فجاءة الفلسفة
مطاع صفدي

إذا استعملنا المصطلح التقليدي الآن، نقول أن الوجود existence ليس دخيلاً بين الفكر والكينونة، بحيث يُضطّر العقل إلى اختلاق المعيارية، كمعادل نقيض للوجود، أو كمنبر اعتراض متماد على جوازه ـ انحطاطه، ونسبيته ومادّويّته ـ، فتارة نلجأ إلى الاستعلاء فوقه، مع مفارقة المثل الأفلاطونية، أو مع التجسيد اللاهوتي المفارق، أو مع لاهوتية التكنولوجيا، تارة أخيرة. بل إن الوجود هو كائن العالم الذي ليس للفكر، أو للكينونة، سبيل من حضورهما معاً، أو غيابهما معاً، إلا عبر دروبه ومنفاه معاً. إن كائن العالم، ليس مناسبتهما، ولا مسرحاً عرضياً لعروضهما، اختلافياً توافقياً، بل إنه ما به وحده تتأكد لهما ثمة إِنِّـيَّةُ(*)، محايثة لإنيّته عينها. إنهما، أي الكينونة والفكر، السكان الأصليون الذين يعمرون ذلك الحيّز من كائن العالم، الذي يمثل قِدَمَه، وأقدميته، شرط أن يُفهم القِدَمُ هنا، ليس فحسب كواحد من أبعاد الزمن، كما هو مستمر في ماضويته القصوى، بل كحدوث مستمر كذلك؛ لأن كائن العالم في النهاية، هو حدثهُ، هو المايحدث له وفيه، دائماً. والحدثي هو محضُ زمانٍ غير زمني، غير توقيتي أو تحقيبي. لكنه مع ذلك محتاجٌ حاجةً وجودية مطلقة، إلى عقارب كل الساعات، كيما تمنحه أشد الأرقام تجريداً، وترميزاً دقيقاً، في آن معاً.
لقد احتاج هيدغر إلى أن يضع نفسه خارج المشروع الغربي، كيما يتاح له أن يبرهن له بالذات أن تاريخانيته ليست من حدث التاريخ عينه. وأن مضمونه انقسامي بالنسبة لشكلانيته الرافعة للواء العقلانية. احتاج هيدغر إلى إشادة صرحه الفلسفي الشامخ، كيما ينبه إلى إعادة العالم إلى عالميته بالذات. واضطر إلى تأكيد الكائن ـ في ـ العالم، كمدخل أنطولوجي إلى مقاربة العالم. ولكن هذه الصيغة لم تستطع أن تتخلص من علاقة التضمين، وكون أحدهما محتوياً في الآخر. وتجيء الصيغة الأخرى: كائن العالم، لتنزع أولاً الصورة  التوزيعية بين قطبين، وتركز التمعين في ترابط تضايفي، عضوي وداخلوي. مع ذلك لم يتم التحرر تماماً من انقسامية الحدَّين، مهما بلغت درجة توزيعهما حدَّ الاندماج الكامل بينهما. كما لو كان لفظ (الكائن) هو الحيز الذي يشتغل عليه قطب (الفكر) في صيغة (الفكر والكينونة)، وكان لفظ (العالم) هو الحيّز الذي يملأه تصورُ تجسيمٍ للعالم، لا يُخفّف من مادويّته إلا اقترانُه ذاك بالكائن، باعتباره مدخلَ التمعين وموضوعه معاً.
غير أن صورة الحاوي وما يحتويه ما زالت تفرض نفسها على البصيرة كما البصر، عند كل مقارنة فلسفية للكائن ـ في ـ العالم، أو لكائن العالم. ومنذ أن أبدع ليبنتز نوعاً من تصور مواقعي للمونادات بالنسبة لبعضها، وللعالم الذي يحويها، فإن الفلسفي لم يستطع أن يتقدم كثيراً، أو بعيداً عن ثنائية الفكر والامتداد التي ابتكرها ديكارت، واضعاً بذلك حداً لسفسطة قروسطية، ومفتتحاً حلاً ذرائعياً، نحو تأسيس المواجهة بين الذات والموضوع التي سيشتغل عليها العلمُ الحديث، متحزّباً إلى الموضوع (المادة)، فارضاً على الفلسفي بالمقابل، القبولَ بهذه الانقسامية والانحياز إلى جانب الذاتية؛ بحيث أن الفلسفة لم تتخلص من نُواة ثوابتها تلك أبداً.
إن مفكراً ذا انتماء هيدغري نسبياً، جان ـ لوك نانسي، لم يستطع الاستعانة بالمواقعية الموناندية، من أجل تكرار شرعيتها من ناحية، وإبراز اختلافه عنها، أو تقدّمه الخاص بالنسبة للحظتها المعرفية، من ناحية أخرى.إذ بينما يقوم تصور ليبنيتز على انعكاس الواحد إنسجامياً دائماً، في المتعدد ـ وهو هنا الإلٓه، الذي هو الموناد الأكبر، مشكلاً بذلك النظام الذي يعكس علاقات أفراد الموناد ببعضها، كما يعكس كلُّ واحد منها نظام الكل ـ فإن (نانسي) يقلب المعادلة، حين يؤكد الانطلاق من اختلافية التعددي ـ أي المونادات في ذاتها وبالنسبة لبعضها ـ وصولاً إلى اختلافية العالم، من حيث المبدأ. كل موناد، تقوم منحرفةً أساساً، وتعكس سواها من المونادات والعالم بطريقة تباينية عن كل ما هو سواها. فالفرد الجمعي Le singulier pluriel، يقدم المفهوم الآخر عن العالم وعلاقته بعناصره أو أقانيمه، «بحيث أن التباين من حيث المبدأ لا يقوم فحسب بين المونادات، بل في كل موناد، وفي موناد المونادات، الذي هو العالم: أي الكلية المؤلفة من الأجزاء الكلية Les parstotalitaires، غير القابلة للكَلْينة»(*).
ومع ذلك تظل الصيغة البديئة التي تقدمها قصيدة «الخلق» عند بارميند، حول حضور العالم، ومداهمته، و«ظهوره» اللامتناهي عبر كل متناه في مداه وفي تخومه، هذه الصيغة لم تستنفذ بعْدُ كلّ دلالتها، حتى عندما تعرّضت للكشف الهيدغري، الذي أعاد تأويلها، ولم يُغلقْه بنصوصه فحسب، بل دَوَّن لحظةَ انفتاحها، لِيَغْرُفَ منها كلُّ من يتصل بانفتاحها ذاك، وفْق طريقته. ولقد لفت العنفُ انتباهَ هيدغر. العنف الذي يفرض فيه العالمُ نفسَه كظهور أولاً. ولهذا كان له اسم آخر هو الكينونة. وكان السؤال الأول الفلسفي، رداً على هذا الظهور الذي أصبح له اسم الوجود، الكينونة؛ ذاك، الذي يفرض على الوعي الفجري أن يصوغ تسآله كما يلي: لماذا كان وجود، ولم يكن بالأحرى عدمٌ. فالمهيمن المسيطر الطاغي، ما هو، ولماذا هو، وليس شيئاً آخر. لماذا لم يكن البدء مثلاً من اللاوجود، من العدم. ذلك أن طابع الظهور مؤسِّسٌ أول لفكرة الوجود. ولولا أن حامل هذا الظهور هو العالم نفسه، لما أمكن التفكر في الوجود باعتباره دليلَ كينونة. ولما أمكن للفلسفة الإغريقية فيما بعد، الانتقالُ منه إلى السؤال عن مبدأ الوجود. لكأن الظهور المطلق يتطلب البحث عن مبدأ الظهور، أي عما يجعل الظهور ظهوراً. بكلمة أخرى فكأن الظاهر دفع إلى التفكر في اللاظاهر. فالسؤال السقراطي، في عفويته الأولى، كان يحوم حول هذا التفكر عينه.
لكن ألم يكن بالحسبان كذلك أن يظل التفكر في الظهور، ظهورياً. بمعنى، ألا يُفكّر في الكينونة إلا كينونياً، وذلك بدلاً من الانسحاب من العالم إلى مبدئه المتصوّر في كينونة أشمل منه، وتتجاوزه. وقد لا تتسع للعالم وحده، أو لعالم الظهور فحسب، بل تشمله هو وسواه كذلك؛ بدلاً من ذلك ألم يكن بالمستطاع التوقف عند ما هو البديء في هذه المشهدية بالذات؟ قد يكون السبب، حسب تفسير أنتربولوجي/تاريخي، هو أنه لم يكن بالإمكان إلا التفكير تقنوياً منذ البدء. بمعنى أن اليد الصناع التي يلحظها المرء في جسده وذاته، هي عينها التي تفرض أن ينبلج الفكر من خلية وحيدة هي السؤال عن العلّة. لأن العلة هي التي تصنع. ومن وظيفة اليد والجسد يمكن الانتقال إلى حدوث ـ الظهور. فلا بد من البحث عما يصنع ـ هذا! إن تأمل الظهور كمصنوع، والبحث عن أداته، ومحلّ هذه الأداة، و (العقل) الذي وراءها، كل ذلك يقدم ترسيمة لنشأة العقل باعتبارها نشأة العقل التقني عينه، مجرداً إلى مبدأ العلة والمعلول: الصانع والمصنوع.
ألهذا ما أمكن تأملُ الظهور ظهورياً فحسب. ألهذا تأخر انبثاق العالم كمفهوم، عن سيطرة مفهوم للوجود باحث دائماً عن (أو) ما ـ أوجده، أكثر مما هو باحث في ـ وجوده ـ بالذات. ذلك أن غلبة (العقل) على (الفكر)، اقترنت بسيطرة علاقة تقنوية منذ البداية، بين وساعة للوجود لا تنتهي، وعالم متناه. فالوجود يسع كل شيء، (وهو على كل شيء قديرٍ)، وبين العبارتين نقلة تقنوية بسيطة. لكنها حاسمة. هذه النقلة تَكَفَّلَ بسؤالها العقلُ: من حيث إنه لم يكن هو فاعلِ التدبير، فإنه على الأقل هو كاشفُ فاعل التدبير، وما يدبّره، أو هو الباحث عنه أبداً. فالعالم كمصنوع أبعد العقلُ عنه سؤالَ صناعته، ليذهب إلى الصانع وحده. ومع أن أرسطو لم يعط ثمّة أهمية لاستمرارية المحرك الأول، إلا من حيث أنه قام بالحركة الأولى، غير أن العقل بعده انصرف كلياً إلى الاستقرار في لَدُن الصانع، وتناسي المصنوع. وعلى كل حال، فإنه سواء كان انصراف العقل في مقاربة إشكالية العالم/الكينونة، نحو سؤال الصانع أو المصنوع، فإنه لا يخرج عن الضرورة التقنية التي يبدو أنها كانت الأسرعَ في الردّ على الموقف البديء. فقد أتت بوسيلة النجاة الأولى من هيمنة المهيمن المسيطر، من عنف الظهور المطلق الذي يغطي/يُبْرِز كل ظاهرة فيه. كما لو كانت الوسيلة الوحيدة للتحرر من عبء المهيمن، هي في الخروج كلياً من دائرته، والانشغال بكل (الفراغ) الآخر حوله. إنه نوع من إعدام الظهور في (تصور) عدم ظهوره. ذلك أن الفراع، أو اللاشيء ليس موجوداً ما دام العقل مقيماً في كنف المهيمن المسيطر، من هذا العنفِ/الظهورِ، الذي يمكن التعبير عنه بلفظة أحدث وهي: الوجود المليء بوجوده. فلا يبقى إلا التصور وحده سبيلاً إلى (اختراع) الفراغ. لكن الأفلاطونية خوفاً من مواجهة مصير الخروج من الوجود، فقد عمدت إلى تقسيم الوجود عينه إلى مراتب. مهدت بذلك إلى مفصلٍ مفهوميٍّ بين العالم والكينونة، بين المادة والمثال. وقد أصبح هذا الفصلُ أساساً لإشكالية أبدية حول الفكر والكينونة، والتي صارت بدورها المدخلَ الوحيد لكل إشكالية فلسفية أو حضارية، في مستقبل الثقافة القادمة.
غير أن تقدم (فكرة) العالم إلى واجهة المسرح كان مطلباً خفياً لتاريخٍ فكريٍ للفكر، مكبوت، مقموع تحت تاريخانية التحقيب المعرفي، النموذجي حسب المثال الغربي. فالعالم يصير وجودَ الكينونة بدلاً من أن يكون: من ـ تدبيرها. العالم هو المحلّ الوحيد الذي يتيح بحثاً مجدياً عن الكينونة، ولا محلَّ لها سواه على الإطلاق. ليس هذا فحسب، بل العالم هو المحلّ الوحيد لكل من يتمتع أصلاً بـ ـ محلٍّ. حتى عندما بلغ العقل، تكوينياً ـ أي جينالوجياً/أركيولوجياً ـ مرحلةَ الوعي بالتصور واستقلالية التصور، فإنه لم يستطع أن يخترع له محلاً إلا داخل إمكانية التصور عينه. ولذلك لم تستطع الأفلاطونية أن تمنع تطورها الذاتي من الانتهاء إلى العقائد التجسيدية، أي الدين. فقد اضطر العقل، إنسجاماً مع هذه العقائد، إلى تعليق معقوليته الخاصة، في حيّزٍ خارجٍ عنه، حيث لا شيء، لا معقولية البتّة. لكن (اللاشيء) لأمرٍ ما يصير حيّزاً لتجسيد المعقولية الكاملة. ولم يكن ثمّة من طريقة للتعامل معه، أو للتعرف إليه إلا باعطائه أفضليةَ التجسيد هذه، مقابلَ كل المفاهيم أو الأقانيم المتصورة الأخرى. إنه اسم: الصانع، وليس المحرك فحسب. واكتسب (الصانع) بذلك الأولوية، منطقياً وأنطولوجياً، على المصنوع.
رغم هيمنة دلالة التقنية (الصانع/المصنوع) على تاريخ الميتافيزيقا، دون إعلانٍ صريح عن التقنية حتى لا تتحد بالمصطلح الرائج عن التكنولوجيا المعاصرة، فإن الانشغال بسؤال عما صَنَعَ ويصنع (يدير) العالم، قد طغى على فهم العالم نفسه، الذي وحدَه يؤلف الموضوع الموجود. وعندما سادت طريقةُ التفكير بالعالم من داخله فحسب، لم يعد يمكن تصورُ علاقة الأشياء والكائنات به، إلا على أساس من مفهوم الاحتواء. صار العالم كيساً فضفاضاً يحتوي على كل شيء. ولقد تبرع العلم، في نشأته الأولى، بأن يأخذ على عاتقه فَرْز هذه الأشياء وتصنيفها، إخراجها من التراكم أو التبعثر، وإضفاء شبكية علاقات (تصورية) عليها، تبقى مُلزمةً بادّعاء موازاتها مع تواجد الأشياء الأصلي؛ فيستطيع (التصور) أن يصطنع لذاته هنا، في هذا المفصل المعرفي الحاسم، دورَه المطلوب منه باستمرار؛ وهو إنشاء العالم (المعرفي) الموازي للعالم الخام. وبالتالي يستطيع العقل أن يخرج باطمئنان وهدوء، من لَدُن صاحبه وحامله الأزلي: الذات، يخرج منها إلى عالم أليف، فاقد لفُجاءته أبداً، كأنه الذات عينها، وقد اتسعت لتشمل (كل الامتداد) الديكارتي، أمامَها وحولها. هكذا، فالعالم التصوري الموازي يغدو ذاتاً شمولية، لا تحتاج إلى إحالةٍ إلى غير عينها. العالم التصوري يمكنه الاستغناء عن العالم الخام، ويمكن أن يوفر لذاته وسكّانه، العيشَ الملائم بدون أي قلق، قد ينجم عن استشعار بالمُخْفيّ المَقْصيّ؛ كيف يتأتَّى استشعارٌ ما، مما لا حضورَ له البتة، لا بالأصالة عن نفسه ولا بالوكالة. فليس من المبالغة بشيء القول أن مَنْ وُلد بميلاد العلم الغربي الحديث ليس هو عالم الموضوع، بقدر ما هو مولد الذاتية الشمولية، التي لاتقبل بتوزبع نفسها حسب دورين لها، متقابلين، من ذاتٍ عارفة، وموضوع للمعرفة، إلاّ تصورياً فحسب. وكذلك يمكن تصحيحُ الصفة التي تطلق على نوع هذا الامتداد داخل الذات عينها، بدلاً من امتداد الذات فيه؛ فليس صحيحاً أن الذات تنشئ عالماً موازياً للعالم الخام، بل تبني السدّ الحاجز للعالم الخام، والحاجب للذات عينها، حسب حجمها الفعلي.
وفي هذه اللحظة المعرفية ـ الموصوفة بامتيازها الخارق هذا ـ يرتاح العقل دفعة واحدة، من مشكلة ← الآخر. فالعقل مَلِكُ على مدينته، سائح في جميع أروقتها وأزقتها التي يعرفها كلها، لأنه مُهندسُها ومنفّذها في آن. كذلك فإن القول أن الوجود لا يوجد إلا فيما هو محل الوجود، وأن العالم، وبالتالي ما يحويه من وجود، هو دليل الكينونة التي (لا تشمل) إلا ما يوجد، وهو بالطبع العالم، كل هذا القول ـ الهيدغري كذلك، بعد پارميند ـ لا يستطيع أن يتجاوز صيغة علاقة الاحتواء. وهو قول تقني، ويدخل تحت إدارة ← التقنية، ولا يرفضها، لأنه لايمكنه أن يمكث في حدود العقل، ويقفز إلى تخوم الفكر في آن واحد. ذلك إن كل اللغة الجديدة، المختلفة تماماً، التي جاء بها القول الفلسفي الهيدغري، ليتم تحررَه من تراث التفكير الخاص بإدارة العالم الموازي، لم تسمح له إلا نادراً بإحداث الاختراقات الموعودة في مرآوية العالم الموازي، نحو العالم الخام، الذي لم يبلغُه أيُّ تصور بعْدُ، لينشئ عنه أيةَ أنظمة.. مرآوية، كذلك.
إن صيغة الكائن ـ في ـ العالم، التي أسست الفلسفي الهيدغري، تلخِّص المأزق الهيدغري، الذي هو نفسه آخر محاولات المأزق الغربي، في اختراق حواجزه التي صنعها، هو وليس غيره، وطوّق ذاته بها، منذ انحراف الأفلاطونية عن البدئيّ في قصيدة الخلْق (بارميند). ذلك أن تلك الصيغة رغم جِدّتها وطرافتها، فإنها لم تبرح علاقة الاحتواء، بالرغم من كل هالات «الانسحاب»، التي أعادت إحياء مجيء الكينونة إلى العالم، مشروطةً بانسحابها دائماً. صحيح أن الصيغة الهيدغرية قلبت المدماك الأساسي لمصطلح الميتافيزيقا التقليدي الذي يتحدث عن شيء إسمه: كينونة العالم. لكن المسألة، ما بعد هيدغر، ليست في معرفة من يحتوي من: مرةً الكينونة، مرةً العالم. ذلك أن هذه العليّة، حتى لو ارتقت إلى أعلى نماذج الاستخدام الميتافيزيقي، حتى عندما يصوغها هيدغر من خلال عبارته العبقرية: مجيء الكينونة إلى العالم انسحابياً، فإن شبح التسلط العلّي، يظل له تطبيقه، بطريقة أو بأخرى.
بعد المصطلح الهيدغري لم تعد الكينونة تأتي ـ من أين؟ من لا مكان! ـ إلى العالم. لتبقى مع ذلك، وبعد تاريخ كثيف من عديد الإطلالات والانكفاءات، منسحبةً وانسحابية. بل غدا المصطلح، غير الاصطلاحي حقاً، بعد هيدغر وإبتداءً من حضور نصه دائماً وبالذات، غدا ترميزاً لنوع من القول المفتوح، الذي يشكل بَدْأَه الخاص، على النحو الآتي:
ما دام لا يمكن البحث في دلالة الكينونة عما هو سوى العالم، كمضمون لغوي/وكائن، ناهض بها ولها، فلم يعد يصحُّ تلفّظُ الكينونة مطلقةً، حرّةً من أي ضمير أو انتماء؛ ذلك أنها هي: كينونة العالم، كينونتـ ـ ـه. لكن شرْطَ أن يتم قلبُ جهة الارتجاع في الضمير: ـه. ذلك أن الكينونة لا ترجع إلى العالم، إلا بقدر ما يكون العالم هو اسْمُها الآخر. فالكينونة هي التلفّظ الوحيد في اللغة، الذي هو اسمُه وضميرُه في آن؛ في حين أن كل التلفظات الأخرى، لا تقوم لها قائمة، إلا إذا كانت هي عينها أسماءَ ضمائرها، التي ترتجع إلى الكينونة؛ وذلك قبل أن تشرع في إنشاء أية شبكية، فيما بينها كتلفظات، من ممارسات الصرف والنحوْ، عبر ضمائر وتضايفات، لغوية واقعية معاً.
لقد ظلّ هاجس الفصل بين الكينونة والعالم مسيطراً حتى على النص الهيدغري. ولذلك انشغل النص في مفاضلة هذه الانقسامية. وكأن كتاباته كلها ليست سوى طُرُقٍ متعددة نحو الغابة الواحدة نفسها، لعلّ ذلك (التيه) العبقري يوفر أهمّ وأعمق التقاطعات بين الأقنومين صلةً بهما معاً، مع الإيحاء دائماً بعدم التطابق التام بينهما.
وحتى يمكن الإعتقادُ أن عودة الكينونة في النص الهيدغري، لم تتخلص تماماً من خطيئة الانحراف عن البديء في قصيدة الخلق. لم تستطع أن ترى تماماً في العالم ذاتِه، سببَ قِدمه بالذات، سببَ قِدم العالم عينه. وقد بقيت هذه العودة مهمومة بانقسامية الفكر والكينونة؛ حتى أنها دعمت من جديد، الانقساميةَ الضمنية لصيغة الكائن ـ في ـ العالم. فلم تتخلّص الصيغةُ من رابطة حرف الجر التي تفيد احتواء الحدّ الأول في الثاني. ولا شك تقع الصيغةُ الهيدغرية تحت طائلة (التصور الامتدادي) الذي لا يتحرر كثيراً من الانطباع الأول الكمّوي، كما تقدّمه صورةُ الوساعة المادية للعالم. فهي الصورة الملازمة لأية مشهدية، تَرِدُ الحسَّ من الخارج. وتفرض الانطباع المسيطر، عن وجود بلا حدود؛ تنتصب بعض معالمه، فيما يتعدَّى معظمُه إمكانيةَ الحس، ثم الوعيَ، ثم تكنولوجيا التدبير، بكل تعقدها وتطورها الحديثين. ولقد عبّرت قصيدة الخلْق (پارمنيد) عن إطلاقية الوجود، إنطلاقاً من لاتناهي الظهور لكل ما يحيط بضآلة الكائن الإنساني، الذي مع ذلك، هو وحدَه، المنوطُ به، من دون بقية كائنات الظهور الأخرى، إدراكُ هذه الواقعة الأولى، التي تؤسّس البديء، وعليها أن تتكرّر وتتأسّس، في كل ما يتبعه. فهي قد تنقضي كأولى، لكنها الدائمة كبديء. ذلك ما يمكن اعتباره بمثابة: تحدي البدئي. بمعنى استمرار البديء في كل ما سيأتي بعده، بما يجعل من تكراره، غيرَ التكراري أبداً، يجيء فُجائياً عند نفسه. ذلك ما يشق الظهور المهيمن الطاغي، ما يصيبه بالصدوع التي تجلب الاختلاف. فإن عنفَ الظهور لا يُخفِّف من وطأته إلا تكوّنُ البديء، كحادثته الأولى المستمرة، (تكراره)، أو باعتباره لحظةَ تقاطع الظهور مع الحدوث؛ لحظةٌ تتكرر لتبني إمكان التمعين؛ كأنما ينتج ذاتَه اختلافيةً عبْر فَرْدنة الدلالات؛ فلا يمكن للحظة البديء أن تتكرر إلا إختلافيةً، لأن ثمة فَرْدَنَة دلالةٍ، لا يتم تمعينُها أبداً، ترتدّ إلى مُعاودة تسآل الظهور عمّا يظهره؛ وبالتالي لا شيء يكسر عنف المهيمن الطاغي، كظهور مطلق لا فكاك منه، إلا حادثةُ فَرْدَنَتِه، التي يُناط بها أن تترجم الكينونة إلى عالم؛ وعندئذ لاتعني تلك الترجمة استباقاً بالوقت أو بالمفهوم، للكينونة، على العالم. لكن باعتبار أن العالم هو الحيّز الذي يمكن فيه للمتناهي أن يتكلم لغة اللامتناهي، دون أن يفقد تناهيه، فإنه بذلك قد يقدّم الطريقةَ الاستثنائية التي تتيح للكينونة أن تشرع في الوجود، كما لو كانت هي الآخر، هي آخر ـ ها.
فتدخل زمنَ الوجود، دون أن تفقد لازمنيتها؛ وتُحْدثَ حدوثَ التاريخ، دون أن تنقطع عن لاتاريخانيتها. كأنما يغدو العالم كينونياً، ما دام العالم هو الطريقة الوحيدة لِتَفَكّر الكينونة. ومع ذلك: كيف يغدو العالم كينونياً؟ ألاّ يقع هذا، إلا عندما (يحدث) أن يكون العالم هو ذاتـ ـ ـه، وهو آخر ـ هُ، في آن!
أليست هي الطريقة، المتاحة وحدها، في تشكيل ثمة تمعين ما عن (قِدَم) العالم، من خلال (حدوثه) المستمر. ليس هذا أسلوباً جديداً في تبني منهج الجدل. فإن قِدَمَ العالم ليس مفهوماً تجريدياً موغلاً في تجريديته، بقدر ما هو مقاربةُ لـ إِنِّيته. فالقِدَمُ ليس إمعاناً في الجهة الأولى المقابلة لجهة الأبدية. لكنه، أي القِدم، نوع من استحالة استحضار للازمنية العالم خارج حضوره المباشر، راهنيته، أو فوريته. والحدوث المستمر هو الذي يجعل من العالم مستقبلَ قِدمه، بحيث لا يمكن أن يأتي هذا المستقبل اختلافياً كلياً عن ماضيه. ذاك هو (معنى) تكرار البدئيّ، فيما لا يرجع هو نفسه مرتين أبداً. فالبديء هو ما لايسبقه أحد. وذلك هو قِـدَمُه، واستغراقه في القدم، حسب جِهَوِيّةٍ أخرى، مقابِلةٍ لجهوية مستقبله، إن كان له مستقبل غير تكرار ماضيه.
تلك هي مشهدية العالم التي وصفتها قصيدة الخلْق، ولم تخطئ أبداً عندما جاء هذا الوصف بالمهيمن الطاغي. فما يُقلق الإنسان هو هذه المشهدية بكليَّتها، وليس بسبب تفصيلٍ من تفاصيلها. فالمطلق لم يُطرح على الإنسان كمستوى عال من التجريد. بل كان ينهال المطلقُ كمشهدية لا محدودة، تجذب وتمتصّ كل نظر جسدي. وجسدنا ناظر، يريد أن يلم بالكلّ، ويختزنه في بؤرة، من فكر، أو فعل، تكثّف اللامتناهي؛ وهو ليس سوى جسد فانٍ، طاف في خضم المجهول. وهنا لا بد من تحقيق أفهومٍ للإنيّة يأخذ بالاعتبار المبدئي هذه الفوريةَ التي لا تفصل بين جسدٍ للوعي هو الإنسان، والعالم كجسد آخر، مداهم وشيّق ومرعب. إنها الإنيّة التي يأتي كلٌّ من العالم، والكائن بصفة عامة، والكائن الإنساني بخاصة، لاكعناصر مؤسِّسة لها بالمعنى الميتافيزيقي، ولا حتى بالقصد الفينوميتولوجي، بل تجيء كتجسيدات للإنّية عينها. ذلك أن أفضل مقارنة تعريفية للإنّية، هي تلك التي تعمل ـ على ـ استحضارها، وليس على تمثيلها. إنها الإنّية التي حاول إصطلاح هيدغر الأساسي: الدزاين Dasein أن (يَتَرمَّزها)، بصورة تتيح له تحرراً حقيقياً من علاقة الإحتواء التي تأسر صيغته التقليدية الأولى: الكائن ـ في ـ العالم. لكن المحاولة ليست ناجحة دائماً.
لقد قال البعض أن الدزاين هو تقاطع الكينونة مع الوجود Être/existence. لكن التقاطع يفترض انفصالية الحدّين قبل تلاقيهما. هذه الانفصالية تَعْطفُنا مجدداً على الإشكالية الانقسامية المعهودة ـ في تاريخ الفلسفة ـ، مع أن الدزاين يحقق خطوة نوعية فيما يتجاوز هذه الإنقسامية. إذ أنه فضلاً عن كون الدزاين يخلّف وراءه بعيداً، كلَّ ذلك النقاش المدرسي القروسطي، المتمادي حتى عمق النهضة وما بعدها، فإنه يمهّد لقيام ما نحاول أن نصطلح عليه هنا بالإنّية. لأن الإنّية لا تفترض فحسب إنقضائيةَ ذلك النقاش فحسب، بل تعتبر أنه منطلق الميتافيزيقا، وليس منتهاها. إن الإنّية، ليست ما يُستدلّ عليها (الإنية)، بسواها، ومن سواها، بقدر ما هو كل نص، شرعي عند ذاته، لايكون كذلك إلا إذا جاء تناصاً فاتحاً عليها بطريقة أوبأخرى؛ إلا إذا نَطَقَ بجنس كلامها عينه. ذلك أن الإنّية، كالكينونة، ضمير ضمني، يؤسس للآخر، بقدر ما يؤسّس لواحدية ذاته.
***

…… التتمة في العدد

مفهوم الحرية في فلسفة كانط:
من الإمكان المنطقي إلى الإثبات العملي
محمد منادي إدريسي

