الغلط ويوقع له التأوّل البعيد: ويورد الشبه والتموية…”.

وليس يخفى ما في هذا الكلام من حرص الآمدي على إقامة الحجة في الطعن والإنكار، لا سيما وأنه يقوم شعر شاعر له من الأنصار من لا يجوزون عليه الغلط ويحاولون دفعه ولو “بالتأوّل البعيد”!

يقول الآمدي معلقاً على الخطأ الثاني من تلك الأبيات التي أنكرها أبو العباس وحاول الآمدي إقامة الحجة عليها ببيان وجوه الخطأ فيها: “وأنكر أبو العباس قول أبي تمام:

رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه                            بكفيك ما ماريت في أنه بـرد

وقال: هذا والذي أضحك الناس منذ سمعوه وإلى هذا الوقت. ولم يزد على هذا شيئا. والخطأ في هذا البيت ظاهر، لأني ما علمت أحداً من شعراء الجاهلية والإسلام وصف الحلم بالرقة، وإنما يوصف بالعظم والرجحان والثقل والرزانة، ونحو ذلك…” ، ثم شرع في الاستدلال على ذلك بضرب أمثلة من شعر المتقدمين أمثال النابغة والأخطل والفرزدق وغيرهم وقدّم بالمقابل شواهد أخرى في وصف الحلم بالخفة في سياق الذم والقدح. وعلّق على ذلك قائلاً: “فهذه طريقة وصفهم للحلم، ولما مدحوه بالثقل والرزانة، ذموه بالطيش والخفة.”

ولم يقتصر الآمدي على تخطئة أبي تمام في وصف الحلم بالرقة، وإنما خطأه أيضا في وصفه البرد بنفس الصفة، يقول: “وأيضا فإن البرد لا يوصف بالرقة، وإنما يوصف بالمتانة والصفاقة وأكثر ما يكون ألوانا مختلفة(…) ولو لا أنه قال “رقيق حواشي الحلم” لظننت أنه ما شبهه بالبرد إلا لمتانته. وهذا عندي من أفحش الأخطاء..”.

ويستدرك الآمدي في الأخير أن أبا تمام لا يجهل المعنى الصحيح الذي يوصف به الحلم، ويفسر انحراف أبي تمام عن صحة المعنى وخروجه عن عادة الشعراء في هذا الوصف برغبته الشديدة في الابتداع “ولكنه يريد أن يبتدع فيقع في الخطأ”.

وقد أشار محقق ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي إلى ما أثاره هذا البيت من اختلاف بين النقاد، فهو “من أبياته المشهورة التي أكثر المتعصبون لأبي تمام وعليه القول فيها، فمنهم كما قال ابن المستوفي من انتصر له بحق ومنهم من لم تساعده الحجة في الانتصار له. وقد ذكره الآمدي في الموازنة وعابه وأكثر من التشنيع عليه…”

فلما كان البيت يتضمن معنى صاغه أبو تمام بطريقة خرج فيها عن سمت العرب في الكلام وما جرت به العادة بينهم في وصف المعاني، فردّه عليه النقاد المحافظون وأنصار النموذج، طفق بعض أنصار أبي تمام يبحثون عن تأويل لطيف وتخريج دقيق فيجعلون لهذا المعنى في البيت، وعلى الصورة التي ورد عليها، وجهاً من وجوه الصحة والصواب.

فلقد ذهب المرزوقي مثلا مذهباً في التفسير والتأويل ركز فيه على صفتي “الرقة” و “الدقة” وكيف أن العرب توسعت في الكلام بهما. “فالرقة تستعمل في صفة الفاخر من الثياب وغيره حتى يقال عندي ثوب أرق من الهواء وهذا كما يستعملون الدقة في صفة اللؤم والشر(…) ويقال: فلان دقيق اللوم ودقيق الشر… ولما كان الوصاف يكنون عن أصل الإنسان وجوهره بالثوب، حتى قالوا في الأصلين يتفقان: رقعتهما واحدة وهما من ثوب واحد، وتوسع بعد ذلك، فقيل جوهر فلان رقيق الحاشية وعلى هذا قول أبي تمام “رقت حواشي الدهر فهي تمرمر” ويقال طاب الهواء ورق النسيم، وإذا كان الأمر على هذا صح أن يوصف البرد الكريم بالرقة، وإذا صح ذلك، سلم قول أبي تمام من طعن الطاعن، ويشهد له أيضا قول الآخر:

                   إذا النفر السود اليمانون نمنمـوا                            له حول برديه أرقوا وأوسـعوا

وإنما كان كذلك، لأن “الرقة” منقول عن موضعه هاهنا…”

فنحن إذن إزاء موقفين نقديين نموذجيين يعبران عن وجهتين أو مذهبين في التعامل مع ضرب من المعاني الشعرية التي متى صيغت بصور مخصوصة أثارت جدلا في الفهم واختلافاً في التأويل والتقويم. فكل موقف نقدي من المعنى في بيت أبي تمام –سواء كان طاعناً أو مدافعاً- هو في تقديرنا، “موقف تأويلي” من اللغة في جوهره يختلف من موقع إلى آخر ومن رؤية إلى أخرى… فكلما كانت الرؤية إلى اللغة الشعرية تقعيدية صفوية إبلاغية كان المعنى مشروطا بسننها وقوانينها ومقيداً بعادة العرب وسنن الأوائل في تصريف الكلام. وهنا يضيق مجال التأويل لأن المعنى محدد بذاك الإطار التداولي في استعمال الكلام، وكل خروج عليه يعد عيبا وخطأ.

وكلما كانت الرؤية إلى اللغة في الشعر فنية بلاغية جمالية أي باعتبارها اللغة/الشعر، كان المعنى متحرراً من كل قالب تعبيري جامد ثابت ويتشكل في أي صورة فنية يختارها الشاعر أداء لمقاصد مخصوصة.. فتتسع دائرة التأويل حينئذ تبعاً لاتساع العبارة في الدلالة.

ولعله من الطريف هنا أن نورد موقفا آخر من المعنى في بيت أبي تمام لناقد معاصر وجد في موقف الآمدي قصورا في فهم عبارة “الحلم” في البيت أفضى به إلى تخطئة الشاعر. ولعل في هذا الرد- الذي تجاوز الإطار التاريخي للنقد القديم وانفتح على النقد الحديث عبر المحاورة والنقد– دليل على حركية التأويل وكيف أن المعنى في الشعر يرتحل عبر التاريخ ويسافر في المكان والزمان..، فيكتسب بذلك صبغة التعدد والكثرة فهو معنى مفتوح/منفتح على آفاق الزمن حاضراً ومستقبلا ًوإن كان من الماضي آتيا!!

فقد اعتبر محمد رشاد صالح “أن مرد الخطأ يعود إلى معنى كلمة “الحلم” فمعناها ههنا الصفح وليس العقل، وقد قال أبو تمام في قصائد أخرى: “رقيق حواشي الصفح” فأراد أن يأتي بنفس المعنى، ولكن لكيلا يبتذل معناه غير لفظة (الصفح) إلى الحلم بمعنى الصفح(…) فمعنى بيت أبي تمام كما تفسره أشعاره، وكثير من أشعار الشعراء يفسر بعضه بعضاً، أن الممدوح كثير الصفح وأن لصفحه مظهرا من الرقة واللطف ومبطناً من القوة والمتانة حتى لو أن صفحه كان في يدك ما شككت في أنه برد يماني يغطي مظهره وحواشيه طرز حريرية ناعمة لطيفة، ويكون مبطنه نسيج صفيق متين يحكي عن القوة…”

وانتهى بعد عرضه مختلف الدلالات والمعاني التي استخرجها من هذه الصورة التعبيرية في البيت إلى القول: “وهكذا أتى أبو تمام بأقوى تعبير في معنى لم يتمكن منه أحد من الشعراء السابقين واللاحقين (…) وكان من حق أبي تمام أن ينال الثناء لقاء هذا التعبير الجميل الخلاق وأن يبجل لأنه اخترع معنى لم يهتد إليه غيره..”

ومهما كان من أمر، فإن المعنى في هذا البيت أثار من الاختلاف ما تراوح بين حدة الطعن وقوة الانتصار مما يؤكد أن المعنى في الشعر القديم إشكال تتعدد فيه الرؤى والأفهام والتأويلات.

ونورد هنا مثالين آخرين أحدهما للبحتري، والآخر لأبي تمام جمعنا بينهما لأن إبن رشيق تكفل بالرد فيهما على الآمدي.

فقد عاب الآمدي في باب “ما أخطأ فيه البحتري من المعاني” بعض الأبيات من شعر البحتري جرياً على منهج الموازنة بين الشاعرين في إبراز مساوئهما وأخطائهما أو محاسنهما وبدائعهما.

يذكر الآمدي هذا البيت للبحتري ويعلق عليه:

هجرتنـا يقظى وكادت على عـا                   داتهـا في الصدود تهجـر وسـنى

وهذا أيضا عندي غلط، لأن خيالها يتمثل له في كل أحوالها، كانت يقظى أو وسنى أو ميتة، والجيد قوله:

أرد دونـك يقظـاناً، ويأذن لــي          عليك سكر الكرى إن جئت وسـنانا

فصحح المعنى وأتى به على حقيقته (…) وإنما أخذ معنى بيته الأول- وعليه بنى أكثر أوصافه للخيال- من قول قيس بن الخطيم:

أنـي سـربت وكنت غيـر سروب            وتقـرب الأحـلام غيــر قريب

مـا تـمنعـي يقظـى فقد تؤتينـه              في النـوم غيـر مصـرد محسـوب

وما أظن أحداً سبق قيساً إلى هذا المعنى في وصف الخيال، وهو حسن جدّا، ولكن فيه أيضا مقال لمعترض وذلك هو الذي أوقع البحتري في الغلط، لأن قيساً قال: [ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه في النوم"، فأراد أنها أيضاً تؤتيه نائمة، وخيال المحبوب يتمثل في حال نوم المحبوب ويقظته كما ذكرت (...)، إلا أنه يتسع من التأوّل في هذا لقيس ما لا يتسع للبحتري لأن قيساً قال: "فقد تؤتينه في النوم" ولم يقل: "فقد تؤتينه نائمة"، فقد يجوز أن يجعل على أنه أراد ما تمنعي يقظى وأنا يقظان فقد تؤتينه في النوم أي في نومي. ولا يسوغ مثل هذا في بيت البحتري، لأن البحتري قال "وسنى" ولم يقل في الوسن]

يرفض ابن رشيق في رده على الآمدي تخطئته البحتري في هذا البيت، ويعتبر بالمقابل أن المعنى “صحيح، لا فساد فيه ولا غلط”. فقد اكتفى ابن رشيق بنقل الفقرة الأولى (حدود البيت الثاني للبحتري) ثم عقب بردّه قائلا: “وأنا أقول: إن مراده أنها لشدة هجرها له و نخوتها عليه لا تراه في المنام إلا مهجوراً، أو لا تراه جملة، فالمعنى حينئذ صحيح لا فساد فيه ولا غلط [ولعل الرواية "وكادت"] وهذا موجود في كلام الناس اليوم مثله، يقولون “فلان لا يرى لي مناما صالحا”، وليس بين بيتي البحتري تناسب من جهة المعنى جملة واحدة، لأنه أولا يحكي عنها وثانيا يحكي عن نفسه، بلى إن في اللفظ اشتراكاً ظاهراً”.

ولئن بدا موقف ابن رشيق في هذا الرد مجملا اقتصر فيه على تصويب البحتري في ما ذهب إليه من معنى دون أن يتوسع في التحليل أو التأويل، فإن الشريف المرتضى قد تعرض في أماليه إلى هذا البيت و أبيات أخرى للبحتري ولأبي تمام رد فيها على الآمدي رداً أكثر تفصيلاً وتعليلاً مما يضعنا فعلا إزاء صراع/حوار التأويلات، وهذا يعد بلا ريب مظهراً آخر من مظاهر حركية التأويل في تراثنا النقدي.

فقد انطلق المرتضى في رده على فهم الآمدي وتأويله لبيت البحتري المذكور بقوله: “ووجدت أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدي مع ميله إلى البحتري وانحطاطه في شعبه، واجتهاده في تأويل ما أخذ عليه من خطأ وزلل يزعم أن البحتري أخطأ في قوله…” ، ثم ينقل بيت البحتري وتعليق الآمدي عليه مراوحاً بين الإجمال والتفصيل في إيراده، ثم يعقب عليه بهذا الرد: “وقد يمكن من التأويل للبحتري ما أمكن مثله لقيس، لكن الآمدي قد ذهب عن ذلك، لأن البحتري لما قال: “وسنى” دل على حال الوسن (…) فقوله “وسنى” ينبئ عن كونه هو أيضاً نائماً، وإنما أراد المقابلة في زنة اللفظ بين يقظى و وسنى. وقوله “يقظى” متى لم يحمل أيضا على هذا المعنى لم يصح (…) ألا ترى أن الآمدي حمل قول قيس: “يقظى” على معنى: “وأنا يقظان” وإن لم يبين الوجه! فكيف ذهب عليه مثل ذلك في قول البحتري! (…) وما يتأول له في أحد الأمرين يتأول في الآخر.”

نلاحظ إذن كيف أن رّد ابن رشيق تعلق بتوضيح المعنى في البيت بزيادة تبيانه وشرحه شرحاً معنوياً لخص فيه المعنى قصد تأكيد صحته ودفع شبهة الفساد عنه. أما المرتضى فقد ذهب في تأويله المعنى مذهبا فنيا جماليا أكّد فيه أن غاية البحتري في اختياره تلك الصيغة في التعبير إحداث مقابلة فنية إيقاعية “في زنة اللفظ” وعلى امتداد البيت بين “وسنى” و “يقظى” دون أن يخل ذلك بالدلالة على حال الوسن وعلى حال اليقظة وكلاهما “حال مشتركة بالعادة” على حد تعبيره.