مقدمــة
للحرية مكانة مركزية في الفلسفة النقدية لـ كانط. إنها عماد هذه الفلسفة في المستويين التأملي والعملي، ولذلك يقول عنها كانط إنها: «تمثّل حجر الزاوية (la clef de voûte) في بنيان نسق العقل الخالص بكامله، بما في ذلك العقل التأملي»(1). عبارة(la clef de voûte) الموظفة هنا تدل في ميدان المعمار على الحجر المركزي والأعلى لقبّة على شكل قوس دائرة. وفقاً لهذه الاستعارة، الحرية هي النقطة الأساس التي يلتقي عندها الإستعمالان التأملي والعملي للعقل الخالص، وهي كذلك «المفتاح» الذي يسمح بعبور الحاجز المضروب حول المعرفة (إقتصارها على التجربة الممكنة)، إلى أفق العالم المعقول. في المستوى النظري يُترك مكانها فارغاً، وفي المستوى العملي يتم تعميره، وهذا ما يسمح للفلسفة الترنسندنتالية أن تمدّ نطاقها من المجال التأملي إلى المجال العملي. الحرية هي «المفتاح» الذي يقدمه العقل الخالص العملي لحلّ المشاكل التي اصطدم بها هو نفسه من حيث هو عقل تأملي. ذلك ما يجعلها تشغل وضعاً استراتيجياً مزدوجاً في بنيان العقل الخالص، واستعارة «المفتاح» تبيّن هذه الوظيفة المزدوجة:
ـ وظيفة التأسيس المتمثلة في توحيد المجالين النظري والعملي.
ـ وظيفة الانفتاح على العملي الخالص.
ما نسعى إليه في هذه المقالة هو تسليط الضوء على هذه الكيفية التي بها «يفتح» مفهوم الحرية أفقاً جديداً للتفلسف خارج الإطار التأملي، وهي الكيفية التي يمكن تلخيصها في القول الآتي : يسلك العقل الطريق التأملي في محاولته بناء معرفة بالمبادئ الأولى (=اللامشروط)، وبهذا يحرّر مفاهيم مَلَكَة الفهم من كل عقال يشدّها إلى الواقع الفيزيائي، فيبني دعاوى ميتافيزيقية غير مشروعة. إنه يسلك هذا الطريق متسلّحاً بمفاهيم العلم وآلياته، ولكنه يصطدم بحاجز لا يمكن لمعرفتنا أن تتخطاه، وهو حدود التجربة الممكنة. فالمجال المتعالي على الحس ممتنع على الطريق التأملي، لكن في المجال العملي يكتشف العقل في نفسه معطيات تمكّنه من فتح كوة في الجدار السميك لهذا المجال المتعالي على الحسّ.
هذه هي الترسيمة العامة التي تبرز فرادة المقاربة الكانطية للميتافيزيقا بصفة عامة، وللحرية بصفة خاصة. تبين هذه المقاربة أن المبدأ الذي ينصّ على أن ظواهر الطبيعة بأكملها تخضع لعلاقات سببية صارمة هو أحد شروط إمكان العلم. إن له في هذا الإطار صلاحية كونية لا مكان فيها للإستثناء. هذا المبدأ ينطبق على الإنسان نفسه، وكل حديث عن حريته في هذا الإطار يبقى طرحاً ليس له ما يسنده نظرياً. إن القول بحرية الإنسان في النطاق النظري (العلمي) إنما هو اعتقاد واهم مردّه إلى الجهل بالأسباب، كما قال سبينوزا. وحتى حينما نحاول مدّ العلاقة بين السبب والأثر إلى حدّها الأقصى من جهة الأسباب، متجاوزين بذلك نطاق التجربة الممكنة، فلن نحصل إلاّ على فكرة (idée) عن سبب غير مشروط. هذه الفكرة وإن كانت غير متناقضة منطقياً، لا تقدم لنا من الناحية النظرية سنداً لأن ندَّعي بأن للإنسان قدرة على أن يفعل باستقلال عن الأسباب الطبيعية التي تؤثر عليه. وهكذا فمبدأ الضرورة الكوني يهدّد بإلغاء أي محاولة تسعى إلى تعقيل الممارسة أو الفاعلية الإنسانية اعتماداً على مفهوم الحرية، وبتحويل الأخلاق إلى «إيثولوجيا» تقتصر على تقديم وصف محايد وغير معياري للسلوكات.
لكن النقد نفسه يبيّن أن الصلاحية الكونية لمبدأ الضرورة تطال الظواهر فقط، والإنسان بوصفه ظاهرة يخضع لهذا المبدأ، وبناء على ذلك فإن تطبيق الآليات العلمية عليه من هذه الزاوية أمر مشروع، ومن شأنه أن يؤدي إلى تفسير سلوكاته وفاعلياته تفسيراً علمياً. غير أن الإنسان ليس كائناً حسياً فقط، بل له طبيعة معقولة أيضاً، يبيّن النقد تلقائيتها المطلقة واستقلالها عن التجربة حتى على المستوى المعرفي. إنها لا تقدم معرفة جديدة، وما تصل إليه في النطاق التأملي ما هو إلا أفكار لها قيمة تنظيمية فحسب، ولكنها تكشف عن دورها التكويني(2)، وعن فاعليتها في مجال آخر هو المجال العملي. في هذا المجال فقط يمكن للعقل أن يكون مشرّعاً، وهو الوحيد من بين ملكات المعرفة (مَلَكَة الفهم مَلَكَة الحكم) الذي يمكن أن يشرّع في هذا المجال، وخارج هذا المجال لا يمكنه أن ينتج أية ضرورة ولا أن يحدد أيّ شيء قبلياً، أي أنه لا يمكن أن ينتج أي ضرورة خارج التحديد القبلي للإرادة. إن «واقعة العقل» تبيّن أن للإنسان بما هو كائن عاقل قدرة على أن يكون سبباً لا مشروطاً لسلسلة من الأفعال، وهو من وجهة النظر هذه كائن حرّ. إن فكرة السبب اللامشروط الكوسمولوجية التي ظلّت في المستوى التأملي مشكلاً، تجد في هذه الواقعة أساساً إبستمولوجيا تنتقل بموجبه من مستوى الإمكان المنطقي إلى مستوى الواقع الموضوعي (العملي)، فتكون بذلك هي الشرط الأنطولوجي لتلك الواقعة.
هذه هي الترسيمة التي نريد في هذه المقالة تفصيل القول فيها عبْر الإجابة عن التساؤلين الآتيين:
1) كيف تتولّد فكرة الحرية من حضن مقولة السببية؟ وهل هناك إمكانية للقول بالحرية في نطاق العلم النظري دون تعارض مع مبادئ العلم نفسه؟
2) ما هو الأساس العملي الذي يمكن اتخاذه نقطةَ ارتكازٍ لإثبات أن للترنسندنتالي دوراً تكوينياً ومحدداً في نطاق العالم المحسوس؟ وأية وضعية ودلالة تكتسبها الحرية في نطاق العمل؟
I. الحرية فكرة ترنسندنتالية(3)
الحرية فكرة من أفكار العقل الكوسمولوجية، وهي تتشكّل في العقل الخالص عندما يستعمل مقولة السببية (وهي مقولة لمَلَكَة الفهم، استعمالُها المشروع محصور في حدود التجربة) استعمالاً ترنسندنتالياً، فيحاول أن يعين في سلسلة الشروط والمشروطات (أي سلسلة الأسباب والآثار) بداية أولى مطلقة تشكل سبباً غير مشروط بأي سبب متقدم عليه في الزمان. إنها أولاً فكرة، وهي ثانياً فكرة كوسمولوجية (أي متعلّقة بفكرة العالم)، وهي ثالثاً فكرة تحرّر مفهوم السببية من قيود التجربة الممكنة، وتوسعه إلى ما وراء حدودها، وهي رابعاً فكرة تبدو مناقضة لمبدأ السببية الطبيعي، إلاّ أن النقد يبين أن هذا التناقض ظاهري وليس حقيقيا. تلك قضايا أربع تحتاج إلى تحليل مفصل كي تتضح.
أ. فكرة العقل
يحتل العقل في تراتب ملكات المعرفة المرتبة العليا. ذلك أن «معرفتنا بأكملها تبدأ مع الحواس، ومنها تمرّ إلى مَلَكَة الفهم، وتنتهي في العقل، الذي لا يوجد فينا أي شيء أعلى منه لمعالجة مادة الحدس وردّها إلى الوحدة العليا للفكر»(4). تتمثل المعرفة في رد المتنوع إلى الوحدة، والعقل إنما يقع على رأس ملكات المعرفة لأنه يردّ المتنوع إلى أعلى وحدة للفكر. إن العقل والفهم ملكتان تنتجان الوحدة، ولكن الأشياء التي تردّ إلى الوحدة ليست هي نفسها فيهما. ذلك أن لمَلَكَة الفهم علاقة بالتجربة وبالموضوعات المعطاة في الحدس الحسّي، وتعمل على ردّ الظواهر إلى الوحدة بواسطة قواعد. أما العقل فليس له صلة مباشرة بالتجربة أو بالموضوعات، بل يرتبط بمَلَكَة الفهم، فيضفي على معارفها المتنوعة وحدة قبْلية من خلال مفاهيم، ومن دون أي استناد إلى التجربة(5). ولذلك ليست هناك استمرارية أنطولوجية للموضوعات تحت التراتب المعرفي للملكات(6). فما ترده مفاهيم مَلَكَة الفهم إلى الوحدة هو ظواهر الحدس، أما ما تردّه مبادئ العقل إلى الوحدة فهو مفاهيم مَلَكَة الفهم. ولذلك يمكن لمَلَكَة الفهم أن تخبرنا عن الطبيعة وتقول لنا شيئا عنها. أما العقل فيقتصر على تنظيم معارف مَلَكَة الفهم وتوحيدها في نسق، ولا يدلنا على أي شيء بخصوص الطبيعة. فالوحدة النسقية التي يتطلّع إليها ليست ضرورية لمعرفة الموضوع وتحديده، بل هي نابعة من حاجة ذاتية فيه.
يعتمد العقل في قيامه بهذه المهمة على مبدأ ذاتي (maxime) «لا يفرض على الموضوعات أي قانون ولاينطوي على أساس إمكان المعرفة بها وتحديدها»(7). يقتصر هذا المبدأ على تدبير موارد مَلَكَة الفهم، ويسعى إلى إضفاء الانسجام على استعمالها، «وليس من المشروع مطالبة الموضوعات نفسها بمثل هذا الانسجام (الوحدة) [...] أو إضفاء صلاحية موضوعية على ذلك المبدأ الذاتي»(8). يمكن أن نسمّي هذا المبدأ بمبدأ العلة (principe de raison) أو مبدأ المعقولية الكافية(9)
(principe de raison suffisante). وهو ينصّ على أن لكل أثر (effet) سبباً، ولكل شيء علةً لوجوده. يتضمن هذا المبدأ في ذاته صيرورته الميتافيزيقية، ذلك أن البحث عن المعقولية الكافية لحدث ما يعني ضمنياً أننا نضع نصب أعيننا مَثَلاً أعلى (idéal) لتفسير كل ما هو كائن. فليس لمبدئنا هذا أي سبب معقول لكي يتوقف عن الاشتغال، إذ عندما نجد علّة وجود حدث ما، يحثنا هذا المبدأ من جديد على البحث عن علّة هذه العلّة، وهكذا دواليك إلى أن نجد ـ إن أمكن ـ علّة قصوى أو سبباً أبعد ليس بعده سبب(10).
ينتهي التشغيل المتكرّر وغير المحدود لهذه الآلية المنطقية إلى فكرة تعقيل تام للواقع، أي خضوع الواقع بأكمله خضوعاً تاماً لهذا المبدأ المنطقي. يتخذ هذا التعقيل صورةَ بحثٍ عن اللامشروط، ذلك أن البحث من دون توقف عن علّة العلّة وسبب السبب، إنما يعني البحث في نهاية المطاف عن سبب أقصى لا يكون هو ذاته مشروطاً بأي سبب سابق، أي البحث عن بداية غير مشروطة.فإذا وقفنا على السبب الأقصى، أمكننا حينئذ التعقيل التام للواقع بأكمله.
يجد تشغيل العقل لهذا المبدأ المنطقي ترجمته المنطقية في الاستدلالات أو الأقيسة، ففيها يسعى العقل إلى تأسيس معرفة الجزئي (نتيجة الاستدلال) على الكوني (المقدمة الكبرى)، وهكذا بحركة صاعدة «يبحث العقل عن الشرْط الكلّي لحكمه (القضية المستنتجة)»(11). وعليه، فإن «العقل ببنائه لاستدلالاته يسعى إلى ردّ التنوع الكبير في معارف مَلَكَة الفهم إلى أقل عدد ممكن من المبادئ [...] فينتج بذلك أعلى وحدة»(12)، وبهذا يوسع معارف الفهم توسيعاً، ما كان تحليل مَلَكَة الفهم وحده ليسمح به. فعبر طريق الأقيسة الصاعدة (prosyllogismes) يبحث العقل عن «لامشروط المعرفة المشروطة لمَلَكَة الفهم، ذلك اللامشروط الذي به تكتمل وحدتها»(13). وبعبارة أخرى إنه يبحث عبرها عن المبادئ الأولى، ولذلك كان العقل بامتياز مَلَكَة مبادئ(pouvoir des principes) (14).
ينتهي العقل في بحثه عن اللامشروط إلى تكوين مفاهيم مختلفة تماما عن مفاهيم مَلَكَة الفهم. فإذا كانت هذه تصلح لعملية الفهم (comprendre) فإن الأولى تصلح لعملية الجمع (rassembler)، ذلك أنها لا تهتم إلاّ «بالكلية المطلقة في تركيب الشروط، فلا تتوقف إلاّ عند ما هو لامشروط بإطلاق، أي من جميع الأوجه»(15). وبهذه المفاهيم يسعى العقل إلى إنجاز الوحدة النسقية لمعارف مَلَكَة الفهم. يسمي كانط هذه المفاهيم بالأفكار (les idées)، ويعرّف الفكرة قائلاً: «أعني بالفكرة مفهوماً ضرورياً للعقل، لا يمكن أن يعطى في الحواس موضوع يطابقه»(16). فمفاهيم العقل إذن أفكار ترنسندنتالية، لأنها تعتبر كل معرفة أمبريقية محددة بكلّية مطلقة للشروط (totalité absolue des conditions)، وهي ضرورية، لأنها لم تنشأ اعتباطاً، بل هي نابعة من طبيعة العقل نفسه وبحسب قوانينه، ولذلك ترتبط بالضرورة باستعمال مَلَكَة الفهم، ولا غناء عنها لإنجاز الوحدة النسقية لمعارفها.
لكي ينجز العقل الوحدة النسقية فإنه، ومن خلال مبدأ المعقولية الكافية، يدعو مَلَكَة الفهم إلى الانتقال من المشروط إلى سلسلة شروطه، إذ أن العلّة الكافية لظاهرة أو حدث ما لا تحصل تماماً إلاّ بافتراض جميع مكونات السلسلة من جهة الشروط، ولذلك لا يهتم العقل إلاّ بالتركيب التراجعي للسلسلة من جهة الشروط، وليس بتركيبها التقدمي إلى جهة النتائج، لأن جماع الشروط يفترض من أجل إمكان المشروط(17).
تقودنا الأفكار الترنسندنتالية إذن للصعود في سلسلة الشروط حتى اللامشروط، ولذلك فالرباط بين الفكرة واللامشروط لا ينفك: «ما المفهوم الترنسندنتالي للعقل إلاّ مفهوم كلية الشروط بالنسبة لمشروط ما. ولما كان اللامشروط هو وحده الذي يجعل كلية الشروط ممكناً، وكانت هذه الكلية نفسها غير مشروطة، فإنه يمكن تعريف المفهوم الخالص للعقل بصفة عامة، بواسطة مفهوم اللامشروط، من حيث أنه يتضمن أساس تركيب المشروط».(18)
هذا اللامشروط، الذي يبحث عنه العقل في تتبعه لتركيب الشروط في سلسلة تراجعية، لا يمكن أن يُعطى في أية تجربة، ولا يمكن لأية سلسلة تراجعية تحترم قوانين السير التجريبي أن تصل إليه. لأن معرفتنا محصورة في نطاق الظواهر. ولأن المشروط ظاهرة فحسب، «فإن تراجعاً في سلسلة كافة شروط هذا المشروط تُفرض علينا عبْر هذا السبيل بوصفها مهمةً tâche»(19)، أي يكون على مَلَكَة الفهم أن تبحث عنها وتركّبها في مسلسل تدريجي قائم في الزمان، بحيث يتمّ الانتقال من مشروط إلى شرطه، ومن هذا الأخير بصفته هو الآخر مشروطاً إلى شرطه، وهلم جرا… وما التركيب المكتمل اكتمالاً مطلقاً إلاّ فكرة، إذ في التراجع التجريبي لا يمكننا أن نبلغ إلاّ شرطاً يجب اعتباره مشروطاً من الناحية الأمبريقية. وعلى ذلك فإن العلم مسلسل لا يقف عند محطة نهائية في البحث عن المعرفة. وهكذا فإن أفكار العقل ـ إن حُصرت في الاستعمال التوجيهي والتنظيمي ـ لا تعرقل عمل مَلَكَة الفهم. إنها لاتوسع البتة معارفنا، إذ أن مَلَكَة الفهم لاتعرف من خلالها ـ عن موضوعها ـ أكثر مما تعرفه بواسطة مفاهيمها.
ب. فكرة العالم
يستنبط كانط كما رأينا الأفكار الترنسندنتالية من بنية الاستدلالات أو الأقيسة(20)، حينما يطبّق عليها مبدأ المعقولية الكافية ـ السبب الكافي. تنشأ فكرة العالم من الضرب الثاني من ضروب القياس غير المباشر، وهو القياس الشرطي. يتكون هذا القياس ـ كما هو الشأن في كل الأقيسة ـ من ثلاث لحظات :
1) مقدمة كبرى تعطي القاعدة العامة، وهي من وضع مَلَكَة الفهم
2) مقدمة صغرى تعين شرط تطبيق القاعدة، أي كيفية إدراج معرفة تحت شرط القاعدة، وهذا إجراء تقوم به مَلَكَة الحكم.
3) نتيجة تحدد المقدمة الصغرى بواسطة القاعدة. أي أنها تضيف إلى الجزئي المدرج تحت شرط القاعدة محمول هذه القاعدة، وهذا هو عمل العقل.(21)
يتجلّى الدور المخصوص للعقل ـ عند بناء القياس ـ في النتيجة، فهو بالأساس مَلَكَة استنتاج (faculté concluante)، إذ هو يسعى دوماً إلى تصور الخاص تحت العام، ولكنه بماهيته (المتمثلة في بحثه عن المعقولية الكافية) لا يجد أي مبرر للتوقف عند محطة معينة في ارتقائه في تسلسل العلل، ولذلك يعتبر المقدمة الكبرى للاستدلال الذي أقامه، خلاصةً ممكنة لاستدلال أعلى ينبغي عليه أن يبنيه. وهكذا يرتقي باستمرار، وعلى نحو متدرج، من الخاص إلى العام، ومن هذا العام إلى ما هو أعم منه، حتى يصل إلى الكوني المطلق، أي إلى المقدمة الكبرى لجميع المقدمات الكبرى، وهي اللامشروط.
يقتضي القياس الشرطي في عملية الصعود تلك افتراضاً لا افتراض فوقه، أو لنقل شرطاً لا يتوقف البتة على شرط أعلى منه. وبعبارة أخرى، إن العقل يبحث في القياس الشرطي الصاعد عن لا مشروط التركيب الشرطي لمكونات سلسلة ما(22). والفكرة التي تتشكّل في نهاية مسار الصعود تتضمن الوحدة المطلقة لسلسلة شروط الظاهرة(23)، أو لنقل فكرة السلسلة الكاملة للشروط، وباختصار، فكرة العالم.
يبيّن هذا التحليل أن فكرة الكلية (totalité) التي تشمل كافة الظواهر، تنشأ في العقل على نحو طبيعي، وبموجب قوانينه الذاتية. إنها مجرد فكرة، أي أنها مفهوم ضروري للعقل، ولكن موضوعها لا يمكن أن يُعطَى في أية تجربة، وكل ما يمكن أن يُقال عنها لا يمكن إثباته أو إبطاله بالتجربة. ومع ذلك فهي فكرة مفيدة إذا حصرت في نطاق الاستعمال التنظيمي والتوجيهي لمعارف مَلَكَة الفهم، إذ أن العقل حينها سيحث بواسطتها مَلَكَة الفهم على مواصلة البحث وتوسيعه، سعياً إلى الإمساك بالسلسلة التامة للشروط في خطٍ صاعد.
تكمن المشكلة في أن العقل لا يستعمل هذه الفكرة ـ وكذلك الأفكار الأخرى ـ لتحقيق رغبته الأصلية المتمثّلة في إضفاء الوحدة النسقية على معارف مَلَكَة الفهم فقط، بل يتجه ـ بموجب ميل طبيعي فيه ـ إلى الاعتقاد في موضوعيتها، ولأن التجربة لا يمكن أن تقدم لنا هذا الموضوع في الحدس، فإن العقل ينسب لها وجودا قائما خارج حدود التجربة. «ما يرمي إليه العقل (= اللامشروط) لا يمكن أن يُشبع تماماً بالاستعمال المحدود للتجربة الذي تبقى مَلَكَة الفهم الخالصة منحصرة فيه. فكل تجربة فردية ما هي إلاّ جزء من النطاق التام لمجالها. غير أن الكلية المطلقة لكل تجربة ممكنة ليست هي نفسها تجربةً [...] إن مفاهيم العقل تنطبق على التمامية، أي على الوحدة التامة لكلّ تجربة ممكنة، وبذلك تتخطى كل تجربة معطاة، فتصير متعالية»(24)، إن رغبة العقل الذاتية تقوده إلى السقوط في الوهم (l’apparence)، حينما يستعمل الأفكار ـ ومنها فكرة العالم ـ خارجَ وظيفتها الأصلية (= التنظيم والتوجيه)، وبذلك تكون ادّعاءات ليس لها أيةُ مشروعية.
لنقارن بين عمل مَلَكَة الفهم وعمل العقل لكي يتضح الأمر:
إن لمَلَكَة الفهم قواعد (règles)، وهذه القواعد فارغة، تقتصر على رسم إطار تنتظم فيه معطيات الحدس، وبناء على ذلك لا تذهب من العام إلى الخاص عبر المفهوم. وبعبارة أخرى، إن قواعد مَلَكَة الفهم لا يمكن أن تربط الظواهر من دون العودة إلى التجربة وإلى الحدس، أي أنها لا تستنبط ما هو خاص (جزئي ـ عيني) من العام، أو قل لاتستنبط الوجود من الفكر(25). وبالمقابل فإن العقل يسعى إلى الانتقال من العام إلى الخاص، ومن الفكر إلى الوجود، بقوة الاستدلال فقط، على نحو قبْلي خالص، أي من دون عودة إلى التجربة(26). إنه ينجز هذه النقلة اعتماداً على «المفهوم» فقط، وليس من خلال الحدس، كما تفعل مفاهيم مَلَكَة الفهم. إن بنيته المنطقية تدفعه، على نحو لايُقاوم، إلى أن يتخطّى نفسه نحو الأنطولوجيا، فينتقل من المنطق الصوري إلى الوجود الفعلي. والسند الذي يعتمد عليه لإنجاز هذه النقلة، عبارة عن مبدأ تركيبي يقول: «إذا كان المشروط معطى، فإن سلسلة الشروط التابعة لبعضها البعض ـ والتي هي نفسها غير مشروطة ـ معطاة كذلك»(27).
بموجب هذه النقلة تفقد فكرة العالم وضعية كونها فكرة، أي مطلبا ذاتيا ـ ولكنه ضروري ـ للعقل البشري، وتتحول إلى موضوع ينشئ العقل بصدده ـ معتمدا على المبدأ المذكور أعلاه ـ قضايا تركيبية مختلفة، بل ومتناقضة، لا تستطيع مَلَكَة الفهم أن تحسم فيها بأي شيء إنْ تصديقاً أو تكذيباً. وعندئذ لا تبقى فكرة العالم صالحة لإكمال الاستعمال التجريبي لمَلَكَة الفهم، بل يصطنع العقل من خلالها موضوعاً، مادتُه ليست مستمدّة من التجربة، وواقعه الموضوعي لا يستند إلى إكمال السلسلة التجريبية، بل إلى مفهوم قبْلي خالص. وهكذا تصبح هذه الفكرة مبدأ مكوِّناً (principe constitutif) لمعرفة ترنسندنتالية، وليس مبدءاً منظماً لها، أي فكرة في خدمة العلم. على هذا النحو يسقط العقل في الوهم الترنسندنتالي فيعتبر موضوعاً للمعرفة ما يجب أن يكون مجرد حافز لمَلَكَة الفهم وموجّه لبحثها.
ج. السببية حرية
إن العقل إذ ينشئ فكرة ويجعل منها صَنَماً، يشغّل بصددها مقولات مَلَكَة الفهم تشغيلاً به يحرّرها من قيود التجربة الممكنة ويوسع استعمالها إلى ما وراء حدودها. فهو يطالب ـ بخصوص مشروط مُعطى ـ بالكلية المطلقة (totalité absolue) من جهة الشروط. «وعلى هذا النحو يجعل من المقولة فكرة ترنسندنتالية لكي يضفي التمامية المطلقة (complétude absolue) على التركيب الأمبريقي، وذلك بمواصلة هذا التركيب حتى اللامشروط، (الذي لايتم بلوغه إلاّ في الفكرة فقط، وليس في التجربة أبداً)»(28). فاللامشروط دائماً هو ما يبحث عنه العقل في تتبعه لتركيب الشروط في سلسلة تراجعية.
يمكن تصور هذا اللامشروط بطريقتين :
1ـ إما أنه يوجد فقط في السلسلة بأتمها، والتي ستكون جميع مكوناتها ـ بلا استثناء ـ مشروطة، واللامشروط عندئذ سيكون هو كلية السلسلة. في هذه الحالة لن يكون للتراجع نهاية.
2ـ وإما أن يكون مجرد جزء من السلسلة، فتكون المكونات الأخرى لهذه السلسلة تابعة له، ولكنه هو نفسه لا يخضع لأي شرط آخر، وفي هذه الحالة هناك حدّ أول للسلسلة يقف عنده التراجع.(29)
إن مقولة السببية وحدها ـ من بين مقولات العلاقة الفعلية بين الظواهر ـ تناسب الفكرة الترنسندنتالية، أي فيها وحدها يجد العقل حافزاً لمواصلة السير تراجعياً نحو الشروط، ذلك أنها «تزود أثراً مُعطى (effet donné) بسلسلة أسباب، بحيث يمكننا أن نصعد من هذا الأثر، باعتباره مشروطاً، إلى أسبابه باعتبارها شروطاً»(30)، والعقل إذ يمدّ هذه السلسلة إلى طرفها الأقصى ينتج فكرة سببية غير مشروطة، تُسمَّى تلقائية مطلقة، أي حرية.
تُسمَّى الأفكار المتعلقة بفكرة العالم ـ ومنها فكرة الحرية ـ أفكاراً كوسمولوجية لاعتبارين:
1ـ لأننا نعني بالعالم المجموع الشامل لكافة الظواهر، ولأن هذه الأفكار لا تَتَغَيَّا اللامشروط إلاّ بين الظواهر.
2ـ ولأن العالم بالمعنى الترنسندنتالي يدل على الجماع المطلق لكافة الأشياء الموجودة، ولأن ما نسعى إليه عبر الأفكار هو تمام التركيب بالتراجع نحو الشروط(31).
على أن اللامشروط الذي ترمي إليه مقولة السببية في التراجع ليس هو اللامشروط الرياضي المتعلق بمقدار العالم، بل هو اللامشروط الدينامي المتعلق بوجود الظواهر. إن فكرة الحرية إذن كوسمولوجية، لأنها ـ إلى جانب أفكار أخرى ـ تجد موضوعها في العالم المحسوس، وهي من هذه الناحية محايثة وليست متعالية، إلا أنها من ناحية أخرى توسع العلاقة بين المشروط وشرطه (علاقة الأثر بالسبب) إلى حد يتجاوز التجربة، وهنا تصير فكرة لا يمكن لموضوعها أن يعطى على نحو مطابق في أية تجربة(32). إن العقل إذن في تتبعه لتسلسل مقولة السببية في الظواهر، يرتقي في سلسلة الأسباب إلى أن يصل إلى حد أول. وهذا الحد:  إما أن يكون هو كلية السلسلة. وإما أن يكون حدّاً ليس من نفس نوع مكونات السلسلة بكاملها.
في هذا الشكل من الاستدلال الجدلي تتخذ المقدمة الكبرى للقياس الشرطي الصورة الآتية:
«إذا كانت (أ) إذن (ب)» حيث (أ) تمثل المشروط الذي يعطى لنا في التجربة، و(ب) تمثل اللامشروط الذي يرمي إليه العقل، وهذا اللامشروط إما أن يكون هو الحدّ الأول في سلسلة الشروط، وهذا ما تنصّ عليه الأطروحة (la thèse)، وإما أن يكون هو السلسلة التامة، وهذا ما تنصّ عليه الأطروحة النقيض (l’antithèse)(33). إن استدلال العقل هنا يفسح المجال لنزاع (هو الثالث) بين أطروحة لا أمل لنا في أن نجد ما يؤكدها في التجربة، ولاخشية عليها من الإبطال، فهي خالية من التناقض، بل هي تجد في طبيعة العقل ضرورتها، ولكنه في الآن نفسه يتيح المجال كذلك لقضية أخرى معارضة للأولى، وتستند هي الأخرى إلى أدلة تتمتع بالصلاحية والضرورة(34).
على أن التناقض بين هاتين القضيتين ليس مردّه إلى صورة الاستدلال الشرطي مباشرة، بل إلى البرهان الذي يكون في الحالتين برهاناً بالردّ إلى المحال (par absurde). فالموضوعة (القائلة بالحرية) تفترض الأطروحة النقيض (القائلة بأن الكل طبيعة) وتبين أنها تفضي إلى المحال (l’absurdité)، لكي تثبت صدقها، ونفس الأمر تفعله الأطروحة النقيضة.
لنوضح الأمر من خلال البرهان على الأطروحة. تنصّ الأطروحة في هذا النزاع الثالث على أنه: «ليست السببية التي تفعل فعلها بمقتضى قوانين الطبيعة هي الوحيدة التي منها يمكن اشتقاق ظواهر العالم منظوراً إليها في كليتها، ومن الضروري أيضاً أن نسلّم بسببيةِ حريةٍ بغرض تفسيرها»(35).
يقوم برهان الأطروحة على إثبات أن الأطروحة النقيضة تناقض نفسها، فالأولى تكتسب قوتها من إثبات تهافت الثانية، إذ لو لم يكن هناك سببية أخرى غير تلك التي تفعل فعلها بمقتضى قوانين الطبيعة، لَـمَا كان هناك مبرر للتوقف في سلسلة الأسباب المفسرة لحدثٍ ما، ولَـمَا كانت هناك أبداً بدايةٌ أولى، بل فقط بداية ثانوية (commencement subalterne)، وبذلك لن يكون هناك عموماً أي تمام للسلسلة من جهة الأسباب المتولّدة عن بعضها البعض. والحال أن قانون الطبيعة نفسه ينصّ على أنه «لا شيء يحدث من دون سبب محدد قبْلياً تحديداً كافياً»، وعليه، فإن القضية القائلة بأن كل سببية لن تكون ممكنة إلا بمقتضى قوانين الطبيعة، تناقض نفسها بنفسها إن اعتبرت كونية. ولذلك لا يمكن التسليم بها بوصفها السببية الوحيدة. «بناء على ذلك يلزم التسليم بسببية بواسطتها يحدث شيء ما، دون أن يكون السبب المحدد بدوره بسبب سابق بمقتضى القوانين الضرورية، أي يلزم التسليم بتلقائية مطلقة للأسباب، تتمثل في أن يبدأ (السبب) من تلقاء ذاته سلسلةَ ظواهر تجري بمقتضى قوانين الطبيعة، وتبعا لذلك بحرية ترنسندنتالية من دونها لا يكون التعاقب المتسلسل للظواهر تاماً من جهة الأسباب حتى في مجرى الطبيعة»(36).
إن سؤال، هل الحرية ممكنة، سؤال كوسمولوجي، أي سؤال يضعه العقل بخصوص فكرة العالم، أي فكرة الكلية اللامشروطة بإطلاق لتركيب الظواهر، وميزة الأسئلة الكوسمولوجية تتمثل في أنها تتعلّق بموضوع لايمكن أن يُعطى إلاّ في أفكارنا (وليس في أية تجربة ممكنة)، ولذلك علينا أن نبحث عن حل لها في فكرتنا نفسها وليس خارجها (أي فكرة العالم). يضعنا ذلك السؤال أمام نزاع تجسّده قضيتان متعارضتان. ذلك أن العقل إذ يرتد في سلسلة الأسباب إلى سبب غير مشروط يشكل فكرة عن تلقائية مطلقة بواسطتها يتصور أنه يبدأ بداية مطلقة سلسلةَ شروطٍ ماثلة في الظاهرة، من خلال ما هو غير مشروط حسّياً. وهذا ما يوقعه في تناقض مع قوانينه الخاصة التي يفرضها على الاستعمال الأمبريقي لمَلَكَة الفهم. والسؤال الذي يفرض نفسه عندئذ هو: هل القول بسببية بحرية يتناقض فعلياً مع السببية وفقاً للطبيعة؟ وبعبارة أخرى، هل يمكن للحرية أن توجد في آن واحد مع قانون السببية الطبيعي الذي هو قانون كوني؟
د. رفع التناقض
قلنا إن حَل هذا النزاع يجب البحث عنه في الفكرة نفسها وليس خارجها. يتعلق الأمر في القضيتين المتنازعتين المذكورتين بادعاءين متعارضين لا يمكن لأية تجربة
ـ بالغاً ما بلغ امتدادها ـ أن تكشف لنا عن صواب أحدهما وعدم دقة الآخر، فإحداهما تثبت، والأخرى تنفي، ومدار الإثبات والنفي عبارة عن كلية مطلقة (كلية الظواهر) لا يمكن أن يُعطى لنا في أية تجربة، أي عبارة عن فكرة (فكرة العالم).إنهما معا يفترضان شيئاً محالاً، وهو: وجود الظواهر (موضوعات العالم المحسوس) بوصفها أشياء في ذاتها. والحال أن الظواهر وجميع موضوعات التجربة الممكنة بالنسبة لنا ما هي إلاّ تمثلات ليس لها خارج تصوراتنا أيّ وجود في ذاته. وبناءً على ذلك، فإن حل النزاع المذكور لا يتوقف على اختيار يتخذ صيغة «إما… وإما… » دون وجود طريق ثالث (طبقاً لمبدأ الثالث المرفوع) بحيث يكون لزاماً علينا أن نختار واحدة من القضيتين، بل الحل يكمن في رفع التناقض.
إننا في هذا النزاع أمام نقيضة دينامية(37)، ورفع التناقض هنا ينبني على التمييز بين الظواهر والأشياء في ذاتها، إذ يمكن للدعوى أن تثبت اللامشروط باعتباره شيئاً في ذاته خارج سلسلة الظواهر (الحرية)، والأطروحة النقيضة من جهتها يمكنها أن تنفي اللامشروط لكي تثبت الضرورة في سلسلة الأسباب الطبيعية بأكملها. وهكذا فالتمييز بين الظاهرة والشيء في ذاته يسمح بالاحتفاظ بالقضيتين معاً، لأن التناقض بينهما ظاهري فحسب، فخطأ الافتراض الذي يستند إليه النزاع يتمثل في أن: «ما هو متوافق يتمّ تمثّله على أنه متناقض»(38).
تحيل الصفة «دينامي» على وجود الأشياء التي لايمكن عرضُ الارتباط بينها قبْلياً في الحدس. ولما كانت الأطروحة (في النقيضة الثالثة) تربط ما هو غير متجانس في مقولة السببية، فإن ذلك هو ما يسمح لها بربط أثر معطى في واقعة الظاهرة (effet phénoménal) بسببٍ لا يمكن أن يعطى في الحدس، أي بشيء في ذاته ينتمي إلى عالم آخر هو العالم المعقول. أي أن «التسلسل الدينامي للشروط الحسّية يسمح بشرط غير متجانس لا يكون هو نفسه جزءاً من السلسلة، بل يقع، بما هو شرط معقول على نحو خالص، خارج السلسلة»(39). على هذا النحو يمكن وضع اللامشروط على رأس الظواهر، فيحصل العقل على الرضى، دون إحداث قطيعة في التسلسل على نحو يناقض مبادئ مَلَكَة الفهم.
يتمثل الحل النقدي إذن في بيان أن الأطروحة والأطروحة النقيضة ليستا «متناقضتين»، بل «داخلتين تحت التضاد»، إذ يمكن أن نثبت مع الأطروحة النقيضة أن الآلية صالحة صلاحية تامة في العالم المحسوس من حيث هو ظاهرة، في حين أن الحرية التي تقول بها الأطروحة يمكن التفكير فيها من دون تناقض، في العالم المعقول من حيث هو نومين (noumène). إن هذا الحل يعني في نهاية المطاف التمسك بالعقلانية
(= إمكانية العلم) وبالحرية (=إمكانية الأخلاقية) في آن واحد(40). كما أنه هام جداً بالنسبة للفلسفة العملية، ولهذا نجد الكِتاب العمدة لهذه الفلسفة وهو (نقد العقل العملي) يُحيل عليه، لأنه حافظ من الناحية النظرية على إمكان عالم معقول، انطلاقاً منه يمكن للكائن العاقل أن يمارس سببية حرّة تحدث آثاراً في العالم المحسوس(41).
لقد فرغنا الآن من تحليل القضايا الأربع التي تَحدثنا عنها في بداية هذا الفصل، وبقيت قضية خامسة بها نختتمه، وهي تنصّ على أن البُعْد الخلقي حاضر في حل النقيضة الثالثة.
هـ. الطابع المزدوج للإنسان
يتجلّى البُعْد الخلقي لحل النقيضة الثالثة في القول بالطابع المزدوج للإنسان: «طابع معقول» و«طابع أمبريقي». قبل عرض هذه النظرية من اللازم أن نشير إلى أن الأمر يتعلّق في النقيضة الثالثة بمشكل سبب الظواهر في العالم، وليس بسبب العالم (= موضوع النقيضة الرابعة). للحرية في هذا النطاق معنى كوسمولوجي، إذ هي تعني «قدرة (تستطيع) بالاستناد إلى ذاتها أن تبدأ حالة سببيتها لا تخضع بدورها ـ وفقا لقانون الطبيعة ـ إلى سبب آخر يحدّدها في الزمان»(42). الحرية بهذا المعنى فكرة خالصة ترنسندنتالية، لأنها لا تنطوي على أي شيء مستمد من التجربة، ولأن موضوعها لا يمكن أن يُعطى على نحو محدّد في أية تجربة. إن العقل يخلق بنفسه فكرة عن تلقائية (spontanéité) قادرة على أن تبدأ من ذاتها فعلاً، دون الحاجة إلى سبب آخر سابق عليها ليدفعها للفعل وفقاً لقانون الارتباط السببي. تجيز لنا هذه الفكرة «أن نجعل سلاسل مختلفة تبدأ من تلقاء ذاتها، من وجهة نظر السببية في وسط مجرى العالم، وأن نعزو إلى جواهرها قدرة على الفعل بحرية»(43). فالبداية الأولى بإطلاق يجب أن لا تفهم بالنظر إلى الزمان، بل بالنظر إلى السببية. وبناء على هذا الفهم يمكننا أن نقول إن فعلاً ما (النهوض عن الكرسي مثلاً) يتم الإقدام عليه دون تدخّل الأسباب الطبيعية، وأنه مع هذا الفعل تبدأ سلسلة جديدة بداية مطلقة، رغم أن هذا الفعل ما هو، بالنظر إلى الزمان، إلاّ امتداد لسلسلة سابقة(44).
لا تناقض إذن بين الآلية والحرية. تستند الأولى إلى مبدأ «يثبت الارتباط الشامل بين جميع أحداث العالم المحسوس بحسب القوانين الثابتة للطبيعة»(45)، وهذا مبدأ برهنت عليه التحليلات الترنسندنتالية بَرْهَنة لم يبقَ فيها مجال للشك. أما الثانية فهي فكرة ترنسندنتالية قابلة للتفكير (=ممكنة منطقياً)، وليست موضوعاً للمعرفة، إنها قانون لعالم آخر هو العالم المعقول، عالم الأشياء في ذاتها. لكن هل يعني هذا أنه ليس للحرية أي تأثير أو فعل في العالم المحسوس؟ ألا يمكن للحرية والآلية أن يلتقيا في الحدث نفسه وفي الآن نفسه؟
إن الحل النقدي للنقيضة الثالثة، والذي انتهى إلى إثبات الإمكان المنطقي للحرية الترنسندنتالية(46)، هام جداً بالنسبة للأخلاق. إذ لو كانت تلك مستحيلة لما كانت هناك حرية عملية(47)، ولما كانت مسؤولية الناس عن أفعالهم مفهومة ولا مقبولة. إن الإنسان ليس مجرّد حيوان، صحيح أن القدرة على الاختيار عنده حسّية (arbitrium sensitivum). لكن الحساسية لا تجعل فعله ضرورياً، فهو يتوفر على قدرة تمكّنه من أن يحدّد نفسه بنفسه باستقلال عن الإكراه الذي تمارسه عليه الميول الحسّية.
يسهل علينا تصوّر هذا الأمر إذا استحضرنا في أذهاننا أن الظواهر المحكومة بقوانين الطبيعة ليست أشياء في ذاتها، وأن أساسها الذي يحددها بوصفها مجرد تمثلات عبارة عن موضوع ترنسندنتالي، وبناء على ذلك «ليس هناك ما يمنع من أن ننسب إلى هذا الموضوع، بالإضافة إلى الخاصية التي بفضلها يظهر (se phénoménalise)، سببية ليست عبارة عن ظاهرة، وإن كان أثرها مع ذلك يوجد في الظاهرة»(48).
على هذا الأساس يمكن أن ننسب للإنسان بما هو ذات توجد في العالم المحسوس (sujet du monde sensible) سببيةً مزدوجة:
1ـ سببية محسوسة، بمقتضاها ستكون أفعاله، من حيث هي ظواهر، مترابطة مع ظواهر أخرى بحسب القوانين الطبيعية، بحيث يمكن استنباط أفعاله تلك من هذه الظواهر باعتبارها شروطاً لها، وفي ارتباطها بهذه الظواهر تشكل سلسلة وحيدة في نظام الطبيعة. يُسمّي كانط هذه السببية بالطابع الأمبريقي.
2ـ سببية معقولة، بموجبها يبدأ ـ من حيث هو عضو في عالم معقول ـ فعله من ذاته، فيكون بذلك هو المسبب لأفعاله باعتبارها ظواهر، ولكنه هو نفسه ليس خاضعاً لأي شرط حسّي. يُسمّي كانط هذه السببية بالطابع المعقول(49).
تضع نظرية الطابع المزدوج بين أيدينا أساسا به ننظر إلى الذات الفاعلة من وجهتي نظر مختلفتين للذات الفاعلة:
1ـ بحسب طابعها الأمبريقي ستكون الذات ـ بما هي ظاهرة ـ
خاضعة لجميع قوانين الاقتران السببي. إنها من وجهة النظر هذه جزء من العالم المحسوس الذي تخضع جميع الآثار والظواهر فيه للضرورة الطبيعية، وتبعاً لذلك ستمارس الظواهر الخارجية تأثيرها عليها؛ وطابعها الأمبريقي هذا يمكن أن يعرف بالتجربة، كما أن كافة أفعالها يمكن أن تُفسَّر بحسب قوانين الطبيعة(50).
2ـ بحسب طابعها المعقول يمكن أن يُقال عن هذه الذات أنها غير خاضعة لأي شرْط زمني، إذ الزمان شرْط للظواهر فقط، بينما هي شيء في ذاته، ولذلك لن يحدث فيها أو يفنى أي فعل أو أي تغير يقتضي تحديداً دينامياً زمنياً. ستكون الذات من هذه الزاوية مستقلّة في أفعالها ومتحرّرة من الضرورة الطبيعية، وسيصحّ أن يُقال عنها إنها تبدأ من تلقاء ذاتها آثاراً في العالم المحسوس من دون أن يبدأ الفعل فيها.(51)
وهكذا يمكن أن نخلص إلى أن «الحرية والطبيعة، كل منهما بدلالتها التامة، سيتواجدان في الآن نفسه، ومن دون تناقض، في الأفعال نفسها»(52). على أن هذه «الطريقة في القول»(53) لا تدل أبداً على أننا نعرف هذه السببية المعقولة أو أننا أثبتنا وجودها أو حتى إمكانها الفعلي. إن العقل يفكر فيها فقط، وهو يكون فكرة عنها لأنه بالضبط مَلَكَة تلقائية متميزة عن الملكات المشروطة أمبريقياً، فهو «لا يتبع نظام الأشياء كما تمثل في الظاهرة، بل يخلق بنفسه، وبتلقائية تامة، نظاماً خاصاً به، وفقاً لأفكار يعمل على كل الشروط الأمبريقية موافقة لها، وبناء على هذه الأفكار يذهب إلى حدّ اعتبار أفعال لم تحدث، وقد لا تحدث، أفعالاً ضروريةً»(54).
نخلص في ختام هذا الجزء الأول إلى أن ما يدفع العقل إلى تخطي حدود التجربة والظواهر، إنما هو اللامشروط، فهو نزّاعٌ بطبيعته إلى إيجاد موطئ قدم ثابت وراء حدود التجربة، ومسعاه هذا مسعى مشروع وليس معيباً في حد ذاته. إنه يتخطى التجربة لأنه مَلَكَة تلقائية لا صلة لها مباشرة بموضوعات التجربة، بل له صلة بمعارف مَلَكَة الفهم؛ وغَرَضُه من تتبع سلسلة الشروط صعوداً حتى اللامشروط هو تنظيم تلك المعارف في نسق. لكنه يضفي على قواعده الذاتية (maximes) صلاحية موضوعية، فيحوّل أفكاره إلى موضوعات وينسب لها وجوداً خارج إطار التجربة، أي يحولها من مبادئ منظِّمة (régulateurs) إلى مبادئ مكوِّنة (constitutifs). يبيّن النقد أن العقل ليس له قدرة على معرفة اللامشروط، ولكنه يقرّ بمشروعية التفكير فيه (أيّ تصوره دون سقوط في التناقض). إن مجازفة العقل التأملي بتخطي حدود التجربة لا تفضي إلى توسيع استعمال العقل، بل إلى تضييقه. إذ أن هذا التخطي يهدّد الاستعمال الخالص العملي للعقل ويعرّضه لخطر الإلغاء(55). بهذا يصدُّ النقدُ العقلَ التأملي عن معالجة مسائل تنتمي إلى مجال الحرية بآليات صلاحيتها مقصورة على مجال الطبيعة. وعلى هذا النحو يكون نقد الادّعاءات اللامشروعة للميتافيزيقا تمهيداً وتوطيداً للأرض المخصّصة لاستقبال بنيان الأخلاق الجليل(56).
II. الحرية أساساً عملياً
لم يُفْض الطريق التأملي الذي سلكه العقل إلى إثبات واقعية الحرية، بل هو لم يُفْض إلى إثبات إمكانها الواقعي حتى، فاكتفى بتقرير إمكانها المنطقي (أي عدم تناقضها). لذلك يجب البحث عن نقطة ارتكاز في مجال آخر، اعتماداً عليها يمكن نقل الحرية من نطاق الإمكان المنطقي إلى نطاق الواقع الموضوعي. فهل توجد نقطة الارتكاز هذه في المجال العملي؟ لا تقدم لنا نصوص كانط جواباً واحداً عن هذا السؤال، بل أربعة أجوبة نجد فيها تصورات مختلفة للحرية، ولكنها جميعاً تندرج تحت مُسمَّى الحرية العملية. سنحاول في هذا الفصل تبيان الفروق بين هذه التصورات متسائلين بذلك عن وحدة المفهوم.
أ. حرية الاختيار (Libre arbitre)
قدمت النقيضة الثالثة تصوراً عاماً للتمييز بين الحرية العملية والحرية الترنسندنتالية. في نصّ «”قانون” العقل الخالص» (Canon de la raison pure) نجد هذا التمييز مفصّلاً. إن العقل كما رأينا نزاع بطبيعته إلى تجاوز استعماله الأمبريقي، وهذا النزوع الجدلي الطبيعي هو ما يجرّه إلى السقوط في النقائض والأوهام. وراء هذا النزوع مصلحة عملية وليس مصلحة تأملية. فالهدف الأخير الذي يصل إليه تأمل العقل في استعماله الترنسندنتالي هو الموضوعات المتعالية التالية: حرية الإرادة وخلود النفس ووجود الله. تكاد المصلحة النظرية لهذه الموضوعات تكون منعدمة، إذ يستحيل أن نستعملها استعمالا يثبت فائدتها في دراسة الطبيعة(57).
للاستعمال التأملي للعقل قاعدة تلزمنا بأن «لا نهمل الأسباب الطبيعية، وألا نتخلّى عما يمكن أن تعلمنا إياه التجربة، لكي نشتق شيئاً نعرفه مما يتخطى تماماً معرفتنا بأكملها»(58)، وبناء على هذه القاعدة نحن ملزمون فيما يتعلق بالظواهر التي هي تعبيرات عن فعل الإرادة (vouloir)، بأن لا نفسرها تفسيراً يخالف تفسيرنا لظواهر الطبيعة الأخرى(59).
ليس للحرية الترنسندنتالية إذن أي استعمال محايث، أي ليس لها أي استعمال مفيد بالنسبة لموضوعات التجربة، إذ لا يمكن افتراضها أمبريقياً لتفسير الظواهر، فهي تقتضي «استقلال العقل نفسه (من حيث قدرته على أن يبدأ سببياً سلسلة من الظواهر) عن جميع الأسباب المحددة في العالم المحسوس، وهي من هذا الجانب تبدو مناقضة لقانون الطبيعة، وتبعاً لذلك لكل تجربة ممكنة، ولذلك فهي تظلّ مشكلة. لكن هذا المشكل لايعني العقل في استعماله العملي [...] إن السؤال المتعلّق بالحرية الترنسندنتالية لا يخصّ إلا المعرفة التأملية savoir spéculatif(*)، ويمكننا أن نتركه جانباً بوصفه عديم الأهمية عندما يتعلّق الأمر بالعمل»(60).
إن أهمية تلك الموضوعات الثلاث ـ ومنها الحرية ـ تهمُّ المجال العملي تخصيصاً. ففائدة الحرية إذن تتجلّى في العمل، إذ هي تصلح سنداً للحرية العملية. يعرّف كانط ما هو عملي (le pratique) بأنه «كل ما هو ممكن بواسطة الحرية»(61)، والحرية بالمعنى العملي هي «استقلال القدرة على الاختيار (l’arbitre) عن الإكراه الذي تمارسه ميول الحساسية»(62). للحرية والعملي هنا معنى واسع يشمل التجربة السيكولوجية لحرية الاختيار ويطال الأفعال البرغماتية والخلقية. يقول كانط: «إن كانت شروط ممارسة حرية اختيارنا (notre libre arbitre) أمبريقية، فإن العقل لا يمكن أن يستعملها إلا استعمالاً منظماً (usage régulateur)،  فلا يستخدمها إلا لتحقيق وحدة القوانين الأمبريقية، وهكذا مثلاً في مذهب الفطنة (la doctrine de la prudence) يتمثل عمل العقل بأكمله في توحيد جميع الغايات التي ترمي إليها ميولنا في غاية واحدة، وهي السعادة، وكذا تأليف الوسائل الكفيلة ببلوغها . لا يمكن للعقل أن يقدم بخصوص هذه الوجهة (destination) إلا قوانينَ برغماتية للسلوك الحر، بغرض الوصول إلى الغايات المطلوبة من قبل الحواس، وليس قوانين خالصة محددة قبليا بالكامل»(63).