ومن هنا كان مأخذه على الآمدي في أنه لم يتسع في التأويل للبحتري وتسويغ المعنى له مثلما صنع ذلك مع بيت قيس بن الخطيم، وكأن المرتضى يلمع إلى أن الاتساع في تأويل المعنى في الشعر ينبغي أن يكون مبدأ ثابتاً وعاماً.    

أما المثال الثاني الذي ذكره ابن رشيق، فهو بيت لأبي تمام، عابه الآمدي في موازنته وجاراه واتبعه في ذلك عبد الكريم النهشلي فنقله في كتابه. ولم يستسغ ابن رشيق هذا الأمر، فكان هذا النقل مشفوعا بالنقد والرد:

“وفي كتاب عبد الكريم من المأخوذ على أبي تمام قوله:

مها الوحش إلا أن هاتا أوا نس                    قنا الخط إلا أن تلك ذوابل

قال: فيه غلط من أجل أنه نفى عن النساء لين القنا، وإنما قيل للرماح “ذوابل” للينها وتثنيها، فنفى ذلك أبو تمام عن قدود النساء التي من أكمل أوصافها اللين والتثني والانعطاف.

قلت أنا: أما أبو تمام فقوله الصواب، لأنهم يقولون “رمح ذابل” إذا كان شديد الكعوب صلبا، وهذا الذي تعرف العرب، ومنه قولهم: “ذبلت شفتاه”، إذا يبستا من الكرب أو العطش أو نحوهما، فأما كلام المعترض فغير معروف إلا عند المولدين، فإنهم يقولون “نوارة ذابلة” وليسوا بقدوة، على أن كلامهم راجع إلى ما قلناه، إنما ذلك لقلة المائية وابتداء اليبس، وإنما نقل عبد الكريم كلام ابن بشر الآمدي.”

إن هذا الاختلاف في تأويل المعنى “في البيت والذي أفضى إلى اختلاف في الحكم يعود ضرورة إلى اختلاف في فهم عبارة “ذوابل”.  فنحن إزاء فهمين متقابلين بله متناقضين لمعنى كلمة “ذوابل” بين دلالتها اللغوية الأولى في أصل الوضع وهي الصلابة والقوة، وبين دلالة ثانية ناتجة عن تطور في الاستعمال عند المولد ين فأكسب اللفظة معنى آخر مضادا للأول وهو معنى الضعف واللين…

والطريف أن أبا تمام -وهو المحدث المولد- أجرى العبارة في البيت على دلالتها اللغوية الأصلية عند العرب الفصحاء، مما جعلها لفظة مراوغة تنوس الدلالة فيها بين ما هو قديم وما هو محدث وبين ما هو أصيل وما هو دخيل… فأربك بذلك الأفهام واختلفت التأويلات والأحكام إلى حد التناقض!

وإذا كنا نميل إلى اعتبار هذا الاختلاف مهما كان نوعه أو مداه اجتهادا في التأويل ومظهرا من مظاهر الجدل(38)الخلاق الذي أثرى الخطاب النقدي القديم، فإن تواتره في بعض المصنفات النقدية، وحضوره أيضاً بصورة لافتة في الموازنة، جعلنا نصف الظاهرة بصراع و/أو حوار التأويلات، وهو صراع أو حوار لاحظنا بعض أشكاله في ما تقدم من أمثلة، وسنضيف مثالا آخر دالا على هذا النوع من صراع/حوار التأويلات الذي تم في “سياق خارجي” أي بين الآمدي في موازنته وبين النقاد اللاحقين له ممن خالفه في الفهم أو الحكم..

وأما النوع الآخر من هذا الصراع/الحوار –والذي ستنعرض له لاحقا- فقد تم في”سياق داخلي” أي بين الآمدي وأنصار أبي تمام داخل كتاب الموازنة. ولعمري أن هذا الصراع/الحوار بنوعيه، وما فيه من حجاج وخلاف وسجال ليدل دلالة واضحة على حركية التأويل في ترائنا النقدي وثراء النص الشعري القديم ومدى غناه الفني والدلالي!!

فأما المثال الأخير الذي نورده للدلالة على النوع الأول من صراع/حوار التأويلات الذي دار في “سياق خارجي”، فهو يتعلق ببيتين لأبي تمام قالهما في وصف فرس. ولئن وجد الآمدي في هذين البيتين وجوها من الخطأ فإن ابن سنان الخفاجي ورغم تأثره بالآمدي في عديد المواقف النقدية واتفاقه معه على أهمية الوضوح والبيان، فإن ذلك لم يمنعه من الاختلاف معه في فهم هذين البيتين وتأويلهما تأويلا يدفع عن أبي تمام تهمة الوقوع في الخطأ أو التناقض.

يقول الآمدي:  “ومن خطئه قوله في وصف فرس:

وبشعلة تبدو كأن فلولها                  في صهوتيه بدء شيب المفرق

قوله “فلولها” يريد ما تفرق منها في صهوتيه، والصهوة: موضع اللبد، وهو مقعد الفارس من الفرس، وذلك الوضع أبداً ينحت شعره لغمز السرج إياه فينبت أبيض، لأن الجلد هناك يرق، وأنت تراه في الخيل كلها على إختلاف شياتها، وليس بالبياض المحمود ولا الحسن ولا الجميل، فهذا خطأ من هذا الوجه.

وهو خطأ من وجه آخر وهو أن جعله شعلة والشعلة لا تكون إلا في الناصية أو الذنب وهو أن يبيض عرضها وناحية منها فيقال: فرس أشعل وشعلاء، وذلك من عيوب الخيل، فإن كان ظهر الفرس أبيض خلقة فهو أرحل ولا يقال أشعل(…) ومن قبيح وصف شيات الخيل : قول أبي تمام في وصف هذا الفرس أيضا:

مسود شطر مثل ما اسود الدجى                   مبيض شطر كابيضاض المفرق

شطر الشيء: جانبه وناحيته، قال الله عز وجل ( فول وجهك شطر المسجد الحرام) أي ناحيته. وقد يراد بالشطر نصف الشيء، يقال، قد شاطرتك ما لي، أي ناصفتك، فهذا هو الأكثر الأعمّ فيما يستعملون، وذلك من أقبح شيات الأبلق على ظاهر هذا المعنى. ولم يرده أبو تمام وإنما أراد بالشطر ههنا البعض والجزء، أي مسود جزء مبيض جزء، فجاء بالشطر لأنها لفظة أحسن من الجزء ومن البعض في هذا الموضع…وقد جعله أبو تمام في أول الأبيات أشعل بقوله: و “بشعلة نبذ” ثم جعله ههنا أبلق، فهذا الفرس هو الأشعل الأبلق على مذهبه في هذا التشبيه. ولا ينكر هذا من ابتداعاته.”

إن ما انتهى إليه الآمدي من حكم على هذين البيتين لم يرق لابن سنان الخفاجي الذي حاول في رده أن يدفع التناقض في وصف أبي تمام للفرس، وأن يفسر موقف الآمدي بالتحامل على الشاعر. يقول الخفاجي: “وكذلك ذهب أبو القاسم الآمدي إلى تناقض بيت أبي تمام في صفة الفرس:

وبشعلة تبدو كـــأن فلولها                         في صهوتيـه بدو شيب المفرق

مسود شطر مثل ما اسود الدجي                مبيض شطر كابيضاض المهرق

قال: لأنه ذكر في البيت الأول أنه أشعل، ثم قال في الثاني: إن نصفه أسود و نصفه أبيض وذلك هو الأبلق، فكيف يكون فرس واحد أشعل أبلق؟ وهذا من أبي القاسم تحامل على أبي تمام، لأنه يصف فرسا أشعل ويريد بقوله -إنه مسود شطر ومبيض شطر- أن سواده وبياضه متكافئان، فلو جمع السواد لكان نصفه وكذلك البياض، وهذا الوصف من تكافؤ السواد والبياض في الأشعل محمود، حتى إن النخاسين يقولون: أشعل شعرة شعرة، فعلى هذا لا يكون شعر أبي تمام من المتناقض”.

لقد مارس الآمدي في هذين البيتين آلية الشرح، فتوقف عند الكلمات الصعبة وغير المتداولة يشرحها ويبينها

…………….التتمة في العدد

مدخل إلى الفكر الأنثروبولوجي والنظرية الأنثروبولوجية

مصطفى الزاهيد

”لاحظ الإنسان بصفة عامة الفروقات القائمة بين شعوب الجنس البشري، كما اهتم بمعرفة الطبيعة الإنسانية للإنسان و تفسير الاختلافات في الملامح الجسمانية، ولون البشرة والعادات والتقاليد والفنون وغير ذلك من مظاهر الحياة. وفي إطار هذا الإهتمام والتساؤل تطورت الدراسات خلال العصور وتبلورت بنشأة فرع جديد من فروع المعرفة، اصطُلح على تسميته بالأنثروبولوجيا” أو علم الإنسان، فما هي الأنثروبولوجيا؟ وكيف ظهرت الأنثروبولوجيا كعلم قائم بذاته وكتخصص أكاديمي؟ هل يوجد في القديم علم إسمه الأنثروبولوجيا؟ هل الأنثروبولوجيا وليدة القرن التاسع عشر، أم أنها حصيلة تراكم معرفي حتم الشرط التاريخي اكتمال معالمه وقيامه كفرع معرفي جديد؟ وأخيراً ما هي أهم الإتجاهات النظرية داخل حقل الأنثروبولوجيا؟

حول تجديد المفهوم

يختلف تعريف مفهوم الأنثروبولوجيا باختلاف المرجعيات الثقافية للباحثين الأنثروبولوجيين، فهناك من يستخدم مفهوم الأنثروبولوجيا كمفهوم عام ليشمل كافة النواحي الإجتماعية والثقافية للإنسان، أي: دراسة الإنسان ككل معقد، و دراسة إنتاجه عبر التاريخ من ثقافة و تقاليد و عادات و معتقدات. وهناك من يطلقها لتقتصر على ما هو عضوي أو حيوي في الإنسان ”فيستخدم الأمريكيون مصطلح الأنثروبولوجيا الجسمانية، الفيزيقية Phisical Anthropology للإشارة إلى دراسة الجانب العضوي أو الحيوي في الإنسان، بينما يستخدمون مصطلح الأنثروبولوجيا الثقافية Cultural Anthropology ليعني مجموع التخصصات التي تدرس النواحي الاجتماعية والثقافية لحياة الإنسان (يدخل في ذلك الدراسات التي تتعلق بحياة الإنسان القديم أو حضارات ما قبل التاريخ) ”. فإذا كان هذا الإهتمام بالأنثروبولوجيا كعلم يدرس الثقافة البشرية، بمعناها الشامل داخل الولايات المتحدة الأمريكية، فإن في فرنسا نجد العكس، فقد ارتبط مفهوم الأنثروبولوجيا عندهم بدراسة التاريخ الطبيعي للإنسان، ويذكر الباحث الفرنسي جان بواريه J.Poirier أنها ظهرت أولا في كتابات علماء الطبيعة إبان القرن الثامن عشر، لتعني دراسة التاريخ الطبيعي للإنسانL’histoire naturelle de l’homme، وربما كان عالم الطبيعة الألماني جوهان بلوميناخ في رأي بواريه أيضاً أول من أدخل كلمة”الأنثروبولوجيا” في منهج تدريس التاريخ الطبيعي في المقررات الجامعية، كما استخدمها في الطبعة الثالثة من كتابه الذي صدر عام 1795 تحت عنوان ”عن التنوعات الطبيعية الجوهرية بين البشر”، وإذا كانت الأنثروبولوجيا علما يهتم بدراسة الثقافات والتقاليد والعادات وكل ما يتعلق بالإنسان، هذا يعني دراسة ذلك الكل المعقد الذي يُسمى ثقافة، فإن هذه الدراسة تحتاج إلى مادة لتقوم بتحليلها وهذه المادة توفرها الإتنوغرافيا والتي شكّلت على الدوام إرهاصاً تاريخياً لحقل معرفي سُمْيَ بالأنثروبولوجيا.

وحول مصطلح الإتنوغرافيا ”نجده يعني الدراسة الوصفية لأسلوب الحياة ومجموع التقاليد والعادات والقيم والأدوات والفنون والمأثورات الشعبية لدى جماعة معينة أو مجتمع معين خلال فترة زمنية محددة” بيد أن الأنثروبولوجيا تختلف عن الإتنوغرافيا، فهي لا تعتمد على أسلوب الوصف فقط، بل تتعداه إلى تحليل هذه المادة الوصفية، وإلى تركيبها بهدف الوصول إلى تصورات نظرية، فهي ”تهتم بالدراسة التحليلية و المقارنة للمادة الإتنوغرافية بهدف الوصول إلى تصورات نظرية أو تعميمات بصدد مختلف النظم الاجتماعية والإنسانية من حيث أصولها وتطورها وتنوعها. وبهذا تشكّل المادة الإثنوغرافية قاعدة أساسية لعمل الأنثروبولوجي، فالأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا مرتبطتان إذن بحيث تكمل الواحدة الأخرى”.

قد يكون هذا الاقتضاب المخل لا يفي بالغرض، غير أنه يفي ببعضه، وجدير بخلق إرهاص للطالب حول إشكالية تحديد مفهوم الأنثروبولوجيا بشكل عام وتحديده بحسب المرجعية الثقافية لكل مدرسة  أنثروبولوجية بشكل خاص.

التأصيل التاريخي للأنثروبولوجيا

تزامن تبلور حقل معرفي جديد إسمه الأنثروبولوجيا بتوالي الكتابات حول تاريخ تبلور هذا الحقل المعرفي، وذلك للتعريف بالجذور المعرفية والأصول النظرية لهذا الحقل. ”وباطلاعنا على عدد من الكتابات عن تاريخ الأنثروبولوجيا، يمكن القول بصفة عامة :أنه بالرغم من تعدد الإتجاهات في تناول هذا الموضوع، إلا أنه يمكن أن نشير إلى ثلاث مقاربات رئيسة. هناك أولاً: من تناول الأنثروبولوجيا من خلال العرض لمجموعة من الرواد الأوائل لهذا العلم والمحدثين على السواء”، و هناك مَنْ تطرق لهذا العلم الجديد عبر المراحل التاريخية التي مر منها و اعتبر الأنثروبولوجيا نتيجة لإسهام حضارات إنسانية، حيث لم تخلوا مرحلة تاريخية من وجود إرهاصات لفكر أنثروبولوجي، ونحن نميل إلى العرض التاريخي الذي يوفي الفكر البشري حقه ويجعل إسهامه بعيداً عن أي نزعة ذاتية. صحيح: أن الأنثروبولوجيا كعلم لم تتبلور إلا في أواخر القرن التاسع عشر، لكن وصف ثقافة الشعوب قد جذب العديد من المفكرين والرحّالة والمستكشفين، وحاول بعضهم إعطاء تفسيرات لهذه الاختلافات، وإذا كان الإختلاف لا يُدْرَك لذاته إلا عن طريق المقارنة والإتصال. فالحروب والرحلات التجارية والإستكشافية وكذلك البعثات التبشيرية مثلاً ساهمت في حدوث اتصال بين الشعوب. ففي الحضارة المصرية شكّلت الرحلات التجارية نقطة التقاء بالآخر والتعرف عليه ثقافياً واجتماعياً، وفي هذا الصدد ”كتب مودي في عرضه لتاريخ الإتنوغرافيا بأن الرحلة التي قام بها المصريون القدماء عام 1493 ق.م. تعد من أقدم الرحلات التاريخية على الإطلاق ذلك حين أبحر في النيل باتجاه جنوب مصر أسطول مكوّن من خمسة مراكب، و على متن كل مركب واحد وثلاثون فرداً، وذلك بهدف تسويق بضائعهم النفيسة من البخور والعطور. وقد نتج عن هذه الرحلة اتصال المصريين القدماء بأقزام إفريقيا، وإقامة علاقات معهم فيما بعد، وقد صورت النقوش في معبد الدير البحري إستقبال ملك وملكة بلاديونت لمبعوث مصري، كما أوضحت النقوش كذلك بعض تفاصيل الصفات الجسمانية لتلك الشعوب، وبدا واضحاً ما اتصف به أهل المملكة من تراكم السُمْنَة بإفراط”. ولم يكتف الإسهام بأفكار أولية في الأنثروبولوجيا فقط على الحضارة المصرية، بل حتى في الفكر الإغريقي نجد مادة وصفية جاءت في كتابات عدد من الكتّاب الإغريق، مثل الشاعر اليوناني هوميروس Homier الذي عاش خلال القرن التاسع أو الثامن ق.م.، وهو صاحب ملحمتيّ الإلياذة والأوديسا. غير أن أشهر من نجد في كتاباته بوادر فكر أنثروبولوجي داخل الفكر الإغريقي فهو المؤرخ هيرودوت الملقب بأب التاريخ ”ففي كتابه ‘التواريخ’ حرص هيرودوت على تقديم كل ما يستحق التسجيل عن التاريخ الإنساني حتى زمانه، فقد قدم معلومات في تسعة فصول عن حوالي خمسين شعباً من خلال رحلاته وقراءاته وذلك إلى جانب وصفه الدقيق للحرب التي دارت بين الفرس والإغريق إبان القرن السادس ق.م.”، ولم يكتفي هيرودوت عند هذا الحد، بل كان يصف المعتقدات والعادات ويقارن بين الشعوب وبين معتقداتها وعاداتها وفي هذا الصدد يقول: ”وفي غير مصر يطلق كهنة الآلهة شعورهم، أما في مصر فيحلقونها، ويقضي العُرْف عند سائر الشعوب بأن يحلق أقارب الميت رؤوسهم أثناء الحداد، ولكن المصريين إذا نزلتْ بساحتهم محنة الموت فيطلقون شعر الرأس واللحية”.

إن المادة التي قدمها هيرودوت برأي الأنثروبولوجيين هي عبارة عن إرهاص لفكر أنثروبولوجي سيتبلور لاحقاً في القرن التاسع عشر، لكن إلى أي حد وكيف يمكن اعتبار هيرودوت أول باحث أنثروبولوجيا بصفة عامة ومؤسس إثنوغرافيا بصفة خاصة؟

تكمن أهمية هيرودوت في كونه استطاع في ذلك الوقت المبكر أن يطرح فكرة وجود تنوع بين الشعوب في النواحي الثقافية والسلالية واللغوية والدينية والعقائدية…ولم يفت هيرودوت أن يشير إلى عناصر التبادل الثقافي واقتباس الشعوب بعضها عن بعض، وهو ما سيتبلور داخل حقل الانثروبولوجيا بمفهوم التثاقف والإنتشار الثقافي مع المدرسة الإنتشارية، وبصدد نقطة الانتشار والتثاقف بين الشعوب كتب هيرودوت أن الإغريق قد أخذوا عن الليبيين الثياب والغناء والعربات. ويقول هيرودوت في الفقرة 189 من النصوص الليبية: ”يبدو أن ثوب ودرع وتماثيل أثينا نقلها الإغريق عن النساء الليبيات، غير أن لباس النساء الليبيات جلدي وأن عذبات دروعهن المصنوعة من جلد الماعز ليست ثعابين بل هي مصنوعة من سيور جلد الحيوان”.

وفي العصر الروماني سيبتعد الفكر عن التجريد الذي تميّز به الإغريق، و البحث في المسائل العقلية الخالصة ويتجه نحو الواقع الملموس، ومع ذلك ينفي الأنثروبولوجيون أي وجود لإرهاصات فكر أنثروبولوجي في الحقبة الرومانية، باستثناء أشعار كروس لوكريتيوس lecretuis (98-55 ق.م.) التي احتوت وبلا شك بعض الأفكار الإجتماعية الهامة. إن القارئ لكتابه ‘طبيعة الأشياء’ الذي نُشرت ترجمته الانجليزية في سلسلة penguin يجد أن لوكريتيوس تناول عدة موضوعات في ستة أبواب رئيسية و ضمنها أفكاره ونظرياته عن المادة، وحركة وشكل الأجرام السماوية، وتكوين العالم. وعلى سبيل المثال تطرق في الباب السادس خاصة إلى فكرتيّ التطور والتقدم حيث تحدث عن الإنسان الأول والعقد الاجتماعي ونشأة اللغة ونظاميّ الملكية والحكومة، إلى جانب مناقشته للعادات والتقاليد والفنون والأزياء والموسيقى، ويرى بعض الأنثروبولوجيين أن لوكريتيوس إستطاع أن يتصور مسار البشرية في عصور حجرية وبرونزية ثم حديدية11. ”غير أن تدهور الإمبراطورية الرومانية صاحبه انتقال إلى العصور الوسطى”، والتي تحددت بنهاية الإمبراطورية الرومانية حتى عصر النهضة حسب التحقيب الأوربي. و يذكر لنا المؤرخون أنه مع نهاية القرن الخامس الميلادي تقريباً بدأت السلطة بروما في التدهور والانهيار ودخلت أوربا في فترة زمنية طويلة ترتبط عادة في أذهان الأوروبيين بالنكسة الحضارية وارتداد الفكر إلى حقبة مظلمة، وتُعرف هذه الحقبة ”بالعصور الوسطى”. وهي حقبة سيطرت فيها الكنيسة والفكر اللاهوتي سيطرة مطلقة على جميع الجوانب الفكرية والاجتماعية والثقافية، حيث أصبحت المعرفة خاضعة لسلطة المؤسسة ومعبِّرة عن إيديولوجيتها المتمثلة بالكنيسة المالكة للحقيقة آنذاك –هذا برأي رجال الدين-.

وعن صلة هذه الحقبة بالفكر الأنثروبولوجي، يمكننا أن نستشف ذلك من الموقع الجغرافي لأوربا و الذي جعلها تنظر إلى الشعوب التي تقطن المحيطات الأخرى بكونها متبربرة، وعلى أنها رمز الخطيئة الأبدية. هذا الجهل بعادات تلك الشعوب وتقاليدها إضافة إلى التمركز الذاتي حول الدين المسيحي الذي فرضته الكنيسة كنموذج للخلاص، جعل الأوربيين يتجهون إلى تطهير ذاتهم عن طريق الغزو والحروب رغم ظهور إرهاصات للكتابة حول تلك الشعوب، إلا أن الوصف جاء غالباً في إطار من التخيُّل وليس المشاهدة المباشرة. فنجد مثلاً ”أن الأسْقُف ‘إيزدور ISDOR’ كان قد أعد موسوعة عن المعرفة في القرن السابع ميلادي، وأشار فيها إلى بعض تقاليد الشعوب المجاورة وعاداتهم ولكن بطريقة عفوية تتصف بالسطحية والتحيّز، فقد ذكر مثلاً أن قرب الشعوب أو بعدها عن أوربا يحدد درجة تقدمها، فكلما كانت المسافة بعيدة كلما كان الإنحطاط والتدهور الحضاري مؤكداً، وليس هذا فحسب، بل: إنه وصف أولئك الناس الذين يعيشون في أماكن نائية بأنهم سلالات غريبة الخلْقة، حيث تبدو وجوههم بلا أنوف”. ولم يتوقف البحت الإتنوغرافي الذي شكّل بدايات الفكر الأنثروبولوجي في القرن التاسع عشر على الأوربيين، ولم يبقى حكراً عليهم، بل كانت هناك إسهامات للحضارة الإسلامية، وعلى سبيل الإيضاح: نشير هنا إلى كتاب البيْروني عن الهند، لِما حضي به من شهرة كبيرة في الدوائر العلمية الأوربية ولِما احتواه من مادة إثنوغرافية هامة، وهو بعنوان ”تحرير ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مردولة”، وفيه وصف البيروني المجتمع الهندي من ناحية نظمه الدينية والاجتماعية وأنماطه الثقافية،كما اهتم أيضا بمقارنة تلك النظم والسلوكيات الثقافية بمثيلاتها عند اليونان والعرب والفرس، وقد أبرز البيْروني حقيقة ”أن الدِين يلعب الدور الرئيسي في تشكيل الحياة في الهند وتوجيه سلوك الأفراد والجماعات وصياغة القيم والمعتقدات ”.

عصر النهضة: تحول الكمّي والكيفي في نظرية علم الإنسان

تكمن أهمية عصر النهضة بالنسبة للأنثروبولوجيا في المادة الإتنوغرافية التي توافرت فيه والتي تُعتبر عملاً أولياً في المعرفة الأنثروبولوجية، فمن خلال تدوين سِيَر الرحّالة وما يشاهدونه، ومن خلال وصف الأقاليم والشعوب غير الأوربية، وقف العقل الأوربي على حقيقة الجنس البشري، وعلى تنوعه وتنوع إنتاجه الحضاري ”وهو الأمر الذي جعل المؤرخ الفرنسي ميشيليه MICHELET (1894-1798) يصف عصر النهضة بأنه كشف للعالم وللإنسان” و في هذا يكمن في حقيقة الأمر موضوع الأنثروبولوجيا وهدفها أيضاً، لذلك يجد المؤرخ لتاريخ الأنثروبولوجيا أو الكاتب لقصتها أن لعصر النهضة ينابيعه الأنثروبولوجية الأصيلة والعميقة التي تتمثل في تحصيل المعرفة عن ثقافات لم تكن معروفة من قبل”. كما لا يمكن إغفال الدور الحاسم لرحلات الإستكشافية الأوربية ولعل أهمها ذاك الحدث الذي غير مجرى التاريخ ومجرى الفكر كذلك ألا وهو اكتشاف العالَم الجديد عِبْر رحلة كريستوف كولومبس (1886-1481). ”فمن الناحية الأنثروبولوجية نجد أن مذكرات كولومبس عن رحلته ومشاهداته واتصالاته مع ‘أهالي’ العالَم الجديد قد زخرت بالمعرفة والبيانات والشخصيات الإتنوغرافية، وفي الحقيقة أن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل اتصفت كتابات كولومبس أيضاً بميل نحو الموضوعية محاولاً تقصي الأسباب وراء ما شاهده أو سمع عنه من تقاليد أو طقوس أو ممارسات يومية. وتلك صفة قلما وجدت في الكتابات الإتنوغرافية التي كانت سائدة حينذاك”. ولم يتوقف إسهام الإكتشافات الجغرافية فقط عند هذا الحد بل أعاد النظر في الأحكام القيمية التي كان الأوربيون يصدرونها على الشعوب الأخرى، وكلها كانت تتعلق بنفي انتمائها لنفس الوحدة البيولوجية التي ينتمي إليها النوع البشري، و في هذا الصدد يشير جوزيف جيرنبرخ إلى بعض تلك التساؤلات على النحو التالي ”هل الشعوب التي لم تُعْرف من قبل والتي أمكن التعرُّف عليها عن طريق الإستكشافات، تنتمي إلى نفس النوع الذي ينتمي إليه الإنسان الغربي، ومن ثم هل يتحتم المحافظة على أرواحها؟”. و في ضوء ما تقدم يمكن القول أن ”الإستكشافات الجغرافية ساهمت جنباً إلى جنب مع الإتجاه العلمي، علاوة على سيادة المذهب الإنساني، بل وقد أثروا جميعهم ولا شك ولو بدرجات متفاوتة وفي مجالات متباينة في تشكيل منطلقات الفكر الاجتماعي النظري، وفي إبراز اهتمامات جديدة في مجال دراسة الإنسان الأوربي وغيره”.