……… التتمة في العدد

الظروف الموضوعية لظهور المواطنة في أوروپا
بلخضر مزوار 

كان انتصار التوجّه الليبرالي للمجتمع القائم على مبدأ تأكيد وجود الفرد، أي استقلاليته المشروعة تجاه المجموعة، بلا شك من بين أهم التحولات التي طبعت المجتمع الأوروبي منذ عصر النهضة. سنتتبَّع في هذا النص مسار فَرْدَنَة (individualisation) الإنسان الأوروبي كشرْط موضوعي لظهور فكرة المواطنة باعتبارها إعادة تعريف لعلاقة الفرد بالجماعة، وكذا علاقة المدني بالسياسي.
يعرض المجتمع الأوروبي القروسطي صورة غير تلك الصورة الحديثة التي نعرفها حالياً. فكما يكتب عالم القروسطيات: غوريفيتش (A. I. Gurvitch): «لم يكن ينظر الإنسان إلى نفسه كشخصية مستقلة، كان ينتمي إلى مجموعة عليه أن يؤدي فيها وظيفته. كانت الأدوار الاجتماعية في المجتمع الإقطاعي دقيقة وتستغرق الفرد كلية. كانت تُُعتبر قدرَه. إنها قوة عليا كانت تستدعي الإنسان للإستجابة لها وتحقيقه في كليته. كانت تعبّئ قدراته الذاتية لأفضل تحقيق ممكن لمصيره الاجتماعي»(1).
اتخذ تحديث الرابط الاجتماعي في أوروبا مساراً طويلاً بدأ مع النهضة وامتد لعدّة قرون. والنهضة نفسها امتدت فترة طويلة، بدأت من نهاية القرن الرابع عشر إلى غاية القرن السادس عشر تقريباً. غير أن المؤرخين يفضلون تحديدها في القرن السادس عشر. لماذا بالضبط هذا القرن؟
لأن هذا القرن شهد الإنتقال من أوروبا التقليدية إلى أوروبا الحديثة، أو من الإقطاعية إلى الرأسمالية كما يتفق عليه أغلب الدارسين. باختصار كان القرن السادس عشر قرنُ الإنتقال التدريجي من المجتمع التقليدي، من الجماعة (communauté)، نحو المجتمع الحديث من جهة، وانتقال الإنسان الأوروبي من الشخص المحدد مراتبياً إلى الفرد الحرّ، من جهة أخرى. كان هذا التحوّل متعدد الأبعاد، ولكن قبل عرض الأشكال التي اتخذتها عملية التحديث في أوروبا، يجب أولاً الحديث عن ماهية الحداثة.
تعبر الحداثةُ عن تصور جديد للعالم يفترض إعادة تعريف القيم التي اعتقدنا أنها راسخة ونهائية. وما دامت الحداثة مرتبطة تاريخياً بعصر الأنوار، يمكن التعرّف على طبيعتها بالرجوع إلى هذا المفهوم. يعرّف الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الأنوار (Aufklärung) كخروج للإنسان من قصوره أو عجزه حيث يقول: «ما هي الأنوار؟ هي خروج الإنسان من قصوره، الذي يعتبر مسئولا عنه. القصور، أي عدم قدرته على استعمال ذهنه دون توجيه من الغير [...] بما أن سبب ذلك ليس عيبا في الذهن، بل في افتقاد القرار والشجاعة لاستعماله دون توجيه من الغير. فلتكن لك الشجاعة لاستعمال ذهنك! هذا هو شعار الأنوار»(2). (Sapere aude!).
بهذا القول أدان الفيلسوف عدم قدرة الإنسان على استغلال إمكاناته الخاصة، ولم يقبل كانط رؤية الإنسان باعتباره مسيّراً، ومضطراً، فهو يدعوه للعمل على تحرير مصيره الشخصي والسيطرة عليه.
أما ماكس ڤيبر، فقد استعاد ورسّخ تعبير ماكس شيللر عندما كتب أن الحداثة تتمثّل في نزع القداسة عن العالم (désenchantement du monde)، أي تجريده من غموضه وسحره بواسطة العقلنة المتزايدة للحياة الاجتماعية وإضفاء الطابع البيروقراطي عليها. إذ بدأت المجتمعات، تحت تأثير العلوم،  تفقد معنى السرّ الغيبي والقناعات الأخلاقية التقليدية. لا يقوم هذا التوصيف الڤيبري سوى باستعادة مبدأ ديكارت الذي يعتبر أن مشروع الحداثة يتمثل في «سيطرة الإنسان على الطبيعة»، باعتبار أن الله بالنسبة له قد خَلَقَ العالم فعلاً ولكن ترك للإنسان إستقلاليته. إنها الفكرة الديكارتية الشهيرة عن حركة اليد(3) (pichenette) المنتقدة بشدة، كما نعلم، من طرف باسكال الجنسيني(4) (janséniste).
نعتقد أن نظرة بانورامية سريعة حول تاريخ أوروبا تسمح لنا بالإحاطة بظاهرة الحداثة، وتحديد مداها، يعني محاولة تقديم ما يسميه الفلاسفة تعريفاً بالامتداد.
لقد تمَّ انتقال أوروبا إلى الحداثة على مدى فترة زمنية طويلة وعلى عدة مستويات. تحقيباً، حدث هذا التحوّل على المستوى الديني أولاً، بداية من القرن السادس عشر. ثم عرفت أوروبا ثورة على المستوى الفكري بعد ذلك. بينما عرف المستوى السياسي تحولاً راديكاليا في القرن الثامن عشر، تزامناً مع الثورة الفرنسية، وتبعتها التحولات القانونية نتيجة لذلك. في الأخير، يختم المستوى الاقتصادي في القرن التاسع عشر انتقالَ أوروبا إلى الحداثة. تُوِّجت كلُّ هذه التحولات بظهور المجتمع الجديد القائم على المواطنة في القرن العشرين.
من أجل رؤية كل هذا عن قرب، سنحاول تحقيب التحولات التي عرفتها أوروبا، وكذلك مفهمةَ تجليات الرابط الاجتماعي. نقوم بالتمييز بين الفترات والمستويات بصفة واضحة لغرض تعليمي وتحليلي، وليس أبداً لتجسيد سيرورتها التاريخية الملموسة. على العكس، في الواقع تتقاطع هذه التحولات ولا تتمايز مادامت الواحدة متداخلة مع الأخرى وتشكل سبباً أو نتيجة لها.
المستوى الديني
كان القرن السادس عشر العصرَ الوسيط الأدنى، وعُرف بعصر النهضة. أما النقلة الأكثر أهمية التي ستعرفها أوروبا خلال هذه الفترة فهي بلا شك تلك المتعلقة بالمجال الديني. في الواقع، ستعرف أوروبا أول انقسام للديانة المسيحية. إذا استثنينا الانقسام الأقدم (1054) بين مسيحيي الشرق و مسيحيي الغرب، الذي جعل من الأوائل أورثوذكسا ومن الأخيرين كاثوليكاً، إنه أول انقسام جدي في المسيحية بما أنه سيفجر احتكار تسيير الخلاص الذي كان بيد الكنيسة الرومانية. كانت الكنيسة ـ الموجودة في كل مكان طيلة العصر الوسيط ـ تُسيّر بشكل شبه عسكري الناسَ، الضمائرَ والأرواح. هكذا، و بإكراه، لم يكن للإنسان الأوروبي من خيار سوى إتباع الدين كما تحدده الكنيسة.
انطلاقاً من فلسفة الكمون (Immanence)، تعتبر الكنيسة أن الله والناس من طبيعة واحدة، وأنهما متشابهان في كل الأحوال، فكل مخلوق يساهم في الكائن الأعلى أي الخالق، مع فارق وحيد هو أن هذا الأخير يقع في أعلى السلم. ينتج عن ذلك أن المسيحي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالله، مشيمياً (توضيح هذا المصطلح في الهامش) إذا جاز التعبير. بعبارة أخرى، هناك بين الله و الناس استمرارية، مماثلة، أفضل من ذلك هناك نسب أبوي؛ وهو أمر طبيعي بما أن الله هو الأب. ضمن هذا المنظور، أعطت الكنيسة لنفسها مهمة السهر على تثبيت هذا النسب، بواسطة التسجيل الإجباري للإنسان المسيحي وبخاصة المزارع، في كنيسة الخورنية (paroisse) منذ ميلاده إلى غاية وفاته. أكثر من ذلك، اجتهدت الكنيسة في ضمان تدعيم هذا النسب بالإكراه والقمع إذا اقتضى الأمر. وقد استعملت بالفعل القمع بشكل واسع ضد الهراطقة، والمنحرفين وغيرهم. نتذكر هنا محاكم التفتيش ومحاكمات العصر الوسيط، في منطقة اللورين الفرنسية وحدها، أرسلت الكنيسة في الفترة من 1576 إلى 1612، ثلاثة آلاف ضحية إلى المحرقة، أي بمعدل 100 ضحية في السنة. وكاد العالم غاليلي نفسه أن يعرف نفس المصير بعد جيوردانو.
باختصار، عرفت الكنيسة على طريقتها الصراط المستقيم وأعلنت نفسها حارسة له، وبذلك تأسست كأداة ضرورية وحصرية للخلاص الأبدي. إنها لم تتورع خلال مَجْمَع لاتران (Concile de Latran) سنة 1215 عن تأكيد مبدأ «لا خلاص خارج الكنيسة» (Extra ecclesian nulla salus). لقد كانت وصاية الكنيسة على المجتمع الأوروبي كلية وشاملة.
لكن رغم ذلك قوبلت هذه الوضعية في القرن السادس عشر بالاستنكار والرفض، إذ برز راهب ألماني ثائر، هو المصلح مارتن لوثر متأثراً بأفكار الفيلسوف أفلاطون، منادياً بفكرة الكمون وتبنَّى فلسفة التعالي (Transcendance) بدءاً بتعالي الله. كانت نظرة من أكثر النظرات ثورية لأنها تناقض بقوة الدعاوى الكهنوتية في مجال اللاهوت.
في الحقيقة، تعني فكرة التعالي أن الله والناس ليسا من نفس الطبيعة وغير متشابهين على الإطلاق. بعبارة أخرى، لا يوجد بين الله والناس استمرارية، تماثل وأكثر من ذلك نسب. على العكس من ذلك هناك اختلاف، مسافة وغيرية. الله موجود في السماوات والناس موجودون على الأرض، هناك مدينة سماوية ومدينة أرضية. هكذا أُعيد إلى الله قدسيته وتعاليه بينما أرجع الإنسان إلى دنيويته وإنسانيته؛ كما اعتبرت هذه الفترة قرْنَ النزعة الإنسانية (Humanisme) حيث أصبح الإنسان أخيراً موضع اعتبار، وأُعطيت له قيمة.
في الواقع، حقق هذا الموقف نتيجة على غاية الأهمية، فإذا انعدم النسب بين الله والناس فلا داعي لوجود من يضمنها. أصبح حارس المعبد غير ضروري، كما أضحت وظيفته زائدة، وبالتالي فالكنيسة غير لازمة من أجل الخلاص في الآخرة. يتبع ذلك أيضاً أن المسيحيين مستقلون، ويدخلون في علاقة مع الله بصفتهم شركاء أحراراً ومسئولين. إنه تأكيد على الاختيار الحر لكل فرد في قراءته وفهمه الخاص للإنجيل: إنه الإصلاح، إنها البروتستانتية. منذ ذلك التاريخ أصبح للمسيحي حرية وإمكانية أن يكون كاثوليكياً أو بروتستانتياً. في هذا السياق، اعترف البروتستانت بالسلطة المدنية بديلاً عن سلطة الكنيسة، كما تبنّوا زواج رجال الدين الذين أصبحوا قساوسة.
ارتبط مَجْمَع الثلاثين (Concile de Trente) بالإصلاح المضاد وفيما بعد بمحاكم التفتيش واضطهاد البروتستانت، لكن كل ذلك لم يغير في الأمر شيئاً. كانت حرية التمحيص (في الإنجيل واللاهوت) سابقةً معلِنةً لحرية الوعي التي ترسّخت من طرف الثورة الفرنسية في 1789. كان ڤولتير، وجان جاك روسو والفلاسفة الموسوعيون ينتقدون الدين. في الحقيقة، كانوا ينتقدون الكنيسة إذ يرونها خاضعة للتراث الأعمى وليس للعقل المستنير. أثَّر هذا الموقف في الثوار الذين ضمَّنوا «إعلان حقوق الإنسان والمواطن»، في مادته العاشرة فكرةً مهمة جداً هي: «لا يجب أن يُتابع أحدٌ بسبب آرائه، حتى الدينية منها، ما لم يكن تجلّيها يخلّ بالنظام العام القائم على القانون». منذ ذلك التاريخ صار التوجّه الديني الشخصي محترماً بصرامة، والحريةُ الدينية راسخةً. هذا ما دفع مارسيل غوشيه إلى الكتابة في مؤلفه (ثورة حقوق الإنسان) (1992): «لم تعد العلاقة مع إله من طبيعة أخرى تتطلب المرور على وسيط؛ إنها على العكس إيماناً ووعياً مستقلين. لقد انتقلت الشرعية الدينية ناحية المؤمن الفردي محرّرة بذلك إمكانية انقلاب هائلة امتدت آثارها أبعد كثيراً من الإصلاح ذاته، بل وأبعد من ارتداداته السياسية أيضاً»(5).
هكذا أتيح للإنسان الأوروبي طَيْفٌ من الاتجاهات الدينية: لقد أصبح له مذ ذاك الاختيارُ بين أن يكون مؤمناً أو غير مؤمن، مرورا بأشكال وسيطة للإيمان بالله، بالألوهة المنتشرة، اللاأدرية، الإلحاد، العلمانية… إلخ.
توصّلت أوروبا إذن إلى شخصنة الإيمان. لقد انتهت العلمانية الزاحفة إلى حشر الديني في المجال الخاص، ولم يعد الرابط الاجتماعي قائماً على العلاقات الدينية. لقد طُرِدَ الدينُ خارجَ الفضاء العمومي وهذا هو التحديث على المستوى الديني. مع التأسيس التدريجي والنهائي للعلمانية كمصدر منافس للسلطة والمشروعية، اضطر الدين للانسحاب. لم يعد الانتماء الديني أمراً اجتماعياً ملزماً، بل صار اختياراً فردياً إرادياً. كما انخفض أكثر فأكثر عدد قطاعات الحياة التي كانت تحت سلطة الدين؛ لقد نحا الدين منحى «الخوصصة».
المستوى الفكري
قرناً بعد ذلك، أي في القرن السابع عشر، ستمسّ الحداثة مجالي الفكر والعقل. لقد كان الفكر في العصر الوسيط قائماً على التراث، والكتابات المقدسة للديانة المسيحية ؛ وهو بهذا المعنى كان غيرَ عقلاني وسكولاستيكي (يحاول التوفيق بين الدين والفلسفة). ويرجع الفضل إلى علماء القرن السابع عشر في فك الحصار عن العقل وتحريره.
لقد ثابر كل من جيوردانو، غاليلي، ديكارت وآخرون بأعمالهم من أجل إقامة الفكر العلمي والعقلاني ضد التراث القروسطي. غير أن ديكارت يستحق مكانة مميزة لسببين: أولاً، لفكرته القائلة بالتخلي العقلاني عن الله ـ حسب فكرته الشهيرة عن حركة اليد الإلٓهية ـ يعتقد ديكارت بأن الله قد خلق العالم، (صنعه)، لكن لم يضع له غاية محددة ومعينة مسبقا، فالعالم إذن يستقيم بموارده  وقوانينه الخاصة، وهي القوانين التي على الإنسان اكتشافها. ثانياً، إنه يعارض الفكر الجمعي القروسطي بتأسيس استقلالية الفاعل المعرفي. في الواقع، بوضعه عبارته الشهيرة: «أنا أفكر إذن أنا موجود في قلعة روحي» cogito egro sum in arcem meum. يبيّن بأن لا فكرَ إلا ما كان فردياً، مشيراً بوضوح وللمرة الأولى إلى تكوين الفرد في بداية الحداثة(6). هذا التقديم لاستقلالية الأنا يرفع الشخص إلى فرد، إلى فاعل معرفي له مهمةُ إخضاع الطبيعة وخاصة استغلالِـها.
تميز فرانسيس باكون (F. Bacon) هو الآخر عن الفكر السكولاستيكي في قانونه العلمي الجديد (scientiarum Novum organum) (1620)، حيث لم يتردّد في التصريح بأنه يجب انتزاع الحقيقة من التشكيلات الإيديولوجية السابقة عن العلمية. هذه الثورة الفكرية استبقت أو حضرت، على مستوى التفكير السياسي، بالأفكار الأصيلة لكل من مكياڤيلي وبارتلومي دي لاس كازاس (Bartholomé de Las Casas) متبوعة بأفكار لا تقل جدة عنها قدمها هوبز وآخرون.
منذ ذلك الحين والعقل في مكانة رفيعة بما أنه يعترض على طموح الدين للتحكم في مشاريع المعرفة. لقد شجع التطور التدريجي للمسافة النقدية اتجاه المرجعيات القائمة ذات الاستلهام الديني و/أو السياسي، وفتح الطريق، وإلى غير رجعة، لروح عقلانية وعلمية. إنه استيقاظ الروح الحرة.
بدوره، لاحظ أوغست كونت، بعد سان سيمون، في نظريته حول الحالات الثلاث أن الإنسانية قد انتقلت من الحالة الحربية التي يوافقها «الفكر اللاهوتي» إلى المرحلة المدنية التي يميزها «الفكر الوضعي»، أي العلمي الذي دشن القرن التاسع عشر الأوروبي، بعد الانتقال عبر هذا النمط من «الأعراف» الممثلة في الحالة القانونية التي يوافقها «الفكر الميتافيزيقي». لقد وصل كونت في نهاية المطاف إلى تصور رابط اجتماعي وأخلاقي، بل أكثر من ذلك إلى ديانة مستخلصة من علم الوقائع الاجتماعية. لقد طبع كل من الفرد والمجتمع بتصور فتوحاتي وبروميثي للتاريخ والعالم(7). طبعا كان انتزاع استقلالية العلم طويلاً وعسيراً؛ وكانت محاكمة غاليلي ذات دلالة في هذا المجال. يمكن أن نذكر أيضاً إصدار الكنيسة فهرس الكتب المحرمة (Index) (1559)، وللائحة الأباطيل التي تعاكس تطور المجتمع(8) (Syllabus).
باختصار، إنها الحداثة الفكرية، أو الانتقال من فكر ذي مركزية إلٓهية، يتمحور حول الله وصفاته، إلى فكر ذي مركزية إنسانية، يتمحور بالأحرى حول الإنسان ككائن تاريخي واجتماعي. أضف إلى ذلك أنه تبعاً لانتشار هذا الاهتمام وجدت العلومُ الإنسانية مكانها في المعرفة. ما جعل بعضهم يعتقد أن لفظة أنثروبولوجيا (علم الإنسان) ظهرت سنوات 1800، «فالأنثروبولوجيا التي ظهرت في بداياتها كنظرة جديدة للعالم، تقترح وصف وتنظير تطور الإنسان، شكّلت مقاربة مختلفة عن اللاهوت وعلم الكونيات»(9). أما بالنسبة لكلمة إثنولوجيا (علم الأقوام)، فيبدو أنها كانت أسبق قليلاً حيث نُحِتَتْ سنةَ 1787، في مقال منشور للسويسري سيزار دي شافان(10) (A. César de Chavannes).
تاريخيا، أخذت العلوم الإنسانية مكان الأخلاق والديانات القديمة، وقد سمحت تحديداً بإزالة الشرعية عن تلك المجتمعات التراتبية، أو المجتمعات التمييزية للنظام القديم بنقدها. لقد تطورت العلوم الإنسانية باتجاه عَلْمنة المعرفة المنتجة حول المجتمع والتكوين التدريجي لفضاءات معرفية مستقلة عن المجال الديني.
باختصار، يتمّ التوجّه نحو معرفة تتجاوب مع نموذج الموضوعانية (objectivation)، مستبدلة عالماً مليئاً بالأرواح وقوى فوق طبيعية خفية ومعتقدات دينية بل وهرطقية، بكون تسيره قوانين مستقرّة، أو على الأقل بانتظامات قابلة للقراءة من طرف كل فكر عقلاني وعلمي سواء بالملاحظة أو بالتجربة، هكذا ظهر الفرد المفكّر.
المستوى السياسي
بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية، عرفت أوروبا خلال تاريخها عدة أشكال من السلطة أرجعها مؤرخو المؤسسات الأوروبية(11) إلى ثلاث: سلطة الكنيسة، سلطة الملك والسلطة المختلطة.
ـ السلطة الكنسية:
في الواقع هي سلطة الحبر الأعظم، أي سلطة البابا. إذ رغم أنه يطمح للحكم باسم الله وفي سبيل الله، إلا أنه يحيط نفسه بطائفة دينية. وأساس هذه السلطة الوحي، إنها إذن سلطة روحية.
ـ السلطة الملكية:
هي سلطة الملك الذي يحكم ولكن بعد المباركة البابوية، مادام البابا لا يتنازل عن صلاحياته، بل يفوِّضها فقط. في الواقع، وحسب نظرية السيفين الشهيرة، فإن السلطتين (السلطة الروحية والسلطة الزمنية) ملك للبابا وحده الذي يفوض السلطة الزمنية فقط للملك.
ـ السلطة المختلطة:
هي تركيب للسلطة الروحية والسلطة الزمنية، إنها الوحدة بين الكنيسة والدولة، التي تعطي ما يسمَّى بالقيصر ـ بابوية، كحالة السلطة الممارسة من طرف شارلمان في القرن التاسع الذي أصبح إمبراطور الغرب.
القاسم المشترك بين هذه الأشكال الثلاثة للسلطة هو الحكم المطلق، هو احتكار السلطة من طرف الأقلّية (سواء كانت كنسية أو ملكية) وإقصاء الأغلبية. يرجع الناس المكونون لهذه الأغلبية إلى عدة انتماءات وولاءات تراتبية انطلاقاً من السلطات المحلية القروية، من سلطة النبلاء مروراً بالسلطة الملكية وانتهاءً بالسلطة البابوية.
كما هو واضح، هناك في تلك الفترة كثير من القيود في عنق الإنسان الأوروبي وكثير من السلطات التي يخضع لها. أي أنه ليس ملك نفسه، بل مكبّل، ولا يتحكّم في مصيره. تقع عليه واجبات عديدة دون أن تكون له حقوق، وأكثر من ذلك لا سلطة له على نفسه ومصيره. باختصار، لم يكن الإنسان الأوروبي مواطناً، بل رعيَّة خاضعة، أو مستعبدة. ألا يُقال عنه رعيَّة جلالته؟
سيتعرّض هذا التنظيم السياسي القمعي للعصر الوسيط الذي يتلخص مبدؤه في عبارة القديس بولس: «لا سلطة إلا لله» Nulla potestas nisi a Deo، المرددة من طرف المفكرين القروسطيين، إلى انتقاد شديد.
سيتم انتقاده من طرف العديد من مفكري نهاية عصر النهضة، خاصة ميكياڤيلي. وسيكون مصير تلك العبارة أن تتمزق أشلاء متطايرة مع أواخر القرن الثامن عشر.
في الواقع ، أطلقت الثورة الفرنسية نداء الحرية، ولم تعد السلطة السياسية تعتبر سلطة فوق طبيعية مصدرها الحق الإلٓهي، بل تجد شرعيتها في النظام الإنساني. أفضل من ذلك، صارت السلطة تعبيراً عن الإرادة الجمعية، كما يقول روسو، متبوعاً في ذلك من طرف الثوار.
ضمن هذا السياق كتب توكڤيل في مؤلفه (النظام القديم والثورة)، بأن الدولة: «سلطة مركزية هائلة جذبت وابتلعت في وحدتها كل أجزاء السلطة والتأثيرات التي كانت موزعة سابقا في عدد من السلطات الثانوية للتنظيمات، والطبقات، والمهن، والعائلات…»(12).
مع مؤسسة الدولة ومركزية السلطة، تم بالتدريج إقامة نظام الانتخاب الخاص بدافعي الضرائب، ثم الانتخاب العام بعد ذلك وصولاً إلى مشاركة المحكومين في المؤسسات، في صياغة القوانين وفي اتخاذ القرارات. هكذا ترسخت الدولة كتنظيم إنساني ذي مؤسسات غير شخصية مضبوطة بعلاقات المواطنية. وتعرّف هذه الأخيرة بالاستناد إلى دولة سياسية خاصيتها الرئيسية مشاركة المواطنين في ممارسة السلطة السياسية. منذ ذلك التاريخ أصبح الإنسان الأوروبي ناخباً ومنتخباً، حاكماً ومحكوماً، متمتعاً بالحريات الفردية وفيما بعد بالديمقراطية. أشار إلى ذلك دوركايم في نص يرجع لسنة 1899 حيث يقول:«الحقيقة هي أن الدولة كانت محررة للفرد. إن الدولة، بقدر ما اكتسبت من قوة، هي من حرر الفرد من الجماعات الخاصة والمحلية كالعائلة والمدينة والجماعة المهنية التي تنحو لابتلاعه.. إلخ. لقد تطورت النزعة الفردية خطوة بخطوة مع النزعة الدولتية»(13).
في المحصلة، ولد الفرد السياسي؛ إنه المواطن، مواطن الجمهورية؛ وتلك هي الفردانية السياسية.

…………. التتمة في العدد


في الاقتدار(1)، في القيمة، في الكرامة، 
في الشرف، في الجدارة.*
توماس هوبز /ترجمة وتعليق محمد كراي العويشاوي

نعني باقتدار شخص ما (إذا اعتبرنا اللفظ في معناه الكوني) وساءله الراهنة للحصول على خير ما ظاهر في المستقبل. وهو إمّا أصلي(2) أو وسائلي(3).
يتمثل الاقتدار الطبيعي في تفوق(4) استثنائي لمَلَكَات الجسم أو الفكر، كالقوة، الجمال، الحكمة، الفنون، الخطابة، التحرّر، النُبْل… أما الاقتدارات الوسائلية ـ وهي التي حصلت بفضل الاقتدارات الطبيعية، أو عن طريق الصدفة ـ فهي جملة الوسائل والأدوات التي بها يمكن أن نكتسب منها أكثر مما هو حاصل لدينا، كالثروات، السمعة، الأصدقاء، وهذا السر الإلٓهي الذي يسميّه البشر الحظ السعيد. والسبب في ذلك أن الاقتدار، مثله في هذا المجال مثل السمعة، من طبيعته أن يشتدّ كلما تقدم، أو هو مثل حركة الأجسام الثقيلة التي تزداد حدّةُ سرعتها كلما تقدمت أكثر.
إن أعظم الاقتدارات الإنسانية هي التي تتكوّن من اقتدارات أكبر عدد ممكن من البشر اتحدوا عبْر الاتفاق في شخصية واحدة طبيعية أو مدنية، تملك استعمال كل اقتداراتهم وفق إرادتها مثلما هو الأمر في الجمهورية(5)، أو ما يتوقف على إرادة فرد بعينه مثلما هو الأمر عندما يتعلّق بعُصْبة، أو مختلف عُصبات متحالفة. بناء عليه، أن يكون لك خدم فذلك يعد اقتداراً، أن يكون لك أصدقاء فذلك بدوره اقتدار لأنها قوى متحدة. وبدورها فإن الثروة إذا اقترنت بالسخاء هي اقتدار باعتبارها تجلب لصاحبها الأصدقاء والخدم، وبدون سخاء لا يكون الأمر كذلك اذ في هذه الحالة عوض أن يحميه يجعله[السخاء] عرضة للطمع مثل الفريسة.
ـ سمعة الاقتدار(6) هي اقتدار لأنها تجلب لصاحبها تبعية كل من هم في حاجة للحماية(7).
ـ بدورها فإن سمعة حب الوطن (وهو ما يعرف بامتلاك شعبية)(8)، هي اقتدار وذلك للسبب آنف الذكر. وكذا نفس الأمر بالنسبة لمن يمتلك خاصية تجعله محبوباً بين الناس، أو مرهوباً منهم، أو مشهور بأنه يمتلك هذه الخاصيات، فإن ذلك بدوره يُعَد اقتداراً لأنه سبيل لتلقّي المساعدة من الآخرين وخدماتهم.
ـ النجاح الجيد اقتدار، لأنه يهب صاحبه سمعة الحكمة أو كذلك الحظ الوافر وهو ما يحمل البشر على خشيته أو التعويل عليه.
ـ حُسْنُ المعاشرة لدى شخص مقتدر يعزز بدوره اقتداره لأن ذلك يجلب له المحبة أكثر.
ـ سمعةُ حُسْن التدبير أثناء التصرف في شؤون الحرب والسلم هو اقتدار لأننا نميل إلى تسليم شؤون حكمنا إرادياً إلى الأكثر حكمة من الآخرين.
ـ النُبْل اقتدار لكن ليس في كل الأمكنة وإنما فقط في الجمهوريات التي يكون فيها للنبل امتيازات، ففي هذه الامتيازات يكمن اقتدار [النبل].
ـ الخطابة اقتدار لأنها توهم بامتلاك الحكمة.
ـ الجمال اقتدار لأنه إذ يَعِدُ بخيْر ما فإنه ما به يُحظى البشرُ بالقبول لدى النساء والغرباء.
ـ العلوم هي اقتدار ضعيف(9) ذلك أنها غير موجودة بدرجة بارزة لدى كل الناس وبالتالي فهي لا تحظى باعترافهم بل إنها ليست موجودة البتة إلا عند قًلة لاتحكم بدورها إلا بعض المواضيع منها. فالعلم من طبيعة خاصة بحيث لا يتفطن لوجوده إلا من تملّك ناصيته بالقدر الكافي.
ـ الصنائع(10) ذات الاستعمالات العامة مثل التحصين وصنع الآلات ومختلف وسائل الحرب هي اقتدار لأنها تساهم في الدفاع (عن النفس) والانتصار (في المعركة). ورغم أن العلم هو الأب الحقيقي لهذه الصنائع لاسيما الرياضيات ومع ذلك ولأنها لا ترى النور إلا على يدي المهندس(11) يذهب في الظن انه مبتكرها مثلما تعتقد العامة أن القابلة هي الأم الحقيقية (للمولود).
مثله مثل الأشياء الأخرى فإن قيمة أو جدارة شخص ما(12)، هو ثمنه أي بعبارة أخرى ما ندفعه من ثمن من أجل الفوز بالخدمات التي يوفرها اقتداره. إلا أن ثمنه غير مطلق وإنما يتوقف على حاجة وحكم الآخر. فالقائد العسكري الفذ ذو قيمة عظيمة زمن الحرب إن كانت معلنة أو هي على الأبواب، إلا أن الأمر ليس كذلك زمن السِلْم. كما قد يكون قاض نزيه ومتعلم ذو منفعة عظيمة زمن السِلْم، إلا أن الأمر ليس كذلك زمن الحرب. وككل الأشياء الأخرى، عندما يتعلّق الأمر (بقيمة) الإنسان فان المشتري هو الذي يحدّد الثمن وليس البائع. يمكن لأي إنسان (مثلما يفعل كل البشر) أن يرفع من قيمته كما يشاء إلا أن قيمته الحقيقية لا يمكنها أن تتجاوز ما يقدّره الآخرون.
إظهار القيمة التي نضفيها على بعضنا البعض هو ما يسمَّى عامة التشريف(13) أو التحقير. أن نضفي على شخص ما ثمناً رفيعاً، يعني أننا شرّفناه. أما إذا أضفينا عليه ثمناً أدنى، فذلك يعني أننا حقّرناه. إلا أنه في هذه الحالة لا بُدَّ أن يُفهم الأرفع والأدنى عبر مقارنة الثمن الذي يضفيه كل شخص على ذاته.
الجدارة العمومية لشخص ما، وهي التي تسندها له الجمهورية، هي التي يسميها البشر عامة الكرامة. وهذه القيمة التي تضفيها عليه الجمهورية تدرك من خلال وظائف القيادة والقضاء والوظائف العامة أو كذلك تكون ظاهرة عبر أوسمة وألقاب تمَّ اعتمادها للتمييز بين مختلف هذه القيم.
ـ أن نلتمس من الآخر عوناً ما مهما كان، يعني إن نشرّفه، لأن ذلك هو علامة على أن لنا اعتقاد في امتلاكه القدرة على مساعدتنا. وبقدر ما يكون العون مضنياً يِعْظِمُ الشرف.
ـ أن تطيع يعني أن تشرّف، لأن البشر لا يطيعون من يعتقدون أن لا اقتدار لهم يخوّلهم مساعدتهم أو الإضرار بهم. وبالتالي فألا تطيع يعني أن تحقّر. أن تقدم لشخص ما هدايا قيّمة يعني أن تشرّفه لأن ذلك شراء(14) لحمايته واعتراف باقتداره. أن تقدم له هدايا وضيعة هو أن تحقّره لأنها ليست سوى صَدَقَات تفيد بأننا نتوجه لشخص ما من أجل معونات تافهة.
ـ أن نكون حريصين على تفضيل الخير للآخر أو نعمل على إطراءه، يعني أن نشرّفه، إذ أن ذلك هو علامة على أننا في حاجة إلى حمايته وعونه. أن نهمل (كل هذه الأفعال إزاء الآخر) يعني أننا نحقّره.
ـ أن تفسح المجال للآخر لما يتعلّق الأمر بمصلحة ما أو أن تترك له مكانك فإنك تشرّفه لأن ذلك هو اعتراف بتفوق اقتداره. أن نكون متغطرسين (إزاء نفس المصلحة) يعني أن نحقّره.
ـ أن نُبدي للآخر أية علامة حب أو خِشْية هو أن نشرّفه لأننا ـ سواء أحببناه أو خشيناه ـ فإننا (نقرّ) بقيمته. أن نزدريه أو أن نحبه أو نخشاه بدرجة أقل مما يأمله هو أن نحقّره لأن ذلك حط من قيمته.
ـ أن نمدح شخصاً ما أو أن نجله نعظمه أو أن نصرّح بغبطته هو أن نشرّفه لأن لاشيء يجل كالطيبة والاقتدار والغبطة. أن نلعنه أو أن نسخر منه أو ان نشفق عليه هو أن نحقّره.
ـ أن نُحَدِّث الآخر باهتمام، أن نبدو أمامه بمظهر متحفظ ومتواضع هو أن نشرّفه لأنها علامات على خشيتنا أن نجرحه. أن نحدثه دون اعتبار، أن نأتي أمامه أفعالا فظة باستخفاف ووقاحة يعني أننا نحقره.
ـ أن نعتقد في شخص ما ونثق فيه ونعتمد عليه يعني أننا نشرّفه لأنه دليل على اعتقادنا في فضيلته واقتداره. أن لا نثق فيه ولا نصدّقه يعني أن نحقرّه.
ـ أن نستمع إلى نصائح شخص ما أو كل ما يقوله مهما كان جنسه يعني أن نشرّفه لأن ذلك علامة على اعتقادنا في حكمته وبلاغته ورقيّه الروحي.
ـ أن يأخذنا النعاس أو أن نتركه لشأنه أو أن نقاطعه بينما هو يتكلّم يعني أن نحقّره.
ـ أن يقوم شخص ما للآخر بكل الأفعال التي يحملها (محمل) علامات الشرف أو التي جعلها القانون أو العُرْف كذلك، يعني أن يشرّفه لأنه عندما يُسَلِّم بالشّرف الذي أقرّه له الآخرون فانه يعترف بالاقتدار الذي اعترف به له الآخرون. أن يرفض القيام بها يعني أن يحقّره.
ـ أن نوافق شخصاً ما رأيه يعني أن نشرّفه بما أنها علامة إقرار بـ (وجاهة) حكمه وحكمته. أن نعترض على رأيه يعني تحقّيره وتقّريعه عن أخطائه كما عن حماقاته (إذا مسَّ الاعتراض كل المواضيع دون استثناء).
ـ أن نحتذي بشخص ما (في أفعاله) يعني أن نشرّفه لأننا نوافقه بحماس. أن نحتذي بعدوّه يعني أن نحقر به.
ـ أن نشرّف كل الذين يشرّفهم شخص ما يعني أن نشرّفه لأن ذلك علامة على موافقتنا لحكمه. أن نشرّف أعداءه يعني أن نحقره.
ـ أن نعتمد فرداً ما في النصيحة أو في المهمات الصعبة يعني أن نشرّفه لأنها علامة على اعتقادنا في حكمته أو (امتلاكه) اقتدارات أخرى. أن نرفض في الحالات المماثلة اعتماد كل من يطلب منا اعتماد (خدماته) هو تحقير له.
كل هذه السبل في التشريف هي طبيعية سواء داخل الجمهوريات أو خارجها. بَيْد أنه في الجمهوريات يمكن لكل من يملك السلطة العليا، سواء كان فرداً أو مجموعةً، أن يضع وفقاً لمشيئته علامات الشرف كما توجد (أشكالاً أخرى) من الشرف.(15)
لصاحب السيادة أن يشرّف أي فرد من الرّعية عبر مختلف الأوسمة أو الوظائف أو خطة أو أي فعل يقدّر أنه يُحمل على أنه علامة على إرادته في تشريفه.
لقد شرّف ملك فارس مرد شاي(16) عندما أَمَرَ (أعوانه) بأن يقودوه بين أزقة المدينة وهو مرتد الثياب الملكية ممتطياً صهوة أحد الجياد الملكية، حاملاً على رأسه التاج. وفي الأثناء يعلن أحد الأمراء الذي يقوده: هذا ما يتحقق لكل من يشرّفه الملك. وفي المقابل فإن ملك آخر لفارس أو نفس الملك في مناسبة أخرى قد استجاب لطلب أحدهم بأن يرتدي البعض من ملابسه الملكية مقابل خدمة عظيمة أدَّاها لفائدته، إلا أنه اشترط أن يرتديها بوصفه مهرّج الملك، ما يدل على أنه حقّره. بناء عليه يكمن مصدر الشرف المدني في شخصية الجمهورية ويتوقف على إرادة صاحب السيادة ولذلك فإنه وقتي، ويُسمَّى الشرف المدني، من ذلك مثلاً القضاء والوظائف والألقاب.. وفي بعض المناطق لباس الحرب والدروع المزركشة.. ويُشرّف بهذا كل من حظي بمنن من هذا القبيل وهي علامات التبجيل في الجمهورية، اذ أن هذه المنن دالة على الاقتدار. التّشريف سواء كان ملكية أو فعل أو خاصية إنما هو دليل أو علامة على الاقتدار.
بناء على ما سبق، فأن تكون مشرّفاً أو محبوباً أو مُهاباً من البعض فتلك دلائل على الاقتدار، أما إذا كنت مشرّفا من قبل فئة قليلة أو لم تكن مشرفاً من أحد فذلك يعني تحقيراً.
ـ السيطرة والانتصار مشرّفان، لأنهما يُكتسبان عبْر الاقتدار أما العبودية سواء كانت عن حاجة أو خوف هي تحقير.
ـ حُسْن الطالع إن دام هو مشرّف، إذ أنه علامة على الرعاية الإلٓهية. أما سوء الطالع والخسائر فهي محقّرة. الثروات مشرّفة لأنها اقتدار، أما الفقر فهو محقّر. الشهامة والتسامح والتمنّي والشجاعة والثقة هي مشرّفة لأنها تصدر عن وعي بالإقتدار، أما الجبن والبخل والخوف وعدم الثقة بالنفس فهي محقّرة.
ـ القرارات (التي نتخذها في) الوقت المناسب، والتصميم الذي يميّز الفرد فيما يقرّر انجازه هي مشرّفة لأنها تعني استهانة بالمشاكل الصغرى والمخاطر. التردّد في اتخاذ القرار هو محقّر لأنه علامة على أنه تعظيم لعوائق بسيطة ومنافع تافهة، إذ أن الشخص الذي يقدّر الأشياء أكثر مما يسمح به الوقت اللازم لذلك ولا يقرّر فذلك لأن الفرق في الأوزان طفيفة وإذا لم يحسم (الأمر) فلأنه يبالغ في تقدير الأشياء مما يدل على الجبن.
ـ كل الأفعال والأقوال التي صدرت أو تبدو أنها صادرة عن تجربة وافية أو علم أو حيطة أو فطنة هي مشرّفة بما أن هذه كلها اقتدارات. أما الأفعال والأقوال التي تصدر عن الخطأ والجهل والحمق فهي محقّرة.
ـ الجدّية، بالقدر الذي تبدو عليه متأتية من فكر منشغل بأمر آخر هي مشرّفة، لأن الوظيفة (التي نضطلع بها) هي علامة على الاقتدار. إلا أنّها ان بدت متأتية عن نيّة أن يبدو جدياً فهي محقرّة. لأن الجدية في الحالة الأولى تشبه توازن السفينة المملوءة بالبضائع، أما في الحالة التالية فهي تشبه توازن السفينة المعبئة أحجاراً وسقط المتاع.
ـ أن تكون (شخصية) مرموقة(17)، أي أن تعرف بالثروة أو بالمركز (الذي تضطلع به)، أو بالأفعال العظيمة أو بالمكاسب البارزة، هو مشرّف. وعلى النقيض من ذلك فان تكون (شخصية) مغمورة هو محقّر. أن تنحدر من أبويْن مرموقيْن هو مشرّف لأنه سيبلغك بأكثر يُسْر معونات أجدادك وصداقاتهم. وعلى النقيض من ذلك فأن تنحدر من نسب مغمور فهو محقّر.
ـ الأفعال التي تتأتى عن الإنصاف مقرونة بالخسارة هي مشرّفة لأنها علامات عن الشهامة، إذ أن الشهامة هي علامة على الإقتدار، وعلى النقيض من ذلك فإن اللّؤم والمراوغة وتجاهل الإنصاف هي محقّرة.
ـ السعي وراء الثروات الطائلة والطموح الى مختلف أشكال الشرف العظيم هو مشرّف، لأنه علامة على القدرة في الحصول عليها. أما الجشع أو السعي نحو مكاسب تافهة وترقيات بسيطة فهو محقّر.
وفي هذه الحالة لا يفسد الشرف سواء كان الفعل عادلاً أو ظالماً(18) (شرط أن يكون هذا الفعل عظيماً وصعب المنال، وبالتالي علامة على اقتدار وفير)، لأن الشَرَفَ يكمن فقط في الاعتقاد في الاقتدار. لأمر كهذا لم يكن الوثنيون القُدامى يعتقدون أنهم يحقّرون الآلهة بل يشرّفونها كثيراً لما يذكرونها في أشعارهم وهي تمارس الاختلاس والاغتصاب و[أفعال] أخرى عظيمة لكنها ظالمة وقذرة الى درجة أن لا شيء صنع شهرة جوپيتر غير خياناته كما لاشيء صنع شهرة ماركير غير (كثرة) الغش(19) والاغتصاب الذي ارتكبه، لذلك فأن أعظم [أصناف] المدح الذي قيل في ماركير في أحد أناشيد هوميروس هو أنه وُلد في الصباح وألّف الموسيقى عند الظهيرة وقبل نزول الليل اختلس قطيع أپولون من راعيه.