كل هذا، شجع على الإهتمام بالإنسان وبدراسته وبتطوره وتطور إنتاجه الثقافي واختلافه، فظاهرة التنوع الحضاري بين البشر الذي أبرزَته وأكدَته كتابات الرحّالة، جعل الأوربيين يتجهون نحو فحص الذات والتأمل في أحوالهم. أجل فعلوا ذلك عن طريق المقارنة بين أنفسهم وبين الشعوب المكتشفة في ضوء ما ورد عنها من كتابات وأوصاف، لأنه قد ساد بصفة عامة نوع من التأملات التجريدية والرومانتيكية عن الحياة البدائية والطبيعية وربما ترجع أولى المحاولات لتدوين المادة الإتنوغرافية والتنظير بشأنها إلى الرحالة الإسباني جوزيه اكوسا J.Acosa في القرن السادس عشر، حينما حاول ربط ملاحظاته الشخصية عن السكان الأصليين في العالم الجديد ببعض الأفكار النظرية، ”فقد افترض مثلاً أن الهنود الحمْر كانوا قد نزحوا أصلاً من آسيا إلى أمريكا وبذلك فسر اختلاف حضارتهم عن تلك التي كانت سائدة في أوربا حينذاك، كذلك قدم أكوسا فرضية أخرى حول تطور الحضارة الإنسانية عبر مراحل معينة، وقفت فيها أوربا بأعلى السُلَّم وأتت بعدها الصين في المرتبة الثانية لمعرفتها الكتابة بينما احتلت المكسيك مرتبة أدنى من ذلك، أما المجتمعات الأخرى فقد تم تصنيفها على درجات متباينة في أسفل السُلَّم، وقد أقام أكوسا تصنيفاته على أساس معرفة الشعوب بالكتابة و القراءة ”.

ولم يعد الوصف كافياً بل بدأ المفكرون والباحثون في استخلاص أفكار نظرية من تلك المادة الإتنوغرافية التي يوفرها المستكشف أو الرحالة مثلاً، ولم تعد الكتابات تستمد مصداقيتها من الخيال، بل أصبحت تتجه نحو البحث الميداني، وكانت أهم الخطوات في مجال البحث الميداني ضمن حقل الأنثروبولوجيا تلك التي قام بها الفرنسي ميشيل دي مونتاني M.de Montaigne (1892-1532)الذي أجرى مقابلات مع مجموعة من السكان الأصليين الذين كان بعض المكتشفين قد أحضروهم إلى أوربا، و استخدم مونتاني هؤلاء الأسرى كإخباريين أي أنه جمع منهم معلومات عن العادات والتقاليد السائدة في موطنهم الأصلي. وخرج من ذلك بمقولة أنه لفهم العالم لا بد من دراسة التنوع الحضاري للبشر واستقصاء أسبابه، لذلك تسنى لأوربا أن تفهم ثقافات الشعوب الأخرى باعتبار أن لها منطلقاتها وأخلاقياتها الخاصة بها، وبالتالي نجد هذا الفيلسوف الفرنسي قد طرح فكرة ”النسبية الأخلاقية Moral Relativity” على حد تعبير إيدموند ليتش. وقد كتب مونتاني يقول ”بأن الوضع الحضاري الذي يصفه البعض بالهمجية ليس إلا وصفاً حضارياً مماثل لما لدى الأوربيين، فمن المحتمل في نظره أن يكون المجتمع الأوربي ذاته قد مرَّ بمرحلة مماثلة (يقصد هنا الهمجية)، الأمر الذي تطلب ضرورة فحص التطور الحضاري للمجتمع الأوربي ذاته”. وإلى جانب مونتاني نشير إلى عالِمين فرنسيين آخرين من مفكري القرن الثامن عشر واللذان يرى الأنثروبولوجيون في أعمالهما جذورا للفكر الأنثروبولوجي النظري، وهما البارون دي مونتسكيوB.de Montesquieu (1758-1689) وجان جاك روسو J.J.Rousseau (1778-1711).

إن أهمية مونتسكيو بالنسبة للأنثروبولوجيا الإجتماعية بصفة خاصة تبدو أول وهلة عندما تطلع على كتاب إيفانز بريتشارد بعنوان ‘تاريخ الفكر الأنثروبولوجي’ فنجده يبدأ بمونتيسكيو، أما عن جان جاك روسو الذي يعتبره كلود ليفي شتراوس بمثابة ‘المعلم والأخ’ والذي تأثر به تأثراً كبيراً، وهو ما سنوضح فيما بعد، فقد جاء فكره مناقضاً لمونتيسكيو وغيره من فلاسفة عصر الأنوار المتفائلين والذين اعتقدوا في التقدم، فقد رأى روسو أن الإنسانية تسير نحو طريق مسدود ولا مجال للتقدم والكمال. ومع ذلك تحتل كتابات روسو مكانة هامة عند التأريخ للأنثروبولوجيا في القرن الثامن عشر نظراً لِما تضمنته من تناول للمادة الإتنوغرافية عن الشعوب المستكشفة (أو ما اصطلح على تسميتها آنذاك بالمجتمعات البدائية)، في إطار من المقارنة مع المجتمعات الغربية والخروج ببعض الأفكار والأطر النظرية في فهم مسار التاريخ الإنساني ككل، وتحديد مراحل تقدم البشرية، وفي هذا الصدد تميز روسو، ولا شك، عن معاصريه، من ناحية أن تفكيره في التاريخ لم يكن مقيداً بحدود حضارية أو زمنية، ولعله من الأشياء الهامة التي تضمنت كتابات روسو، من وجهة نظر الأنثروبولوجيا، أنه استطاع أن يخلّص نفسه من التحيّز الثقافي لمجتمعه، وأن ينقد قيمه بينما يشيّد ويستحسن طرق حياة الشعوب في المجتمعات الأخرى، ويُعتبر كتابه العقد الاجتماعي  le contract socialمن بواكير الكتابات الأنثروبولوجية”.

………………….التتمة في العدد

العقل التاريخيّ وإشكاليّات التّحديث:

قسطنطين زريق وعبد الله العروي أنموذجين

باسم المكي

لقد تعدّدت الدراسات المهتمّة بالظاهرة التاريخيّة وتنوّعت، غير أنّ ما يلفت الانتباه تركيز معظمها على مواضيع مخصوصة من قبيل قضيّة نشأة علم التاريخ عند العرب أو دراسة أعمال المؤرّخين وممارساتهم التاريخيّة. وظلّت البحوث المخصّصة لاستجلاء الرؤى التاريخيّة السائدة في الثقافة العربيّة الإسلاميّة وتبيّن أسسها المعرفيّة تشكو نقصاً واضحاً. لذلك نروم في هذا البحث النّظر في سيرورة تشكّل الوعي بالظاهرة التاريخيّة عند العرب واستخلاص أهمّ الرؤى السائدة قديماً من جهة ونطمح إلى دراسة أهمّ الإسهامات السّاعية إلى تحديث نظرة العرب إلى التاريخ من جهة أخرى. فقُسِّم العمل إلى محورين رئيسين. اهتممنا في المحور الأوّل بتطوّر العقل التاريخيّ عند العرب، وبحثنا في مؤثّرات النشأة وسعينا إلى استجلاء مختلف الرؤى التاريخيّة السائدة عندهم. أمّا المحور الثّاني فخصصناه للنّظر في جملة من المحاولات النّاقدة لهذه الرؤى القديمة والهادفة إلى تحديثها. وقد اهتممنا في هذا المحور بفكر كلّ من قسطنطين زريق من خلال كتابه «نحن والتاريخ» وعبد الله العروي من خلال كتابه «العرب والفكر التاريخيّ».

I. مراحل تشكّل العقل التاريخيّ عند العرب

إنّ البحث في تصوّر العرب للتاريخ هو بحث يتناول تصوّر جماعة مّا للتاريخ البشريّ عامّة ولتاريخها خاصّة. و هذا التصوّر مرتبط بالتّساؤل عن حقيقة الوجود الإنسانيّ. وهو تساؤل يُصاغُ في من أين؟ ولماذا؟ وإلى أين؟ ولا ريب في أنّ هذه الفكرة تُعتبر ملازمة لكلّ جماعة بشريّة لكنّها تتكيّف وَفق إدراك الجماعة لهويّتها الذّاتيّة لأنّ التاريخ جزء من الهويّة. فكلّ شعب يؤرّخ ذاته. ولا جدال في أنّ هذه الفكرة تنمو وتتطوّر بتطوّر الحاجات الاجتماعيّة والثقافيّة لمجموعة بشريّة مّا. ولعلّ من المتّفق عليه بين الباحثين أنّ الأسطورة تمثّل المنطلق الوصفيّ الذي يُعدّ أوّل محاولة لتفسير لغز الوجود فهي نظام فكريّ منسجم ومتكامل وله معقوليّته الخاصّة. ولعلّ أهمّ سمة من سمات هذا التفكير الأسطوريّ تتمثّل في الخلط بين الفعل الإنسانيّ وتأثير القوى الغيبيّة فيه. وقد كان عرب الجزيرة في ما قبل الإسلام ينخرطون في هذا التّصوّر الأسطوريّ فكان التاريخ عندهم فعلاً بشريًّا يُمزج بالخيال الأسطوريّ ويوظّف لغايات اجتماعيّة وثقافيّة.

ويمكن القول إنّ فكرة العرب عن التاريخ قد تطوّرت تطوّراً ملحوظاً مع الحدث الإسلاميّ. فقد حصلت نقلة نوعيّة في تصوّرهم إذ نلحظ بروز المقوّمات الأساسيّة لنشأة علم التاريخ. فقد توفّرت الأبعاد الثّلاثيّة للفعل التاريخيّ والمتمثّلة في البعد المكانيّ والبعد الزمانيّ والحدث. فالتاريخ مكان وزمان وحدث. ولقد كان لفكرة التاريخ في القرآن دورٌ مهمّ في تطوّر هذا الوعي التاريخيّ. فقد اهتمّ النّصّ القرآنيّ بقصص الأمم السائدة من عاد وثمود وقوم صالح… وقد رسم خطًّا تطوّريًّا للزمن بدأ بخلق الكون وظهور آدم وينتهي بحياة أخرويّة بعد الممات، ونجد فيه إقراراً بمسؤوليّة الإنسان في الأرض. ولعلّ هذا الإقرار يُعَدُّ مدخلاً أساسيًّا لاعتبار التاريخ فعلاً إنسانيًّا يقع في إطار زمانيّ ومكانيّ. وفضلاً عن ذلك فقد حرص القرآن على التّمييز بين «أساطير الأوّلين» والحقيقة التاريخيّة. لذلك شَعُرَ المسلمون بأنّهم يمتلكون وحدهم الحقيقة التاريخيّة، وهو أمر تفطّن إليه العروي في قوله: ”ولذلك سيعتقد العرب مدّة طويلة ويفخروا أنّهم وحدهم شعب تاريخ والشّعوب الأخرى تملك فقط حكايات لا يجد اليقين إليها سبيلاً“.

وإجمالاً، فإنّ الوعي التاريخيّ عند العرب قد تأثّر بعاملين أساسيّين هما:

العامل الدينيّ: فقد ارتبط التاريخ عندهم بالمحافظة على التراث الدينيّ ونقله إلى الأجيال اللاّحقة. لذلك التصق التاريخ في نشأته بالخبر والحديث. فكان جمع السّيرة ومغازي الرسول أهمّ ما سعى إليه الإخباريّون في المرحلة الأولى.

والعامل السياسيّ: لقد ارتبط التاريخ أساساً ببداية تكوين الأمّة الإسلاميّة. وقد أثّر العامل السياسيّ في رؤية المؤرّخ. فظهرت من ثمّة رؤية ساعية إلى توحيد الرواية لتأسيس رواية رسميّة لتاريخ الأمّة. وبرزت في المقابل رؤى مذهبيّة حاولت فيها كلّ طائفة أن تؤرّخ لذاتها. ولعلّ أكبر دليل على ذلك تواصل الكتابة في الأنساب وأيّام العرب.

ولعلّ ما يمكن استنتاجه من هذه الفترة الجنينيّة لعلم التاريخ هو أنّ منابع المعرفة التاريخيّة عند المسلمين كانت متأصّلة في الثقافة العربيّة الإسلاميّة، إذ أحوجت إليها حاجات دينيّة وسياسيّة وثقافيّة دعّمها إيجاد تقويم هجريّ في عهد الخليفة الثّاني عمر بن الخطّاب. وهو ما يؤكّده العروي بقوله: ”إنّ تأليف التاريخ الإسلاميّ من إبداع العرب. لقد فشلت المحاولات للعثور على مؤثّرات خارجيّة يونانيّة أو فارسيّة [...] ليس التاريخ الإسلاميّ نقلاً أو اقتباساً أو استعارة من الغير“.

ولقد زادت مرحلة التّدوين تثبيتاً لهذا العلم. فخارج التّدوين لا يمكن الحديث عن علم من العلوم. فالتّدوين تثبيت للذّاكرة وانتقاء صيغة من جملة صيغ محتملة. غير أنّ الوعي بالظاهرة التاريخيّة في الفترة الأولى بدا جنينيًّا إذ كان التاريخ في نشأته مرتبطاً بجمع الأخبار ونقل الرّوايات المختلفة. والتاريخ ليس جمعاً ولا تكديساً للمرويّات وإنّما هو سعي لبناء الماضي بناءً متماسكاً توظّف فيه الأخبار رغم اختلافها وتناقضها أحياناً. وقد سعى مؤرّخو القرن الثالث إلى تطوير الكتابة التاريخيّة. ويمكن إجمال أهمّ سمات هذا التطوّر في جملة من الآليّات:

ظهور النزعة التأليفيّة: فقد حاولوا التّأليف بين مختلف الأخبار المتفرّقة التي وفّرها الجيل الأوّل.

إدخال السيرورة الزمنيّة: فالتاريخ تعاقب وتسلسل في الأحداث. وهذه الظاهرة كانت غائبة في أعمال الجيل الأوّل من الإخباريّين. ولعلّ المتفحّص لتاريخ الطبري يلحظ الجهد الواضح في التبويب والتحقيب. فقد أخضع المؤرّخ تصوّره للتاريخ لرؤية زمنيّة مخصوصة سمحت له بإبراز التسلسل الزمنيّ للأحداث التاريخيّة.

نقد الروايات: لئن اقتصر الجيل الأوّل على جمع المادّة الخام فإنّ مؤرّخي القرن الثالث قد أعملوا الفكر في هذه المادّة وأخضعوها لمقاييس نقديّة اختلفت من مؤرّخ إلى آخر.

وقد أفرزت هذه الكتابات وعياً جليًّا بالظاهرة التاريخيّة، إذ أفضت جهود الطبري (تـ 310 ﻫ) والمسعودي (تـ 345 ﻫ) واليعقوبي (تـ 292 ﻫ) إلى تحقيق ما يسمّى بـ«تاريخ الأمّة الإسلاميّة». فالطبري مثلاً يحقّق في كتابه نوعاً من الإجماع إذ يبتعد عن المواقف المغالية وينحو نحو الاعتدال. وهو بذلك يسعى إلى تقريب الشقّة بين أفراد الأمّة، غير أنّ الوعي بتاريخ الأمّة الإسلاميّة لم يمنع الطبري والمسعودي مثلاً من العناية بتاريخ الأمم الأخرى المنضوية تحت راية الإسلام من قبيل الهنود والفرس. لذلك فقد نحا التاريخ عندهم نحو الكونيّة. وقد ساهمت هذه الرؤية الانفتاحيّة في ازدهار علم التاريخ فانفتح على تجارب الأمم الأخرى واستثمر جملة من العلوم المختلفة. فقد استفاد مسكويه (تـ 421 ﻫ) من الفلسفة في «تجارب الأمم» ووظّف المسعودي علم الجغرافيا في «مروج الذهب»، وظهرت النظرة الإثنيّة الفلسفيّة عند أبي الريحان البيروني (تـ 440 ﻫ) في كتابه «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة». فتجذّر، من ثمّة، الوعي التاريخيّ عند العرب. فلم يعد التاريخ خبراً ينقل وإنّما أصبح خبراً يُنقد، ولم يعد المؤرّخ يسعى إلى تأسيس تاريخ للأمّة فحسب، بل أصبح منفتحاً على التاريخ الكونيّ. وتحوّل التاريخ إلى مجال للبحث والمعرفة والإضافة.

إنّ هذه النزعة الإنسيّة (Humaniste) هي التي أنتجت الفكر الخلدونيّ. فقد حاول ابن خلدون (1332 م – 1406 م) في «المقدّمة» أن يستخلص من الأحداث المحلّيّة قانوناً كلّيًّا صالحاً لكلّ الحضارات. فحرص على القيام بدراسة عقليّة للتاريخ يحصر فيها ما هو ثابت ويستجلي ما هو متحوّل في الحضارات. وقد سعى منذ الفصل الأوّل من «المقدّمة» «في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع لما يعرض للمؤرّخين من المغالط وذكر شيء من أسبابها» إلى مراجعة عمل من سبقه من المؤرّخين. فقسّم المؤرّخين إلى أربعة أصناف:

-  الصنف الأوّل وهم الفحول.

-  الصنف الثّاني وهم المتطفّلون على التاريخ.

-  الصنف الثالث وهم المقلّدون.

-  الصنف الرابع وهم المختصرون.

وقد سعى ابن خلدون في المقدّمة إلى نقد كلّ صنف من هذه الأصناف. فعند تطرّقه إلى الفحول بَيَّنَ قلّة عددهم: ”هم قليلون لا يكادون يجاوزن عدد الأنامل ولا حركات العوامل“. ويحصر ابن خلدون فضلَ الفحول في تأسيس العلم وتدوينه ”وإنّ فحولَ المؤرّخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيّام وجمعوها وسطّروها في صفحات الدفاتر وأودعوها“. أمّا الفضيلة الثانية فتتمثّل في أمانة النقل حتّى ”ذهبوا بفضل الشُّهرة والإمامة المعتبرة“. وفضلاً عن ذلك فإنّه يعترف لهم بفضل إدراك معنى التاريخ الكونيّ ”ثمّ إنّ أكثر التواريخ لهؤلاء عامّةُ المناهج والمسالك لعموم الدولتين صدر الإسلام في الآفاق والممالك وتناولها البعيد من الغايات في المآخذ والمتارك ومن هؤلاء من استوعب ما قبل الملّة من الدول والأمم والأمر العَمَم كالمسعودي ومن نحا منحاه“. غير أنّ ذكر هذه الفضائل لم يمنع ابن خلدون من توجيه النقد لما أنجزوه، ويمكن إجمال نقده في ثلاثة مستويات:

1. المستوى المعرفيّ: فقد اتّهمهم بأنّهم يقتصرون على سرد الأحداث أي اعتبارهم التاريخ مجموعة أخبار. والتاريخ عند ابن خلدون ليس مجرّد ذكر للأخبار وإنّما هو ”نظر وتحقيق“. وفضلاً عن ذلك فقد انتقدهم في اعتمادهم النقل ومنهجيّة الإسناد ممّا أوقعهم في أخطاء منهجيّة، إذ لكلّ علم منهجه المخصوص. إنّ اعتماد المؤرّخ لمنهج علماء الحديث قد تسبّب في قبول مرويّات غير معقولة. لذلك فإنّ غياب إعمال العقل عندهم قد دفعهم إلى الخلط بين ما هو ممكن الوقوع وما هو مستحيل الوقوع فكان الخلل في المنهج مؤدّياً إلى الخلل في التّصوّر. ولهذا السّبب اشترط ابن خلدون اعتماد قانون المطابقة بين ما وقع وما نُقل عن السلف. وقد كانت نتيجة تحكيم هذا القانون مراجعة الكثير من المرويّات من قبيل أسباب نكبة البرامكة والشكّ في عدد جنود موسى…

2.      المستوى الثّاني: خطأ الذاتيّة والانحياز والتعصّب المذهبيّ. فقد لاحظ ابن خلدون أنّ المؤرّخين ينقلون من الأخبار ما يتلاءم ومذهبهم وهم بذلك يخلّون بشرط أساسيّ من شروط الكتابة الموضوعيّة.

3. المستوى الثالث: الولع بذكر الغريب والعجيب والتأثّر بالشائعات. ولقد زادت حدّة هذا الأمر خاصّة مع المتطفّلين على التاريخ ”والتطفّل على الفنون عريضٌ طويل“. ويضاف إلى المتطفّلين طائفة أخرى من المقلّدين الذين يتّسمون بضعف الملكة النقديّة وقد وصفهم ابن خلدون ببلادة الطبع والعقل.

لقد حرص ابن خلدون على تأسيس منهج عقليّ للكتابة التاريخيّة تَقوم أسسه على المطابقة بين الخبر والواقع والموضوعيّة في نقل الأحداث والانفتاح على تجارب بقيّة الأمم.

ولكن إذا كان ابن خلدون وريثَ هذا الانفتاح في الرؤية التاريخيّة وكان امتداداً لهذا الخطّ المنفتح على العالم وعلى بقيّة العلوم فلِمَ نجده ينقد المؤرّخين نقداً لاذعاً؟ ولِمَ يقلّل من عدد الفحول؟ ولِمَ يذكر التقليد والاختصار في كتب التاريخ حتّى أنّ قارئ «المقدّمة» يتّضح له دون أدنى شكّ أنّ ابن خلدون قد ساءه تدنّي الأوضاع المعرفيّة في عصره حتّى بدا عمله محاولة لإنقاذ علم التاريخ؟ فهل يعني هذا أنّ خطأ مّا في تاريخ الأفكار قد حصل وتراجعاً في الوعي التاريخيّ قد وقع؟

…………………………التتمة في العدد

الفلسفــــــة الفرنسيـــة

La philosophie Française

هنري برغسون

ترجمة محمد مطر (فريق مركز الانماء القومي)

لقد كانت فرنسا الدولة السبَّاقة في تطوير الفلسفة الحديثة، ودورها في ذلك واضح وجلي. صحيح أن الدول الأخرى، قدمت للعالم فلاسفة، لا ريب في نبوغهم وقيمتهم، ولكن أحدا لم يملك – كالفرنسيين – تاريخا مستمرا من الإبداع الفلسفي الأصيل. قد يجتهد الآخرون في تنمية هذه الفكرة أو تلك، أو في استخدام مواد معرفية بطريقة أكثر سيستامية، أو في توسيع هذا المنهج المعرفي أو ذاك. ولكن غالبـا ما تكون تلك المواد، والأفكار، والمناهج المستخدمة، فرنسية المصدر. ولأن المقام هنا، لا يسمح لنا بتعداد جميع المذاهب، أو بذكر جميع الأسماء، فقد اخترنا أن تقتصر مهمتنا على استكشاف الخطوط العامة التي تميز الفكر الفلسفي الفرنسي، لنرى لماذا ظلت الفلسفة الفرنسية – على مدى تاريخها – خلاقة، وعلى ماذا استندت قوة إشعاعها في العالم.

تنتسب الفلسفة الحديثة بأسرها إلى ديكارت. لن نحاول هنا تلخيص مذهبه. إن كل تقدم في العلم والفلسفة، يسمح لنا باكتشاف شيء جديد، بطريقة تجعلنا نرضى بالمقارنة بين هذا العمل الكشفي والاكتشافات في الطبيعة، التي لا ينتهي التحليل فيها أبدا. وكما المشرح، يصنع سلسلة من المقاطع في العضو أو النسيج الذي يريد دراسته، فسنقطع كذلك نتاج ديكارت، إلى مستويات متوازية، تحت بعضها البعض، لنحصل منها، على رؤى أكثر عمقا.

يظهر المقطع الأول في “الكارتيزيانيسم” (الديكارتية)، فلسفة الأفكار “الواضحة والمتميزة”، التي حررت التفكير الحديث نهائيا، من عبودية السلطة؛ لكي لا يقبل غير البداهة، دليلا على الحقيقة.

عندما ننزل إلى الأسفل قليلا، ونحفر في معاني “البداهة”، “الوضوح”، و”التميز”، فإننا نجد نظرية في المنهج. فقد حلل ديكارت خلال ابتكاره لهندسة جديدة، فعـل الإبداع الرياضي، وعرض شروطه. كما أنه قدم كذلك، طرقا عامة للبحث مستوحاة من هندسته.  

   وبتوسيعنا لمدلول تلك الهندسة،  فإننا نصل بذلك، إلى نظرية عامة في الطبيعة، ترى الأخيرة، آلة ميكانيكية عملاقة، محكومة بقوانين رياضية، مما يعني أن ديكارت قد أعطى للفيزياء الحديثة إطارها العام، وأرضية العمل التي لم تتخل عنها يوما، في الوقت الذي قدم فيه، المثال لكل مفهوم آلي (ميكانيكي) في الكون.

سنجد الآن، تحت فلسفة الطبيعة، نظرية في الروح، أو كما قال عنها ديكارت : نظرية في “الفكر”. وهي تمثل الجهد الذي بذله ديكارت، لحل إشكالية الفكر ورده إلى عناصره البسيطة، والذي فتح بدوره الطريق أمام أبحاث “لوك” و”كونديلاك”، لكي ترى النور. كما سنجد خاصة فكرة، أن “الفكر” يوجد أولا، بينما تأتي المادة ثانيا، أو بمعنى أكثر دقـة، أنه يمكن للمادة ألا توجد إلا كتمثل للفكر. إن كل المثاليات الحديثة قد انطلقت من هذا التصور، خصوصا المثالية الألمانية.  

توجد أخيرا، في قاع الفلسفة الديكارتية، محاولة جادة، لرد التفكير – على الأقـل جزئيا – إلى الإرادة، مما يعني ارتبـاط  فلسفات “الإرادة” في القرن الثامن عشر بديكارت. فليس من العبث إذا، أننا رأينا في الديكارتية “فلسفة للحرية”.   

إلى ديكارت إذا، ترجع المذاهب الأساسية في الفلسفة الحديثة. والديكارتيـة لا تدين بشيء أساسي إلى أي من المذاهب الفلسفية القديمة أو الوسيطة، وإن كانت تتشابه في بعض تفاصيلها مع تلك المذاهب. ونحن نقول عن فلسفة ديكارت، ما قالـه الرياضي والفيزيائي “بيو” عن الهندسة الديكارتية : “prole sine matre create” .