……………. التتمة في العدد

الليبرالية:فلسفة أم إيديولوجيا
منوبـي غباش 

من الصعب تحديد مفهوم كَثُر استعماله وتوظيفه في سياقات متنوعة وسجالات مختلفة مثل مفهوم الليبرالية. لاشكّ أنّ كل محاولة لتحديد هذا المفهوم وضبطُه هي مغامرة فكرية، وبحث يتطلّب استحضار الإرث الكبير للفكر الليبرالي، كما يقتضي الاهتمام بالسِجَالات النظرية التي ميّزت الأفق الفكري الليبرالي المعاصر.
إذا كان مفهوم الليبرالية يغطّي فضاءً تاريخياً واسعاً هو فضاء الحداثة، وإذا كان يحيل إلى تصوّرات وأفكار ونظريات متنوّعة تتعلّق بالاقتصاد والأخلاق والسياسة والقيم، فكيف لنا الظفرُ بتحديد مقبول له؟ لعلّ الصعوبة الأساسية التي تواجه الباحث عند محاولة تحديد مفهوم الليبرالية هي صعوبة الوقوف على الحياد إزاءه، فهل بالإمكان تجنّب اتخاذ موقف من الليبرالية؟ قد يكون الموقف الأسلم هو توخّي الحذر اللازم وعدم تبنّي مواقف وأحكام مسبقة متسرّعة وإذا كان لا بدّ من اتّخاذ موقف فليكن موقفاً مؤسساً ومُدَعّماً، ولكنه لا يمكن أن يتبلور إلاّ في خلاصة البحث.
تستمدّ الليبرالية معناها الأولي من «الحرية». ويرى كثيرون أنها مذهب في الحرية «ويقصدون تحديداً الحرية الاقتصادية والحرية السياسية، أي أنّها تعني مذهباً اقتصادياً يقوم على حرية الفرد في العمل والمبادرة والإنتاج، ويؤكّد على ضرورة عدم تدخّل الدولة في شؤون الاقتصاد أو تقليص ذلك التدخّل إلى الحد الأدنى، كما تعني أيضاً مذهباً سياسياً يتعلّق بكيفية إقامة السلطة وتنظيم علاقاتها بالمجتمع بحيث تكون أداة لحمايته وتحقيق تطلعاته لا وسيلة للهيمنة عليه. قد يكون هذا التعريف، على عموميته، صحيحا ولكنه يُهْمل ثراء الفكر الليبرالي وعمقه. لنقبل به كتعريف أوّلي يساعدنا على التقدم في تحليل المفهوم.
يمكن أن نفهم الليبرالية على أنها مجرّد نظرية أو نظريات صيغت في فترات تاريخية مختلفة واكتملت لتصبح مرجعية للتفسير والتأويل والتبرير، أو على أنها مدرسة فلسفية دارت مباحث مؤسسيها على موضوع محدد. كما يمكن أن تعتبر إيديولوجيا تستخدم لإضفاء المشروعية على نظام قائم، أو لتجريده منها. قد تكون كل هذه التعريفات صحيحة وذلك يدلّ على الطابع الإشكالي لليبرالية كنظرية وكممارسة إذا صحّ اعتبارها ممارسة .
الليبرالية تأويل أو رؤية للعالم تتشكّل نظرياً وتتعدّل على صعيد الممارسة التاريخية. وهذا الإندراج في التاريخ الفعلي هو الذي يَسِم الليبرالية بميّسم التنوّع والاختلاف، بحيث لا يمكن تصوّرها كنظرية مكتملة(1). لعلّ الأصوب أن تعتبرها اتجاهاً، توجّهاً في الفكر والواقع يرمي إلى حل المشكلات التي تنشأ في المجتمع والاقتصاد والسياسة. إنّ الليبرالية «ليست واحدة ولا موحّدة فكل اتجاه من اتجاهاتها يجد أساسه في حدث تاريخي، أو عند مفكّر لا ينتمي إلاّ إليها. وهنا تكمن خصوصية الليبرالية، أي عدم قدرتها ـ بما هي رسم لمعقولية وبما هي صورة لمجتمع ـ أن تعطي لنفسها عنصراً مؤسساً وحيداً سواء تمثّل في حدث تاريخي أو في فكر فيلسوف نبيّ»(2).
الليبرالية بالأساس فلسفة سياسية تقوم على فكرة «الحقوق الطبيعية» للفرد كحق الحرية وحق الملكية وحقّ المحافظة على الحياة. حقوق الفرد تعدّ أصلية وطبيعية أي سابقة على تكوين النظام السياسي، وهي تحدّد طبيعة وغاية ذلك النظام. تقوم الفلسفة الليبرالية على مبدأين أساسيين: الفردانية Individualisme والتعاقديّة Contractualisme. إن العقد الاجتماعي هو بمثابة قانون أساسي أو دستور يفترض أن تستمد كل القوانين منه. تعني الفردانية أولوية الفرد على المجتمع واستقلاليته عن السلطة، كل سلطة. لا يُتَصوّر المجتمع على أنّه كيان أو سلطة تقوم ضد الفرد، بل إنه مجال وجود الأفراد وتفاعلهم، مجال يجمعهم ويتكوّن منهم. يستمد الفرد حقوقه من ذاته، أي من طبيعته كإنسان، هذه الفكرة البسيطة تفضي إلى تأكيد حقوق الفرد وبالتالي تأكيد استقلاليته عن المجتمع والسلطة. أما التعاقدية فهي تدل على الطابع الاتفاقي والإصطناعي للوجود السياسي وللدولة. إنّ البشر هم الذين ابتكروا الدولة وجعلوها وسيلة لتجاوز العوائق التي يمكن أن تمنع تطور المجتمع، أو تهدّد استمراره؛ وهكذا لايمكن أن تتصوّر الدولة على أنها فوق المجتمع أو متعارضة معه. تعني التعاقدية إذن، الحد من السلطة وتقنين السيادة وتأطيرها بحقوق الأفراد والمواطنين. وسيتم تكريس النزعة التعاقدية من خلال آلية الفصل بين السلطات وطريقة التمثيل النيابي.
تقوم الليبرالية على التمييز بين المجتمع والدولة، وبين الفرد والسلطة. وتعتبر ذلك التمييز طبيعياً. إنها ترفض هيمنة الدولة على المجتمع أو استيعابها له. كما ترفض الفوضوية، أي تمرّد الأفراد والجماعات على النظام السياسي ومقاومتهم لكل سلطة. يمكن لليبرالية أن تجد صياغتها في نظرية الفصل بين السلطات، كما قلنا، أو في مذهب العقد الاجتماعي أو في «دفاع عن إستقلالية الفضاء الاقتصادي الخاضع لنظام محايثٍ للسوق»(3). ثمّة إذن صياغات أو ترجمات مختلفة للتصوّر الليبرالي تتجلّى في تنوّع اتجاهاته وتعدّد مفكريه واختلاف إسهاماتهم. من لوك وهوبز وسميث وتوكڤيل وكونستون… إلى ريمون آرون وفريديريك هايك وغيرهما، ومن الثورة الإنجليزية سنة 1688 إلى الثورة الفرنسية 1789 وصولاً إلى الليبرالية المعاصرة، أو ما يسمى اليوم بـ «النيو ـ ليبرالية»، مسار طويل ومتعرّج شقّه مفكرون مختلفون ساهموا في تشكيل البراديغم الليبرالي.
يمكن القول إن الليبرالية تبلورت من خلال ثلاثة اتجاهات رئيسية تكوّنت بحسب المكانة التي اتخذها هذا الجانب أو ذاك من جوانب الوجود البشري، وكذلك بحسب التقييم المختلف للحرّيات الأساسية. فالليبرالية السياسية تُولي الحرّية السياسية مكانة مميّزة، وهي بالتالي تجعل من السياسة النطاق الأول لممارسة الحرية الفردية، وكذلك لتحديد وجهة المجتمع ككلّ. وأمّا الليبرالية الإقتصادية ومدارها المُلْكية الفردية والحرية الاقتصادية باعتبارهما مترابطاتان ارتباطاً جذرياً. لا معنى للحرية إلا إذا تجسّدت في ملكيّة الفرد لوسائل الحفاظ على حياته واستمراره. كما لا تكون المُلْكية ممكنة إلا إذا كان حقّ الفرد في الحريّة حقاً فعلياً، أي إذا كان مستقلاّ عن كلّ سلطة. وأما التسامح الدّيني ـ كتوجّه ليبرالي ـ فهو يتأسس على حرية الفكر بصفة عامة وعلى حرية الوعي الديني بصفة خاصّة وهو يقوم على مبدأين اساسيين: 1) فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية. 2) إقرار حقّ الفرد في تبنّي ما شاء من آراء وعقائد وقناعات يراها ملائمة لخلاصه الرّوحي. إنّ هذا التمييز هو بطبيعة الحال تمييز نظري ولا يعني اختزال الليبرالية في توجّه معيّن، لأنّ كلّ هذه التوجّهات يمكن أن تلتقي عند مفكّر واحد كـ جون لوك ـ على سبيل المثال. كما يمكن أن يَنْمَ التّركيز، لدى مفكّر معيّن، على تصوّر ليبرالي محدّد كما هو الحال عند پيار بايل Pierre Bayle، الذي أكدّ على حرّية الوعي وعلى ضرورة التسامح الديني أو عند آدام سميث الذي جعل الحرّية الاقتصادية محور تفكيره. وينبغي أن نشير إلى أن بروز توجّه ليبرالي معين إنّما يكون عادة مرتبطاً بظرف أو بحدث تاريخي حاسم. لنذكر مثلاً بنجامين كونستون الذي أكّد على الحرّية السياسية في المناخ السياسي المميّز لفترة ما بعد الثورة الفرنسية.
لقد تمّت مراجعة التصوّر التقليدي للسياسة، ذاك الذي جعل السياسي يحتلّ الصدارة في الترتيب التفاضلي لأبعاد الوجود الإنساني ولاهتمامات الفرد. يتعلّق الأمر بالتخلّي نهائياً عن أسبقية السياسي على الاجتماعي والاقتصادي كما حدّدها أرسطو. لم يعد الانتماء إلى «مدينة» هو مصدر أو شرْط اكتساب الفرد لحقوقه، أي لم يعد السياسي هو الذي يحدّد الاقتصادي والاجتماعي بل إنّ طبيعة العلاقات الاقتصادية ـ الاجتماعية هي التي تفسّر حاجة الناس إلى إقامة نظام سياسي وإنشاء سلطة سياسية وظيفتها الأساسية حماية حقوق الأفراد. تعدّ السياسة في التقليد الفلسفي أرفع الاهتمامات التي يمكن للفرد الحرّ أن ينشغل بها باعتبارها تتوافق مع طبيعة الإنسان، فالسياسي هو اكتمال الوجود الإنساني أما الفكر الحديث فإنه يعطي للاجتماعي مكانة أساسية من خلال تصوّره الإنسان كفرد وككائن واقعي يتحرّك في الطبيعة فيتحرّر ويجسّد حقوقه التي يحملها في ذاته أو يستمدّها من طبيعته. مثل ظهور السياسة الحديثة مع ميكياڤلّي وهوبز ولوك، بدايةً تشكّل ما يُسمّى بـ «النموذج الليبرالي»، فلم تعد السياسة تُفهَم بحسب فكرة غائيّة الوجود الإنساني، ولم يعد السياسي في حدّ ذاته غاية، بل أصبحت السياسة وسيلة واصطناعاً إنسانياً واختياراً عقلانياً براغماتياً هدفها تنظيم العلاقات الاجتماعية بين أفراد اضطرّوا إلى الاجتماع والتشارك رغم تنافر واختلاف أهوائهم ورغباتهم وقدراتهم الطبيعية. لقد أصبحت السياسة من نظام الوسائل لا من نظام الغايات.
يمكن القول إن انفصال السلطة الزمنية عن السلطة الرّوحية شكّل لحظة تكوّن النموذج الليبرالي، لحظة ميكياڤلّي هي بحق علاقة فارقة في بداية تبلّور هذا النموذج. لقد جعل ميكياڤلّي من السياسة مجالاً للفعل الإنساني العقلاني الهادف والمستقلّ عن الرؤية الدينية للعالم. في عهد هوبز ولوك ستصل «دنيوة» Sécularisation الفكر السياسي إلى ذروتها. سيبيّن أعلام هذا الفكر الجديد كيف أن المسائل السياسية ليست مسائل نظرية خالصة وأن السياسة عموماً ليست إطاراً للتأوّل واستخلاص الدّروس فيما يتعلّق بالطبيعة الإنسانية، ولكنّها تعبير عن مشكلات واقعية يكابدها الناس وهي، أكثر من ذلك، نتيجة حتمية لطبيعة العلاقات والصراعات المميّزة لوجودهم. في هذا المناخ الجديد لم يعد بالإمكان تبرير السلطة دينياً ولا الاكتفاء بتشريعها أخلاقياً بل إنّ كل ذلك لم يعد لازماً، فالقيم السياسية والمبادئ التي تحرّك الفكر السياسي فقدت (أو أفرغت) من دلالاتها الدينية وأصبحت توظَّف في سياق رؤية لادينية للعلاقات الاجتماعية. وبالفعل فـ «إن أسلحة الحرية، أقصد مبادئ السياسة الجديدة (حقوق الإنسان والمواطن، حرية الوعي، سيادة الشعب)، كانت قد جهّزت خلال القرنيْن الأسبقيْن (16 و17) في صراع مرير ضدّ المسيحية وبخاصة ضد الكنيسة الكاثوليكية»(4).
أصبح الفكر السياسي والقيم التي توجهه تاريخيين أي صدى لوجود البشر التاريخي وانعكاساً لواقعهم المادّي. إنّه فكر ليبرالي يتعارض مع الفكر القديم الذي لم يعرف مقولة الفرد. لقد اتسمت العصور الحديثة باستقلال الحكّام عن رجال الدين حتى غدت الحياة الدينية للأفراد والجماعات منظّمة بقوانين مدنية تحوّل الدّيني إلى مجرّد مظهر من مظاهر الاجتماعي بعد أن كان مشتملاً عليه ومستوعباً له. لعلّ الفيلسوف الإنجليزي هوبز هو أبرز مؤسّسي هذا الفكر الجديد. لقد أسّس السلطة المطلقة انطلاقاً من تصوّره لمفهوم الحالة الطبيعية ولخصائص الفرد وهو في تلك الحالة. فالإنسان أناني وشرّير بطبعه، ومبادئ الحق الطبيعي تقود كلّ واحد إلى مواجهة الآخر والتصادم معه نظراً للتناقض بين الرغبات. إنها «حالة الحرب» أو «حالة الطبيعة» التي توصف بأنها عدم استقرار وانعدام أمان وفيها تقوى مشاعر الرهبة وخشية الموت. يقود إنفعال الخوف المشترك من الموت جميع «المتحاربين» إلى الخروج من «حالة الطبيعة» وتكوين سلطة مطلقة قادرة على تحقيق «السلام» و«الأمن» اللازمين ليتمتّع كلّ واحد بحقوقه الطبيعية، إن الشرط الأساسي للسلطة السياسية في التصوّر الهوبزي هو أن تكون مطلقة، أي غير محدودة وغير مقيّدة ومستقلّة عن السلطة الدينية؛ ذلك أنّ وجود سلطة دينية يعني ضعف السلطة السياسية وعجزها عن القيام بوظيفتها التي من أجلها أُنشئت. لعلّ الانفصال تحقّـق فعلياً بإعلان هنري الثامن (1509 ـ 1547) انفصال التاج البريطاني عن الكنيسة الرومانية، وهو في معناه انفصال سياسي أكثر مما هو ديني. إنه يعني تحرّر الملك من وصاية القساوسة واللاهوتيين الرومانيين(5). لا يوجد في تصور هوبز إلا سلطة واحدة هي السلطة المطلقة للملك، وإذا ما وجدت سلطة دينية فهي خاصة بالملك لا بأحد غيره. لقد ارتأى هوبز أنّ «الطريقة الوحيدة لإنقاذ السلطة الملكية بما هي شرط السلام المدني هي فصلها كلّياً عن الدين»(6).
لا تعني «دنيوة» السياسة فصلها فقط عن الدين وإقامة مبادئ الفعل السياسي في استقلال عن التعاليم الدينية، بل تعني أيضاً فصلها عن المعايير الأخلاقية، فليست السياسة تابعة للأخلاق، ولا توجد سياسة أخلاقية، فما يسمَّى بالقيم الأخلاقية الموضوعية ليس إلا مواضعات إنسانية، فالفضيلة مثلاً اختزلت في النزاهة في التبادلات والمعاملات الخاصة وبالتالي فقد تركت الفضيلة مجال السياسة للحق(7). لا تتحدّد أفعال الناس وفق مقولتيْ: الخير والشرّ أو الفضيلة والرذيلة، بل وفق قاعدة الحقّ ووفق القانون، وأكثر من ذلك تمت إعادة تقويم الأهواء والشهوات انطلاقاً من الفرد ذاته ومن فكرة «الحق الطبيعي». هذه الأهواء ليست في حدّ ذاتها تنشئة وليست بطبيعتها شرّاً، فمقولات الخير والشرّ والحسن والسيئ… لا تَظْهَر إلا في حالة الاجتماع المدني ـ هذا بالضبط ما يقوله هوبز.(8)
لقد أحلّ الفكر السياسي الحديث القانون، كقاعدة عامّة لتنظيم العلاقات السياسية والاجتماعية، محل القيمة الأخلاقية الموضوعية ومحلّ المبدأ الديني المطلق. هذان البعدان (الأخلاق والدين) أُدرجا ضمن عناصر الوعي الذاتي وأصبح القانون من حيث هو اصطناع إنساني واتفاقي هو الذي يحدّد علاقة الحاكم بالمحكوم. تنبني السلطة السياسية على إجماع الأفراد وموافقتهم. هذا هو المعنى الأصلي لمفهوم التعاقد. إنّ صاحب السلطة (الملك أو المجلس) لا يمتلك شرعية لاهوتية أو كفاءة طبيعية بل إنّه يستمدّ شرعية الحكم من المجموعة أو من الشعب، فهو مُكَلَّف من قِبَل أفراد المجموعة الذين تنازلوا له عن حقوقهم الطبيعية وعن قواهم بهدف العيش في سلام. لكن السلطة المطلقة سرعان ما تنفصل عن الأفراد نهائياً. إنّ صاحب السلطان لا يُسأل من قِبَل المحكومين، بل له عليهم كل حقوق السيادة وليس لهم عنده أي حقّ. لاتكون السلطة السياسية، في نظر هوبز، إلا مطلقة. يبدأ هوبز من الفرد وينتهي إلى القانون بما هو تعبير عن إطلاقية السلطة. فهل يصحّ اعتباره إذن ليبرالياً؟ إنّ السلطة المطلقة ليست بالضرورة متناقضة مع حرّيات الأفراد، فمهمتها الأساسية أو غايتها النهائية هي حماية المجتمع وضمان الحقوقه الطبيعية للأفراد. تكون سلطة الملك مطلقة لأنّ القانون يجعلها كذلك، هي سلطة مطلقة لأنها قانونية. «يمكن أن يُقال عن هوبز أنه مؤسس الليبرالية لأنه وضع التأويل الليبرالي للقانون ‹اصطناع إنساني خالص وخارجي بالنسبة لكلّ واحد›، وهو لا يحوّل ولايعلم الذرّات الفردية التي يتقيّد بضمان تواجدها السلمي. وهكذا يكون فكر هوبز الرَحِمْ المشترك للديمقراطية الحديثة ولليبرالية. إنه يؤسّس للفكرة الديمقراطية لأنه يبلور معنى السيادة القائمة على موافقة كلّ واحد، وهو يؤسّس للفكرة لليبرالية لأنه يبلور معنى القانون بما هو اصطناع خارجي بالنسبة للأفراد»(9). لا شكّ أن ثمّة ترابطاً بين الديمقراطية، من حيث هي طريقة للمشاركة السياسية وتنظيم السلطة وتداولها وبين الليبرالية، من حيث هي نمط للوجود الاجتماعي في أبعاده المختلفة، ولكن هذا الترابط والتواشج ليس تماهياً. فالليبرالية لا تقبل الاختزال في شكل الحكم الديمقراطي، ذلك أنّ الاستبداد يمكن أن يتلاءم مع الليبرالية وخاصة في جانبها الاقتصادي ـ لنكتف في هذا الموضع، بالتأكيد على اتساع مجال الليبرالية مقارنة بالديمقراطية ولنؤجّل النظر في العلاقة بينهما إلى حين.
من سمات الليبرالية التمييز بين المجتمع المدني والدولة، وبين الحرية والسلطة، وبين الحق والقانون. في إطار الليبرالية لا تستقلّ السلطة السياسية عن الدين فقط بل عن المجتمع أيضاً. نجد من جهة السلطة المطلقة والقوية التي تشرّع القوانين وتحتكر وسائل تنفيذها، ومن جهة أخرى الحقوق الطبيعية الثابتة ومن ضمنها حق الحرية. هل نجح التصوّر الليبرالي في التأليف بين السلطة والحرّية؟ أو بصيغة أخرى: ما مدى الحرّية التي يمكن للمبادئ الليبرالية أن تسمح بها؟ كيف يمكن حماية وصيانة الحرّية خاصة والحقوق عامّة في ظِلِّ سلطة سياسية مطلقة رهانها الأساسي تكريس النظام والسلم المدنيين؟ لنتذكّر أن المبدأ الأول لليبرالية هو مبدأ الفردية، الفرد أوّلاً، ولكن بمجرّد أن يتكوّن النظام السياسي وتتشكّل السلطة حتى يفقد الفرد، صاحب الحقوق الطبيعية، هذه المكانة ويصبح اقتضاء النظام والسلم في الصدارة، وينكفئ الأفراد على أنفسهم منشغلين بحياتهم وبتلبية رغباتهم الخاصة.
يقوم التصوّر الليبرالي على الفصل بين الملوك (أو الحكام) والرعايا، وذلك يعني أن الأفراد لا يراقبون السلطة، فضلاً عن ممارستها. والشؤون العامة تُتْرَك لفئة قليلة من الناس تمكَّنَت ـ لسبب أو لآخر ـ من الصعود الاقتصادي والاجتماعي، فأصبح لها نفوذٌ سياسيٌ مجسّد في حكم الأغلبية وتمثيلها. هل يصحّ أن نقول إذن: إن التعاقدية Contractualisme تمثّل ركناً أساسياً من أركان الليبرالية؟(10) يرى ڤابيان سبيْتز مثلاً أن التعاقدية ليست مكوناً أساسياً من مكونات التأليف الليبرالي، وأنّ هذا التأليف لا يتضمّن في ميدانه الأصلي الحد من السلطة ومراقبتها من قبل المواطنين(11)، فالعقد الاجتماعي عند هوبز يفضي إلى تنازل الأفراد كلّياً عن حقوقهم وسلطاتهم.
لقد صيغت النظريةُ السياسية في التصوّر الليبرالي بحسب مفردات حقوقية لا بحسب مفردات أخلاقية. فالقانون من حيث هو قاعدة عامة يكرّس واقعية الحقوق الطبيعية، وبحسب هذا النموذج الحقوقي ـ الليبرالي(12) تكون الحرية سلبية(13)، أي محدّدة ومحدودة بالقوانين. حرية الأفراد تعني أن يتمتّعوا بـ «حقوق بورجوازية» خاصة بهم من حيث هم أعضاء حقيقيون في المجموعة السياسية. أن يكون الفرد حرّاً يعني أن يكون خاضعاً للسلطة لا متحرّراً منها، لقد تمّ تحديد الحقّ بالنظر إلى الفرد، فهو مَلَكَة أو خاصية يستمدّها الفرد من ذاته وليس شيئاً متطابقاً مع ما هو عادل بحسب الطبيعة. إنّه لا يحيل إلى مرجعية موضوعية متعالية كالله أو الطبيعة. إن علاقة الإنسان بالآخرين ليست علاقة مباشرة بل إنها علاقة تتوسّطها الأشياء، فحق الفرد يتحدّد بامتلاكه للأشياء واستعماله لهذه االملكية(14)، إذن هي عنوان الانتماء بل شرْط الإنتماء إلى المجموعة السياسية. إن البورجوازي أو «المواطن الفاعل» في الدولة هو شخص حرّ ما دام يمتلك الاشياء، أما غير المالكين فهم ينتمون إلى الدولة ولكنهم ليسوا أعضاء في المجموعة السياسية.
في إطار التصور الليبرالي ليس للحقوق الطبيعية قيمة متساوية.إذ تكتسب الحرية مكانة متميّزة، ولكن ذلك لا يعني إلغاء القيم الأخرى مثل العدالة والمساواة، ولكنْ، هاتان القيمتان تتحدّدان، في هذا التصور، بالنظر إلى امتلاك أو عدم امتلاك الفرد للأشياء؛ ومعنى ذلك أنّ العدالة والمساواة تكون موجودة بين المالكين أنفسهم لا بين المالكين وغير المالكين. هناك لا مساواة (تفاوت) أصلية بين الأفراد في الحالة الطبيعية (هوبز، لوك)؛ وبما أن الحالة المدنية لا تُكْسِب الأفراد حقوقاً جديدة، فإن اللامساواة خلالها تستمر، بل يتم الاعترافُ بها وتكريسُها قانونياً. ومثلما يوجد تفاوت في الملكيات يوجد كذلك تفاوت في الحريات. فالحرّ هو من يملك، ومن لا يملك ليس حرّاً.
وظيفة النظام السياسي هي حماية الحقوق الطبيعية وذلك بتوفير المناخ الملائم ليتمتع الأفراد بممتلكاتهم وتنميتها بكل حرية. إنّ الحرية الفردية بحسب، التصوّر الليبرالي، هي حرية من أجل الملكية، بمعنى أن الحرية تكون واقعية وفعلية بقدر ما ترتبط بالملكية ـ طبعاً تفهم الملكية في معناها العام (ملكية الأشياء المنقولة والملكية العقارية) ـ باعتبارها جملة الوسائل التي تمكّن الإنسان من المحافظة على حياته، ومن البديهي أن من لا يمتلك الوسائل المادية للفعل لا يمكنه أن يكون حرّاً ومستقلاً عن إرادة الآخرين.
في غياب أفق معياري موضوعي ومتعال على حركات «الذرات الفردية»، كيف يكون التأليف بين النظام (السلطة) والحرية ممكنا؟ كيف تكون الليبرالية نظرية في الحرية وهي التي تفصل، من جهة بين الدولة والمجتمع فتجعل نطاق تدخل السلطة كما نطاق الحقوق ضيقاً، ومن جهة أخرى تلغي، أو على الأقل، تقلّل من شأن الانتماء إلى الكُل إذ تركّز على الإستقلالية الفردية باعتبارها شرْط الحريات والحقوق؟ لا شكّ أن التفكير في هذه المعضلة سيجعلنا نقف على نقاط ضعف النموذج الليبرالي.
لقد قامت الليبرالية على أساس الحق الطبيعي للفرد وهي بهذا المعنى، نظرية «فردانية» تتحدّد تصوّراتها حول السلطة والقانون والعدالة والحرية بهذا الأساس. «إنّ لحقّ الفرد الطبيعي في الحياة ثلاثة جوانب مترابطة ومتمايزة: الحق في الحماية، أي في سلامة البدن. الحق في الملكية، أي في وسائل العيش والحق في الحرية، أي حرية تحديد الوسائل التي تحقّق حفظ الذات»(15)، وبالفعل فإن النظام السياسي يكتسب مشروعيته من حمايته وضمانه لتلك الحقوق وسيلته في ذلك هي القوانين المستندة إلى العنف الشرعي (القوة)، ولكن القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، بحكم مصدرها، إنما تعبّر عن حقوق المالكين ومصالحهم، وهدفها الأقصى لا يخرج عن حماية تلك الحقوق. من الواضح هنا، أنّ هذه الفكرة تحيل إلى النقد الاشتراكي لليبرالية. ولكن المذهب الليبرالي لا يقدّم نفسه على أنه يعبّر عن مصالح فئة معينة أو جزء محدّد من المجتمع، بل عن مصالح جميع الأفراد في المجتمع الواحد. هل يجوز اعتبار الليبرالية إيديولوجيا: نمط من أنماط الوعي الاجتماعي يلعب دور التبرير والتمويه. لعلّه أفضل من عبّر بوضوح عن فكرة «حماية الملكية الخاصة» باعتبارها هدفَ تكوين كلّ نظام سياسي، الفيلسوف الإنجليزي جون لوك. وكلّ التأويلات الليبرالية اللاحقة لـ لوك تجعل من الملكية الفردية حقّاً أساسياً لا يجوز انتهاكه من قبل الدولة سواء عن طريق اغتصاب الملكية أو عن طريق فرض الضرائب على المالكين دون موافقتهم.
يُعدّ تدخّل الدولة في شؤون الأفراد، وخاصة في المجال الاقتصادي، متعارضاً مع المبدأ الأساسي لليبرالية المتمثّل في حرية الفرد واستقلاليته عن السلطة. ولتجنّب مساوئ ذلك التدخّل ركّز الليبراليون الكلاسيكيون على فكرة التمثيل. يمكن تصور الليبرالية على أنها ديمقراطية في المستوى السياسي، ديمقراطية تمثيلية أو نيابية: «حكومة تمثيلية لضمان عدم انتهاك الدولة لاستقلالية المجتمع، ومجتمع منظّم بـ «اليد الخفية للسوق، تلك هي الليبرالية الكلاسيكية»(16).
يقتضي تحليل مفهوم الليبرالية النظر في مفهوميْن أصبحا شائعيْن في النصوص الفلسفية السياسية، وكذلك في الأدبيات السياسية المعاصرة هما: الديمقراطية الليبرالية Démocratie libérale والليبرالية الاقتصادية Libéralisme économique. الأول يدور حول الحريات والحقوق السياسية والمدنية، والثاني حول الحريات الاقتصادية (حرية العمل والإنتاج والتملّك والاستهلاك.. إلخ)، ولكن يجب أن ننتبه إلى أن هذا الارتباط بين الديمقراطية والليبرالية لا يعني التماهي بينهما بالضرورة. لا يقتصر الحدّ من السلطة إذن على المجال الاقتصادي (عدم تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية)، بل يشمل كل الأنشطة والممارسات التي تتبلّور فيها الحريات والحقوق الأساسية للفرد. هكذا تكون الليبرالية الاقتصادية جانباً هاماً من الليبرالية ولكنه، على أهمّيته، لا يختزلها.
يعدّ ظهور «الليبرالية الاقتصادية» كتوجّه أساسي في الاقتصاد (في القرن الثامن عشر) نهاية للمركنتيليّة Mercantilisme باعتبارها نمطاً من أنماط تنظيم الممارسة الاقتصادية يُولي أهمية قصوى للتجارة وأساليبها بما هي الوسيلة الأولى لتحصيل الثروة الممثلة في المعادن الثمينة (الذهب والفضة). ارتبطت المركنتيلية تاريخياً بظهور الدول القومية، فقد اقترنت «سلطة الدولة بمصلحة التجار». «يعتقد الاقتصادي والمؤرخ الألماني غوستاف شمولرْ (1838 – 1917) والمؤرخ الاقتصادي السويسري إيلي ڤيليپ هيكشر (1838 – 1952) أن خدمة مصلحة التجّار والخضوع لها كانا الاتجاه الطبيعي للدولة القومية، فالتجّار هم الذين يزودون الدولة بالموارد الاقتصادية التي تدعم سلطتها في الداخل والخارج»(17).
في منتصف القرن الثامن عشر ستظهر مجموعة من المفكرين الاقتصاديين وسيعلنون رفضهم للأفكار المركنتيلية لأنّها لا تتناسب مع «القانون الطبيعي» الذي يحكم الأنشطة الاقتصادية. أطلق على هؤلاء المفكرين إسم «الفيزيوقراطيون»(18) Physiocrates، وسُمّوا أيضاً بـ«علماء الاقتصاد». ويمكننا أن نذكر من بينهم ثلاثة أعلام ساهموا إلى حد كبير في صياغة الأفكار العامة للمدرسة الفيزيوقراطية: الأول هو فرانسو كينيه (1664 – 1774) François Quesnay، الذي كتب «الجدول الاقتصادي» Tableau économique سنة 1758. وقد وضّح فيه كيف تترابط وتتكامل الأنشطة الاقتصادية انطلاقاً من الزراعة التي هي المصدر الأول للثروة. والثاني هـو روبيـر جاك تورجو Turgot Robert Jacques (1728 – 1781) الذي اشتغل بالسياسة في عهد لويس السادس عشر Louis XVI، وقام بإصلاحات لتشجيع الزراعة ودعم التجارة المحلية. الثالث هو صامويل دي بون S. Du bon du Namur (1739 – 1817) الذي جمع أعمال كينيه تحت عنوان «الفيزيوقراطية la physiocratie» . يؤكد الفيزيوقراطيون بصفة عامة، على ضرورة الدورة الاقتصادية الطبيعية وعلى حرية العمل والمنافسة. ثمة فكرتان أساسيتان في المذهب الفيزيوقراطي قد تبرّران اعتباره تدشيناً أو تمهيداً لليبرالية التي ستتبلور ملامحها لاحقاً سواء على صعيد الفكر النظري أو على صعيد الممارسة العملية: 1) الأرض هي مصدر ثروة الدولة وثروة المواطنين. 2) يخضع النشاط الاقتصادي للقانون الطبيعي (ثمة دورة اقتصادية طبيعية تبدأ بالإنتاج الزراعي فالبيع والشراء فالربح فالاستهلاك). يتحدّد النشاط الاقتصادي في هذه الدورة بحسب مبدأ الحرية، فلا تتدخل الدولة إلا بغاية تشجيع دورة الاقتصاد وتنشيطها. هذا المبدأ عبّر عنه ڤنسنت غورنيّ Vincent Gournay في العبارة الشهيرة: «دعه يعمل، دعه يمرّ».
إنّ ما سبق يسمح لنا بالتأكيد على أن الليبرالية ليست مجرّد نظرية، بل هي حصيلة تجربة تاريخية تشكّلت بواسطة الممارسة الاقتصادية والفعل السياسي والتنظير الفكري معاً. ربّما يصحّ القول إن الفيزيوقراطية مثّلت تمهيداً لليبرالية، فكلاهما مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية. ومهما يكن من أمر العلاقة بين الفيزيوقراطية والليبرالية الاقتصادية فإن الفكر الليبرالي في أصوله كان واضحاً: «لا تدخّل للدولة في الشؤون الاقتصادية، بل إن فعلها هو الضبط والتنظيم عندما يكون ذلك ضرورياً لضمان احترام اللعب الحرّ للآليات الاقتصادية الطبيعية من قبل الجميع».
مع ظهور كتاب آدم سميث (ثروة الأمم) Wealth of nations سنة 1776، تحدّدت الولادة الحقيقية لليبرالية الاقتصادية ولعلم الاقتصاد السياسي. رفض سميث الأفكار المركنتيلية وأكّد على حرية التجارة الداخلية والخارجية وعلى ضرورة «اقتصار أنشطة الدولة على النهوض بأعباء الدفاع وإدارة العدالة، وتعهد الأشغال العامة الضرورية»(19)، ورأى أيضاً أنّ الضرائب يجب أن تكون غير مرهقة في تقديرها وفي تحصيلها. لقد ارتبط تنظير سميث لليبرالية الاقتصادية بولادة الصناعة وحلولها في المرتبة الأولى بالنسبة للأنشطة الاقتصادية التقليدية. بحسب هذا العلم الجديد تكون المصلحة الخاصة هي المحرك الأساسي للاقتصاد، وتكون «اليد الخفية» للسوق هي الكفيلة بحل المشكلات المرتبطة بتلبية حاجات الأفراد. وتبعاً لذلك تكون وظيفة الدولة هي ضمان المنافسة بين المصالح الخاصة في إطار «السوق المعمّمة» التي تحقّق بواسطة آلياتها الخاصة التوازن الضروري بين المصالح الخاصة من جهة والمصلحة العامة من جهة أخرى.
هناك جانب آخر للّيبرالية لا يقل أهمية عن جانبها الاقتصادي وهو ما اصطلح على تسميته بـ «الليبرالية السياسية». يمكن أن تجد الليبرالية السياسية توجّهاتها الكبرى في الفلسفة السياسية الحديثة وخصوصاً لدى هوبز ولوك وسبينوزا وروسو الذين ركّزوا، كلٌّ على طريقته، على الحقوق الطبيعية الأساسية للإنسان واعتبروها سابقة على كل تنظيم سياسي وعلى كل سلطة. تتجلّى الليبرالية السياسية في الحريات السياسية كما تتجسّد في الانتخابات وفي التمثيل وفي تنافس الأحزاب(20). إنها تتعلق باختيار الفرد لمن يحكمه وبمسؤوليته الفردية في اختيار الحكّام. تتضمن الحرية السياسية حقوقاً أساسية للأفراد مثل حرية التعبير وحرية النشر وحرية التنظّم وحريّة الاجتماع. ولكن مهما كانت أهمية الفرد في الليبرالية السياسية فهي لا تتماشى مع فردانية «تجعل الفرد غاية في حدّ ذاته». إن الليبرالية السياسية تفترض التعدّد والتنوع والاختلاف الاجتماعي. فحقوق الفرد هي أيضاً حقوق كل الأفراد الآخرين والخضوع للقوانين لا يحرم الفرد من استقلاليته. هناك دائماً مجالات للاختيار الحرّ تكون مفتوحة أمام الأفراد ذوي التوجهات والميولات المختلفة. يعتبر الليبراليون أن وظيفة الدولة تقتصر على حفظ النظام والأمن وحل الصراعات التي تنشأ بين القوى الاجتماعية ذات المصالح المختلفة، وأن عليها أن تترك مشكلة العدالة والمساواة جانباً لأن قواعد السوق كفيلة وحدها بحلّها. وفي المقابل يجعل الديمقراطيون الدولة شرطاً ضرورياً لتحقيق الحريات وحمايتها، ذلك أنّه لا توجد حرّية خارج نطاق القوانين. وفي هذا السياق يمكننا أن ندرج الديمقراطيين ضمن النزعة الجمهورية Républicanisme وأن نعتبر بالتالي تصورهم للحرية تصوراً جمهورياً.
يمثل «الاقتصاد السياسي» الإطار الذي تبلورت فيه الليبرالية الاقتصادية، وهو يُعدّ نتيجة لتحولات معرفية واجتماعية واقتصادية كثيرة أفضت بالمجتمعات الغربية إلى الدخول في العصور الحديثة. ويمكن أن نعتبر هذا العلم تأليفاً نظرياً بين الليبرالية السياسية والليبرالية الاقتصادية(21)، على الرغم من أن بعض أعلامه اعتبروه علماً خالصاً موضوعه الظواهر الاقتصادية. لم ينكر كينيه ولا سميث تدخّل الدولة في الشؤون الاقتصادية عبر التشريعات والقوانين. فالليبرالية الكلاسيكية لا تعني حرية اقتصاد مطلق، وهي أيضاً لا تقول بدولة الحدّ الأدنى Etat minimal، بل إن مفكريها أكّدوا على ضرورة تأطير الحريات الاقتصادية بواسطة المؤسسات الحقوقية والسياسية. وقد عبّر سيسموندي Sismondi قي بداية القرن التاسع عشر عن هذه الفكرة في كتابه (مبادئ جديدة في الاقتصاد السياسي) 1819. أراد هذا المفكر ذو النزعة الإنسانية أن يوفّق بين «تقنيات الاقتصاد الليبرالي وغايات المجتمع السياسي، فإذا كان هدف المجتمع الليبرالي هو السعادة في كل الوضعيات وليس المساواة بين كل الوضعيات فمن الضروري تدخّل المشرّع والحكومة لبلوغ هذا الهدف». إنّ محاولة المزاوجة بين الليبرالية الاقتصادية كمذهب وممارسة في مجال الاقتصاد والليبرالية السياسية باعتبارها جملة الحريات السياسية اللازمة لتحقيق الرفاه والسعادة للأفراد ليس أمراً جديداً إذن. هذه المزاوجة تتم من منطلق أن الأمر يتعلّق بمجاليْن إجتماعيين مترابطين: الاقتصاد والسياسة. لا يتحقّق ازدهار اقتصادي أو رفاه اجتماعي دون حريات سياسية وحقوق مدنية، أي دون ديمقراطية. يعبّر بينوا P. Bénoit عن هذا المعتقد الليبرالي بقوله: «لا توجد حرية الإنتاج والاستهلاك دون حرية الاختيار، وهي المَلَكَة التي لا يعترف بها الأفراد سواء كانوا منتجين أو مستهلكين، إلا في إطار الليبرالية السياسية»(22).
مهما يكن من أمر حضور الاقتصاد في مفهوم الليبرالية فإنه يتضمن دلالات سياسية، إذ أنه يحيل إلى الوجود السياسي، وتحديداً إلى طبيعة العلاقة بين الفرد والسلطة التي في إطارها تندرج مسألة المُلْكية والسلطة والسيادة. إنّ «الليبرالية كما يَعْرفها الجميع نظرة لسياسة قائمة على تصوّر الفرد باعتباره كائناً خاصّاً يطلب أهدافاً ويدافع عن حرياته الخاصة، ولا يرى في الدولة إلا ضامناً لاستمرار نشاطه الشخصي. كما أن هذا الفرد يحتفظ بجزء كبير من شخصيته بمنأى عن تدخّل الحكومة [...] فبالإمكان الإعتقاد أن هذه الأخيرة تنحو إلى أن تكون لاشخصية وبالتالي، وبشكل مفارق، تسلّطية في الميادين التي لاتكون فيها غائبةً تماماً»(23).
***

……… التتمة في العدد

قراءة بنيويه ـ فعلانية لمنطق اشتغال المؤسسة
السياسة في مجتمعات ذات تركيبية قَبَلية ــ عشائرية
عمر الزعفوري

مقدمــة
ارتبطت مقولة «الرأسمال» تاريخياً بالصراعات الاجتماعية التي شهدتها مجتمعات الغرب الرأسمالي، حيث شدّد التنظير الماركسي على أن الطبقة البورجوازية تستمد شرعية هيمنتها على باقي طبقات المجتمع، وفي مقدمتها البروليتاريا، من امتلاكها لوسائل الانتاج المادي، أما الانتاج المعنوي من فكر وفن فيتحدد بموقع أصحابه داخل العملية الانتاجية، ومن ثمة لا سبيل إلى الحديث عن بنية فوقية للمجتمع إلا في ارتباطها بالبنية التحتية التي يشكل الرأسمال الاقتصادب أهم مقوماتها: من لايملك لا يُبدع.
هذه المقولة (الرأسمال) شهدت تطويراً على يد الفرنسي پيار بورديو عندما بنى تحاليله على فكرة الصراع والتناقض كما وردت في التنظير الماركسي، ولكن مع التنبيه إلى أن الرأسمال لم يعد اقتصادياً فحسب وإنما هو كذلك «سياسي» و«اجتماعي» و«ثقافي» وأيضاً «رمزي»؛ لأن الصراع ليس بين من يملك ومن لا يملك، بعد أن تراءى له المجتمعُ مجموعةَ حقولٍ، لكل حقل منطقُ اشتغاله الخاص ورهاناته التي يمكن أن تكون غير مادية. بمعنى آخر، يمكن أن يوظف الرأسمال الثقافي أو الاجتماعي أو حتى الرمزي لتحقيق هيمنة تتيح لأصحابها تحقيق بعض الامتيازات المادية. هذا التوجه الجديد الذي نلمسه كذلك في فكر الفرنسي آلان توران، أخرج الفكر الماركسي من دائرة «المركزية الغربية»، وفتحه على مجتمعات أخرى تختلف تركيبتها عن تركيبة مجتمعات عرفت الثورة الصناعية وما ارتبط بها من تحولات أفرزت قوى اجتماعية أخذت على عاتقها صنْعَ تاريخ مجتمعاتها؛ من هذا المنطلق سنحاول تطبيق مفهوم «الرأسمال الثقافي» على واقع مجتمعات ذات تركيبة قَبَلية ـ عشائرية لفهم منطق اشتغال المؤسسة السياسية فيها حيث يكون الرصيد الثقافي قابلاً للتحويل إلى رصيد سياسي يتموقع بواسطته العون الاجتماعي داخل فضائه.
I.البنيوية والفعلانية وجهان لعملة واحدة
يبدو الجمع بين البنيوية (le structuralisme) والفعلانية (l`actionnalisme)، لأول وهلة، غريباً لأنه يسعى إلى التقريب بين تصورين نظريين يصدران عن قراءتين متنافرتين ـ في الظاهرـ الظواهر المجتمع. الأولى (أي البنيوية) تشدّد على أسبقية البنية على الأعوان الاجتماعيين المنخرطين فيها، بينما تذهب الثانية إلى أن ما ينبغي التنبّه إليه هو ما يحدثه فعل الفاعلين الاجتماعيين في نسق الفعل. الفرد، من منظور البنيوية، حامل لجملة من البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يعيد انتاجها عبر عملية التنشئة والتطبع؛ أما الفعلانية، فبقدر ما تقر ضمنياً وجود النسق الذي يستوعب الفعل الاجتماعي ويحدده، فإنها تدرك قدرة الفاعل (acteur) على تحويل ذلك النسق وتغييره ليضحى صانعاً للتاريخ، علماً أن هذا الفاعل ليس بالضرورة فرداً، إذ يكون طبقة أو مجموعة اجتماعية أو حزباً أو نقابة أو غيرها من هياكل المجتمع.
قبل الخوض في توضيح جوانب التقارب بين القراءتين، حريٌّ بنا أن نشير إلى أن هذا الفهم القائم على منطق التضاد بين البنيوية والفعلانية لا يمكن فصله عن طبيعة تعامل العقل العربي مع المدارس النظرية الغربية الحديثة وعلى رأسها الماركسية التي تجد امتداداتها لدى كل من البنيويين والفعلانيين. هو تعامل يحنط هذا الفكر العلمي ويحكم عليه إما بالصلاحية لكل زمان ومكان، فيُنظر إليه على أنه يقدم حلولاً لكل المشاكل؛ والحال أن الفكر الماركسي لم يدَّعِ لنفسه ذلك إطلاقاً، أو يرفضه برمته بدعوى أنه لا يتلاءم مع مشاكل العصر ولا تتماشى منطلقاته مع قيمنا وتراثنا ومعتقداتنا.(*)
فقلما نعثر على قراءات جدلية لهذا الفكر، وإن لم تكن معدومة، تبحث عن تطويع لمفاهيمه قصد توظيفها لفهم تناقضات تخترق مجتمعات لا يمكن تصورها خالية من منطق الصراع الطبقي. فأغلب قراءات الماركسية يهتم أصحابها بمسألة نراها تشوّه الفكر الماركسي أكثر مما تقدمه على حقيقته كفكر علمي، حيث يشغل هؤلاء أنفسهم بمسائل البحث عن طبيعة نمط الانتاج وحصر عدد الطبقات في المجتمع لمعرفة طبيعة العلاقات بينها. هي قراءات تغريبية لأنها تعبّر عن حالة من الاستلاب الفكري يعرفها المثقف العربي عندما يعيش التاريخَ على أنه حركة دائرية تكرر فيها بعضُ المجتمعات نفسَ المراحل التي قطعتها مجتمعاتٌ أخرى أحرزت سبقاً في مجال التقدم التكنولوجي وحركة التصنيع. مثل تلك القراءات تجيز لأصحابها الحديث عن فشل الاشتراكية، أو تبقيهم في وهم انتظار ثورات شعبية تحقق ما تحدث عنه ماركس في القرن التاسع عشر ـ المجتمع الشيوعي.
لقد ذهب بعضهم إلى حد الحديث عن نهاية الفكر الاشتراكي وموت الفكر الماركسي، وذاك، في الحقيقة، تعبيرٌ عن حالة من الإحباط يعيشها مثقف يستشعر التهميش ويدرك أنه غير فاعل في واقعه. هذا التضارب الذي يفتعله البعض
ـ وربما عن قصد ـ بين بنيوية بورديو وفعلانية توران، يُعتبر امتداداً لهذه الذهنية التحنيطية التي تصرّ على تصنيف القرّاء والباحثين بوضعهم في قوالب بنيوية أو فعلانية؛ وإن أردنا لغة السياسة، فهي تضع كل من يتبنى قراءة بنيوية للواقع ضمن قائمة «الرجعيين» و«الانهزاميين»، وتعتبر كل من يحلل بمنطق الفعلانية «ثورياً» و«تقدمياً».
لقد قدم بورديو بصفته أحد المهتمين بالتصورات الثقافية في علاقتها بواقع الصراع الاجتماعي، مفاهيمَ على غاية من الدقة، تمكّن من تشخيص هذه الذهنية، لعل أهمها مفهوم «التصنيف» (catégorisation) الذي يرتب من خلاله أصحابُه ذواتِهم، ويتموقعون داخل البنية التي تحتضنهم عبر تصنيفهم لبقية الأعوان الاجتماعيين.
هذا التصنيف هو ضرب من ضروب التميّز distinction، المرتبط بموقع ما داخل الحقل، وبحجم الرأسمال الذي يحمله العون وكذلك نوعيته. معنى ذلك أن المجتمع منظور إليه كفظاء يتموقع فيه الأعوان الاجتماعيون طبقاً لرصيدهم من الرساميل، عبر جملة من الاستراتيجيات طورتها الطبقات التي ينتمون إليها للحفاظ على مواقعها الاجتماعية، وضمان استمرار امتيازاتها التي لاتتحقق إلا بإعادة انتاج الهيمنة (hégémonie). أصحاب تلك الرساميل من الطبقات المهيمنة هم الذين يتحكمون في سوق العرض والطلب داخل المجتمع الذي ينظر إليه كسوق (marché) لتبادل البضاعة المادية والرمزية. رصيدٌ قوي من العلاقات الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية أو غيرها، كفيلٌ بأن يجعل حامله قادراً على التحكم في اللعبة داخل الحقل وإدارتها وفقاً لما تتطلبه مصالحه، لتصبح القيم المتداولة بين مختلف الأعوان في حقل ما، مساهمة في تكريس الهيمنة ودافعة للمهيمن عليهم إلى قبول تلك الهيمنة، بل تشريعها (légitimation) عبر تمثلها وتبنيها إلى حد الدفاع عنها دفاعاً أعمى ،كزنها فيمهم التي أنتجوها بأنفسهم. الطريف في الأمر أن تلك الرساميل التي كان يستحيل انتقالها من طبقة إلى أخرى في نظر الفكر الماركسي الكلاسيكي قابلة للتحويل (capitaux convertibles) بحيث يمكن لحامل الرأسمال الثقافي أن يوظف رصيده ذاك في الحقل السياسي، ولصاحب الرأسمال الاقتصادي أن يبحث عن السلطة والنفوذ في الحقل الرياضي مثلاً ليصبح رمزاً من الرموز في المجتمع كما هو الحال مع رؤساء كبار الجمعيات الرياضية والذين يستغلون موقعهم ذاك لتدعيم ثرواتهم الاقتصادية مستغلين في ذلك ما أحرزوه من «شعبية» ومن رأسمال رمزي قد يؤهلهم للمنافسة على المناصب السياسية ما دامت الجماهير التي تقف وراءهم بصفتهم رموزاً رياضية هي نفس الجماهير التي تشكل الرأي العام السياسي في البلاد. لا يحتاج هذا التحويل إلى إذن مسبق لأن الحقول الاجتماعية مفتوحة على بعضها البعض مادام قانون المنافسة والصراع هو الذي يحكم العلاقات الاجتماعية. فالحقل ليس إذن، كما يتصوره البعض، عالماً صغيراً منغلقاً على ذاته (microcosme fermé)، مما يوحي لنا بأن الفعل والحركة غير منعدمين تماماً، وأن التصور البورديوزي للواقع لا يقوم على قتل الذات وانتفاء الحركة والتحول. أنسب لنا أن نتحدث عن أولوية البنية على العون لدى هذا المفكر من أن نذهب إلى الذات لا وجود لها أصلاً، وهو ما يجيز لنا البحث عن نقاط التقاء بينه وبين توران أول المهتمين بالحركات الاجتماعية ومسألة التغير والتحول منطلقاً بدوره من قراءة نقدية لفكر ماركس باعتباره فكراً يقرّ بأن حركة التاريخ خطية (linéaire) يحكمها منطق تطوري.
انطلاقاً من هذا المجتمع بين المقاربتين سنحاول قراءة الواقع السياسي لمجتعات ذات بنية قَبَلية ـ عشائرية متوسلين في ذلك ببعض المفاهيم التي أنتجها هذان القطبان لفهم الكيفية التي تشتغل بها المؤسسة السياسية في مجتمعات لا تخلو من الهيمنة والصراع الطبقي. لعل أول سمة تطالعنا عند مقاربة هذه البنية هي الانتقالية والتعدي (la transition) إلى بنية حضرية جديدة مما يجعل خطابات الفاعلين السياسيين متضاربة، في الكثير من الأحيان، مع الخطاب السياسي الرسمي، وذاك ما سنحاول إثباته عبر معالجتنا لانخراط المثقف في بوتقة العمل السياسي.
II. الفعل السياسي للمثقف في سياق التحضر الانتقالي
تنطلق بعض القراءات التبسيطية من اعتبار وضعية التحضّر الانتقالي(*) (l`urbanisme transitionnelle) حالة من تصلب البنى التقليدية وتكلسها تبديها مجتمعات يُنظر إليها على أنها تقليدية في مواجهة منها لمنطق التعصير، وهي نظرة تطور إزاءها صورة سلبية باعتبارها غير قابلة للتحضر ومنافية بطبيعتها لمنطق التغير والتحول.
في محاولة منا لتجاوز هذه النظرة التي لا تخلو من خلفية إيديولوجية، يصنّف(**) بمقتضاها أصحابُها المجتمعات إلى «متقدمة» وأخرى «متخلفة»، سنحاول أن نبين أن وضعية التحضر الانتقالي ليست إلا نتاجاً لمسار من التحولات، وبالتالي يقتضي فهمُها ربطَها بذاك المسار ووضْعَها في سياق ديناميكية المجتمع ككل.
فلقد انتقلت هذه المجتعات من نمط حياة يقوم على الأنشطة الاقتصادية المعيشية (تربية الماشية وزراعة الحبوب) إلى اقتصاد السوق بعد انخراطها في منظومة السوق العالمية، بدايةً من سبعينات القرن الماضي، لتعرف تخصصاً في بعض انخراطها في بعض المنتوجات (الزراعات السقوية خصوصاً) ولتصبح حياتها أكثر ارتباطاً بحركة السوق، وذاك من شأنه أن يؤثر في التركيبة الاجتماعية لهذه المجتمعات بأن تتفكك بناها القَبَلية ـ العشائرية وتتلاشى دونما اضمحلال ليقع توظيفها لخدمة البرنامج التحديثي الذي تضطلع به دولة الاستقلال.
فالتحضّر الانتقالي، حينئذ، ليس إلا نتاجاً لمسار التحول الذي شهدته هذه المجتمعات عندما انتقلت من بنية قَبَلية ـ عشائرية إلى بنية جديدة أفرزتها عملية التحديث (modernisation)، وهذا ما يعني أن قراءة بنيوية نهتم فيها بفهم التغيرات الهيكلية التي تلحق البناء الاجتماعي كما يمكن أن تكون قراءة فعلانية تقوم على مفاهيم «التغير» و«التحول» التي تحيل على الجانب الديناميكي.
لعل أقرب مفهوم في علم الاجتماع الفعلاني إلى فهم هذا الواقع الخصوصي هو مفهوم «حقل الفعل التاريخي»(1) (champ d`action historique)، باعتباره يحيل على معاني الفعل (action)، والصراع (champ)، وصنع الفاعلين الاجتماعيين لتاريخهم (historique). فمفهوم الحقل يفترض وجود الصراعات والرهانات والمواقع لا في المجتمع ككل، مثلما يشير إلى ذلك علم الاجتماع الكلاسيكي، وإنما في إطار نشاط اجتماعي مخصوص (الاقتصاد، السياسة، الثقافة، التربية، الفن..) تحت تأثير ظرفية تاريخية محددة. بمعنى آخر، يستمد الفعل الاجتماعي طبيعته من نمط مجتمعي مخصوص (مجتمع ما قبل صناعي، مجتمع صناعي، مجتمع مابعد صناعي، مجتمع تابع…).(***)
هذه النمذجة تفرض علينا تحديداً لطبيعة المجتمع الذي يندرج فيه الفعل السياسي للمثقف، وهو مجتمع تابع، لم تحافظ فيه البنى القديمة على نقاوتها ولم تنجح في الانخراط في النسق الحضري لتكتسب صبغة الحداثة، وهذا ما سيطبع ممارسة المثقف في الحقل السياسي.
لقد شعر هذا الأخير، طيلةَ الفترة البورقيبية في تونس، أنه مقصيّ من دائرة العمل السياسي، لأن المسؤولية السياسة آنذاك كانت موكولة إلى من كان منظوراً إليهم على أنهم قد ناضلوا وصنعوا تاريخ الحزب الحاكم، ولم تُفتح أمامه أبوابُ «المشاركة» السياسية واسعةً إلا في مطلع التسعينات عندما تطور خطاب سياسي جديد، غايتُه تعبئةُ النُخب المثقفة واستحثاثها للمشاركة السياسية، فكان التهافت على المنصب السياسي من قبل الكفاءات كبيراً، ترجمُه انفتاحُ المؤسسة السياسية على حاملي الشهادات العليا؛ وهو ما سينعكس على تركيبتها خصوصاً في الجهات التي شهدت حركة تحضر متسارعة. انخراط المثقف في العمل السياسي، مما يعني أن النؤسسة السياسية ستشهد أشكالاً جديدة من الصراعات والتناقضات.
ففي مستوى تركيبتها يعبر الهيكل التنظيمي بجلاء عن فاعلية المنطق القَبَلي ـ العشائري في صلبها، بحكْم أنها مكونة من خلايا دستورية، تمثل كل منها عرشاً معيناً أو حياً من أحياء المدينة، وهو ما يطرح على المسؤول السياسي على رأسها مهمة التوفيق بين تلك العروش باعتبار تضارب مصالحها واختلاف مواقعها في صلب التركيبة الاجتماعية؛ فيقاس نجاحه في مهمته تلك بمدى إحكامه لإدارة اللعبة السياسية في صلبها. فهو بإزاء منظومة معقدة من العلاقات تتخذ فيها التحالفات بين تلك الخلايا شكلاً أخطبوطياً، متأثرة في ذلك ببعض الأحداث أو القرارات على الصعيد القومي أو الجهوي.
ما يلاحط، في مستوى اشتغال هذه المنظومة، أن البنى القَبَلية ـ العشائرية لا تشتغل فيها نقيّةً لأن التناقضات ليست بين عرش وعرش فقط وإنما هي تخترق كذلك العرش الواحد فتضع خلية ما في مجابهة خلية أخرى(*)، وذاك من شأنه أن يعسر من مهمة المسؤول السياسي في رأب الصدع، لأن التناقض قد يخرج عن إطاره السياسي لتكون له امتدادات اجتماعية يُعسّر تطويقها والسيطرة عليها، وقد تعصف بذاك المسؤول عندما يخشى من أن يتحول ذاك التناقض الثانوي إلى تناقض رئيسي يضع السلطة في حدّ ذاتها موضع سؤال.
إن تعيين مسؤول سياسي جديد على رأس تلك المؤسسة أو خلع مسؤول آخر، على سبيل المثال، قد يفرز تحالفات لم تكن متوقعة ويدفع بشخصيات جديدة إلى دفّة المسرح السياسي. معنى ذلك أن الشرعية لا تستمد من أهلية تلك الشخصية بتحمل تلك المسؤولية بقدر ما تستمد من وظيفتها في إطار نسق معين من التحالفات قد تتجاوز رهانات المتحالفين أنفسهم. فأطراف الفعل السياسي في هذه المنظومة ليست محددة تحديداً آلياً بالبنية القَبَلية ـ العشائرية، وبمعنى آخر، لا يعيدون انتاج تلك البنية بطريقة ميكانيكية تجعلهم سجناء المنطق القَبَلي ـ العشائري وإنما يوجدون، عبر فعلهم السياسي، بنية جديدة تتفتت في إطارها البنية القديمة دون أن تنحل أو تفقد كيانها لأنها ستعيد التشكل من جديد كلما اقتضت الظروف والملابسات ذلك.
إنها حركة تراوح بين التفكك وإعادة التركيب، تُملي على الفاعل الاجتماعي في الحقل السياسي ألا يعرف بالتحديد موقعه ومواقع غيره من الفاعلين، وبالتالي يعجز عن رسم الاستراتيجية المناسبة لكي يكون في قلب اللعبة السياسية ويملك مفاتيح التحكم فيها. فاستراتيجيته هي ألا يتبنّى استراتيجية محددة وألا يكشف عن أوراقه السياسية لأنه يدرك جيداً أنه واقف على أرضية متحركة، وأن صديق اليوم السياسي قد يكون عدو الغد. لعلّ ذلك يمكن تفسيره بأن الاعتبارات القَبَلية ـ العشائرية لاتشتغل في المطلق، وإنما تبعاً لطبيعة المرحلة، أي أن الفاعل السياسي لا يعطي قيمة لانتمائه القَبَلي ـ العشائري إلا بقدر ما يخدم ذلك استراتيجيته ويتناغم مع طموحه السياسي. فكأن التموقع داخل الحقل السياسي لا يكون إلا بالمراوحة بين بنية قَبَلية ـ عشائرية تشد الفاعل إليها شداً قوياً، وبنية حضرية آخذة في التشكّل تفرض عليه الاستقلالية والتحرّر من الأولى.
كيف يمكن أن نفهم هذه النوعية من الممارسات في ظل وضعية التحضر الانتقالي؟ لا بد، في البدء، من التذكير بأن السمة المميزة لهذا التحضر هي الطفرة التي شهدتها بعض المدن في ظرف زمني قياسي في إطار ما سمي بـ «إعادة التوازن بين الجهات» حيث اتجهت عناية الدولة إلى تشجيع التمويلات قصد خلق أقطاب صناعية في جهات عرفت فراغاً حضرياً خلال العشريتين اللتين تلتا الاستقلال، فكان التركيز جلياً على البعد الاقتصادي للتنمية ولم تشهد، في المقابل، البنى الاجتماعية والثقافية تحولات تواكب تلك الانجازات(2). بمعنى آخر، لم تتفتت البنى القَبَلية ـ العشائرية ولم تندثر، بل ظلت تعبر عن وجودها واستمرارها من خلال بعض الممارسات اليومية ومنها الممارسة السياسية. ففي إطار التحضّر الانتقالي أضحت المدينة محل رهان وموضع صراع بين قوى اجتماعية، تعبر عن نفسها من خلال الانتماء العشائري. فبعض العروش التي انخرطت في مسار التحديث تتواجد، عبر مثقفيها وحملة الشهادات العليا، في صلب المؤسسة السياسية، لتمسك بدواليب التجارة والخدمات من داخل المؤسسة لأنه كان يستمد شرعيته من رصيد نضالي أيام حرب التحرير، وهو الآن جاهد في إعادة سالف تلك الأمجاد، إلا أن القاعدة الاقتصادية التي تستند إليها الشرعية السياسية في الظرف الراهن لا تتوافر لديه، مما ينقص من حجمه السياسي. أما البعض الآخر فإن رهانه منصب على النشاط الفلاحي في الريف ولا يتعامل مع المدينة إلا كفضاء تجاري لترويج منتوجاته، لذلك يكون وزنه السياسي صغيراً مقارنة ببقية العروش التي سبق أن أشرنا إليها. فالدعم أو المساندة التي يلقاها المثقف المنخرط في الحقل السياسي لا تعود إلى وزنه كرجل سياسة بقدر ما ترتبط بالوزن الاقتصادي للعرش الذي ينتمي إليه، ومن ثمة يهمش بعض المثقفين لأن عروشهم مهمشة في النسق الحضري الذي هو موضع رهان من قبل الفاعلين السياسيين.
هذه المصالح الاقتصادية التي تعبر عن ذاتها في ثوب سياسي تفضي إلى أشكال معقدة من التحالف في صلب المؤسسة السياسية حتى أن موقع بعض الفاعلين داخلها تُوحي لنا بأنها لا تتناسب مع مواقع عروشهم داخل النسق الحضري. حقيقة الأمر أن التهميش السياسي لأولئك الفاعلين يفرض عليهم البحث عن مواقع لهم حتى وإن تطلّب الأمر انسلاخهم عن الانتماء القَبَلي ـ العشائري، ولكنه انسلاخ ظرفي، لأن المرجعيات القَبَلية ـ العشائرية، في حال تَبَدُّل التركيبة السياسية، تبقى محددة في نهاية المطاف. فالعرش موطن الخلية الدستورية (الشعبة)، وهذه الأخيرة هي التي تضمن استمرار ذاك الفاعل السياسي في صلب المؤسسة السياسية وانسحابه منها. الطريف في الأمر أن الانضمام إلى صف المعارضة السياسية، بغض النظر عمّا إذا كانت معارضة شكلية أو فعلية، قد استند إلى تلك الأرضية القَبَلية ـ العشائرية حتى باتت سمة المعارضة تلحق بهذا العرش أو ذاك.
في خضم هذه المعادلات الصعبة والمعقدة تفقد الشهادةُ التي يحملها المثقف المنخرط في العمل السياسي قيمتَها العلمية، لأن صاحبها يبقى محسوباً على هذا الشق أو ذاك؛ وقد يُلاقي فشلاً ذريعاً وينتهي إلى الإنزواء. ولسائل أن يسأل: ما هو الرهان الذي يحفّز هذا الصنف من المثقفين؟ أهي الرغبة في ممارسة العمل السياسي، أم هو شيء آخر؟
في الحقيقة، لا يتسنّى لنا فهم هذا الرهان مفصولاً عن التوجه العام لمجتمع تحكمه قيم المادة والإحراز على أقصى ما يمكن من الامتيازات ودرجات الشهرة. فالمثقف، كغيره من الطامحين إلى تحقيق ذلك، يُدرك حيداً أن سبيل الثروة لا يُفتح أمامه إلا إذا نجح في تحويل رأسماله الثقافي إلى رأسمال سياسي، يمكّنه من احتلال منصب مرموق، كأن يُصبح عضواً في مجلس النوّاب، أو في اللجان المركزية للحزب. وربما حالفه الحظ بالارتقاء إلى رتبة كاتب دولة أو وزير. فالامتيازات المادية والمعنوية المقرونة في ذهن هذا المثقف بهذا الارتقاء عديدة (قروض للحصول على سيارة ومسكن، حصانة برلمانية، شخصية مشعّة جهوياً ووطنياً..)، لذلك يتطلّب منه الانخراط في العمل السياسي تضحيات كثيرة وتنازلات عديدة تصل حدّ التخلّي والتنكّر لمبادئ كان قد حملها ودافع عنها أيام كان طالباً بالجامعة، وحجّته في ذلك أن النظرية شيء والواقع شيء آخر. فكأن سيادة الحزب الواحد في بلاده تُلزمه بألا يُناضل في سبيل إرساء قيم العدالة والديمقراطية، وبأن ينحني أمام متطلبات الليبرالية الجديدة تحت وطأة الضغوط التي يسلّطها تيار العولمة على شعوب لم تنجح بعد في التخلّص من ربقة التبعية.
ينقلنا مسار التحليل من الحديث عن أوضاع المثقف في مجتمع بعينه، إلى الحديث عن دور المثقف العربي ـ بصفة عامة ـ
في مجتمعاتٍ تشهد هجمة شرسة تستهدف ثقافتها وقيمها وتراثها. والغاية من ذلك هي إعادة تشكيل بُناها بما يتوافق مع مصالح الطرف المهيمن على المنظومة العالمية على المدى القصير والطويل.