إذا كانت جميع النزعات في الفلسفة الحديثة، تتواجد معا في الفلسفة الديكارتية، فذلك كان يعني سيادة النزعة العقلانية، كما سادت القرون اللاحقة. ولكن غالبا ما كانت تلك النزعة العقلانية، تخفي تحتها اتجاها آخر، فرنسي المصدر، اخترق الفلسفة الحديثة؛ ويمكن تسميته بالاتجاه “العاطفي”، شريطة أن نأخذ كلمة “العاطفة” بمعناها المستخدم في القرن السابع عشر، وأن نفهم جميع الحدوس المتعلقة بهذا الاستخدام. فقد أدخل “باسكال” في الفلسفة الحديثة، طريقة جديدة في التفكير، لا تشبه طريقة التفكير المحض، لكونها نقحت بواسطة ” الذهن الرفيع” ما قد علق بالمنطق من تفكير هندسي. كما أن هذه الطريقة الجديدة ليست ضربا من التأمل الصوفي، لأنها تقودنا إلى نتائج، قابلة لأن تفحص وتدقق من قبل الجميع. لقد تبين من خلال إعادة ربط الحلقات الفرعية في سلسلة الفكر، بأن المذاهب الفلسفية الحديثة التي أبرزت المعرفة المباشرة، الحدس، الحياة الداخلية، إنما ترجع في أساسها إلى باسكال، كما ترجع فلسفات العقل المحض، بشكل خاص، إلى ديكارت (على الرغم من الميول الحدسية التي نجدها في الديكارتية نفسها). ليس باستطاعتنا الآن، العمل على تقديم الدليل على هذه النتائج، ولكن يمكننا فقط الإقرار بأن ديكارت وباسكال، هما الممثلان الأكبران لطريقتي التفكير اللتين قسمتا العقل الحديث.

لقد قطع الاثنان (ديكارت وباسكال) مع التفكير الميتافيزيقي عند اليونانيين. ولكن العقل الإنساني لا يتخلى بيسر، عن الغذاء الفكري الذي أمده لقرون خلت. لقد غذت الفلسفة اليونانية العصر الأوروبي الوسيط، وذلك بفضل أرسطو، كما أنها خصبت عصر النهضة الأوروبي، خصوصا بفضل أفلاطون. لذلك، فقد كان من الطبيعي، أن يبحث بعد ديكارت، في استخدام الفلسفة اليونانية وتقريبها من الديكارتية، والتأثر بنزوع الفلاسفة أنفسهم، لتنظيم أفكارهم بشكل سيستامي، لأن “السيستام” في حقيقته، هو ما قد بدأه كل من أفلاطون وأرسطو، واستكمله وأحكمه، من بعدهم الأفلاطونيون الجدد. ومن السهل البرهنة (دون الخوض في تفاصيل البرهان)، على أن كل محاولة لبناء سيستام قد استلهمت بعض الجوانب من الأرسطية، والأفلاطونية، والأفلاطونية المحدثة. وفي الواقع، فإن المذهبين الميتافيزيقيين الذين ظهرا خارج فرنسا في النصف الثاني من القرن السابع عشر، كانا مزيجين من الديكارتية والفلسفة اليونانية. ففلسفة سبينوزا المتميزة، نجحت في مزج ميتافيزيقا ديكارت مع أرسطية أساتذة الجامعات اليهود. كما أن فلسفة ليبنتز، التي لا ننكر أصالتها وجدتها، كانت أيضا مزيجا من الديكارتية والأرسطية، لا سيما مع أرسطية الأفلاطونيين الجدد. لم تكن الفلسفة الفرنسية أبدا، ميالة نحو البناءات الميتافيزيقية الكبرى، وذلك لعدة أسباب سنذكرها لاحقا. ولكن عندما طاب لها الشروع بمثل تلك التأملات الميتافيزيقية، فقد أظهرت ما في وسعها فعله، بيسر تام. ففي حين كان كل من سبينوزا و ليبنتز ينشئ مذهبه الفلسفي، كان مالبرانش يملك مذهبه الفلسفي الخاص، الذي كان أيضا مزيجا من الديكارتية والفلسفة الإغريقية ( بشكل خاص مع أفلاطونية آباء الكنيسة). لقد كان الصرح النظري الذي أقامه مالبرانش فريدا من نوعه. فقد كان يتضمن في الوقت نفسه، نظرية سيكولوجية وأخرى أخلاقية، استطاعا أن تحافظا على قيمتها، على الرغم من أنه لا يمكن ردهما إلى سيستامه الميتافيزيقي؛ وهذه إحدى العلامات الفارقة في الفلسفة الفرنسية. فهي إن ارتضت أحيانا أن تكون سيستماتية، فإنها لا تضحي لأجل السيستام، ولا تشوه عناصر الواقع الفعلي، إلى الحد، الذي لا يسمح لنا  باستعمال مواد البناء، خارج البناء نفسه. فمواد البناء تظل صالحة دائما.

إذا، ديكارت، باسكال، و مالبرانش، هم الممثلون الكبار للفلسفة الفرنسية في القرن السابع عشر، الذين أعطوا العصر الحديث، ثلاثة أنواع من المذاهب الفلسفية.

ظلت الفلسفة الفرنسية خلاقة أيضا في القرن الثامن عشر. ولكن هنا أيضا، يجب أن نرفض الدخول في التفاصيل، وأن نذكر بدل ذلك، أهم النظريات، وأن نعدد بعض الأسماء الأساسية.

سنبدأ أولا برد الاعتبار إلى لامارك، الذي كان عالما طبيعيا وفيلسوفا في آن، والمبدع الحقيقي لنظرية التطور البيولوجي. فقد كان لامارك أول من أدرك بوضوح، فكرة خروج الأنواع المتعددة للكائنات الحية، من بعضها عن طريق التحول، ودفـع بها إلى نهايتها المنطقية، وذلك على الرغم من أن شهرة داروين التي تحصلها من خلال أعماله عن الفكرة نفسها، لم تنقص يوما. فقد قرب داروين في أعماله الوقائع إلى بعضها البعض، كما أنه اكتشف بشكل خاص، دور التنافس والاختيار. ولكن التنافس والاختيار يفسران كيف تحفظ بعض التغيرات والصفات، ولكنهما لا يعيران اهتماما – كما قال داروين نفسه –  بالأسباب التي تؤدي إلى تلك التغيرات. لقد أثبت لامارك قبل داروين بكثير ( بما أن أبحاث داروين بدأت مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر) وبنفس الوضوح، تحولات الأنواع الحية، محاولا كذلك، تحديد أسبابها. لذلك يرجع اليوم، أكثر من عالم طبيعي، إلى لامارك، إما من أجل توحيد اللاماركية والداروينية معا، وإما لإحلال اللاماركية الجديدة والمكتملة، مكان الداروينية. خلاصة القول، أن فرنسا قد منحت العلم والفلسفة في القرن الثامن عشر، أعظم مبدأ لتفسير وفهم العالم العضوي، تماما كما قدم ديكارت في القرن السابع عشر، مخططا عاما لتفسير العالم اللاعضوي.

من جهة أخرى، استكملت أعمال الفرنسيين، بوفون وبونه، المميزة حول طبيعة الحياة، أبحاث وتأملات لامارك. ويمكن القول بشكل عام، بأن المفكرين الفرنسيين في القرن الثامن عشر، قدموا العناصر الأساسية لبعض النظريات الطبيعة التي تأسست في القرن اللاحق. نقصد بذلك، مشكلة أصل الأنواع. كما أن العلاقة بين الروح والمادة، التي تم مقاربتها بطريقة أكثر مادية، كانت قد طرحت في ذلك الوقت من قبل الفلاسفة الفرنسيين في القرن الثامن عشر، بهذه الدقة التي استدعت، منذ ذلك الوقت، حلولا أخرى. يجب أن نذكر هنا أسماء : لامتري، كابانيس…الخ، وكذلك اسم شارلز بونيه.

يكمن البرهنة بيسر، على أن أبحاث هؤلاء تشكل أصل البسيكو- فزيولوجي الذي طور بعد ذلك في القرن التاسع عشر. ولكن البسيكولوجيا نفسها، التي فهمت كإيديولوجيا، أي كإعادة بناء للروح من عناصر بسيطة، كما فعلت مدرسة “التأسيسيين” في القرن الماضي، قد خرجت في قسم منها، من الأعمال الفرنسية في القرن الثامن عشر، لا سيما، أعمال كونديلاك. من الجيد أن نعترف بأن البريطانيين قد ساهموا أيضا بقسط كبير في تطوير البسيكولوجيا، وبأن مذهب لوك لم يكن بلا تأثير في الإيديولوجيا الفرنسية. ولكن، ألم يكن لوك نفسه متأثرا بديكارت؟ توقعوا ماذا يمكن أن نقول عن القرن التاسع عشر! نستطيع من الآن الإشارة، إلى أن أعمال “تان” في البسيكولوجيا، وتحليله للذكاء، مستمدة في قسم منها، من إيديولوجيا القرن الثامن عشر، وخصوصا من كونديلاك.

لم نتكلم حتى الآن عن الفلسفة الاجتماعية. فالجميع يعرف كيف تبلورت في فرنسا خلال القرن الثامن عشر، المبادئ الأساسية لعلم السياسية بشكل عام، والأفكار التي من شأنها أن تحدث تحولات في المجتمع، بشكل خاص. إلى مونتسكيو، وتورغو، وكوندورسيه، يعود الفضل في تعميق مفاهيم القانون، والدولة، والتقدم…الخ، كما إلى الموسوعيين عامة (الومبير، دريدرو، لامتري، هلفتيوس، هولباخ) الذين أدت جهودهم الفكرية إلى “عقلنة” الإنسانية، وانتشالها أيضا من النظرة الآلية الميكانيكية.

ولكن التأثير الأقوى الذي مورس على العقل البشري منذ ديكارت – ببعض الطرق التي سنبينها في موضع آخر – هو بالتأكيد ما مارسه جان جاك روسو. فالإصلاح الذي أطلقه روسو في ميدان الفكر العملي، كان إصلاحا جذريا بالدرجة نفسها التي أصلح بها ديكارت  ميدان الفكر النظري. فهو كذلك قد وضع كل الأشياء موضع السؤال. لقد أراد أن يعيد تشكيل المجتمع، والأخلاق، والتعليم، وحياة الإنسان بأكملها، وفق مبادئ “طبيعية”. حتى أن الأشخاص الذين لم يتفقوا مع أفكاره، قد اضطروا للتكيف مع بعض الأشياء في منهجه. لقد استطاع روسو من خلال استدعائه للعاطفة، الحدس، الضمير، أن يشجع على طريقة خاصة في التفكير، كالتي نجدها عند باسكال، إلا أنه لا يمكن تصنيفها في عداد الفلسفة. وعلى الرغم من أن روسو لم يبن سيستاما، إلا أنه ألهم جزئيا، السيستامات الفلسفية في القرن التاسع عشر: بداية مع الكانطية، ثم “الرومنطيقية” في الفلسفة الألمانية، التي تدين له بالكثير، دون أن ننسى كذلك، الفن والأدب. إن أعمال روسو تظهر دائما بحلة جديدة من جيل إلى جيل آخر، حتى ليصح القول أنها لا تزال تؤثر فينا حتى الآن.

لقد كونا رؤية عامة من خلال النظرة الخاطفة التي ألقيناها على الفلسفة الفرنسية في القرنين السابع والثامن عشر، حيث اضطررنا لأن نترك جانبا، عددا كبيرا من المفكرين، ولا نهتم إلا بالأسماء الأكثر أهمية بينهم. ولكن ماذا بالنسبة إلى القرن التاسع عشر؟ قلما نجد عالما أو كاتبا فرنسيا، لم يسهم في ميدان الفلسفة.

فإذا كانت القرون الثلاثة السابقة قد شهدت ولادة وتطور العلوم المجردة والعينية (التجريبية) للمادة اللاعضوية – الرياضيات، الميكانيك، الفلك، الفيزياء والكيمياء – فإن القرن التاسع عشر عمق من جهة أخرى، علوم الحياة، أي الحياة العضوية، وإلى حد ما أيضا، الحياة الاجتماعية. وهنا كذلك، كان الفرنسيون السباقين. فالعالم مدين لهم بنظرية المنهج، وبقسم أساسي من النتائج في هذين الميدانين،حيث نشير هنا بشكل خاص، إلى كل من “كلود برنار” و”أوغست كومت”.

لقد شكل “المدخل إلى الطب التجريبي” لكلود برنار، بالنسبة إلى العلوم الاختبارية، ما شكله سابقا، “مقال في المنهج” لديكارت، بالنسبة إلى العلوم النظرية. فهو عمل عالم فيزيولوجي نابغ، يتفحص الطريقة والمنهج الذي يتبعه، ويستنتج من تجربته الخاصة، قواعد عامة للتجربة والبحث. فالبحث العلمي الذي يدعو إليه كلود برنار، هو حوار بين الإنسان والطبيعة. فالأجوبة التي تقدمها إلينا الطبيعة عن أسئلتنا، تعطي لمناقشاتنا العلمية اتجاها غير متوقع، يثير فينا أسئلة جديدة، لا تلبث أن تجيبنا عنها الطبيعة مجددا، لتعيد بدورها طرح أفكار جديدة، في عملية لانهائية. إذا، لا الوقائع، ولا الأفكار، يشكلان جوهر العلم. لأن هذا الأخير هو دائما وقتي ومرحلي، وهو يولد دائما – بطريقة رمزية – من تضافر الفكرة والواقعة. إن التأكيد على الفرق بين منطق الإنسان من جهة، ومنطق الطبيعة من جهة أخرى، يظل محايثا في عمل كلود برنار، بحيث استطاع من خلال هذه النقطة – ومن كثير غيرها – أن يسبق المنظرين “البراغماتيين” في العلم.

إن “محاضرات في الفلسفة الوضعية” لأوغست كومت، هو أحد أكبر الأعمال الفكرية في الفلسفة الحديثة. فالفكرة البسيطة والعبقرية، في تأسيس علاقة تراتبية (هيراركية) بين مختلف العلوم، بدءا من الرياضيات وانتهاء بالسوسيولوجيا (علم الاجتماع)، تفرض نفسها على عقولنا، منذ أن صاغها كومت، بقوة الحقيقة الجازمة. وإذا أمكن معارضة بعض النقاط في سوسيولوجيا كومت، فلا يمكن في المقابل، إنكار فضله في ترسيم برنامج السوسيولوجيا والبدء في تنفيذه. إصلاحيا على طريقة سقراط، فقد كان كل شيء مهيئا، كما أشرنا إلى ذلك سابقا، ليتبنى القاعدة السقراطية :” اعرف نفسك بنفسك”، ولكنه طبقها على المجتمعات بدل الأفراد، لأن معرفة الإنسان الاجتماعي كانت في نظره ذروة العلم وموضوع الفلسفة بامتياز. أضف إلى ذلك، أن مؤسس الوضعية، الذي أعلن خصما لكل ميتافيزيقا، هو ذو نزعة ميتافيزيقية، وأن الما – بعدية في أعماله ينظر إليها كجهد جبار لأجل تعظيم الإنسانية.

لم يكن لـ”رينان” في المقابل أي قرابة فكرية مع كومت. ولكنه آمن مع ذلك، على طريقته الخاصة، بالدين الإنساني الذي حلم به مؤسس الوضعية. لقد كان للتأثير الذي مارسه رينان على عصره العديد من الأسباب. فقد كان أساسا كاتبا رائعا – إن كان من الممكن في كل مرة أن نطلق اسم الكاتب على الشخص الذي ينسينا أنه يستعمل الكلمات – تسلل فكره مباشرة إلى عقولنا. إضافة إلى تأثير مفهوم التاريخ المزدوج والمتفائل للتاريخ الذي دخل عمل المعلم في القرن الذي أحيا العلوم التاريخية. لأنه من جهة، اعتقد أن التاريخ يسجل تقدما غير منقطع للإنسانية، ومن جهة أخرى، رأى في التاريخ بديلا عن الفلسفة والدين.

هذا الإيمان نفسه بالعلم – بالعلوم التي تدرس الإنسان – يوجد كذلك عند تان. وهو المفكر الذي كان له تأثير مماثل – كرينان – في فرنسا، وربما تأثير أكبر من رينان في الخارج. لقد أراد تان تطبيق مناهج الطبيعيين والفيزيائيين على دراسة النشاط الإنساني بأشكاله المختلفة، أي في الأدب والفن والتاريخ. من جهة أخرى، أدخل تان كثيرا من أفكار المعلمين القدماء. فقد آمن مع سبينوزا بضرورة الكلي. كما تبنى رؤى قريبة من أرسطو وأفلاطون حول بعض الأشكال السحرية للتجريد، وحول الصفات الجوهرية، والملكات الرئيسية. لقد عاد بذلك، ضمنيا إلى الميتافيزيقا، ولكنه حدد أفق هذه الميتافيزيقا بالإنسان وأشيائه. لا يقل تان عن رينان، تباعدا عن كومت. ومع ذلك هناك أسباب تجعلنا نصنفه أحيانا – كما رينان نفسه – في عداد الوضعيين. ففي الواقع هناك طرق عدة لتعريف الوضعية، ولكننا نعتقد انه يجب النظر إلى التعريف قبل كل شيء، كمفهوم مركزي – إنساني في الكون.

بين فلسفة البيولوجيا وفلسفة المجتمع، ظهر اتجاه جديد في البحث، ينتمي أيضا إلى القرن التاسع عشر، ويعود الفضل الأكبر في إبداعه، إلى العبقرية الفرنسية. نقصد بذلك البسيكولوجيا (علم النفس). لا يعني ذلك، بأنه لم يوجد، خاصة، في فرنسا وإنكلترا واسكتلندا، علماء نفس بارزين، ولكن الاستبطان، متروكا لذاته ومقصورا على دراسة الظواهر العادية، وجد صعوبة كبيرة في الولوج الى بعض المناطق النفسية، وتحديدا “اللاوعي”. لقد أضاف القرن التاسع عشر على طريقة الاستبطان المعتادة، طريقتين أخرتين. فمن جهة، مجموعة الإجراءات والقياسات المخبرية، ومن جهة أخرى، الطريقة التي يمكن أن نسميها عيادية، والتي تقوم على جمع ملاحظات سريرية لمرضى، وكذلك أيضا، على إحداث ظواهر مرضية (التسمم، التنويم المغناطيسي الخ..). من هاتين الطريقتين، حيث كانت الأولى مطبقة خصوصا في ألمانيا، ولو أنها ليست مهملة، فإنها بعيدة جدا عن تقديم ما ينتظر منها. على عكس الطريقة الثانية التي سبق لها تقديم نتائج مهمة، ويترك لها البحث عن نتائج أخرى، أكثر أهمية أيضا. إلا أن هذه البسيكولوجيا الأخيرة التي أصبحت مزروعة اليوم في أكثر من بلد، هي علم من أصل فرنسي، والذي ظل فرنسيا بامتياز. فقد تم تحضيره بواسطة الأطباء العقليين الفرنسيين في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتأسس بطريقة نهائية مع مورو دو تور، ولم يتوقف منذ أن أصبح ممثلا في فرنسا من قبل أساتذة، سواء جاءوا من علم الأمراض إلى علم النفس، أو كانوا أطباء نفسيين جذبوا نحو علم الأمراض العقلي. ويكفينا أن نعدد هنا أسماء: شاركو، ريبو، بيار جانيه، جورج دوماس.

وبما أن قسما كبيرا من الفلسفة الفرنسية قد اتجه في القرن التاسع عشر، نحو الفزيولوجيا، البسيكولوجيا، وعلم الاجتماع، فإن القسم الباقي تناول الطبيعة والفكر بشكل عام، كموضوعين للتنظير، كما في القرون السابقة.

منذ بداية القرن التاسع عشر، أنجبت فرنسا الميتافيزيقي الأكبر منذ ديكارت ومالبرانش: إنه مان دو بيران، الذي كان لمذهبه تأثير متصاعد، على الرغم من أنه لقي اهتماما قليلا في عصره. ويتساءل المرء إذا لم تكن الطريق التي افتتحها هذا الفيلسوف، هي الطريق الواجب على الميتافيزيقا أن تسير بها حتما! فعلى الضد من كنط، (من الخطأ أن نسميه “كنط فرنسا”) حكم بيران بأن العقل الإنساني قادر، على الأقل في بعض النقاط، أن يصل إلى المطلق، وأن يجعل منه موضوع تأملاته الفكرية. لقد برهن بأن المعرفة التي نملكها عن أنفسنا، خصوصا في الشعور بالسعي، هي معرفة خاصة، تتخطى الظاهرة المجردة، وتصل إلى معرفة الواقع في ذاته. هذا الواقع الذي أعلن كنط استحالة معرفته، أو الوصول إليه (الشيء في ذاته). باختصار، لقد أدرك بيران فكرة الميتافيزيقا التي ترتفع شيئا فشيئا، نحو العقل عموما، على أن ينزل الوعي أكثر إلى أعماق الحياة الداخلية. لقد استخلص برؤية عبقرية، النتائج، دون اللهو بالألعاب الديالكتيكية، ودون أن يبني سيستاما فلسفيا.  

من جهة أخرى، نستشف بعض التشابه بين بيران وباسكال، من خلال قراءتنا لرافيزون. فرافيزون المتعلق بباسكال أكثر من تعلقه ببيران، والمغرم بالفن الإغريقي أكثر من غرامه بالفلسفة اليونانية، جعلنا نفهم بإعجاب، كيف أن أصالة كل فيلسوف فرنسي، لم تمنعه  من الارتباط ببعض التقاليد، وكيف أن هذه التقاليد نفسها، تلتقي مجددا بالتقاليد الكلاسيكية. صحيح أن ديكارت قطع مع فلسفة القدماء، ولكن عمله حافظ على صفات النظام والقياس، التي شكلت ميزات الفكر اليوناني. لقد أضاء رافيزون على هذا الجانب الفني والتقليدي من الفكر الفلسفي الفرنسي، كما رسم أيضا الخطوط العريضة ،لفلسفة تقيس واقع الأشياء بالنسبة إلى درجة جمالها.

لا يمكن أن نذكر اسم رافيزون دون أن نشرك معه اسم لاشوليه؛ المفكر الذي كان له تأثير مهم وكبير أيضا. فقد أيقظ لاشوليه الفلسفة الجامعية، حينما كانت راقدة في أحضان مذهب فيكتور كوسان، المحبب والسهل. لقد بقيت أطروحته حول أساس الاستنباط تقليدية، كما كل الأشياء التي تحمل ماركة التمامية. كما أن مذهبه الذي أعلن نفسه تابعا للكنطية، يتخطى في الواقع، مثالية كنط ويؤسس لمثالية من نوع خاص، والتي يمكن أن تكون متعلقة بمثالية بيران. لقد كان رافيزون أستاذا لا يضاهى، تغذت من فكره، عدة أجيال من الأساتذة.

انطلاقا من فلسفة رافيزون، خاصة آراؤه في العادة، وفي فلسفة كومت أيضا (خصوصا في تأكيدها على قابلية رد العلوم إلى بعضها البعض)، يمكننا أن نقارب النظرية الجديدة والعميقة، التي عرضها بوترو في أطروحته حول “جواز قوانين الطبيعة”. ، وقد توصل الرياضي الكبير، هنري بوانكاريه من خلال طريق مختلف جدا، ومن خلال تحليل الشروط التي يخضع لها بناء المفاهيم العلمية، إلى خلاصات من نفس النوع. لقد عرض ما يوجد من نسبية في حياة الإنسان، ومن نسبية في الضرورات والأوليات التي توجد في علومنا، وفي شبكة القوانين التي نشرها فكرنا في الكون. يشبه ذلك مذهب ميلهو، الذي يمكن وضعه إلى جانب مذهب ادوارد لوروي. وإذا لم يكن عمل هذا الفيلسوف يملك، على الرغم، من بعض التشابهات الخارجية، عقلية مختلفة، فإن نقده للعلم، مرتبط بوجهات نظر شخصية، وعميقة، حول الحقيقة عامة، وحول الأخلاق والدين.

لقد كانت الفكرة الطاغية عند ليار، هي الاحتفاظ بالميتافيزيقا والعلم، كشكلين متساويين وشرعيين في الفكر البشري. الهاجس نفسه كان موجودا عند فوييه. فقد طور الأخير، الذي كان عالما نفسيا واجتماعيا، بقدر ما كان ديالكتيكيا، نظرية عقلانية موسعة في الأفكار– القوى. ولم يترك هذا المفكر اللامع، سؤالا، نظريا أو عمليا، إلا وقدم حوله آراء واقتراحات مهمة. أما تلميذه العبقري غويو، الذي هو أقل شهرة من نيتشه، فقد برهن، قبل الفيلسوف الألماني، وبعبارات أكثر اعتدالا واتزانا، وتحت شكل أكثر قبولا، أنه يجب البحث عن المثال الأخلاقي، في أكبر توسع ممكن للحياة.

لقد تركنا جانبا في هذا التعداد السريع، مفكرين من الدرجة الأولى، الذين لا نستطيع ربطهم بالتقاليد المنحدرة من بيران. نريد أن نتكلم عن رنوفييه وكورنو.

تخلص رنوفييه شيئا فشيئا، من النقد الكنطي الذي انطلق منه بداية، والذي استطاع من جهة أخرى، تغييره بعمق، لكي يصل إلى خلاصات غير بعيدة كثيرا، من جهة الحرفية، عن الدوغمائية الميتافيزيقية. لقد أكد، خصوصا، استقلال الفرد الإنساني، وأعاد الحرية إلى العالم. ولكنه جدد معنى تلك الطروحات، عبر تقريبها من معطيات العلم الوضعي، لاسيما، بجعل نقد الفهم الإنساني يسبقهم. لقد أثر بشكل كبير على تفكير عصره، وذلك من خلال أبحاثه في الأخلاق، ونظريته عن الطبيعة والإنسان.

أسس كورنو، الذي قادته دراساته العلمية، خصوصا في الرياضيات، إلى الفلسفة، نقدا جديدا، على خلاف النقد الكنطي، يطال في الوقت نفسه صورة ومضمون معرفتنا من جهة، والمناهج والنتائج من جهة أخرى. لقد قدم رؤى جديدة، لامعة وعميقة، في عدة نقاط، تحديدا في الصدفة والاحتمال. لقد آن الأوان، لكي يوضع هذا المفكر في مكانه الصحيح، كواحد من أوائل الفلاسفة في القرن التاسع عشر.

يمكننا الآن، كي نستخلص، أن نقول كلمة حول مشروع الكاتب ” التطور الخلاق” لوضع الميتافيزيقا على ميدان البحث، ولتأسيسها. ولننتج بالاعتماد على العلم، والوعي، وبتنمية ملكة الحدس، فلسفة قادرة على إعطاء، ليس فقط النظريات العامة، بل كذلك التفسيرات الحسية للوقائع الخاصة. هذه الفلسفة يجب أن تكون أيضا، قابلة بنفس الدقة التي للعلم الوضعي. مثل العلم يمكنها أن تتقدم دون توقف، بتراكم النتائج فوق بعضها. ولكنها ترمي من جهة أخرى، وهذا ما يميزها عن العلم، على توسيع أطر الفهم أكثر فأكثر، وتوسيع التفكير البشري.

 

الجزء الثاني

لقد تناولنا سابقا مجموعة من الفلاسفة الفرنسيين، أخذين بعين الاعتبار، تنوعهم، أصالتهم، جدة إبداعاتهم، والإسهامات التي يدين بها العالم لهم. أما الآن فسوف نبحث عن بعض الميزات المشتركة التي تجمع هؤلاء الفلاسفة، وبالتالي، تميز الفكر الفرنسي.