…………التتمة في العدد

الثورة العربية: الواقعة والتأويلات
زهير الخويلدي

استهلال
لعلّ الحديث عن الثورة هذه الأيام هو حديث تَنشد إليه الأنفس وتَطرب له الآذان، خصوصاً عندما ينبع من الوجدان، ويلهج به لسان عايش الثورة عن قُرْب، ويردد أهازيجها حينما يكون أمام ثلة من الفاعلين فيها والقائمين بها والذين قدّموا الغالي والنفيس من أجلها، ولعلّ أيضاً فهم أحداثـها وتذكُّر أيامها والتوقّف عند محطاتـها يتطلّب تأويلاً لامتناهياً لوقائعها وآلياتها، واستشرافاً لمستقبلها وغاياتها.
غير أن موضوع: «الثورة عند العرب» يستحق تحليلاً عميقا يعتمد على كلِّ ما يوفره الحسّ السليم ـ bon sens من آراء واعتقادات، وما تتلفّظ به الجماهير من تصريحات حماسية وأقوال عفوية تحاول الوصول إلى نتائج فورية إما عن طريق الغريزة أو عبْر نوع من الحدس الذي تغذيه التجربة المشتركة، ولكنه أيضاً يستثمر مقاربات العقل الأداتي Raison instrumentale، الذي بذل جهوداً كبيرة عن طريق وسائل الاتصال الحديثة من أجل توطيد العلاقة بين الأسباب والنتائج، وربط سلسلة من الظواهر الطبيعية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية بالحجج المنطقية والقواعد الكلية التي تفسرها.
بَيْد أن أهمية الموضوع والفيض الديمقراطي الذي أفرزه واشعله على المنطقة العربية يستوجب التسلّح بالعقل الفلسفي التواصلي ـ Raison philosophique communicationnelle ـ
والاستراتيجيات التأويلية من أجل فهم عميق لواقعة الثورة قصد تخليص المعطيات التي توفرها التجربة الإنسانية العامة في طابعها التلقائي المشتّت، وفهم الركائز المقولية Bases categorielles التي تشتغل وفقها التقنيات الإتصالية والتجارب الميدانية وإعادة بنائها في لوحة نظرية واحدة وفق جملة مفهومية شاملة تعبّر عن معرفة ناظمة تعكس تدفق الأحداث ونُبْل المقاصد وشرعية الوسائل وحيوية الأفعال ونضالية الحركات وتألق الفاعلين.
عندئذ يكون الحديث الفلسفي هو الحديث الأصيل لأن «الفلسفة هي اتخاذ موقع معقول بالمقارنة مع كلية الواقع»(2)، وأنها تنشد هدفين: هدف معرفي هو توحيد مكتمل لمختلف الأنساق، وهدف عملي يتمثل في تحقيق التساوق مع القيم. ان ما يضيفه العقل الفلسفي التأويلي هو التعرّف على مستويات جديدة من التفكير يتمثلها الثوار بشكل صامت وعفوي قبل الثورة، وكانت هي المحددات الشرطية للسلوك الثوري والسماح لها بأن تعبّر عن نفسها من خلال التفكير المقولي والمجهود النظري وشغل النص الفلسفي.
إن الأمر يتعلّق بالبحث عن الطبقة المقولية التي يخفيها الخطاب الثوري وتكتنز بها الثقافة الثورية واستخراج المشترك العملي والتصوّر النظري عند جميع الناس لحظة الثورة، وتَبْـيِّن مدى الانخراط في جملة من الأسس المعرفية والمبادئ التوجيهية للفعل يمكن تسميتها بالعقل الجمهوري العامل الذي يتميز بتحويل الحدث الافتراضي إلى تجربة ملموسة وحقيقة معاشة.
إن العنوان بهذه الصيغة: «ثورة الشباب العربي هل هي فرصة للقطع مع الماضي؟»، يتضمن فرضية قَبْلية تُشير إلى أن الشباب دون غيرهم كانوا القلب النابض للثورة، وأنهم منحوا الشعب فرصة للقطع مع الماضي. إن المسلمات الضمنية لمثل هذا الإدّعاء هي مساهمة فئات أخرى في الثورة مثل الأطفال والكهول والعاطلين والنساء والشيوخ والعمال والمثقفين.. وبالتالي رفع شعار ثورة الشباب على أهميته فيه كثير من التعميم وعدم الإنصاف.
من جهة ثانية، إن التمعن في لفظة فرصة المذكورة في العنوان، يُحيل مباشرة إلى المخاطر التي تتهدد الثورة وتحوِّل الفعل الثوري إلى ظرف طارئ واستثناء، وليس قاعدة ووضع مستقر وإمكانية ضياع المكاسب وظهور عوائق وقوى مضادة للثورة تعيد إنتاج النظام البائد وتواصل نفس السياسة الإرتجالية وتؤبد المنظومة الشمولية، وتمنهج الفساد والاستغلال.
كما يثير العنوان مفارقة تتمثل في التأكيد على ضرورة القطع مع الماضي والقيام بمراجعات نقدية لمضامين الفكر وشروط العمل، وكيف اشتغال المؤسسات، وفي الآن نفسه يفترض أن يحرص الجميع على بناء الكتلة التاريخية ويدخلوا في التحالف والعمل الجبهوي قصد تخطي منطق الإقصاء والتهميش وبلوغ درجة من التفاهم بين مختلف القوى المتعددة والرؤى المتباينة من أجل صناعة المشترك الديمقراطي وبناء الفضاء المواطني مستقبلاً.
إن ما يخفيه مثل هذا القول، أن الثورة منذ انطلاقتها قد سعت إلى تحطيم رواسب الماضي والإجهاز على البُنى التقليدية، وكنس قلاع الاستبداد. ربما قد يحصل كل ذلك دون أن يقوم أي طرف بمراجعات نقدية من جهة نظرية وبتحرير الممارسة العملية على الرغم من تفشي منطق الإقصاء والتهميش والتنازع بين الحساسيات والمجموعات.
إن هذا المُعطى يفسّر بافتراض أول؛ وهو أن الثورة حصلت دون التعويل على الثقافة المعارضة السائدة ودون حدوث تقريب بين وجهات النظر المتباينة.، إن قوى الشعب الثائرة عوَّلت على نفسها.
أما الافتراض الثاني فيتمثل في أن الثورة أسست لنوع جديد من التواصل مع الذاكرة النضالية، واستمرت في مراكمة الاحتجاجات وتكثيف موجات الغضب، وحوَّلت التذمّر إلى لغة الحياة اليومية. وبذلك عِوَضَ أن تقوم على منطق القطع والانكسار والفصل، ارتكزت على منطق المصالحة والانغراس في التربة الوطنية والترسّب والمراكمة.
غني عن البيان أن خطة البحث في هذا الانشغال الفردي والجماعي يتوزع إلى خمس مقامات:
1) كيف يمكن أن نفهم وقوع الثورة في هذا الزمن بالذات وليس قبله أو بعده؟
2) هل أحدثت الثورة قطيعة جذرية مع الماضي أم أنها حافظت على نفس الهيكلية العامة التي تنظم قواعد تصريف الشأن العام في تونس؟
3) هل جاءت الثورة التونسية نتيجةَ تشكّل فكر ثوري تغلغل في الجماهير وغذى انتفاضتهم المباركة ضد الظلم والتعسف والتمييز؟
4) من هم الفاعلون الحقيقيون في الثورة؟ وإلى من يمكن اسناد الفعل الثوري؟ ومن هو الثوري الحقيقي حسب المشهد العربي في تونس؟
5) هل يجوز اعتبار ما حصل في تونس ثورة ديمقراطية أم هبة من أجل الديموقراطية؟
إن رهان النظر ههنا يكمن في التخلّي عن الانتقاد والتشكيك في المسيرة الثورية للشعب نحو دولة الديمقراطية والمؤسسات العادلة، والابتعاد عن الفهم الفوضوي للحرية والتركيز على البنائية، وتحمل المسؤولية التاريخية تجاه مستقبل الحياة في هذا الوطن العزيز والاعتقاد في وجاهة القيم التي نهضت نحوها هِمَمُ الثوار، وضحوا بأنفسهم من أجلها.
I. تأويلات الواقعة:
﴿اذا وقعت الواقعة، ليس لوقعتها كاذبة، خافضة رافعة﴾(3)
لقد هبطت الثورة العربية واقعة برداً وسلاماً على المظلومين والمضطهدين وثبتت عزائمهم وأثلجت صدورهم وجعلتهم يضربون في الأرض وينقحون الأفق، ولكنها نزلت ناراً وجحيماً على الظالمين والفاسدين وزلزلت القصور والعروش ودفعت المذعورين إلى الفرار بجلودهم والسارقين إلى اخفاء معالم جرائمهم. فما الذي وقع الآن وهنا في العمق الترابي؟ ولماذا وقع الذي وقع؟ وكيف كان هذا الوقوع ممكنا؟
إن تأويل الواقعة في هذه النقطة بالذات يضيع في الوقائع المتعاقبة بسرعة وفي تعدد التأويلات، وعلى هذا النحو يمكن تأويل لفظ الواقعة القرآني على أنحاء ثلاث:
1) حدث غير متوقع وفجائي واستثنائي انفلت من كل الحسابات والتوقعات مثلما عبّر عن ذلك الفيلسوف الفرنسي إدغار موران بلفظ Imprévisible.
2) أمر عادي ومتداول يعبّر عن حركة التاريخ وانتقال الأحداث من مرحلة إلى أخرى، ونتيجة منطقية لانغلاق العالم السياسي ومآل منتظر لنظام أصيب بالتآكل البطيء منذ تشكله.
3) همزة وصل بين عالم الشهادة وعالم الغيب، وبرزخ بين خط الناسوت وخط اللاهوت، واستجابة إنسية إلى نداء وجودي ولطف إلٓهي بالعباد المستغيثة وتعبير عن غلبة قوى الخير على قوى الشر وانتصار الحق واندحار الباطل.
لكن كيف يمكن تأويل وقوع الواقعة وحدوث الثورة؟ ما نلاحظه أنه توجد ثلاث تأويلات حول واقعة الثورة العربية:
1) ثورة برجوازية ساهم فيها شباب الفايسبوك Facebook وحوّلت السخرية والنقد والتمرّد في العالم الافتراضي إلى الواقع العيني، وسميت بـ «ثورة الياسمين»، وكانت مطالبها ليبرالية متمثّلة في الحريات والحقوق .
2) ثورة اجتماعية قادها العمال والناشطون والنقابيون، وفجرت تطاحناً طبقياً، وأظهرت تصميم الفئات الشعبية على التخلّص من الحكم المركزي وفرض إرادة الشعب.
3) ثورة أخلاقية ثقافية ذات أرضية دينية صلبة، وظَّفت الرموز الإيمانية ضد الفساد والاستبداد، وواجهت العولمة المتوحشة بقيم روحية وتقاليد نيرة.
غير أن ما نقترحه هو تأويل تعددي يتفهم واقعة الثورة في سياقها الاجتماعي الواسع، ويضم المركز إلى الأطراف، ضمن منهج مركّب ومضمون متنوع الأبعاد يربط بين المصالحة مع الهوية والإنتصار للكرامة، ويستثمر القيم الكونية ويتفاعل مع الغيرية الجذرية ويبحث عن تأصيل للقيم والمبادئ بالاعتماد على فلسفة الضاد.
اللافت للنظر أن الثورة لم تقتصر على جهة بعينها أو بلد واحد، وإنما اشعلت لهيبها في القلب وازدادت نيرانها بمرور الأيام في كل مكان، وربما كان التناقض بين أصحاب رؤوس المال والأُجَرَاء أحد عوامل تفجرها؛ وربما أيضاً مثلت التجارب الإصلاحية تقريباً خطواتٍ تمهيدية نحو تفجّر الأوضاع، بل تصاعدت لتشمل عدة بلدان وتأخذ أشكالاً أخرى وتتبدل وسائلها، وصار بالإمكان الحديث عن الثورة الدائمة ولكن ليس بالمعنى التروتسكي، وإنما ثورة الفهم من أجل تفكيك المنظومة الشمولية وتمرّد العقل الجمهوري على التفكير ذي البعد الواحد.
من هذا المنطلق يمكن أن نسميها ثورة عربية في تونس ذات توجّه وطني، ألفت بين قلوب قوى الشعب الناهضة وجعلت الجماهير تتوحد في صورة جسد واحد الذي قام ضد الفساد. كما يمكن أن نتتبع العلاقة بين الثورة والإسلام، ونفهم الإسلام على أنه ثورة ضد الظلم والفساد ومحاولة لإرساء العدل والصلاح في الأرض، أو على الأقل نعتبر القيم الروحية الصافية لهذا الدين قد مثّلت أحد العوامل التي غذّت الثورة وخاصة في النهي عن المنكر والاصداح بالحق.
إن الفهم الاجتهادي التأويلي للإسلام عامة وللقرآن والحديث خاصة قد يوفر للناس نموذجاً في الحياة لايجدونه في الواقع، ولا يمكنهم التخلّي عنه وتجاوزه على مستوى الحلم والذهن. لكن لا نستطيع أن نطلب من الناس أن يكونوا مؤمنين بشكل مطلق، ولكنهم يوجدون في الواقع ويعيشون الإسلام بجوارحهم وعقولهم وقلوبهم على نحو جزئي. ولذلك هم عندما يقارنون بين الوقائع والمُثُل، وبين المنشود والموجود، يشعرون بالهوة وينهضون نحو التدارك والكدح.
غير أن تضمّن الإسلام لقيم المحبة والمودة بالنسبة للجماعة الإنسانية، وتأكيده على صلة الرحم ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف في علاقته بالغير قد مثلت المحرك الروحي والأخلاقي للثورة وساهمت في تحفيزها وإنضاجها ودفعها إلى الأمام لتستكمل مسيرتها.
كما أن الفقهاء ينقسمون إلى صنفين:
ـ الصنف الأول:
هم فقهاء السلاطين الذين يدعون إلى طاعة أُوَلي الأمر في كل حالة ويحرّمون الخروج على الحكّام ويستندون إلى مبدأ شهير هو: «سلطان غشوم ولا فتنة تدوم».
ـ الصنف الثاني:
هم فقهاء الأمة، ويمرون من العقيدة إلى الثورة ويرون بضرورة الخروج على الحكام المستبدين بُغْية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإظهار العدل. ويستندون إلى مبدأ شهير هو: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».
من هذا المنظور يمكن أن نعتبر الثورة واقعة، ونتدبر تأويليّاً واقعة الثورة بأنها حدث تاريخي استثنائي في التاريخ المعاصر سيكون له ما قبله وما بعده. فالثورة قامت بتكذيب كل التوقعات والتقارير المحبطة للعزائم والمتشائمة والتي تساند التوريث وتناشد من أجل التمديد. زد على ذلك يمكن أن نقرّ بأن الثورة رفعت رايات الحق والعدل والحرية والكرامة… وخفَّضت ألواح السيطرة والهيمنة والاحتكار والتفويض… وفَعَّلت مقولات العقل الجمهوري عند الفارابي والعدل عند ابن خلدون والحرية عند ابن رشد والإنصاف كما جاء في المدونة الفقهية.
يتبين إذن أن المقصود هو أن واقعة الثورة هي حقيقة مطلقة وحدث غير قابل للتكذيب، وأنها خَفَضَت المستبدين المفسدين، ورَفَعَت الأحرار والصالحين والمناضلين درجات في سُلَّم الوجود. لكن هل احتاجت الثورة ـ لكي تقع ـ إلى ميلاد ثقافة ثورية؟ وإلى مدى قطعت ثورة الشباب مع الماضي وأحدثت ثورة ثقافية؟
II. الثورة الثقافية والقطيعة الابستيمولوجية
«كان ثمّة بالأمس، من بين الشعب. عبيداً واليوم أصبح للشعب أعداء»(4)
من طبيعة الثورات أنها تمثل نقطة اللاعودة مع الماضي وتمثل منعطفاً وتحدث تحولاً وتقوم بمنعرج حاسم على جميع الأصعدة السياسية أولاً والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ثانياً. وهذه المُجْريات تحدث بفضل حسم الجديد معركته مع القديم، والتمكّن من هدمه وتحطيمه والإجهاز عليه. وتسمَّى هذه العملية قطيعة Rupture، ويدل هذا اللفظ المشتق من الجذر اللاتيني Rumpere على الإنكسار في معناه الفيزيائي، وعلى إلغاء الاتفاق والتنصّل من كل علاقة والانقطاع واللااستمرار والانفصال والتعارض بين حالة حاضرة والحالة التي سبقتها مباشرة.
كما يمكن الحديث عن قطيعة أبستيمولوجية عند غاستون باشلار بمعنى الانفصال التام وفك الارتباط الجذري بين التصوّر غير العلمي السابق والتصوّر العلمي اللاحق للواقع. من هذا المنطلق تمنع القطيعة الأبستيمولوجية العقل العلمي من التفكير في اللاعلمي بوصفه ما قبل علمي. وعلى نفس المنوال لا يجوز لنا أن نعتبر كل التاريخ الذي سبق الثورة على أنه خالٍ من الفعل الثوري، بل يجب أن نفهم ذلك على أنه مراكمة له وإعداد بطريقة مخملية صامتة.
إذا كان للثورة أن تكون انكساراً في مسار التاريخ، فإنه يجب أن يكون في صورة قَطِع مع الماضي الشمولي والاقصائي والنخبوي، ولكن في نفس الوقت يظلّ التواصل مستمراً مع الماضي المجيد والجانب النير من التراث والقيم الأصيلة، وتعمل التحولات الثورة على إعادة إظهارها وبنائها وتعزيزها وتطويرها. لقد قامت الثورة بشطب الديكتاتور وهي الآن بصدد تفكيك المنظومة الشمولية والتخلص من العقلية الجهوية والفئوية في سياسة الناس.
إن النضالات التي قام بها الثوار كانت تراهن على تجسيم العروة الوثقى بين المرجعيات الفكرية والوحدة بين القوى الاجتماعية على أرض الواقع، وتفتش عن إتيقا التحرّر، وتعتني بمطلب المعنى، وتعمل على إرضاء الرغبة في الاعتراف والانتصار للكرامة.
إن التفكير الفلسفي في الثورة لا يتمثل في التبشير بها والدعاية لها فقط، ولا يتوقف عن وصف أحداثها وانتقاء جملة من الدروس والعبر منها بطريقة غير منهجية، وإنما يجب أن يكون تفكيراً ثائراً، ولا بُدَّ أن ينخرط في تجاربها ويحاول قدر الامكان إعادة بناء ما جرى من جهة المنطق والأخلاق والميتافيزيقا ضمن فلسفة شاملة للتاريخ البشري والعقل الكوني.
إن كرامة الشخص الإنساني هي قيمته التامة والعليا من حيث هو شخص، وهذا يؤسس نوعاً من المطالبة العميقة من طرف كائن بشري بأن يُعترف به كإنسان من طرف كائن بشري آخر مهما كانت الفوارق في الرتبة أو القدرة أو الرأي أو الدين أو الانتماء الإثني.
إن الأمر يتعلق بمطالبة تامة بحق الاحترام وببلوغ درجة من شفافية المجتمع الواعي بذاته وتثمين جوهري للنوعية الانسانية المغروسة في كل انسان ضد كل أشكال الإستخفاف أو الإحتقار أو التنقيص أو الإستغلال أو الإستعباد أو السلب أو العنف الجسدي والمعنوي.
لقد فتحت الثورة الطريق نحو وضع التوازي بين العدالة والصداقة مع الاعتراف المتبادل. كما أصبح الحلم العربي بالوحدة والدولة العصرية والنظام الديمقراطي حقيقة معاشة ومحايثة للواقع اليومي، وبزغ إلى الوجود عالم جديد، وجِسْم سياسي مختلف في طور الظهور والتشكّل.
إن الثورة العربية هي حدث له أهمية كبيرة في التاريخ المعاصر ويدشّن مرحلةً تاريخية جديدة مليئة بالتحولات والتغيرات وقد تحمل معها موجات إيديولوجية ضاغطة، نتج عنها ارتدادات كبيرة في تاريخ الفكر السياسي. ولعلّها ستأتي بالعديد من المكاسب والمزايا بالنسبة إلى الشعوب. كما جاءت الثورة لتكذِّب قول سقراط: «التعرض إلى اللاعدالة أحسن من ارتكابها». لكن ما هي العلاقة بين الثورة الفعلية والفعل الثوري؟
III. الثورة الاجتماعية والفكر الثوري
«لا يستقيم التفوّق إلا إذا تمَّ الاعتراف به»(5)
الإشكالية التي تُعالَج هنا تقليدية إلى أبعد حد، وتمثل علاقة الفكر بالمجتمع وتُطرَح كما يلي: هل الفكر الثوري هو الذي أثمر الثورة الاجتماعية التي غيّرت الواقع وقَلَبَتْ المشهد السياسي رأساً على عقب؟ ولماذا لا تكون الثورة هي نفسها التي زلّزلت بُنية الفكر التقليدية، وحرّرت الإرادة من الانفعالات السلبية، وأنتجت قيمة مضافة وفائض في المعنى وتجديداً في الأخلاق؟
لا أحد من الناشطين والتوجهات في الساحة العربية يستطيع أن يدَّعي أنه قد مثَّل الثورة الشعبية بمفرده ووقف وحده وراء تفجّرها، ولا أحد يزعم أن فكره الثوري هو المنهج المتكامل للتغيير الاجتماعي، بل يمكن القول أنه لا أحد من التيارات أَبْدَى جاهزية واقتداراً على اقتراح وسائل معلومة للإمساك بالسلطة وملء الفراغ والقدرة على إدارة البلاد. كما أن تأثير الفلاسفة والكتّاب والمثقفين في الجماهير كان ضعيفاً، وذلك لانطوائهم على ذاتهم واتصافهم بالنخبوية، بينما التحم الناس بثقافتهم الوطنية وخصوصيتهم اليومية؛ بالمقابل إن الشعب ظلَّ منذ وقت طويل وتحت تأثير الآراء السياسية الشمولية. مرتبطاً هيكلياً بالمؤسسات الرسمية القائمة، ويرى وجودها أمراً ضرورياً من أجل المحافظة على معاشه.
إن الثورة العربية تتحقق تدريجياً حاملة معها العديد من المفاجأت، وتتبلّور تحت ضغط الأحداث المباغتة، ولم تعرف مراكمة طويلة من العمل السياسي المنظّم الذي مثَّل تحدياً إيديولوجيا للنظام السائد مثل الثورات الفرنسية والروسية والإيرانية. هذا المُعطى هو في العمق يدعو إلى التفكير والحيرة ويطرح الإشكال التالي:
ـ هل كانت الثورة العربية دون نظريات سابقة ودون نقاط مرجعيات وقبلات توجّه ودون أفكار؟
ـ كيف مرَّ الثوار مباشرة إلى العمل والفعل والممارسة دون الاستناد إلى تجارب يحاكونها ومعارف يطبقونها؟
ـ هل تكون الثورة العربية هي الثورة الأولى التي نجحت دون تنظير مسبق، والنموذج الوحيد الذي اشتغل فيه الناس بالالتزام التام والبراكسيس الفردي والجماعي؟
والحقّ أن الثورة العربية جاءت نتيجة السياسة الخاطئة التي اتّبعت اقتصادَ السوق والخصخصة، ومن أجل مواجهة النزعة النفعية والليبرالية الجديدة والتيار المحافظ الجديد في الفكر العربي. كما أن العنوان الأول هو أحقيَّة الشغل ورفض الفساد باسم الاحتكام إلى المصلحة المشتركة ورفض التملّك الفردي المشط وكل أشكال التمييز والحرمان.
إن السياسة الثورية هي سياسة شعبية تعتمد على المخزون النضالي للجماهير الذي مازال ينبض بالحياة ويوجّه سلوك الناس؛ وإن الثورة تحوّلت إلى الأداة الشرعية التي أعادت مصالحة الشعب مع نفسه ووحدته. وبرهنت مجدداً على «إن المبادئ الأساسية في كل سياسة هي الحرية والعدالة»(6).
لقد أحدث الإنسان المتمرّد جرحاً غير قابل للإندمال في العالم بين طموحه نحو السعادة والعدالة والظروف الحدية التي تتصف بالتوتر والحرمان. وتراوَحَ رده على هذا التحدّي بين الصمت والتعجب! ولكن الإنسان الثائر حوَّلَ هذه الدهشة إلى تساؤلات وهذا التمرّد إلى ثورة. «إن العبث تأثر، والتمرّد إرادة. وإن العبد الذي ينتفض على سيّده لا ينفي سيّده فحسب، بل يثبت أنه على حق»(7)
غير أن الثائر ينفي سيده ويعلن أنه كان ولايزال على باطل.
لكن كيف حازت الثورة على الاعتراف الدولي والشعبي بهذه السرعة؟ «ان الاعتراف لا يأتي بالغصب ولا يُنال بالتخويف بالتهديد والإغراء، أي في النهاية عبْر التوسل بالسفسطة. إن الاعتراف لا يحصل إلا إذا كان مقبولاً بصورة نقدية»(8).
لقد حازت الثورة العربية على الاعتراف لأنها كانت معقولة ومنطقية، ولأن الأدوات التي استخدمتها كانت مدنية وسلمية، والمطالب كانت شرعية وشعبية، والقيم التي ناضلت من أجلها حضارية وكونية. ولكن الاعتراف بالحقوق بشكل تام لا يحصل إلا عندما يتركز حكم راشد.
إن تفوّق الثوار لا ينتظر من أحد أن يعترف به، بل هم قد انتزعوا الاعتراف بفضل سموهم ورفعتهم ونبل مقاصدهم، وتحولوا إلى مرجع المشروعية وأصبح الآخرون يستجدون منهم الاعتراف.
لقد استندت الثورة العربية إلى عدّة مصادر اقتصادية وسياسية ودينية وفكرية.. ومثّلت قيم الديمقراطية ومنظومة حقوق الإنسان والثقافة القانونية  وسيادة الدولة المرجعية التي استلهم منها الثوار رؤيتهم الانتفاضية واستراتيجياتهم الميدانية والأهداف التي يسعون إلى تحصيلها. كما أن حالة الإحباط التي عانى منها الشعب بسبب ديمقراطية الواجهات والشعارات التجميلية الفارغة دفعته إلى الاحتكام إلى الوعود القانونية ونصوص الدساتير الموضوعة نفسها من أجل التنصيص على اللاديمقراطية المتبعة في العهد البائد وحاجتهم إلى ديمقراطية ناجعة وملموسة والمطالبة بالتمتّع الفوري والمباشر بالحقوق الأساسية والطبيعية. لكن ماذا صنعت التجربة الثورية مع النظام السائد والثقافة الماضية؟

…………. التتمة في العدد

تجديد النظر في المصلحة في الفكر الإسلامي الحديث
حمادي ذويب

لقد ركّزت هذه الدّراسات بشكل خاصّ على بحث المواقف القديمة من المصلحة إن على المستوى الأصولي النظري أو على الصعيد الفقهي العملي. لذلك آثرنا أن نولّي وجهة بحثنا شطر مصادر الفكر الإسلامي الحديث منذ بداية عصر النهضة وإلى حدود منتصف القرن العشرين أو بعده بقليل. فانطلقنا من كتابَي محمد الطاهر ابن عاشور (ت 1973 م) وعلاّل الفاسي (ت 1973م) حول مقاصد الشريعة. فلمسنا من خلالهما المنزلة الأثيرة التي حظيت بها المصلحة لدى روّاد النهضة والإصلاح بشكل خاص فهي أداة رئيسة للإصلاح ولمواكبة التغير وتوسيع آفاق الشريعة. وقد عبّر عبد الوهاب خلاّف (ت 1956 م) عن هذه الحاجة بقوله: «لو لم يفتح للمجتهدين باب التشريع بالاستصلاح ضاقت الشريعة الإسلاميّة عن مصالح العباد وقصرت عن حاجاتهم ولم تصلح لمسايرة مختلف الأزمنة والأمكنة والبيئات والأحوال مع أنّها الشريعة العامّة لكافّة النّاس، وخاتمة الشرائع السماويّة كلها»(2). وانتقلنا بعد هذين الكتابين إلى كتب أخرى سياسيّة وتاريخيّة واجتماعيّة كتبها علماء المشرق أو المغرب الإسلاميين فبيّنّا من خلالها منزلة المصلحة. ولم يكن شاغلنا خلال بحثنا أن ندرس المصلحة في الفكر الإسلامي الحديث درساً أكاديميّاً يقف عند مفهومها وأنواعها وتقسيماتها، بل كان همّنا منصبّاً على البحث عن مدى التقليد أو التجديد في مقاربات المفكّرين المحدثين للمصلحة؛ لذلك بعد أن جردنا المواقف الحديثة من المصلحة في كتب كثيرة نراها مجرّد نماذج تحتاج إلى أن تتوسّع لتشمل مناطق جغرافيّة ما زال الحصول على مصادر أعلام نهضتها عسيراً، ارتأينا أن نقوم بعمل تأليفي نذكر فيه أهمّ الأسس التي بدا لنا أنّها تشكّل عناصر التجديد في مقاربة المصلحة في الفكر الإسلامي الحديث. وقد لا تكون هذه الأسس المستندات الوحيدة للتجديد لكنّها نواة أولى تصلح لمزيد البحث والتوسع في بحوث أخرى. وأمّا الجانب العملي والتطبيقي في هذا العمل فقد جاء مقتضباً نوعاً ما رغم أهميته الكبيرة، ففيه التجلي الحقيقي لتوظيف المصلحة في مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصاديّة والعلميّة والدينيّة. وقد كانت المصلحة في كل هذه الميادين سنداً للمصلحين لفتح الواقع الإسلامي على المستحدثات والمخترعات التي لا تصدم قواطع الشرع، وجعل الشريعة متكيفة مع الجديد الحادث غير منغلقة على نفسها مكتفية بالنظر إلى الماضي. ولا شكّ أنّ ما كتب من فتاوى ومن كتب مستقلّة تعتمد على المصلحة وعلى غيرها من الأصول لشرْعنة المستحدث من العلوم والمخترعات وغيرها يحتاج إلى دراسات عميقة وشاملة لتبيّن مختلف مجالات توظيف المصلحة وحجج موظّفيها وردود الفعل عليها. إنّ هذه الدراسات هي بعض الوفاء بالدين الذي ندين به لأصحاب هذه الكتب فلولاهم لما كناٍّ ننعم بكثير من المخترعات التي كان الكثيرون ينظرون إليها بعين الاستهجان لأنّها متأتّية من غير دار الإسلام.
لقد كانت المصلحة في أغلب كتب أصول الفقه القديمة مهمّشة غير معترف بها دليلاً أو أصلاً للتشريع مستقلاً، لذلك لم يكن يخصّص لها مبحث قائم بذاته، بل كانت تدرس ضمن مباحث القياس والعلّة. وكانت توسم بأنها من الأصول المختلف فيها أو الموهومة. وقد شخّص الشيخ محمّد الطاهر بن عاشور وضْعَ المصلحة والمقاصد ضمن علم أصول الفقه قائلاً: «إنّ علم أصول الفقه نشأت فيه أسباب توجب اختلالاً في تعاطيه منها الغفلة عن مقاصد الشريعة فلم يدوّنوها في الأصول إنّما اثبتوا شيئاً قليلاً في مسالك العلّة مثل مبحث المناسبة والإخالة والمصلحة المرسلة. وكان الأولى أن تكون الأصول الأولى للأصول لأنّ بها يرتفع خلاف كبير»(3)، ولئن تواصل هذا الحال في بعض كتب أصول الفقه التقليدية في بداية العصر الحديث خاصّة(4)، فإنّ أغلب الكتب التي درست علم أصول الفقه خصّصت مبحثاً للمصلحة المرسلة، بل إنّ بعضها اعتبر المصلحة المرسلة دليلاً سادساً(5). ومع ذلك فإنّ الموقف الجديد من المصلحة عموماً ومن المصلحة المرسلة بشكل خاصّ نجده في غير الكتب التي درست أصول الفقه. وهكذا برز المقوّم الرئيسي لتجديد النظر في المصلحة، وهو اعتبارها قاعدةً جوهرية للدّين وأصلاً مكيناً للأحكام الدنيوية. وبرز هذا الموقف جلياً منذ بداية عصر النهضة. فقد اعتبر محمد عبده (ت 1905 م) أنّ الدين إنّما جاء لمصلحة النّاس وأنّ من أصوله منع الضرر والضرار(6). وبناء على هذا اعتمد عبده في فتاويه التي أصدرها على الأصول الأربعة للتشريع، وكذلك على الأصول التكميلية كالمصلحة والاستحسان والعرف. ونادى بمنع تعدّد الزوجات اعتمادا على قاعدة» درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح»(7).
ويعدّ رشيد رضا (ت 1935 م) الرائد الحديث الأكثر توسعاً في استخدام المصلحة مستنداً للتجديد في المجالين الفقهي والسياسي. وقد أعلن صراحة «أنّ المصلحة هي الأصل في جميع الأحكام الدنيوية»(8). وأنّ «من علامات استعداد الأمم للإصلاح الإسلامي النظر في أصول هذا الإصلاح… ومنها جعل أحكام الشريعة دائرة على درء المفاسد وحفظ المصالح وتحكيم العُرْف»(9).
ولم يقتصر الاحتفاء بالمصلحة أصلاً للأحكام الدنيوية والمعاملات على علماء مصر والمشرق بل شمل أيضا علماء المغرب الإسلامي؛ ففي رسالة كتبها المؤرّخ التونسي ابن أبي الضياف (ت 1874 م) سنة ثمان وستّين وثمانمائة وألف، تنويهاً بصدور كتاب خيرالدين (ت 1899 م) «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»(10) خاطبه قائلاً: «أوضحت فيه من قواعد شريعتنا المحمدية الصالحة لكلّ زمان بما فيها من اعتبار المصالح والاستحسان»(11). وقد بيّن خيرالدين فعلاً أنّ من أصول الشريعة «اعتبار المصالح المناسبة للوقت والحال وتقديم درء المفاسد على جلب المصالح»(12). وفي الإطار نفسه بيّن ابن أبي الضياف أنّ ركائز قانون الملك الإسلامي هو «القرآن العظيم وأقوال الرسول… ثمّ استنباط الأئمة المجتهدين من الكتاب والسنة بالقياس وحفظ مقاصد الشريعة في الخلق لأنّها جاءت لإخراج المكلّف عن داعية هواه في جميع الأحوال من عبادة ومعاملة حتّى في الملك الذي هو ضروري للاجتماع الإنساني، فأجرته على قانون ومنهاج قويم من الدين في شروط صاحبه، وما يجب عليه من العدل والرفق والأمانة واتّباع المصلحة وإن خالفت هواه…»(13).
وقد تواصل اعتبارْ المصلحة لدى أغلب علماء الأجيال اللاحقة في مختلف بلدان المغرب الإسلامي، فالشيخ محمّد الطاهر بن عاشور يعتبر أنّه «لا شُبْهة في الاستناد إلى المصلحة  المرسلة. ويرى أنّ في إطالة الكلام في المصالح المعتبرة شرعاً فائدةً عظيمة ليتعلم مزاوِلْ هذا العلم أن طريق المصالح هو أوسع طريق يملكه الفقيه في تدبير أمور الأمّة عند نوازلها ونوائبها إذا التبست عليه المسالك»(14).
وفي كتاب «مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها» بيّن علاّل الفاسي منذ المقدمة أنّ غاية الشريعة هي مصلحة الإنسان باعتباره خليفة في المجتمع الذي هو منه. وخصّص فصلاً للمصلحة المرسلة، أكّد فيه أهمّية المصلحة على مستوى استنباط القواعد الشرعية خاصة، وأوضح أنّ الشافعي وأتباعه ذهبوا إلى نفي الاستنباط بالاستصلاح. إلاّ أنّ «في مذهبهم نظريات فقهية لا يبرّرها إلاّ القول بالمصلحة المرسلة»(15). وقرّر أنّ الذي تزعّم القولُ بالمصالح المرسلة واشتهر بها هو الإمام مالك ورجالُ مذهبه.
وفي الجزائر اعتبر ابن باديس (ت 1940 م) أنّ من مقاييس التجديد في الحياة «أنّ الإسلام يجيز كلّ ما فيه مصلحة» وهي كلّ ما اقتضته حاجة النّاس في أمر دينهم ونظام معيشتهم وضبط شؤونهم وتقدّم عمرانهم ممّا تُقرّر أصولُ الشريعة»(16). وعلى صعيد ثان يمكن أن نعتبر الاحتفاء بنظرية الطوفي (ت 716 هـ) في المصلحة من محاور تجديد المصلحة في الفكر الإسلامي الحديث. وكان جمال الدين القاسمي (ت 1914 م) وهو أحد علماء الشام، أوّل مفكر مسلم في العصر الحديث يهتمّ برسالة الطوفي في المصلحة ويطبعها ضمن مجموعة رسائل في الأصول لبعض أئمّة الشافعية والحنابلة والظاهرية ويوضح ما يحتاج إلى الإيضاح في حواشي هذه الرسالة. وقد استثمر فكرة المصلحة في بعض مؤلفاته لشرْعنة الاعتماد على المخترعات الغربية الحديثة. وبعد أن اطّلع رشيد رضا على هذه الرسالة منشورةً تأثر بها وارتأى أن ينشرها بحواشيها في مجلته «المنار» لتكون «تَبْصِرَةً لأوُلي الأبصار» على حدّ عبارته. وتمّ ذلك سنة 1906. ويتّضح من كلام رشيد رضا تبنيه لنظرية الطوفي وخاصّة منها تقديم المصلحة على النصّ في غير مجال العبادات. يقول: «وممّا بيّناه فيها (بعض أجزاء المجلدين الثالث والرابع من مجلة المنار) أنّ الأحكام السياسية والقضائية والإدارية ـ وهي ما يعبّر عنها علماؤنا بالمعاملات ـ مدارُها في الشريعة الإسلامية على قاعدة درء المفاسد وحفظ المصالح أو جلْبها، واستشهدنا على ذلك بترك سيدنا عمر وغيره من الصحابة إقامة الحدود أحيانا لأجل المصلحة فدلّ ذلك على أنّها تُُقدَّم على النصّ»(17). وقد عبّر ابن بدران (ت 1927 م) بشكل مختزل عن إعجابه بموقف الطوفي من المصلحة المرسلة قائلاً: «وقال الطوفي: الراجح المختار اعتبار المصلحة المرسلة وفصّل هذا النوع في (شرحه على مختصر الروضة) تفصيلا حسنا»(18).
وقد كان علاّل الفاسي من أكثر المنبهرين بنظرية الطوفي هذه فقد اعتبر أنّ شرحه حديث «لا ضَرَرَ ولا ضرار».. «انبثقت منه نظرية عظيمة الأهمية لم يُسْبق إليها وهي اعتبار المصلحة وتقديمها على جميع الأدلة»(19).
وخلال سنة 1944 قدّم محمّد مصطفى شلبي رسالة إلى كلية الشريعة بالأزهر بعنوان «تعليل الأحكام»، أيّد فيها موقف الطوفي وناقش باستفاضة آراء ناقديه مستدلّاً بأنّ «أصحاب الرسول عملوا بالمصلحة في أبواب المعاملات وما يتعلّق بالنظام الاجتماعي وإن كانت في مقابلة النصوص. واشْتُهِر ذلك عنهم في وقائع كثيرة»(20).
ومن مستندات رأيه هذا أنّ تغليب المصلحة على النصّ قد تدعو إليه الضرورة «وقد قرّر العلماء أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة. واشتهرت هذه القضية بينهم حتّى غدت من المسلّمات عند الفقهاء جميعا(21).
والواضح من هذا ومن غيره من آراء شلبي أنّه يعتبر العمل بالمصلحة أصلاً، وقاعدةً ينبغي أن يُستند إليها في استنباط الأحكام وتعليلها(22) وبعد عشر سنوات من هذه الرسالة ناقش مصطفى زيد رسالة ماجستير عنوانها «المصلحة في التشريع الإسلامي»، ونجم الدين الطوفي. وهي تعدّ أوّل عمل يحلّل ويناقش آراء الطوفي في المصلحة مناقشة مستفيضة. وقد انتهى هذا الباحث إلى أنّه «لا محلّ للخلاف في أصل بناء الأحكام على المصلحة إذ هو من أقوى الأصول الشرعية وأثبتها وأولاها بأن تبنى الأحكام عليه»(23). وتوصل على صعيد ثان إلى تقديم المصلحة على النصّ والإجماع عند تعارضهما لكن بشرط أن تكون قطعية وضرورية وهذا في نظره استثناء وليس قاعدة. ومن الجلي أن موقف هذا الباحث متأثر بآراء أساتذته ومنهم عبد الوهاب خلاّف الذي يرى أنّ «الوقائع التي فيها حكم بنص أو بإجماع لا يعدل عن أحكامها إلاّ في حال الضرورة، وهي إذا كان حكم النصّ أو الإجماع يعارض مصلحة ضرورية قطعية كلية»(24). أمّا أستاذه علي حسب الله فهو يذهب إلى أنّه في حالة «معارضة المصلحة للنصّ تُرجِّح المصلحة المقطوع بها إذا كانت ضرورية ويُرجح النصُّ إذا كانت المصلحة تحسينية». ولا شكّ في أنّ تأثير الغزالي في هذه المواقف واضح لمن يقارن بينها وبين ما جاء في كتاب «المستصفى في أصول الفقه» حول المصلحة. وفضلاً عن هذا كانت الخلفية المقاصدية الشاطبية محوراً من محاور تجديد أصول الفقه في العصر الحديث عامّة والمصلحة خاصّة. وقد اعتبر(25) رضوان السيد أنّ التونسيين ومحمّد عبده اكتشفوا في الوقت نفسه تقريباً وهو مطلع الثمانينات من القرن التاسع عشر، كتاب «الموافقات» للشاطبي المطبوع في تونس عام 1884(26). ويبدو أنّ التأثر بفكرة المقاصد برز قبل ذلك التاريخ، فهي حاضرة لدى ابن أبي الضياف مثلاً في مقدمة كتابه «الإتحاف» حيث قال: «واعلم أنّ هذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم؛ وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري. وهي الحكمة العامّة لمراعاة الشرع في جميع مقاصده الضرورية الخمسة من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال»(27). وقد ذكر ابن أبي الضياف قولاً للشاطبي أورده في كتاب المقاصد من «الموافقات» يبرز الصلة الوطيدة بين المقاصد والمصالح(28). وفي هذا الإطار دعا خير الدين علماء الأمّة إلى توسيع مفهوم السياسة الشرعية الذي كان يشمل لدى السلف كل ما لا يخالف الكتاب والسّنّة، وإنْ لم يرد نصٌّ فيه، لأن في ذلك تحقيقَ مَقْصدٍ من مقاصد الشريعة. وقد استخدم هذا المصلح كثيراً من العبارات والمصطلحات المرتبطة بالمقاصد الشرعية على غرار «ارتكاب أخف الضررين» و«ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب» و»جلب المصالح ودرء المفاسد» ومن هذا المنطلق قامت الإصلاحات التي قام بها كلّ من خير الدين وابن أبي الضياف في مختلف مجالات الدولة، على اجتهاد العلماء في فهم نصوص الدين ومقاصد الشريعة الإسلامية. ولا ينبغي أن نهمل هنا دور محمود قبادو (ت 1871 م) وبيرم الخامس(1889 م) وسالم بوحاجب (ت 1924 م) في بلورة المشروع الفكري والإصلاحي لخير الدين وطبعه بالطابع الاجتهادي الشرعي والمقاصدي(29). وما يُعضد هذا الرأيَ ما ذهب إليه أحد العلماء الأجلاء في تونس وهو محمّد الفاضل بن عاشور من أنّ الشيخ سالم بوحاجب «صار من أشهر الدعاة إلى مراعاة مقاصد الشريعة وتطبيقها على الأحوال الحاضرة»(30). وفي السياق نفسه كان محمّد الخضر حسين (ت 1958 م) تلميذ الشيخ بوحاجب. أوّل من تعرض في افتتاحية مجلته العلمية «السعادة العظمى» الصادرة سنة 1904 م إلى مسألة المقاصد بقوله: «القصد من التشريع إقامة المصالح على وجه يستقيم به نظام الحياة»(31). وقد دفعه تبنيه لفكرة المقاصد إلى إعادة طبع كتاب «الموافقات» سنة 1925 م بتحقيقه وتعليقه.
وفي مصر استخدم محمّد عبده فكرة المقاصد لفتح باب الاجتهاد من خلال توسيع آفاق القياس كما ابتغى من خلالها إصلاح الدين عبر تجاوز الأفكار التقليدية حول وظيفة الدين والشعائر. ورام كذلك اعتماد المقاصد لوصل الشريعة بالمدنية الحديثة من خلال ردوده على هانوتو ورينان والمستشرقين وفرح أنطون(32). ولئن حاولت الحركة الإصلاحية تحت تأثير الإمام محمّد عبده أن تستأنف نظرية المقاصد الشاطبية وأن تطورها، فإنها «سجلت في العشرينات نوعاً من الانكفاء إلى درجة أن رشيد رضا أبرز ناطق باسمها والذي اشتهر بدعوته إلى الاجتهاد المطلق المستقل في الشرع، لا يكشف عن استئنافه هذه النظرية بقدر ما يكشف عن فهم تقليدي للنموذج الأصولي بقي محصوراً في تكرار القواعد العامّة، مثل أن المحرّم بالنص يباح للضرورة والمحرّم لسدّ ذريعة الفسادُ يباح للمصلحة الراجحة»(33). ويبدو أنّ رشيد رضا وإن أثنى على كتاب «الموافقات» للشاطبي في مقدمة طبعته لكتاب «الاعتصام» فإنه غيب ذكره في كتابين منشورين له، وغاب أيضاً مصطلحُ المقاصد فلم يذكر إلاّ مرّة واحدة إذ يقول: «والعمدة في شروطه فهم الكتاب والسنة ومعرفة مقاصد الشرع والوقوف على أحوال الناس وعاداتهم، لأنّ أحكام الشريعة ولا سيّما المعاملات منها دائرة على مصالح الناس»(34). ولعلّ ما يدعم هذا الرأي أنّ رشيد رضا حين سُئل عن الكتب التي خاض أصحابها في موضوع الاجتهاد والتقليد ذكر عدّة عناوين لا ذكر لأي كتاب للشاطبي بينها(35). وبعد رشيد رضا سيظهر كتابان أساسيان بعثا الروح من جديد في نظرية المقاصد الشاطبية وساهما في تجديد علم أصول الفقه وتطعيمه بأفق معرفي جديد. فأمّا الكتاب الأوّل فهو موسوم «بمقاصد الشريعة الإسلامية» لشيخ جامع الزيتونة محمّد الطاهر ابن عاشور وقد طبع للمرة الأولى سنة 1366 هـ/1946 م. وأمّا الكتاب الثاني فهو «مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها» لعلاّمة المغرب علاّل الفاسي. وقد نشر لأوّل مرّة سنة 1382 هـ/1963 م.
وممّا يؤكّد المرجعية الشاطبية في كتاب الشيخ ابن عاشور ما قاله فيه ابنه الشيخ الفاضل ابن عاشور فهو يعتبره «أقرب إلى كتاب الشاطبي منه إلى كلّ كتاب من هذه الكتب التي استعرضناها. وإن كان ينقد الشاطبي ولا يلتزم أصولَه ولا مناهجه. ولكنّه يسير على الغاية التي سار إليها الشاطبي في إبراز مقاصد الشريعة وأسرارها محاولا تطبيقها على الأبواب الجزئية، بإيجاد جوامع كلية ومعاقد منهجية لتصرفات الأحكام على حسب ما تتلاقى فيه المذاهب بالنسبة إلى كلّ باب من الأبواب. فكان في نظرنا عملاً تطبيقياً للمنهج الذي قلنا إنّ الإمام الشاطبي لم يطبقه تطبيقاً جزئياً…»(36).
أمّا المرجعيّة الشاطبية في كتاب العلاّمة علاّل الفاسي فإنّها حاضرة في أغلب أجزاء كتابه وفي كثير من مواضيعه على غرار تقسيم الشاطبي المقاصد إلى أقسام ثلاثة ضرورية وحاجية وتحسينية. والاعتماد عليها لإسباغ المشروعية على بعض الأصول التكميلية كشرع من قبلنا والاستحسان ومراعاة الخلاف وسدّ الذرائع والمصلحة(37). إلاّ أنّ الفاسي لا يعود إلى كتاب «الموافقات» فحسب وإنّما يرجع أيضا إلى كتاب «الاعتصام» للشاطبي(38). كما يعود إلى غيره كابن القيم ناقلاً عنه اعتباره «أنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد»(39).
ويمكن أن نعتبر أنّ النزعة النقديّة لممثلي هذا الفكر من أهمّ مرتكزات التجديد في مقاربة المصلحة أصلاً للتشريع في الفكر الإسلامي الحديث. فقد آمنوا أنّ قدر كلّ تجديد أن يحدث قطيعة مع السّابق إن كلياً أو جزئيّاً. فنجم الدين الطوفي على سبيل المثال نقد بعض علماء مذهبه الحنبلي(40) لأنّهم كانوا لا يقدمون على التّصريح بالمصلحة مع أنّهم في كتبهم الفقهيّة يتمسّكون بها تبريراً للأحكام. وقد نقد الطّوفي أيضاً التقسيم التّقليدي للمصلحة عند الأصوليّين(41). وقد حضرت المقاربة النقديّة عند كلّ المجدّدين والمصلحين منذ مطلع عصر النّهضة، فالشيخ رشيد رضا مثلاً نقد المتعصّبين لمذاهبهم ودعا إلى الاعتماد على كلّ المذاهب في الاجتهاد وإلى أن تكون مراعاة المصالح إحدى القواعد العامّة لإصلاح الأمّة الإسلاميّة(42). وقد كان حضور النزعة النّقديّة لأصول الفقه سمة بارزة في كتاب «مقاصد الشريعة» لابن عاشور فقد نقد ظاهرة الاختلاف في مسائله وغياب حكمة الشريعة ومقصدها منها في مقابل التركيز على الألفاظ لاستنباط الأحكام منها، ونقد أيضاً تهميش مسائل أصوليّة لها صلة بالمقاصد كمباحث المناسبة والإخالة في مسالك العلة والمصالح المرسلة والتواتر والمعلوم بالضرورة. وقد حمل أيضاً على غياب الطّابع القطعي في مسائل الأصول مقابل طغيان الطابع الظني. يقول: «وقد وقع لإمام الحرمين في كتاب» البرهان» اعتذار عن إدخال ما ليس بقطعي في مسائل الأصول… وهو اعتذار واه لأنّا لم نرهم دوّنوا في أصول الفقه أصولاً قواطع يمكن زجر المخالف عند جريه على خلاف مقتضاها كما فعلوا في أصول الدّين، بل لم نجد القواطع إلاّ نادرة مثل ذكر الكلّيات الضروريّة: حفظ الدّين والنّفس والعقل والنّسب والمال والعرض، وما عدا ذلك فمعظم أصول الفقه مظنونة»(43) ولا يخفي ابن عاشور أنّ غايته من النّقد هي تأسيس علم مقاصد الشريعة لكن دونما رغبة في القطع الكلّي مع أصول الفقه ذلك أنّه أبقى لها وظيفتين أولاهما: بيان طرق تركيب الأدلّة الفقهيّة، وثانيتهما جعل المسائل الأصوليّة المتّصلة بالمقاصد مبادئ لهذا العلم. وشمل هذا النّقد لدى ابن عاشور عدداً من كبار العلماء على غرار الجويني والغزالي في موقفهما من المصلحة، يقول: «وإنّي لأعجب فرط العجب من إمام الحرمين على جلالة علمه ونفاذ فهمه كيف تردّد في هذا المقام، وأمّا الغزالي فأقبل وأدبر فلحق مرّة بطرف الوفاق لاعتبار المصالح المرسلة ومرّة بطرف رأي إمام الحرمين إذ تردّد في مقدار المصلحة»(44). ولئن اعترف بأنّه استفاد من الشاطبي واحتذى به فإنّه ينقده أيضاً وهكذا شأن كلّ لاحق يتجاوز السّابق ويحاول ترك بصمته، يقول عنه: «ولكنه تطوّح في مسائله (كتاب المقاصد ضمن «الموافقات») إلى تطويلات وخلط، وغفل عن مهمّات من المقاصد بحيث لم يحصل منه الغرض المقصود. على أنّه أفاد جدّ الإفادة فأنا أقتفي آثاره ولا أهمل مهمّاته ولكن لا أقصد نقله ولا اختصاره»(45). ويبرز هذا الموقف من كبار علماء الإسلام أن الفكر الإسلامي الحديث قد تحرّر إلى حدّ كبير من ظاهرة التشبث المرضي بالماضي وبالسّلف وأنّه أصبح يتعامل مع أعلام التّراث تعاملا نقديّا يقدّر إيجابيّاته وينكر سلبيّاته، وبناء على هذا كان نقد موقف الأصوليّين المنكرين للمصلحة وأخْذهم بها في ممارستهم الفقهيّة أحدَ المواقف المتواترة لدى أعلام الفكر الإسلامي في هذا العصر، ومن ذلك قول علاّل الفاسي: «وذهب الشافعي ومن تَبِعَهُ إلى أنّه لا استنباط بالاستصلاح ومن استصلح فقد شرّع.. وفي مذهب الشّافعيّة نظريّات فقهيّة لا يبرّرها إلاّ القول بالمصلحة المرسلة…»(46). وإذا كان هذا النّقد خاصّا بالشافعي ومذهبه فإنّ محمّد الخضري يعمّمه ليشمل أغلب الأصوليّين، يقول: «إن كان جمهور الأصوليّين ينفون القول بالمصالح المرسلة فإنّ معظم الفقهاء في استنباطهم كثيرا ما يعوّلون عليها. وسلفهم في ذلك عمر بن الخطّاب فإنّه اعتبر هذه المصالح في كثير من اجتهاداته»(47). والواضح أنّ هذا النّقد يعود أصلا إلى القرافي(48) (ت 684 هـ) إلاّ أنّه لم ينتشر ولم يجد صداه إلاّ في العصر الحديث فقد اعتمد حجّة لتبرير الأخذ بالمصلحة المرسلة أصوليّاً وفقهيّاً في الآن نفسه.
ولئن كانت أهمّ حجّة تؤصّل المصلحة قديماً هي إجماع الصّحابة وأفعالهم رغم الاحتراز عليها(49) فإنّ الحجّة العقليّة هي أساس حجيّة المصلحة في الفكر الإسلامي الحديث. وتقوم المصلحة هنا على استقلال العقول بإدراك المصالح والمفاسد في نطاق المعاملات والعادات. وهذا التوجّه الذي سار عليه الطوفي مخالفٌ لآراء أغلب العلماء. فهم يعتبرون المصالح والمفاسد مُدركةً بالاهتداء بالنصوص الشرعيّة التي تشهد لنوع المصلحة أو لجنسها بالاعتبار.
وقد برزت محاولة عَقْلنة أصول الفقه منذ أن شبّهها الطهطاوي (ت 1873 م) بالقوانين الحديثة يقول: «فما سمّي عندنا بعلم أصول الفقه يسمّى ما يشبهه عندهم بالحقوق الطبيعيّة أو النواميس الفطريّة. وهي قواعد عقليّة تحسيناً وتقبيحاً يؤسّسون عليها أحكامهم المدنيّة…»(50) ولَئِنْ اتّهمُ هذا القولْ بأنّه يسوّي بين متناقضات ولا يلتفت إلى أصول المفاهيم فإنّه في نظرنا وليد هاجس الاندماج في مكتسبات العصر الحديث، والسّعي إلى بيان عدم التعارض بين العلوم التراثيّة والعلوم الحديثة. وهو ما تجلّى في اعتماد الطهطاوي مفهومَ جلب المصلحة ودرء المفسدة القديم مقابلاً لمفهوم المصلحة العامّة الحديث(51) وسيتبلور الاعتماد على العقل لدى محمد عبده فقد اعتبر أنّ أوّل أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي، أمّا الأصل الثّاني فهو تقديم العقل على ظاهر الشّرع عند التعارض(52). وبناء على هذا كان العمل بالمصلحة لازماً، لأنّ العقل يقضي أنّه «إذا ترتّب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه في زمن قبله، فلا شكّ في وجوب تغيّر الحكم وتطبيقه على مقتضيات الحال الحاضرة»(53).
وسار رشيد رضا على هذا النهج نفسه معلناً أنّ «الدّين ثابت والشريعة قائمة على أساس العقل والاجتهاد، فمن مَنَع الاجتهاد فقد أبطل مزيّتها ومنع حجّتها»(54) واعتبر ابن عاشور أنّ العقل هو مصدر العقائد الحقّة والأعمال الصّالحة وأن الحضارة الحقّة من الفطرة لأنّها من آثار حركة العقل الذي هو من الفطرة، وأنّ حفظ العقل من المصالح الضّروريّة وهي حفظ الدين والنفوس والعقول والأموال والأنساب(55). ولم يشذّ علال الفاسي عن هذا الخط معتبراً أنّ حجّة الشّرع لا يمكن أن تناقض العقل السليم، وأنّه ليس هنالك في الإسلام أصل دينيّ فوق العقل(56). وبناء على هذا كان من شروط المصلحة أن تكون معقولة في ذاتها تتلقّاها العقول بالقبول متى عرضت عليها(57). وقد أدرك المفكّرون المسلمون المحدثون أنّ أهمّ الدّواعي إلى اعتماد المصلحة أصلاً تشريعيّاً فتْحُ باب الاجتهاد حتّى يواكب الفقه الإسلامي المستجدّات والمستحدثات. يقول في هذا عبد الوهاب خلاّف: «والظّاهر لي هو ترجيح بناء التشريع على المصلحة المرسلة لأنّه إذا لم يُفتح هذا البابُ جَمُدَ التشريعُ الإسلامي ووقَف عن مسايرة الأزمان والبيئات»(58) وهكذا أدرك المحدثون أنّ فتح باب التشريع على المصالح المتغيّرة المتجدّدة هو السّبيل الوحيد لبثّ الحياة في التشريع الإسلامي(59). ولم يكن هذا الوعي خاصّاً بالباحثين السنيّين فحسب، بل انضمّ إليهم الباحثون الشّيعة على غرار مهدي فضل الله. فهو يذهب إلى أنّ من مستندات إثبات المصلحة الاستدلال بالعقل «فإذا كانت أحكام الشّرع قد جاءت لتحقيق مصالح النّاس وخيرهم، وإذا كانت هذه المصالح التي قامت عليها أحكام الشّرع معقولة، يقرّها العقل لحسنها أو نفعها المأمور به وقبحها أو ضررها المنهي عنه، فذلك يعني أنّ العقل ـ إذا ما حصلت واقعة لا نصّ فيها ـ قادر على إدراك الحكم المناسب لها، على أساس صحيح معتبر من الشّارع»(60).
ولئن كان الموقف من المصلحة في الفكر الإسلامي القديم قائماً على مدى صلتها بالنّصوص والأصول التشريعيّة فإنّ المعيار في الفكر الإسلامي الحديث هو مدى صلة المصلحة بالضّرورة التي يفرضها الواقع التاريخي. وقد أدرك المفكّرون المسلمون في العصر الحديث أنّ تغيّر موازين القوى لغير صالح بلدانهم وإمساك الحضارة الغربيّة بزمام المبادرة في الاختراعات والعلوم وفي كلّ مجالات الحياة، يستدعي فتح باب الاجتهاد من جديد لاستيعاب التحوّلات الكبيرة الحادثة في كلّ حين.
وهكذا وقف جمال الدّين الأفغاني ضدّ من يقول بسدّ باب الاجتهاد وأعلن أنّ الأحكام تتبدّل بتبدّل الزّمان(61). واعتبر خيرالدين أنّ من أصول الشريعة اعتبار المصالح المناسبة للوقت والحال(62)، وذهب محمد عبده إلى وجوب تغيّر الحكم وتطبيقه على مقتضيات الحال الحاضرة جرياً على قاعدة درء المفاسد وجلب المصالح(63). ورأى قاسم أمين أنّ الأحكام المبنيّة على ما يجري من العوائد والمعاملات قابلة للتغيير على حسب الأحوال والأزمان»(64). وحذّر محمد الطاهر ابن عاشور الفقيه قائلاً: «إنّه إن لم يتبع هذا المسلك (المصالح) الواضح والمحجة البيضاء فقد عطّل الإسلام عن أن يكون ديناً عاماً باقياً ولم يأمن أن يسلك وادياً أخوف إلاّ ما وقى الله سارياً»(65).
وفي الاتجاه نفسه أعلن المصلح المغربي محمد بن الحسن الحجوي (ت 1956 م) أنّ الله لا تأخذه سنة في سنّ الأحكام «فما ترك النصّ فيها إلا ليترك لنا باب الاجتهاد مفتوحاً لنتطوّر فيه بتطوّر الأزمان ونعمل بما يصلح الأمّة ويبلغ بها مستوى الأمم الراقية… والشريعة لا بدّ أن تتبع أحكامها الدنيويّة الأزمان والأمم لحفظ المصالح العامّة»(66).
وهكذا وجد المسلمون المحدثون في المصلحة مصدراً تشريعيّاً خصباً يسعفهم بالأحكام اللازمة لمواجهة ظروف الحياة المتغيّرة دون خروج عن مبادئ الشريعة وأحكامها القطعيّة. ولم يكن هذا الوعي خاصّاً بفئة من العلماء دون أخرى فالظّاهر أنّ الأغلبيّة السّاحقة منهم ـ على عكس ما كان سائداً في الفكر الإسلامي القديم ـ آمنت بالمصلحة مسلكاً من مسالك تجديد حياة المسلم عامّة وتجديد الأصول خاصّة لذلك ألفينا انسجاماً في الموقف من المصلحة جمع الإسلاميّين والعلمانيين رغم نقاط الاختلاف الكثيرة بينهم. فقد ذهب الإمام حسن البنّا (ت 1949 م) إلى أنّ المصلحة المرسلة أصل يعمل به ما لم يصطدم بقاعدة شرعيّة، وأنّه قد يتغيّر بتغيّر الظّروف والعرف والعادة(67). أمّا مصطفى السّباعي (ت 1964 م) وهو أوّل مراقب عامّ للإخوان المسلمين في سوريّة فإنّه يرى «أنّ رعاية مصالح النّاس هي الأساس في كلّ التشريع الإسلامي»(68)، وأن «المصلحة هي قطب الرّحى في أحكام الإسلام»(69)، ويسير خالد محمد خالد (ت 1996 م) على النهج نفسه رغم علمانيّته ليؤكّد أنّ استعمال العقل في تطوير الفقه الإسلامي لم يعرف الحدود والحواجز وأنّ الحكمة المقصودة من الفقه هي تلبية الضرورات والمصالح(70). ومن هذا المنطلق اعتبر المصلحة من أدوات العقل التي تطبق في المعاملات لا في العبادات. واستخلص في خاتمة بحثه ضرورة الثقة المطلقة بالعقل وإمكانيّة اعتبار بعض الفقه الإسلامي «قانوناً وضعيّاً» من حيث «إنّ تسعة أعشاره من عمل العقل وإلهام المصلحة والعرف»(71). وهذه النتيجة تلتقي مع ما توصّل إليه مصطفى السّباعي من أنّه «لا يجد أيّ حرج في تأكيد أنّ التشريع الإسلامي مدني علماني يضع القوانين للناس على أساس من مصلحتهم وكرامتهم»(72).
والملاحظ أنّ العلمانيّة هنا يقصد بها الدنيويّة وتعزيز شرْعنتها في علاقة جديدة تكون فيها الشريعة مصلحة والمصلحة شريعة.(73)
إنّ ما تقدّم كان يرمي بشكل أساسيّ إلى بيان المنزلة الجديدة التي اكتسبتها المصلحة في الفكر الإسلامي باعتبارها مصدرا للتشريع وقاعدة للأحكام في مجال المعاملات خاصّة. لكنّ هذه المنزلة لا يكتمل النظر فيها دون التطرّق إلى استثمار أصل المصلحة في مختلف مجالات الحياة الإسلاميّة. وقد يكون التجديد في هذه الجوانب العمليّة أهمّ بكثير ممّا وقع على الصّعيد النظري. وقد تجلّى توظيف المصلحة بشكل خاصّ في المستوى السّياسي لا سيّما أنّ تراث السّياسة الشرعيّة يزخر بما يفيد أنّه من الضّروري الخروج عن نطاق النّصوص ومراعاة المصالح المتجدّدة والمتغيّرة(74). وفي هذا الإطار اعتمدت المصلحة لشرعنة ضرورة قيام سلطة سياسيّة متعاضدة مع علماء الدّين لتولي مصالح الأمّة(75). وقد يكون هذا الرّأي من أثر ما أوعز به سالم بوحاجب لـ خيرالدين ـ يعاضده في ذلك صديقه الشيخ محمد بيرم الخامس ـ من الاستدلال برسالة محمد بيرم الأوّل في «السّياسة الشرعيّة» التي تتضمّن فقرات تحثّ على ضرورة نزول علماء الدّين من عليائهم ومعاضدة السّاسة على مقاومة الظّلم واستثمار هامش المصلحة في الشريعة وسدّ أبواب الجور(76). وبناء على هذا دعا كثير من المفكّرين إلى تحديث الممارسة السّياسيّة بل إنّ بعضهم نادى بارتباط شكل الحكم الإسلامي بالمصلحة وعدم حصره في شكل واحد هو الخلافة وترك الأمر بأيدي النّاس يقرّرون أيّ شكل يلائمهم. يقول علي عبد الرازق: «إذا رأت جماعة المسلمين أنّ مصلحة المسلمين في أن تكون الحكومة خلافة، فالخلافة تكون حينئذ حكومة شرعيّة واجبة طاعتها فيما لا يخالف الدّين، وإذا رأوا أنّ مصلحة المسلمين في أن تكون حكومتهم على شكل آخر غير شكل الخلافة المعروف فذلك الشكل الذي يختارونه يكون حينئذ حكومة شرعيّة واجبة طاعتها أيضاً فيما لا يخالف الدّين وكل ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»(77).
ومن أهمّ الغايات التي وظفت من أجلها المصلحة في المجال السّياسي تقييد سلطة الحاكم والدّعوة إلى ترسيخ الشورى. وهذا ما جعل محمد رشيد رضا يذهب إلى أن «سبب هذا الأمر للرسول بالمشاورة في أمر الأمّة جعله قاعدة شرعيّة لمصالحها العامّة، فإنّ هذه المصالح كثيرة الشعب والفروع ولا يمكن تحديدها. وتختلف باختلاف الزمان والمكان فلا يمكن تقييدها»(78)، إلاّ أنّ الشورى ليس لها شكل محدّد بل المصلحة هي التي تحدّد شكل نظامها(79). والملاحظ في هذا الصّدد أنّ المصلحة قد استثمرت لغايتين متباينتين فهي من جهة وسيلة تقييد لسلطة الحاكم اعتماداً على مبدأ الشورى(80)، وهي وسيلة أيضاً لتبرير قتال السلطان الجائر أو خلعه. يقول رشيد رضا: «والأمّة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها»(81). وهي من جهة أخرى أداة تبرير استخدام القوّة في الممارسة السّياسيّة لردع بعض الرعيّة باعتباره من قبيل التوسعة على الحكّام في السّياسة. يقول علي باشا باي (ت 1902 م) في هذا الصدد: «وإذا رأى الحاكم المصلحة في قمع السّفلة بإشهارهم بجرائمهم فعل»(82)، ويستند هذا الحاكم إلى القرافي وإلى المصلحة المرسلة لشرعنة جواز التوسّع في الأحكام السّياسيّة لكثرة فساد الزّمان وأهله. ولعله يبتغي من خلال ذلك إسباغ المشروعيّة على اعتماد القوّة لإسكات خصومه ومعارضيه.
ومن أهمّ الميادين التي استند فيها إلى المصلحة مجال العلوم الحديثة والمخترعات الجديدة. وقد برز فريق مشكّك في مدى شرعيّة اعتماد المسلمين لها لأنّها نشأت في دار الكفر إلاّ أنّ روّاد الإصلاح كان لهم حسّ تاريخيّ مكّنهم من تثمين أيّ اختراع نافع للبشريّة مهما كان مصدره. وفي هذا يقول سالم بوحاجب: «ثمّ بعد أن نجح استخدام القوّة البخاريّة بحراً استخدمت في السّكك الحديديّة براً فحصل من تسهيل الأسفار وتقارب البلدان ما اتّسع به نطاق العمران بكلّ بيانه للعيان أفيظنّ بعد هذا أن عاقلاً أو متديّناً يذمّ العلوم الموصلة إلى هذا النّفع العام أو يوجّه إلى من يتعاطاها الملام بمجرّد كونها لم تكن في صدر الإسلام، ثمّ إنّ الله ما جعل شريعتنا خاتمة الشّرائع إلاّ وقد أودع فيها اعتبار المصالح التي تتجدد بتجدّد الأزمان والمواضع بحيث مهما حدث شيء يُعرض على موازينها العدليّة، فإن لم يوجد فيها ما يمنعه لم يتوقّف في الانتفاع به خصوصاً على القول بالإباحة الأصليّة»(83).

……………………..  التتمة في العدد

ماهية الأثر الفني عند هيدغر

محمد مساعدي

I. مدخل
إذا كانت الذات في ظاهراتية هوسرل تتجه نحو موضوع ما لتدركه، فإنها عند هيدغر تستسلم للحضور غير المُقَنَّع للأشياء في الوجود لكي تتيح للموجودات التجلّي من خلالها. بهذا تكون ظاهراتية هيدغر قد استَبدلت مفهوم القصدية بمفهوم الحضور. ولعلّ هيدغر، الذي حَمَلَ على عاتقه مهمة إعادة النظر في الوجود والموجود وفق رؤية جديدة، أراد أن يتجاوز ترسندتالية ظاهرية هوسرل التي تعلّي من شأن الذات من خلال إضفاء فعل القصد والوعي عليها، على حساب الموضوع، لتصبح مجرّد وسيط تُفْصِح من خلاله الموجودات عن وجودها. وهكذا فإن ظاهراتية هوسرل تراهن على إدراك الأشياء كما هي من خلال تجلِّيها المباشر للوعي، أما الوجودية الظاهراتية لـ هيدغر فإنها تركّز على فعل الظهور والتجلِّي، أي ظهور الأشياء وتجلِّيها من تلقاء ذاتها دون تدبير أو توجيه منَّا. فكيف إذن تتجلّى الأشياء في ماهيتها من خلال الأثر الفني؟
II. منبع الأثر الفني
ارتبط مفهوم الخبرة الجمالية عند هيدغر بالبحث عن أصل أو منبع الأثر الفني، والمقصود بـ«المنبع» ماهية الشيء، أي طبيعته وأسلوبه في الوجود، أي ما يكونه الشيء وكذا الكيفية التي يكون عليها. وهذا معناه أن ماهية الشيء ليست ماهية ثابتة كاملة التحقّق، ولكنها مرتبطة أشدّ الارتباط بفعل حدوث الأشياء، أو بأسلوبها في الوجود. ولهذا فإن البحث عن الماهية هو بحث عن الكيفية التي تحدث بها حقائق الأشياء وتظهر للوجود.(1)
ولعلَّ هيدغر بفهمه هذا لمنبع الأثر الفني يريد أن يُفَعِّل بطريقته الخاصة المبدأ الظاهراتي الذي عبَّر عنه هوسرل بقوله:
«إلى الأشياء ذاتها»، حيث ركّز على فهم حقيقة الأثر الفني إنطلاقاً من الأثر الفني ذاته وليس من خبرة الفنان بعملية الإبداع أو خبرة جمهور القرّاء بالأثر وطريقة تلقيهم له. إن الخبرة بالأثر الفني إذن خبرة به باعتباره ماهية تفصح عن حقيقة الوجود بأسلوب ما. هذه الرؤية محكومة بهاجس التخلّص من الأفكار المسبقة التي تحكّمت في النزعة الذاتية والتي يتم بموجبها إدراك حقيقة الأثر الفني بوصفه موضوعاً أنتجته ذات لها كفاءات خاصة. وبحسب هيدغر فإن «الأثر الفني في تجربته الأصلية ليس موضوعاً، أي ليس شيئاً كائناً بالنسبة لنا وقائماً قبالتنا. إن الفكرة الأساسية
لـ هيدغـر في هذه الدراسة بأكملها هي استقلال الأثر الفني، وقيامه في ذاته واستقراره أو سكونه في ذاته واكتفائه بذاته؛ ولهذا فهو يبحث عن طريق لإدراك الأثر في استقلاله وقيامه في ذاتـه».(2)
إن الرأي الشائع الذي يسلِّم بسهولة بأن الفنان هو منبع الأثر الفني باعتباره مبدعاً له، لا يرتكز على أُسس متينة، إذ أن مساءلته وتقليبه على مختلف أوجهه يكشف عن هشاشته:
فما هو منبع صفة الفنية التي يكتسبها الفنان؟ أليست هي الآثار الفنية التي أبدعها؟ فكيف يمكن إذن لمنبع أن يكون منبعاً لشيء لولاه لفقد حقيقته وماهيته؟
أوَليس كل طرف من الطرفين منبعاً لغيره:
الفنان منبع الأثر، والأثر منبع الفنان؟ فما هو إذن المنبع الذي يستمد منه هذان الطرفان المتلازمان حقيقتهما؟ أليس الفن
بشكل عام؟
هذا ما يؤكد عليه هيدغر بقوله:
«وكما أن الفنان يكون منبع الأثر بكيفية مختلفة بالضرورة عن الكيفية التي يكون بها الأثر منبع الفنان، فإن الفن يكون منبع الفنان والأثر معاً بكيفية أكثر إختلافاً بالتأكيد».(3)
وما دام الفن هو منبع الأثر الفني، فهذا معناه أن البحث عن منبع الأثر الفني هو بحث عن ماهية الفن وطبيعته وأسلوبه في الوجود. لا مفرّ إذن من هذه الحلقة التأويلية التي تقتضي معرفة ماهية الكلّي (الفن) إنطلاقاً من الجزئي (الأثر)، كما أنه لا يمكن الخروج من متاهة هذه الحلقة إلاّ بتحديد نقطة البداية. ومما لا شك فيه أن نقطة البداية تتحدد مما هو ملموس وقابل للرصد والمعاينة، أي من الآثار الفنية المفردة، أو بالأحرى من إنتقاء عيِّنة من الآثار الفنية ودراستها دراسة مقارنة لاستخلاص الثوابت والمتغيرات قصد معرفة طبيعتها وماهية حقيقتها. فعلى أيّ أساس إذن ننتقي الآثار الفنية لنقارن بينها إذا نحن لم نحدد بعد صفة الفنية؟
إن ماهية الفن باعتبارها جوهراً غير مُعطى كامنة في الآثار الفنية باعتبارها حالات جزئية معطاة، لذلك يحرص هيدغر على معاينة هذه الماهية غير المعطاة في الآثار الفنية المعطاة، وهذا يقتضي نَهْج خطةٍ تأويلية تعتمد الوصف والتفسير ولا تستبعد الحدس لاستخلاصها. وتجدر الإشارة إلى أن اهتمام هيدغر بما هو مُعطى في الفن يندرج ضمن اهتمامه المتفرّد بحقيقة الأثر الفني ووجوده في ذاته، فالأثر الفني عنده لا يُحيل على مضمون ولا ينتمي فقط إلى عالمه، وإنما عالمه حاضر فيه وهو يكشف عنه بطريقته الخاصة(4). من هذا المنطلق انصبَّ اهتمامه على مكوِّن من مكوِّنات الأثر يؤمن بوجوده علمُ الجمال التقليدي، لكنه لم يولِهِ ما يستحق من عناية بدعوى هامشيته، مقارنةً مع جانب آخر يتحدد بموجبه الأثرُ باعتباره أثراً فنياً. هذا الجانب الذي همَّشه التقليد الجمالي واهتم به هيدغر هو الجانب الشيّئيّ في الأثر، ما دام الأثر الفني، في نظره، لا يُحيل على شيء خارجه، بل إن الأشياء ذاتها هي التي تنتصب داخله وتُظهر شيّئيتها.
III. ماهية الشيء
إن أوَّل ما يواجهنا في الأثر الفني هو الأثر ذاته بوصفه شيئاً، وهذا الطابع الشيّئي يمكنه أن يُشكّل منطلقاً لفهم ماهية الأثر الفني بوصفه شيئاً. ولما كانت الماهية هي طبيعة الشيء وأسلوبه في الوجود، فإن ماهية الأثر الفني هي أسلوب وجوده كشيء متميّز عن باقي الأشياء الأخرى. إلاّ أن التحقّق من شيئية الأثر الفني تقتضي، حسب هيدغر، الوقوفَ أولاً عند مفهوم الشيء في ذاته بمعزل عن الدلالة التي نُضفيها عليه. هذا المفهوم تناوله التفكير الفلسفي الغربي عبر ثلاثة تأويلات أساسية وقف عندها هيدغر وقفةً نقديةً فاحصةً راهنت على إبراز جوانب القصور في إدراكها لماهية الشيء:
أ. التصوّر الأول أرسطي؛ يتحدّد بموجبه الشيء باعتباره جوهراً له أعراض.
ب. التصوّر الثاني كانطي؛ يختزل الشيء في تلك الوحدة القابلة للإدراك الحسي المباشر بطرق متعددة.
ج. التصورّ الثالث أرسطي بدوره؛ ينظر إلى الشيء باعتباره مادة متشكِّلة(5):
ج ـ 1) الشيء جوهر له أعراض
يعود الاهتمام بالشيء، باعتباره جوهراً حاملاً لخصائص ومميزات، إلى الإغريق. فالشيء عندهم لم يكن تجميعاً للخصائص المميّزة له، إنه بالأحرى نواة تتجمع حولها هذه الخصائص. والمقصود بـ «نواة الأشياء عند الإغريق» ما هو قائم على الدوام وبشكل مسبق كأساس للشيء، أما المميزات والخصائص فإنها تظلّ ملازمة دائماً لنواة الأشياء. لا يُخفي هيدغر نظرته الإيجابية لهذه التحديدات فمن خلالها «تمَّ تأسيس تأويل لشيئية الشيء أصبح منذ ذلك مرجعياً»(6)، إلا أن الترجمة اللاتينية للكلمة الإغريقية التي تفيد «نواة الأشياء»(*) بالموضوع، وللكلمة التي تفيد المميزات الملازمة لـ «نواة الأشياء»(**) بالمحمول أحدثت تحوّلاً عميقاً في أسلوب التفكير في ماهية الشيء. وقد علَّق هيدغر على هذه الترجمة قائلاً:
«لقد تبنى التفكير الروماني الألفاظ الإغريقية دون التجربة المرتبطة بها والمنبثقة معها من الأصل نفسه، دون تجربة ما تقوله تلك الألفاظ، أي دون الكلمة الإغريقية.»(7).
وهذا لايعني ـ حسب هيدغر ـ أن الترجمة اللاتينية كانت عديمة الفائدة، بل بالعكس كانت ترجمة حرفية وفيَّة للأصل، لذا يعزو السبب في حدوث هذا التغير في أسلوب الفهم، إلى عبور التجربة الإغريقية من كيفية في التفكير إلى كيفية أخرى مغايرة. مع هذا العبور بدأ التفكير الغربي حسب هيدغر يفقد أرضيته الصلبة التي يقوم عليها(8)، حيث أصبحت النظرة للشيء باعتباره جوهراً له أعراض، مرتبطة أشدَّ الارتباط ببنية الجملة الخبرية: الموضوع/المحمول، إذ لم يعد الجوهر مستقلاً بذاته ويُحيل على الشيء في ذاته بقدر ما أصبح موضوعاً محدداً تحديداً مسبقاً، يُسند إليه بالضرورة المحمولُ، وهذا معناه أن بنية الجوهر/العرض أصبحت ـ بفعل فهمها إنطلاقاً من بنية الموضوع/المحمول ـ تقوم على التسليم بالانسجام والتناغم بين كون الشيء في ذاته، وكلامنا عنه، ومن ثمّ فهي لا تكشف عن ماهية الشيء بقدر ما تُسقط عليه تأويلَنا المشروط ببنية اللغة. هذا الإسقاط يصفه هيدغر بأنه اعتداء على الشيء، ولا يمكن التخلص من هذا الاعتداء إلا إذا أتحنا الفرصة للشيء لكي يُظهر بشكل مباشر ما هو شيّئي فيه، وهذا يقودنا لفحص التأويل الثاني.
ج ـ 2) الشيء وحدة لتعدد الإدراكات الحسية المباشرة
إننا نتعرّف على الأشياء من خلال ما تنقله لنا الحواس عنها من معطيات حسّية مميزة من قبيل: اللون، الصوت، الخشونة، الليونة، الصلابة، الكثافة، البرودة، الحرارة… هذا النمط من التعرُّف يختزل الشيء في مظهره القابل للإدراك الحسي بحيث لا يُمَكّننا من إدراك الأشياء في ماهيتها المجرّدة الخالصة. إننا نسمع الصوت أو الضوضاء من خلال هدير المحركات أو خشخشة أوراق الأشجار أو لعب الأطفال، «ولا نسمع أبداً إحساسات صوتية أو مجرّد ضوضاء فقط، ولكي نسمع ضوضاءً خالصةً يجب أن نبعد سمعنا عن الأشياء، أن نسحب آذاننا منها، أي أن نسمع بكيفية مجرّدة».(9)
والخلاصة، إن هذا التصوّر الحسي يوهمنا بأنه يقرّبُنا من الأشياء، ولكنه في الواقع يُبعدنا عن طبيعتها الخالصة وماهيتها الحقيقية، لأنه يقف بنا عند حدود المعطيات الحسية المعطاة لنا في خبرتنا المباشرة، ولا يرقى إلى مستوى إدراك الأشياء في ذاتها. وقد حاول هيدغر إبراز قصور هذا التأويل الثاني من خلال مقارنته بالتأويل الأول قائلاً:
«إذا كان التأويل الأول للشيء يفصله عن جسمنا ـ إذا جاز التعبير ـ ويبعده عنا جداً، فإن التأويل الثاني يقربه جداً من جسمنا، وفي التأويلين معاً ينمحي الشيء، ولذلك ينبغي إذن تَجَنّب مبالغات التأويلين معاً، ويجب أن يُترك الشيء نفسه في استقراره وفي ذاته. يجب أن يُؤخذ في ثباته المميِّز له»(10)
فهل سيتحقق ذلك في التأويل الثالث؟
ج ـ 3) الشيء مادة قائمة في صورة
تجمع المادةُ أو الهيولى بين نواة الأشياء أو الجوهر الذي قام عليه التأويل الأول، وبين المعطيات الحسّية التي ارتكز عليها التأويل الثاني، وهو ما عبَّر عنه هيدغر بقوله:
«إن ذلك الذي يمنح الأشياء ثباتَها ونواتها، ولكن يسبّب في الوقت نفسه نوعَ تدفقها الحسي: اللون والصوت والصلابة والكثافة، هو الجانب المادي في الأشياء»(11).
هذا الجانب المادي هو الذي يشكل، وفق هذا التأويل، الجانب الشيّئي للشيء في الأثر الفني، فالمادة ليست إلا قاعدة تتأسس عليها صورة، وهذه الصورة هي التي تحول المادة من الخفاء إلى التجلِّي، من الفوضى إلى النظام حين تبلّورها في شكلٍ ما، يمكِّننا من إضفاء دلالة عليها. فالحجر مادة، والفنان هو الذي يتصوَّر شكلاً معيناً، فينحت الحجر ليحوِّله إلى أثر فني، أيّ أن الفنان يضفي على الكتلة المادية الصلبة والكثيفة صورةً، أو بالأحرى نظاماً يميّزها عن سائر المواد الأخرى الفوضوية. وهكذا فإن الصورة تنقل المادة من الخفاء إلى التجلِّي، حين تضفي على ثباتها واستقرارها صفةَ التماسك والتناسق، وهو ما عبَّر عنه هيدغر بقوله:
«ثبات شيء وتماسكه يكمن في اتحاد مادة ما مع صورة، فالشيء مادة قائمة في صورة».(12)
إن الصورة بوصفها تنظيماً للمادة تعبّر عن بنية الشيء، وبفضل هذه البنية يكتسب الشيءُ دلالة. ومن الدلالات التي تكتسبها المادة حين تتجلّى من خلال صورةٍ، دلالة الفنية وصفةُ الإبداعية التي تميّز بنية شيء عن غيره من الأشياء. ويستفاد من هذا أن الصورة المرتبطة أشدّ الارتباط بالجانب الدلالي تُعَد جزءاً لايتجزأ من وجود الشيء في ذاته. إضافة إلى ذلك، فإن هذا التأويل الذي يدرك الشيء باعتباره مادة قائمة في صورة يمتاز عن التأويلين السابقين بكونه لا يطمح فقط إلى فهم ماهية الشيء في عمومه، ولكن أيضاً إلى إدراك طبيعته الخاصة حين يتجلى باعتباره أثراً فنياً. ففي الآثار الفنية يمكِّننا نموذج الصورة/المادة من التمييز بين الجانب الشيّئي أو المادي في الأثر والذي يُعَد بمثابة قاعدة أو أساس، وبين بنية الشيء أو الصورة التي يتجلّى من خلالها والتي تُعَد بمثابة البِنَاء الفوقي الذي يُقام على الأساس المادي، وهذا البناء الفوقي هو الذي يُضفي على الأثر دلالة الفنية.
فهل هذا النموذج يُتيح لنا إدراك تلك الفروق الجوهرية الدقيقة بين الآثار الفنية باعتبارها مُنْتَجاً إنسانياً، عن غيرها من المنتجات الأخرى التي يصنعها الإنسان من أجل تحقيق غايات محددة؟ أو بعبارة أوضح ما الذي يميز الأشياء التي تكتسب دلالة فنية (منحوتات، لوحات تشكيلية، موسيقى، شعر.. إلخ) عن الأشياء التي صنعها الإنسان لاستخدامها كأدوات (المنشار،الفأس، المطرقة، الحذاء… إلخ)؟
صحيح أن الأداة بدورها مادة قائمة في صورة مَثَلِها، مثل كتلة الغرانيت، إلا أن المادة في كتلة الغرانيت قائمة في صورة تفتقر للتنظيم والترتيب والتوزيع المحكم، في حين أن المادة في الأداة منتظمة ومرتبة بفعل الصورة التي تتخذها على يد الصانع. وتعتبر الصورة في الأداة حاسمة للغاية في تحديد نوعية المادة وانتقائها، فلا يمكن للصانع أن يختار مادة صلبة وثقيلة لصنع حذاء أو حزام مثلاً، أو مادة رخوة ومرنة لصنع فأس أو مطرقة… لذلك يقول هيدغر:
«إن الصورة هي التي تحدّد ترتيب المادة. ليس ذلك وحسب، بل إنها تحدّد مسبقاً نوعية المادة وتوجه إنتقاءها حسب كل حالة».(13)
إن هذه الصورة تتحدّد بالطبع، بحسب الهدف الذي من أجله ستُستعمل الأداة، والإستعمالية ليست مجرّد غاية مفارقة لماهية الشيء، إنها بالأحرى سِمة يتجلّى من خلالها الشيء المُعَدَّ لهذا الغرض ويتحدَّد. وإذا كانت الصورة في الأشياء المُعَدّة للإستعمال هي التي تُحدد طبيعة المادة ونوعيتها وكيفية تنظيمها وفْق الغرض الذي من أجله صُنعت، فهذا معناه أن الشيء المجرّد ينفلت من مركّب المادة/الصورة، لأن الاهتمام ينصبُّ على الشيء باعتباره مُنْـتَجاً «تمًّ صنعه كأداة لأجل شيء ما»، وليس بوصفه أداة تتحدّد في ذاتها بمعزل عن الغرض الذي من أجله صُنعت. ويقصد هيدغر بالمجرّد «التجرّد من الإستعمالية والصنع»(14)، وكذا التجرّد من التأويلات التي تتحكّم في نظرتنا للشيء، والناتجة عن هذه العلَّة الغائية. وبما أن الشيء المجرَّد هو ما يتبقَّى بعد حذف كل ما يتعلق بالإستعمالية والصنع، فإن إدراكه باعتباره كذلك يظلُّ أمراً بعيد التحقق، وهذا دليل واضح حسب هيدغر على مدى قصور مركّب مادة/صورة عن إدراك الشيء المجرّد في ماهيته وأسلوبه في الوجود.
إذا كانت الأداة تمتاز عن كتلة الغرانيت بالتنظيم والترتيب الذي تضفيه الصورة على المادة، فإن الأثر الفني وإن كان يشبه الأداة في التنظيم والترتيب فإنه يتميّز عنها بالإستقلالية. والمقصود بالإستقلالية هنا التجرّد من الغاية الإستعمالية النفعية الضيقة. «إن الأداة لها قرابة مع الأثر الفني، من حيث إنه يتم إخراجها بيد الإنسان، على أن الأثر الفني يشبه بالأحرى، في حضوره المكتفي بذاته، الشيءَ المجرّد الناشئ بذاته والذي لا يخضع لتأثيرنا. ومع ذلك فإننا لا ندرج الآثار الفنية في عداد الأشياء المجرّدة (كتلة الغرانيت مثلاً)… وهكذا فإن الأداة تشبه الشيء لأنها تتحدد بالشيئية، إلاّ أنها أكثر من ذلك؛ وهي في الوقت نفسه تشبه الأثر الفني، إلاّ أنها أقل من ذلك، لأنها ليست مكتفية بذاتها مثل الأثر الفني، إن الأداة تحتل مكانة وسطى خاصة بين الشيء والأثر، إذا جاز لنا أن نقوم بهذا التصنيف الحسابي».(15)
إن مركّب المادة/الصورة، وإن كان يتناغم مع النظرة السائدة التي يُعتبر المضمون والشكل في الآثار الفنية أحدَ تجلّياتها، يرتكز على تصور في فلسفة الفن يُسلِّم بوجود بناء تحتي مرتبط بالجانب الشيّئي في الفن تمثله المادة، وبين بناء فوقي ينظم المادة ويبلّورها في صورة معينة تكتسب بموجبها دلالة فنية. فهل هذا معناه أن هذا النموذج القائم على هذا التمييز المفتقَد في النموذج الأول والثاني قد قَدَّمَ جواباً مُقْنِعاً عن ماهية الشيء في الأثر الفني؟
إن هذه التفسيرات الثلاثة للشيء لم تستطع ـ حسب هيدغر ـ ملامسة ماهية الشيء لأنها لم تتخلص من الفروض المسبقة، إذ ظلَّت ترهن وجود الشيء بتصورات قبْليَّة تحدِّد وجوده، لذلك اختزلته حيناً في جوهر له أعراض، وحيناً آخر في معطيات حسّية، وحيناً ثالثاً في مادة متَشَكِّلة، فلم تتمكن بذلك من فك التشابك بين الشيء والأداة والأثر الفني، ومن فَهْم الموجودات من خلال أسلوبها في الوجود أو من خلال خبرتنا المباشرة بها، ومن ثمة إدراك ماهية الشيء في الأثر الفني. فما السبيل إذن لفهم الموجودات باعتبارها معطاة لنا في خبرتنا المباشرة؟
IV. ماهية الشيء إنطلاقاً من الأثر الفني.
إن إدراك ماهية الشيء باعتباره مُعطى لنا في خبرتنا المباشرة، يقتضي منا تجاوز التصوّرات التقليدية التي تنطلق من الشيء لفهم ماهيته، وتبنّي رؤية جديدة تنطلق من الأثر الفني باعتباره مُعطى لنا في خبرتنا المباشرة لفهم أسلوبه في الوجود، ولذلك فعِوَض الإنطلاق من الشيء لفهم الأثر الفني يجب الإنطلاق من الأثر الفني لفهم طابعه الشيّئي، لأن هذا الطابع ينكشف لنا من خلال الأثر الفني ذاته، أي من خلال أسلوبه في الوجود الذي يُفصح عن تميّزه الشيّئي(16).
صحيح أن الفنان، مثله مثل الصانع، يستخدم المادة ليُضفي عليها صورة، إلا أن المادة أو الشيء في الأثر الفني لا تُستهلك ويُتلاشى وجودها في الغاية التي من أجلها تتشكَّل في صورة، ولكنها تظلّ حاضرة حضوراً مثيراً للانتباه. فإذا كانت الوظيفة التي تؤديها الأداة هي التي تثير الاهتمام على حساب مادتها التي تُبْلَى وتُسْتنفذ تدريجياً بفعل الاستخدام، فإن الجانب الشيئي في الأثر هو الذي يثير الانتباه بفعل تجلِّيه للملاحظ. في الأداة إذن يحتجب الشيء، وفي الأثر الفني يتجلَّى ويظهر للعيان.
إن الأداة بدورها تتميّز باستقرارها في ذاتها، هذا الإستقرار يفصح عن ذاته من خلال استعماليتها القائمة على الثقة، أي تلك الإستعمالية التي يتلاشى فيها وجود الأداة ويذوب. ويتجلّى من خلال الثقة، باعتبارها ما يفصح عن ذاته في استعمالية الأداة، أنه لا يمكن الحديث عن وجود الأداة بشكل خاص والموجود بشكل عام بمعزل عن الخبرة، وهذا معناه أن وجود الشيء في ذاته لايفصح عن حقيقته إلاّ في خبرتنا، وخصوصاً حين يتعلّق الأمر بتلك الأشياء الموجودة من أجلنا وفي مقدمتها الأداة.
للكشف عن أداتية الأداة، أي ماهيتها وأسلوبها في الوجود، لم ينطلق هيدغر من الحذاء المرئي والملموس باعتباره أداة نستعملها في حياتنا اليومية، ولكنه انطلق من لوحة للفنان التشكيلي العالمي ڤان غوغ. وقد حاول من خلال هذا المسعى البَرْهَنَة على تَميُّز عمل الفنان عن عمل الصانع، فالصانع يوظّف المادة لإنتاج أداة تُستخدم استخداماً نفعياً، فتذوب بذلك الأداة في استعماليتها، أما الفنان فيستخدم المادة لتُفصح عن طبيعة الأشياء وأُسلوبها في الوجود. وبموجب هذا الاستخدام تصبح الخبرة بالفن خبرة كشفية، لأنها تكشف لنا عن حقيقة الموجودات، أي عن الجانب الشيّئي في الشيء والأداتي في الأداة والأثري في الأثر، وتجعلها مرئية. هذا الكشف هو الذي يخرج الأشياء من الخفاء إلى اللاخفاء. ويُسمِّي هيدغر هذا الإخراج حقيقة، كما أنه يعتبر أن:
«ماهية الفن هي وضع حقيقة الكائن لذاتها في الأثر»(17).
فكيف إذن تحدث حقيقة الأداة وتنكشف في لوحة ڤان غوغ؟