 

الميزة الأولى التي تبرز بداية، عندما نقرأ أحد كتبهم، هي البساطة في الشكل. فلو أسقطنا جانبا، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فترة عشرين أو ثلاثين سنة، حيث تعرض عدد صغير من المفكرين لتأثيرات خارجية، جعلتهم يحيدون أحيانا، عن التقليد في الوضوح، فإننا نستطيع القول أن الفلسفة الفرنسية انتظمت دائما حول مبدأ : لا يوجد فكرة فلسفية، مهما كانت عميقة ودقيقة، لا يمكن، ولا يجب، أن يعبر عنها بلغة مفهومة عند كل الناس. فالفلاسفة الفرنسيون لا يكتبون لدائرة خاصة من الناس، بل إنهم يتوجهون إلى الإنسانية جمعاء. وإذا كان قياس مدى عمق أفكارهم، وفهمنا الكامل لها، يتطلب منا أن نكون فلاسفة أو علماء، إلا أنه لا يوجد شخص مثقف لا يستطيع أن يقرأ أعمالهم الرئيسية، وأن يخرج منها ببعض الفائدة. فهم عندما يحتاجون إلى أساليب جديدة في التعبير، فإنهم لا يبحثون عنها، كما في الخارج، في ابتكار مفردات خاصة (عملية غالبا، ما تؤدي إلى انغلاق مفاهيم غير ناضجة، في حدود مركبة واصطناعية)، ولكن بالأحرى، في تشكيلة بديعة من الكلمات المتداولة، بحيث يعطي لهذه الكلمات معان مختلفة، تسمح لها بالتعبير عن أفكار أكثر دقة وعمقا. وذلك ما يفسر مساهمة كل من ديكارت وباسكال وروسو – لكي لا نذكر غيرهم –  في تنمية قوة ومرونة اللغة الفرنسية، سواء كان موضوع التحليل هو الفكر الخالص (ديكارت)، أو الشعور والإحساس (باسكال وروسو). ففي الواقع، يجب علينا أن نذهب بتحليل أفكارنا إلى نهاياته، كي نستطيع التعبير عنها بكلمات بسيطة. ويمكن القول، أن الفلاسفة الفرنسيين جميعا – ولو بدرجات متفاوتة – قد امتلكوا هذه الموهبة. فقد شكلت الحاجة إلى تحليل الأفكار، وحتى المشاعر، إلى عناصر واضحة ومتميزة، تجد تعبيراتها في اللغة العادية، ميزة للفلسفة الفرنسية منذ بداياتها.

أما إذا أردنا الانتقال الآن من الشكل إلى المضمون، فسنلحظ التالي:

لقد كانت الفلسفة الفرنسية على صلة وثيقة ودائمة بالعلم الوضعي. أما في الخارج، في ألمانيا مثلا، فقد كان يمكن لهذا الفيلسوف أن يكون عالما، ولذاك العالم أن يكون فيلسوفـا. ولكن الجمع بين هذين الاستعدادين كان أمرا استثنائيا، أو بالأحرى عرضيا. فإذا استطاع ليبنتز أن يكون فيلسوفا كبيرا، وفي الوقت نفسه، رياضيا كبيرا، فإننا نرى أن التطور الأساسي للفلسفة الألمانية خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر، قد تم خارج حدود العلم الوضعي، بينما – على العكس – شكل الارتكاز على العلم جوهر الفلسفة الفرنسية. فالوحدة بين الفلسفة والرياضيات عند ديكارت حميمية بحيث يصعب معها الحسم فيما إذا كانت هندسته وحيا من ميتافيزيقاه، أم أن ميتافيزيقاه هي امتداد لهندسته. كذلك كان باسكال رياضيا عميقا وفيزيائيا أصيلا قبل أن يكون فيلسوفا. فالفلسفة الفرنسية في القرن الثامن عشر نامت بين المهندسين والطبيعيين والأطباء (المبرت، لامتري، بونيه، كاباني). فبعض كبار المفكرين الفرنسيين في القرن التاسع عشر (أوغست كومت، كورنو، رنوفييه….الخ) قد جاؤوا إلى الفلسفة عن طريق الرياضيات، من ضمنهم واحد كان رياضيا نابغا هو هنري بوانكاريه. كلود برنار الذي أعطانا فلسفة المنهج التجريبي، كان واحدا من مبدعي علم النفس. حتى الفلاسفة الفرنسيون الذين نذروا أنفسهم خلال نهاية القرن للملاحظة الباطنية، برهنوا على الحاجة إلى البحث خارج أنفسهم، في الفيزيولوجي والباثولوجي العقلي الخ. ليثبتوا بأنهم لا ينكبون على لعبة بسيطة للأفكار أو تلاعب بالمفاهيم المجردة. فقد كان الميل واضحا عند أكبر مطلق للمنهج الاستبطاني العميق، (مان دوبيرون). بكلمة مختصرة، العلاقة الوثيقة بين الفلسفة والعلم في فرنسا، هي حقيقة ثابتة، بحيث تكفي لتمييز وتعريف الفلسفة الفرنسية.

هناك سمة أقل خصوصية وإن كانت مدهشة أيضا، وهي ميل الفلاسفة الفرنسيين إلى البسيكولوجيا، والمراقبة الباطنية.

من المؤكد أن هذه السمة لا تكفي، كسابقتها، لتعريف التقليد الفرنسي، لأن روح البحث المجرد، جذبت الآخرين أيضا، وانتشرت بدون شك، كما في فرنسا، في كل من انكلترا وأمريكا. ولكن بينما أظهر المفكرون الألمان الكبار (حتى ليبنتز وكنط) في الغالب، حسا بسيكولوجيا، إلا أن شوبنهاور المتأثر بالفلسفة الفرنسية للقرن الثامن عشر هو الميتافيزيقي الألماني الوحيد ربما الذي كان سيكولوجيا، بينما لا يوجد في المقابل، فيلسوف فرنسي كبير لم  يظهر عند الحاجة مراقبا حاذقا وثاقبا للنفس الإنسانية. ومن النافل التذكير بالدراسات البسيكولوجية الدقيقة عند ديكارت ومالبرانش، المتشابكة مع تنظيراتهم الميتافيزيقية. لقد كانت رؤية باسكال ثاقبة بالدرجة نفسها حينما يتم تطبيقها على المناطق المعتمة من النفس، كما على الموضوعات الفيزيائية والهندسية والفلسفية. أما كونديلاك فقد كان بسيكولوجيا بقدر ما كان منطقيا. وماذا يمكن القول إذا على الذين فتحوا آفاقا جديدة في التحليل النفسي، أمثال، روسو أو مان دوبيران؟  لقد مهد التفكير الفرنسي حول الحياة الداخلية للإنسان خلال القرنين السادس والسابع عشر الطريق إلى ظهور البسيكولوجيا العلمية المجردة، والتي أصبحت فيما بعد موضوع القرن التاسع عشر. لم يساهم أحد في الخارج في تأسيس هذه البسيكولوجيا العلمية كما فعل مثلا : مورو دو تور، شاركو، أو ريبو. علينا أن نلاحظ هنا بأن منهج هؤلاء البسيكولوجيين –  الذي قدم للبسيكولوجيا عامة أعظم اكتشافاتها –  ليس سوى توسيعا لمنهج المراقبة الداخلية، الذي يهتم فقط بمؤشرات الوعي عند المريض بدل تعلقه بها عند الإنسان المعافى.

هاتان هما السمتان الأساسيتان للفلسفة الفرنسية.

عندما نجمعهما سوية، فإنهما يقدمان للفلسفة الفرنسية سحنتها الخاصة. إنها فلسفة تضم عن كثب حدود الواقع الخارجي، الذي يمثله الفيزيائي، وبقرب أكثر، الواقع الداخلي الذي يظهر للبسيكولوجي. ولهذا السبب، فإنها تنفر غالبا من أخذ شكل السيستام. وهي ترفض كذلك الدوغمائية المبالغة كما النقد الجذري. فمنهجها بعيد جدا عن منهج هيجل وكنط، دون أن يعني ذلك أنها عاجزة عن تشييد بعض البناءات الكبيرة عندما تريد فعل ذلك. ولكن الفلاسفة الفرنسيين يملكون بشكل عام الخلفية بأن السستمة شيء سهل، وبأنه من اليسير جدا الذهاب بالفكرة إلى نهاياتها، بينما الصعوبة تكمن بالأحرى، في القدرة على وقف الاستنتاج في محله المناسب، وفي تحويله كما يجب، بفضل تقصي العلوم الجزئية من جهة والاحتكاك المتواصل مع الواقع. لقد قال باسكال: بأن “الحس الهندسي” وحده لا يكفي، وبالتالي، يجب على الفلسفة أن تجمعه مع “الحس الرفيع”.

كذلك أعلن الميتافيزيقي الكبير ديكارت، أنه يكرس وقتاً أقل للميتافيزيقا، بحيث نفهم من قوله، بلا شك، بأن الاستنتاج الفكري الخالص، أو البناء الميتافيزيقي المحض، يحصل من تلقاء نفسه، بأقل مما لو كان الفكر مستعداً لها مقدماً. هل نزعم بأن الفلسفة تبتعد عن هدفها حينما نجعلها أقل سيستامية، وبأن دورها بدقة هو توحيد الواقع؟ ولكن الفلسفة الفرنسية لم تتخل أبدا عن هذا التوحيد. ولكنها فقط لا تثق بالنهج الذي يقوم على تبني هذه الفكرة أو تلك، وبالتالي، إدخال جملة الأشياء، طوعا أو كرها، في هذه الفكرة. نستطيع دائما معارضة هذه الفكرة بفكرة أخرى، بحيث نبني منها، وفقا للطريقة نفسها، سيستاما مختلفا. ليصبح السيستامان من جهة أخرى، متساويين في السند وعدم قابلية التحقق. بشكل تصبح الفلسفة معه مجرد لعبة بسيطة، مسابقة بين الديالكتيكيين. لاحظ أن الفكرة هي عنصر من ذكائنا، وأن ذكاءنا نفسه هو عنصر من الواقع. فكيف يمكن إذا لفكرة ليست إلا جزءا من جزء، أن تحتضن الكل؟ إن توحيد الأشياء لا يمكن أن يحصل إلا من خلال عملية أكثر صعوبة، وطولا، ودقة. فبدل أن يقلص الفكر الإنساني الواقع إلى حدود فكرة من أفكاره، عليه أن يوسع نفسه إلى النقطة التي يتطابق فيها مع أجزاء أكبر من الواقع. ولكن للوصول إلى ذلك، يجب مراكمة العمل لقرون عديدة. إن دور كل فيلسوف هو أن يأخذ من مجموع الأشياء، رؤية يمكن لها أن تكون حاسمة في بعض النقاط، ولكنها ستصير وقتية حتما في بعض النقاط الأخرى. لدينا نوع من السيستام هنا إذا أردنا ذلك. ولكن مبدأ السيستام نفسه سيكون مرنا، قابلا للتوسع المستمر، بدل أن يكون مبدأ جامدا، كما هو الشأن حتى الآن، في البناءات الميتافيزيقية. هذه هي كما يبدو لنا الفكرة الضمنية في الفلسفة الفرنسية. إنها فكرة لم تصبح واعية بذاتها، ولم تحمل عناء صياغتها، إلا في مراحلها الأخيرة. ولكن إذا لم يتـم إطلاقها إلا مؤخرا، فلأنها كانت طبيعية على العقل الفرنسي، عقل مرن وحيوي، لا يتضمن شيئا من الميكانيك أو الاصطناع، عقل اجتماعي بسمو، ينفر من البناءات الفردية، ويذهب من الغريزية إلى ما هو إنساني.

عبر هذا، ومن خلال الاتجاهين أو الثلاثة الذين أشرنا إليهما، تفهم ربما، ما تحتويه الفلسفة الفرنسية من عبقرية وإبداع ثابتين. فالتزامها الدائم بأن تتكلم لغة جميع الناس، جنبها أن تكون امتيازا لنوع من الطبقة الفلسفية. لقد ظلت خاضعة لسيطرة الكل. لم تقطع أبدا مع الحس المشترك. مورست من قبل سيكولوجيين، وبيولوجيين، ورياضيين لقد ظلت باستمرار على علاقة بالعلم وكذلك بالحياة. هذا التواصل الدائم مع الحياة، العلم، والحس المشترك، كان مثمرا دائما، في الوقت الذي عصمها من اللهو مع ذاتها، وفي إعادة تشكيل الأشياء بطريقة اصطناعية ومجردة. ولكن إذا استطاعت الفلسفة الفرنسية أن تنبعث من جديد، وكذلك باستخدام كل تجليات العقلانية الفرنسية، أليس لأن تلك التجليات نفسها تميل لأن تأخذ الشكل الفلسفي؟ قلة هم في فرنسا، العلماء، الكتاب، الفنانون، حتى الحرفيون، الذين انغمسوا في مادية ما يعملون به، والذين لم يبحثوا عن استخراج الفلسفة من علمهم، فنهم، أو مهنتهم، حتى لو جاء ذلك أحيانا، بطريقة فيها بعض الرعونة والسذاجة. الحاجة إلى الفلسفة عالمية. فهي تميل إلى تحمل كل النقاشات، حتى الأعمال، على أرضية الأفكار والمبادئ. إنها تترجم الطموحات الأكثر عمقا للروح الفرنسية، التي تذهب مباشرة إلى ما هو عام، ومن خلاله، إلى ما هو كريم. وبهذا المعنى فإن الروح الفرنسية تشكل وحدة مع الروح الفلسفية.

وتتمة المقالات في العدد