………… التتمة في العدد

نيتشه... الميتافيزيقا وفيزيولوجيا الفن

عبد القادر بودومة

I. الفيزيولوجيا المبدعة: مدخل.
يبدو ضرورياً اليوم العملُ على فَهْم ما كتبه نيتشه [1844 ـ 1900] من خلال الوضعية التالية: أن نكون معه وضده في آن معاً. لم يتوانَ نيتشه عن طرح الأسئلة المقلقة، والمجرحة، والتي كثيراً ما وضعت قراءه أمام وهج السؤال الفلسفي، وحَرَقته الأنطو ـ ميتافيزيقية. السؤال الذي سار بنا إلى حيث الأفق المفتوح، تمكّن نيتشه خلاله من تدشين نمط كتابة جديدة، وأسلوب كتابة هو الآخر جديد كل الجدّة. هذا ما يميّز الاعتقاد بأصالته الفلسفية والإبداعية عموماً، كونَها أصالةً عكست جدارته وصرامته في الآن معاً، إذ لم يتناول القضايا الفلسفية الكبرى بالكيفية نفسها، التي تناول بها الفلاسفة السابقون عليه قضايا مثل: الروح، الجسد، الحقيقة، الوجود والعالم..
بفضل الانقلاب في الكيفية التي من خلالها تعامل نيتشه مع قضايا الفلسفة، تمكَّنَ من إحداث قلباً جذرياً للأنساق الفلسفية. فنجده على سبيل المثال يحدث تعويضاً [إبدالاً] على مستوى الاشتغال الفلسفي. فكثيراً ما تعامل الفلاسفة مع عملتهم المتمثلة في ابتكار المفاهيم، في حين نجد نيتشه يفضّل تعويض المفهوم بشخصيات مفاهيمية، إذ نجد مثلاً حضوراً مكثفاً لـ شخص «سقراط»، «أپولون» و«ديونيزوس»، إلى الدرجة التي تسمح لنا بإمكان القول أنه ليس ثمّة مفاهيم بالمعنى الدقيق لدى نيتشه. ذلك لأنه كان في غنى عن البحث عما يمثل التحديد والثبات، وإنما السَيْر وشقّ الطريق أمام ظل المسافر، والسَيْر على خطاه كي نتمكن من بلوغ أي حقيقة إن أمكن، الحقيقة المتوارية خلف الحقيقة ذاتها، تلك الحقيقة التي صارت مع نيتشه مجرد حكاية fable fari
من هذا المنطلق، سيغادر نيتشه المكان وسيغادر الأسلوب الصارم الخاص بالفكر العقلانوي ليترك المجال لكتابة أخرى تتميز بأنها شذرية aphoristique، كتابة ترفض ملامسة البَرْهَنَة، والقول بالتبرير والصرامة المنطقيتين، لا تلتفت أبداً إلى فبركة الوثوقيات، ولا الحقائق النهائية. ويرجع الفضل في كل هذا إلى الأسلوب الجيد الذي أبدعه نيتشه، بحيث صار يتبوأ الدرجة الرفيعة، والمكانة الجليلة داخل الفلسفة.
طبعاً سيتحقق هذا الظفر، ونيتشه يقيم خارج الأسوار والقلاع الضيقة المتميزة بها الجامعات. إذ كلنا يعلم أن نيتشه غادر مبكراً الجامعة. ولم يكن أبدا فيلسوفاً «أكاديمياً»، بحيث لم يُولِ اهتمامه بوضع معجمية، ولااصطلاحية، ولا صياغةٍ لكتاباتَ نهائية ومغلقة الأفق؛ لقد أقام نيتشه خارج كل نسق. النسق الذي يجعل صاحبه دائم العوز، وتخلو حياته من الثراء، بالإضافة إلى بؤس يومياته. كانط مثالُ ذلك.(1)
لم يكن نيتشه في الواقع إلا كاتب محاولات essayiste، الفيلسوف الذي حمل إلى الفلسفة، وإلى ثقافة عصره رؤية أصيلة وعميقة للعالم وللحياة، إذ نجد أعماله في عمومها قدمت بصورة مغايرة «شذرية»، وأحياناً يكون التعبير لديه شعرياً، مجازياً، لهذا كانت الكتابة الشذرية، الكتابة المناسبة التي وجد فيها نيتشه إمكانَ نبْذ الاستمرار والوصل؛ كتابةٌ تقحم الزمان، داخل نص العالم، لكنه ليس الزمان الميتافيزيقي وإنما زمان العود الأبدي عينه، باعتباره فكر الفكر. الفكر في مضاعفاته؛ فالفكر صار لدى نيتشه متعذّر التفكير في الأشياء، وإنما انعطف، وانثنى على ذاته ليفكّر التفكيرَ عينه. وقام بإحاطته بنوع من اللغز والسر، هذا ما مكَّن أعماله من أن تصير مفتوحة على تأويل متعدد يتراوح بين التفكيك والحفر والجنيالوجيا، والتقويض. ومثلُ هذا التعامل مع نصوصه أحدث وفاقاً مع الفكرة القائلة بتعدد الواقع وانفتاحه الدائم على الخلق والإبداع.
يكمن الإنجاز الحقيقي لـ نيتشه في السعي من أجل إنجاز مصالحة بين الحكمة والحياة. وهذا ما يُمكن نَعْتُه بـ «الحضارة النظرية». وذلك من خلال معاودة تأهيل réhabilitation البُعْد التراجيدي الخاص بالمعرفة الإغريقية، البعد الذي تمَّ إخفاؤه داخلَ الثقافة الغربية. هكذا ستبتعد الفلسفة عن التأمل، والاستيطان، لكي تصير نموذجاً للحياة. وربما كانت كتابةُ نيتشه الشَذْرية أدلَّ على العودة إلى الحكمة الحدسية، وتحريرها من هيمنة المنطق.
يمكننا إيعاز رفض نيتشه لكل قول بالحقيقة إلى تبنّي الرؤية الفيزيولوجية physiologie تجاه العالم باعتبارها رؤية تعيد للجسم بهاؤه وامتيازه المفقودين داخل الفلسفات التقليدية. فميل الميتافيزيقيين إلى القول بوجود حقيقة مثالية جعل منهم، مثلما يشير نيتشه: «كمن يفرّ من كل حقيقة متحركة وحيَّة، فاعلة ونشطة؛ وفي مقابل هذه الحقيقة الثابتة، سيقترح نيتشه في مدخل عمله (ما وراء الخير والشر) Par delà le bien et le mal (1886) حقيقةً من نوع آخر: (حقيقة ـ امرأة) vérité ـ femme، حقيقة محمولة: بالشر، وباللغز، حقيقة هاربة، متعذِّرُ امتلاكُها أو الإمساك بها، ولكي يتمكن منها يجب ممارسة الإغواء والافتتان، أي أن نصير «دون جوان المعرفة»
Don Juan de la connaissance. هذا ما يؤكد عليه نيتشه في عمله (الفجر) (Aurore (1881 في الشذرة رقم: 327.
دون جوان: «لم يتمكن إلى اللحظة اكتشافُه من قبل أي فيلسوف، ولا من قبل أي شاعر. انه لا يرغب في الأشياء التي يعرفها، لكن يحمل من الروح والاندفاع تجاهها وتجاه مؤامرات المعرفة»(2)، لم تعد المعرفة تقيم وتتواجد حيث القدرة على التحكّم، وعلى امتلاك الحقيقة، وإنما صارت مرتبطة بمدى قدرتها على تحريك وتهييج الاكتشاف ومعاودة تشفير ما هو لغزي، مفضِّلةً اللااكتمال بدل الانغلاق داخل النسق، اللايقينَ المؤلمَ بدل اليقينات الخاطئة المنتجة من طرف العقلانيات.
إن الفلسفة النيتشوية صارت تمنح الامتياز للمحاولات وللمغامرات، مفضّلة وضع الأفكار بين علامات التعجب point de suspension. وسيكون الطرح من العناصر الأكثر خطورة، لكن المؤكد أن الأمر صار بدوره من أهم تراكيب الفلسفة «ملاطفة الوحوش الضاربة». هكذا يفضل زارادشت التعامل مع أخطاره، فالذي لا يمكن أن يطاق حسب نيتشه: صمت أولئك الميتافيزيقيين أمام مزاعم البحث عن الحقيقة المطلقة، رافضين كل ما يمت بصلة للأهواء، وللإنفعالات لكونها تمثل برأيهم عوائقَ أمام التفكير. وعليه يجب أن نترك المجال لنظام العقول؛ غير أن نيتشه كان على طلاق معه. ذلك يثبت أنه وفي الجسم تتواجد أفكاره، فهي إما تبهجه وتفرحه، أو تنغص عليه وتؤلمه. فالحالات الروحية والفيزيولوجية لدى نيتشه متلازمتان، ومترابطتان ولا يمكن أبدا الفصل بينهما، ذلك لأنه لا يمكن البتة التوقف عن التفكير عندما يصير المؤلم، المقلق، المزعج، مبدأ للفلسفة، شأنُ ما هو معروف عند كل المفكرين العليلين، وربما كان المفكرون العليلون متفوقين في تاريخ الفلسفة؛ لكن كيف سيمسي الفكر ذاتَه، وقد خضع لضغط المرض؟ ذاك السؤال الذي يهم عالم النفس، وهنا تكون التجربة محتملة، «من الآن فصاعدا نعرف إلى أين، باتجاه ماذا يقود عند الضرورة الجسدُ المعتلّ العقلَ [...] فنحن الفلاسفة لا نملك أن نفصل بين الروح والجسد، ذلك لأنه يجب علينا أن نولّد أفكارنا من صميم آلامنا، وبأمومةٍ نُنعم عليها بكل ما فينا من حياة، من حب، من رغبة، من شغف، من وجع، من شعور، من مصير، من حتمية، أن نحيا هذا يعني بالنسبة لنا أن نغير باستمرار كل ما نحن عليه نوراً، ولهياً [...] أما ما يتعلّق بالمرض، هل من الممكن على الأقل، إذا سَّولت لنا أنفسنا، أن نتساءل هل من الممكن أن نعفي أنفسنا من ذلك. وحدَه الألمُ العظيم هو المحرّر النهائي للعقل».(3)
لقد كانت التراجيديا القديمة بمثابة الزواج الحاصل بين قوتين مندفعتين، كل واحدة منهما ترمز إلى إلٓهين متصارعين بلا هوادة، إلٓهين عبَّرا في البدء عن الطبيعة، ويظهران باعتبارهما من عمل الفنان، يتجلّيان في صلب الحلم والهذيان rêve et détire؛ لكن لا يجب أن يتعامل مع صراعهما بجدية مفرطة، ذلك لأن تعارضهما ينتج عنه آثار مختلفة على الرغم من أنهما يحملان نقاط مشتركة. هذا ما جعل نيتشه في نهاية المطاف يتجه نحو إيجاد التطابق بين القوتان داخل العنصر الديونيزوسي، إلى الدرجة التي يمكننا القول عليه بأنه مثل لديه (أي لدى نيتشه) العنصر الأولي المنحدر من القوة الأيولونية. «أيولون: الإلٓه اللامع، المضيء، النبي، يعرض الفنون التشكيلية، الحلم، والتمثلات الجميلة، إنه يعكس متعة الصور، وبهاء النظر والتجلي. لا يقصي الأحاسيس المنبوذة المنتجة للكدر والانزعاج والنفور. فالميزة الجمالية المعبر عنها من خلاله تجمل الحياة embellit la vie، وتشجع الناس على عيشها، هنا تكمن الميزة الضرورية التي يبرزها نيتشه: إذ ومن دون «أيولون» لن تكون الحياة جديرة بالعيش، فاستتيقا «أيولون» هي عيار الهدوء، الحكمة والفضيلة في أوج تهيج الوجود، في حين نجد ديونيزوس، العنصر الذي يعكس خصوصيات: الفرح واللعب، إنه إلٓه الإنشاء، والربيع في خصوبته، وسعي ديونيزوس من خلال مبدئه إلى إزالة الفردانية ليعاود من جديد: ربط الإنسان بالطبيعة، إنه أي «ديونيزوس» لغز الواحد الأصلي الذي يهيئ البشر لأداء رقصة العشاء الأخير».(4)
هكذا يصير الإنسان بالنسبة إلى الإلٓه عملاً فنياً، سيرقص البشر سويّة، عندما يتمكنوا من التخلّي عن فرْادنيتهم، عن أنانيتهم. ولن يتحقق ذلك إلاّ عندما يتوجّه الكل ليلتحقوا بـ ديونيزوس سيسيرون نحو تحقيق غاية الإلٓه:
«ديونيزوس، أحسّ أن إلٓهاً يرقص بداخلي، فأنظر إلى خطواتي تدرك حالي، وإذا رأيتني راقصاً، فاعلم أنني اقتربت من هدفي، إن بين طلاب السعادة، حيوانات ضخمة حركتها وبينهم ما وُلد كسيحاً، فمثل هؤلاء الرشّاقة كالفيل يحاول أن ينتصب على قمة رأسه، غير أن المجانين بالسعادة خير ممن ينجون بالشقاء، والراقص متثاقلاً أفضل ممن يتعارج في مشيته [...]، فتعلموا أيها الراقون أن تقفوا سوياً على أقدامكم [...] أيها الرجال الراقون، إن شرّ ما فيكم هو أنكم لم تتعلموا الرقص على أصوله لتتوصلوا إلى الانطلاق بخطواتكم فوق رؤوسكم، وما يضيركم ألا توقفوا إذا حاولتم [...] إن الممكنات كثيرة أيها الراقون».(5)
II. فيزيولوجيا الفيلسوف: الفنان
مخافةَ من أن تصير فلسفته في الفن صنماً، قام نيتشه بتقديمها على أساس أنها فلسفة للفنان.. philosophie de l’artiste، لايتعلّق الأمر بمدى قدرة نيتشه على التحكّم في مادته الفنية، بقدر ما يرتبط بهاجس الارتقاء بالفن إلى أعلى درجات الاحترام الفلسفي، ربما لم يحدث، يقول نيتشه في إحدى مراسلاته إلى صديقه هيرمين Hermann، وأن كان هناك فيلسوف ـ موسيقي أكثر أصالة وعمقاً من ذي قبل، لهذا لم يكن مصادفة أن نجد نيتشه يحدد الانفعال الفلسفي داخل علاقة حصرية بالموسيقى. ويبرز مثل هذا الميل في عمله «حالة ڤاغنر»le cas Wagner (1888) فبقدر ما نكون موسيقيين بقدر ما نصير فلاسفة إلى درجة أنه يمكن ردّ شهرة نيتشه إلى إيقاعه الموسيقي الحاد الذي تميّز به في تأليفه الفلسفي.(6)
يميل نيتشه إلى إنشاء ثقافة جديدة، ثقافة يميّزها الخلق، العفوية والفن. ويشكّل النشاط اللّعبي أو الرقص أفضل صورها. وديونيزوس رمزها. وعليه نجده يطالب بضرورة تخطي الثقافة المغرقة في الإيمان الزائف بإطلاقية الحقائق المنتجة من قبل نماذج الوثوقيات والتقنيات منذ اللحظة السقراطية إلى غاية هيغل؛ وعن طريق الثقافة الجديدة يستعيد الديونيزوس المتواري والمقنّع masqué، مكانته الضائعة، لهذا السبب بالذات يفضّل نيتشه:
«على سلاسل الحجج بالطريقة التي كانت تفتن ديكارت كثيراً، [يفضّل] الشعرَ والمثلَ السائرَ، وجوامع الكلم، والمجاز والحكمة، والمحاكاة الساخرة، أي كلَّ هذا الفيض الذي يشكل كتاب زارادشت. فثمة فكرٌ وتغيير ينبثقان من تلك الثقافة الأخرى المبشَّر بها، ولا يجري قولبتُها في قوالب الثقافة العقلانوية».(7)
يمثل الفن بالنسبة إلى نيتشه العنصر الأساسي والجوهري للحياة، ذلك لأن الفن يهب المثال والانعكاس المنتظم للوجود، فللفن أولوية مؤكدة وجليّة، بالمقارنة مع المقولات النظرية الأخرى، المنغرسة على وجه الخصوص داخل العلم، والسياسة والأخلاق. لكن لا يجب فهم الحياة Leiben في معناها الضيق، كأن نجعل منها مقتصرة فقط على البعد البيولوجي، أو على المعنى المنطبق على الدائرة الطبيعية وحسب، وإنما يؤسّس معنى الحياة لدى نيتشه نوعاً من التحوّل المفاهيمي للمضمون يجعل منه أكثر اتساعاً، بحيث يصير من الصعب إيجاد تحديدٍ له، إن الحياة حسب نيتشه:
«تحدّد سلباً، بوجه خاص، كسلب متقدم لكل الحدود، وكإلهام بالنسبة إلى الشمولية( .Totalité (8
أصدر نيتشه ما بين عامي 1872 و1880، عملين أساسيين، تمكّن خلالها من إنجاز تأملٍ حول الإبداع، أو الحالة الإبداعية، الأمر يتعلّق بـ «مولد التراجيديا»، والثاني بـ «الشذرات» les fragments، إذ من خلال هذا التأمل صار الفن لديه يحمل سِمَة بَعْدية متخطية للحظة الرومانسية. الامتداد الذي كان محمولاً بثقافة التشاؤم المنعكسة خلال أعمال شوبنهاور الفلسفية، وأعمال ڤاغنر الموسيقية، لقد قدم نيتشه صياغة جديدة للفن بحيث صار هذا الأخير يمثّل التعبير المباشر عن الطبيعة، إنه «لوغوس» خطاب الفيزيس [physis] ـ الطبيعة بالمفهوم اليوناني. الفن انبثق في الإنسان على شاكلة قوة طبيعية. يقول نيتشه في (الشذرات) مانحاً ولأول مرة امتياز وتفضيل لبعض الحالات الجسمية، وبعض الحالات الانفعالية الشديدة التي قد تكون في الغالب حالاتٍ محكومةً بمرض الفيلسوف، والتي قد تسيطر على جسم الفنان:
«ربما كان المفكرون العليلون متفوقين في تاريخ الفلسفة [...] إن التنكر اللاشعوري للحاجات الفيزيولوجية تحت أقنعة الموضوعية، التصور الذهني، العقلانية الخالصة، قادر على أن يأخذ أبعاداً مخيفة، وكثيراً ما تساءلت، يقول نيتشه، بعد تقليب طويل، إن لم تكن الفلسفة إلى ذلك الحين عبارة عن تأويل للجيد، وسوء فهم له على الإطلاق».(9)
الحالة الفيزيولوجية للفن هي التعبير الحقيقي عن النهوض ضد المثالية الفلسفية التي جعلت من الجسم خيطها الهادي. طبعاً الأمر لا يتعلّق أبداً لدى نيتشه بفيزيولوجيا مغرقة في إفراطها المادي، ولا حتى بتلك المشدودة إلى البيولوجيا. إن الفيزيولوجيا التي يقصدها نيتشه هي تلك التي تنجز معاودةَ تأويلِ الجسم باعتباره العقل الأقصى الأكثر من الروح ذاتها، فيزيولوجيا لا تمت في الأصل بصلة إلى الظواهر العارضة، تقوم ضد كل موقف مثالي محكوم بثنائية النفس والجسم. من هذا المنطلق تسمح فرضية إرادة القوة بإعادة الاعتبار للفعالية المؤولة للجسم، لكونها منبعاً لكلّ تطور، وهي تعكس بالأساس المحاولات النيتشوية المختلفة التي تسعى إلى إيضاح فيزيولوجي لكل من الأخلاق، والمعرفة والسياسة والفن. بإمكاننا القول إذن: «أنه ومع تفضيل نيتشه العودة إلى الفيزيولوجيا، تمكّن من جعل المعاودة الجنيالوجية لاحترام وتقدير القيم ممكنا تجاه الحياة الاندفاعية باعتبارها نصا ممكناً».(10)، سيستعمل نيتشه مصطلح الفيزيولوجيا في ثلاثة أبعاد: البعد الأول الذي يحدد فيه فيزيولوجيا الإنسان جسدياً بصورة أساسية، وهذا الفهم للذات الجسدية هو بمثابة مبدأ للحجب والاستتار الفكريين. البعد الثاني يعكس الوظائف العضوية أو الانفعالية التأثيرية، أيّ كل ما يمسّ وبصورة مباشرة ما هو جسدي. السؤال المطروح هنا هو: هل كانت للتجربة الجسدية الخاصة بشخص نيتشه، دعماً لما كان يقصده بالفيزيولوجيا؟ وهل كانت هذه التجربة مهمة لنيتشه؟ أما البعد الثالث فإنه مرتبط كلية بالفهم النيتشوي للفيزيولوجيا باعتبارها ضرورة أجزاءٍ تؤثر كل واحدة منها في الأخرى(11). فالفيلسوف باعتباره فناناً هو شخص استثنائي فيه يحدث توافقاً وتكاملاً بين الجمع والفرْق، ذلك لأن الإبداع عنده (أي الفيلسوف) مرتبط بمدى قدرته على التدمير. إذ بقدر ما ندمر، بقدر ما تبدع. إن الفنان محكوم بقوة التدمير، فوحدهم المبدعون، يقول نيتشه:
«قادرون على التدمير، غير أنه لا يجب أن ننسي ما يلي: يكفي أن نبدع أسماء جديدة، تقديرات، واحتمالات جديدة لنبدع على التمادي أشياء هي الأخرى جديدة»(12)، لهذا صار عمل المبدع مرتبطاً لدى نيتشه، بمدى قدرة الإنسان على استيعاب الحالتين الأساسيتين المنعكستين لكل من الإلٓهيْن الإغريقيين: أپولون Apollon وديونيزوس
Dionysos الحالة، الأول يظهرها أپولون في الحلم Rêve. الرؤية التأثيرية للصور المثالية للآلهة. وتُظهر بصورة عامة: الحدّ والميزان والتفرّد، والعنصر التشكيلي. أما الحالة الثانية مرتبطة بالثمالة أو الانتشاء Ivresse، الانتشاء الديونيزوسي حيث يتجلّى التحرّر الصوفي للذات.(13)
ويعتبر كلاً من الجنس والخمرة هما المحدثان الرئيسيان لهذا النوع من الانتشاء، انتشاء مفرط في فحشه الإيروسي، الديونيزوسي، محكوم بالتوحد المرعب مع الطبيعة، مسافر يسير نحو صمت الموت، والإمحاء المرح للحدود ووجد العلاقة الموسيقية، ديونيزوس القوة، القادر على تسمية اللامعنى. إنه المتعذر على كل تسمية، أي ما ينفلت من التسمية. لا يرتبط الأمر بموضوع تمَّ الاعتراض عليه أخلاقياً، فـ
«ديونيزوس يمثل الموسيقى: الليل في عتمته، ورعبه، العمق والدهاليز، العنف والقوة، فتاريخ الفن مرتبط كلية بهذه الثنائية، ثنائية أپولون، ديونيزوس».(14)
إن التعارض المؤسس من طرف نيتشه يمثل مدخلاً أساسياً إلى الاستتيقا: (الأپلوني ـ الديونيزوس، مفهومين يجسدان لديه نوعين من الانتشاء: «فالانتشاء الأيولوني يهيج على وجه الخصوص «العين L’œil» ليصير معه الفنان بعد ذلك «رائياً visionnaire» بامتياز. أما الحالة الديونيزوسية، فتُميِّزها الموسيقى «السمع ـ الأذن L’oreille» ويعكس الفن المضيء لما هو تشكيلي، بالإضافة إلى ذلك يرمز على العكس من ذلك إلى عالم الانتشاء والتحوّل)(15). فلكي يكون ثمّة فن، ولكي يكون هناك فعل ونظرة جماليتان، لا بدَّ من شرط فيزيولوجي: الانتشاء، فالموسيقى مثلما نفهمها اليوم يقول نيتشه في عمله (أقوى الأصنام):
«هي كذلك تهييج كلّي، تفريغ كلي للانفعال، لكنها ليست مع ذلك سوى إثارة عالم تعبير انفعالي أشد كثافة، ليست سوى بقية من التمثل الديونيزوسي».(16)
 «بيـزيـه» موسيقى القدري
انتقد نيتشه وبصورة جذرية تغافل شوبنهاور عن المعنى الأستتيقي للأغنية الشعبية الألمانية Leid «اللبيدة». وبالإضافة إلى ذلك، أخطئ في عين نيتشه، حينما قام بتأويل المأساة باعتبارها نفياً لإرادة الحياة، وانتقد نيتشه رؤية شوبنهاور التي جعلت من التعارض بين الذاتي والموضوعي معياراً لتصنيف الفنون، فالفن لدى نيتشه يقيم حيث الإثبات، ويُداخل بين هذه الإثباتية وتاريخانية ديونيزوسية، فالفن يحدث قناعاً بالنسبة إلى الموسيقى. من هنا يكون نيتشه قد عزَّز القطعَ الجذري مع التصوّر الشوبنهاوري عن الموسيقى، باعتبارها تجربة مباشرة للأساس الأصلي للوجود.(17)
وفي اتجاه آخر، منح نيتشه لـ شيبلر Schiller المكانة الأساسية ضمن عمل (مولد المأساة)، جاعلاً منه، ومن غوتيه Goethe الحليفين الدائمين له، فلقد استعان شيلر في بداية الأمر بالضامن السيكولوجي لحظةَ إقدامه على إقامة الرابط بين الشعر والموسيقى.(18)
ففي الفقرة الخامسة من الكتاب، يؤكد نيتشه على جدارة امتياز بشيلر في هذا الشأن؛ فلقد أعلن غوتية أثناء تآليفه المسرحية «فلينشتين» Wallenstein بأن العمل الشعري يقوم عنده لحظةَ التأهب الموسيقي، فالفنان التشكيلي، يقول نيتشه:
«شأنُه الشاعرُ الغنائي، يتقارب معه من دون أن يقع في تأمل محض للصور. والموسيقى الديونيزوسية لن تكون لحظتَها شيئاً آخر سوى المعاناة الأصلية، وهي في الآن معاً ستكون بمثابة الصدى الحقيقي لهذه المعاناة»(19).
ورأى نيتشه من خلال هذه الشهادة التي أدلى بها شيلير إلى غوته، بأن الشعر يعبر استعارياً عن مضمون الموسيقى:
«بأمرٍ عن غرائزهم، فإن الممثل، والمؤمن والراقص، والموسيقي والشاعر الغنائي أنسابٌ بشكل دقيق،  وممتزجون في الأصل، لكنهم تخصصوا وابتعدوا أحدَهم عن الآخر، إلى حد التعارض. إن الشاعر هو الذي بقي مرتبطاً بالموسيقى لأطول مدة مثلما الممثل مع الراقص»(20).
ويضيف في عمله (إنساني مفرط في إنسانيته):
«إن الموسيقى في ذاتها ولذاتها ليست غنية بالدلالة، بالنسبة لكيانها الداخلي. مهما يكن التأثير الذي يجعلنا نعتبرها لغة الإحساس المباشرة قوياً، غير أن ارتباطها بالشعر قد وضع الكثير من الرمزية في حركة الإيقاع، وفي قوة وضعف الأصوات حتى أننا الآن نتوهم أنها توجه الخطاب مباشرة إلى الروح وتنبع منها».(21)
هناك أسباب دفعت نيتشه نحو إحداث القطيعة الجذرية مع موسيقى ڤاغنر، وعلى الرغم من اختلافها إلا أنها عجَّلت بها (أي بالقطيعة). أولى هده الأسباب: ميل ڤاغنر القوي في أن يجعل من موسيقاه تعكس الثقافة المسيحية. ففي رسالة بعث بها نيتشه إلى زوجة ڤاغنر Von Meysenbug بعد وفاته، في 22 فبراير 1883، مؤكداًَ بأنه قد شعر بعودة ڤاغنر البطيئة إلى المسيحية. وإلى الكنيسة ولقد مثلت هذه العودة عنده إهانة شخصية؛ تأكيدٌ كهذا يضعنا أمام السبب المباشر الذي جعل نيتشه يعلن عن ضرورة مغادرته ڤاغنر الذي صار يحمل في نظره مشروع المسيحية والجرمانية، لكن ثمّة سببٌ آخر يبدو أنه ذو أهمية بالغة بالمقارنة مع الأول، والذي تساءل من خلاله نيتشه عن الأساس الأستتيقي للموسيقى وللأثر الفني الڤاغنري.

……………………… التتمة في العدد

مفهوم الخلْق في فلسفة برغسون
خـالـد الـبـحري

توطئـة
لقد بدا لنا الإهتمام بفلسفة هنري برغسون ـ في بادئ الأمر ـ محفوفاً بمزالق عدَّة بالنظر إلى خصوصية أفقه الفلسفي فكراً وأسلوباً وتكويناً، ذلك أن الرجل قد نَهَلَ من علوم عصره وتشبّع بفنونه وآدابه ما جعله مفكّراً متفرّداً. ولعلّ ما عزّز جانب التردّد لدينا أنّنا حين أقبلنا على تعقّب جملة الإشكالات التي نطلب عندها قوام النظر البرغسوني في مفهوم الخلْق وفي معانيه وإجرائيته، كانت تطلعاتنا إلى إحكام معاشرتها وإلى العمل على أن نُصيبَ منها حِيَلَ انتظامها الدّاخلي، [كانت] متفائلة؛ غير أنّ محاورتنا لفلسفة برغسون وإستشرافنا للأفق الذي في اتجاهه وفي حيّزه قد ننال ما نطلب، اصطدماً بجملة من الصعوبات، لعلّ من أهمّها تلك التي تتّصل بالنّص البرغسوني المتقلّب بين ما هو فلسفي وما هو علمي، وبين ما هو فنّي وما هو أدبي، وتتّصل أيضاً باللّغة البرغسونية التي يحتاج رصدُها إلى جهدِ تفهّم لا يبتر ما فيها من طيّ وانفتال(1)؛ لذلك عَسُر علينا أحياناً التعاملُ مع سُبُل حركة الفكرة في النصّ. أضف إلى ذلك أن ما يحمله مفهوم الخلْق من معانٍ متراكَمَة ودلالات متقاطعة، وما يُحيل إليه من تداخل وتشابك وتحوّل وغموض أيضاً، جعلنا لا نكون متيقّنين تمام الإيقان إن كان بمستطاعنا التعامل بحذق مع مغارسِهِ الميتافيزيقية، السيكولوجية أو الفنية، الإستتيقية أو البيولوجية، الكوسمولوجية أو الإيتيقية، السياسية.
وإذا اعتبرنا، من وجهة نظر معيّنة، أن صناعة الفلسفة في فرنسا شَهَدَت خلال القرن التاسع عشر نوعاً من الانحسار مقارنةً بعصر الأنوار، وأنّ الفلسفة الألمانية لقيت إشعاعاً كبيراً، لم يتسنّ لمتفلسفة فرنسا ولا لمؤسساتها الأكاديمية إدراكُ مداها ومعناها إلا إبتداءً من ثلاثينات القرن الماضي، وذلك مع الحدثيْن البارزيْن المتمثليْن في الحلقة الدراسية التي قام بها ألكسندر كوجيف حول هيغل، واكتشاف هوسرل من قبل سارتر والظهور المتأخر لـ نيتشة مع دولوز، وإذا كان هناك في هذه القراءة التاريخية ـ الفكرية جانب من النظر والتحليل، فإنّ الأقرب إلى الحقّ في تقديرنا أنّ فرنسا شهدت في القرن التاسع عشر جيلاً من المفكرين أمثال: دي پيران، بوترو، راڤيسون، رينوڤييه، ليتراي، تان، رونان، وخاصة برغسون الذين كثيراً ما تمّ تهميش إسهاماتهم في تاريخ الفكر الفلسفي بخاصة وفي تاريخ الأفكار بعامة في عصر يمكن أن نزعم دون تجديف في القول أنه: عصر الأزمات.(2)
ولعلّ ما يمكن الاحتجاج به للوقوف على بعض ما يمكن أن تكون دواعي إقبالنا على برغسون يستمدّ من أننا لا نعلم الكثير في ما يتعلّق بعبارة «خلْق» في حدّ ذاتها، لكن نعلم أنّ نحت هذا المفهوم وتحويل وجْهته يعودان ـ بشهادة الأستاذ كنغيلام(3) ـ إلى برغسون لأنه هو من كشف تكوّنه وربوّه وإجرائيته وهو الذي أتى البيّنة على إمكان منازلته خارج حصنيه التقليديين، نعني الحصن اللاهوتي والحصن الميتافيزيقي.
والحقّ أنّ لنا أن نذهب إلى أبعد ممّا ذهبنا إليه حتّى الآن، ذلك أن برغسون لم يكن طَلِعَةً يجتهد في الإلمام المعمّق بما شهده عصره ـ فلسفةً وعلماً وأدباً وشعراً وموسيقى..إلخ ـ من تحوّلات، بل إنّه عثر على شاغل فلسفي بعينه ما انفكَّ يشغشب فكره، وهو منكبّ على دراسة الرياضيات، ألا وهو حدس الديمومة الخلاّقة(4). غير أنّه ما كانت لتتهيّأ له مناظرةُ أَضْرُبٍ من الميتافيزيقا واللاهوت والوضعية معاً، إلاّ بارتسام أفق هو الحدسية، يختبر فيه نوازل المشكلات ومنقلباتها النظرية وصروفها العملية.
وإذا كان ليس من السهل أن نتعامل مع فيلسوف متوعّر ومشاكس مثل برغسون، فإن الأمر يبدو أكثر عسراً ونحن نُقْبل على قراءة نصّ سيّار، شكّيل، مبتكر، مستصعب إلى الغاية، وهي كلّها سمات جعلت من تجربة التفلسف محنةً تعنّاها برغسون وهو يواجه المؤسّسة العلمية الفرنسية المنتصرة آنذاك للنزعة الكانطية الجديدة (5)(Néo-Kantisme)، وللمدرسة الوضعية (Positivisme)، وجعلت من فلسفته ذاتَ وضعٍ جدالي إضطرّه من جهة ما إلى بلورة مفاهيمه في سياق الردّ على خصومه. أفليس معيار فصل المقال في ما بين النصّ وقارئه من الاتّصال أو الانفصال، إنّما هو أن نستوسِل بمن لم تُعوزه بذلك النصّ حذاقةٌ ولم تثنه عن مسعاه لا عواصةُ الفكرة ولا مهاوي التسآل ومغاليقه؟
إن ما يشهد لوجاهة هذا السؤال ويكشف في الوقت ذاته عمّا ينطوي عليه من مفارقة، أن «الهاوي في الفلسفة ـ والقول
لـ برغسون ـ هو الذي يقبل حدود المشكل العادي كما ترد عليه، أمّا التفلسف بحق فيتمثل ههنا في خلْق طرح المشكل وفي خلق حلّه».(6)
ولمّا كنّا لا ندّعي في العلم فلسفةً، ولا نزعم امتلاك كل المفاتيح التي بها نفكُّ غموض النصوص البرغسونية وحركانها المفهومي، وكأنّنا أعرف بتلك المعاني ممّن أبدعها، فإنّه قد لاح لنا أن الاستعانة ببعض من سَدَنة تلك النّصوص ستيسّر علينا تعقّب اشكالية الخلْق في شتّى مغارسه.
وإذا كان ليس لنا ولا علينا، في هذا الموضع، أن نستوفي شروط إجابة ممكنة عن سؤال مفترض يروم البحث في منزلة البرغسونية في المشهد الفلسفي الفرنسي المعاصر، فإنّنا سنكتفي باستشراف الأفق الذي في اتّجاهه وفي حيّزه، قد ننال ما نطلب، ولذلك نحن نقدّر أوّلياً أنّ استشراف ذلك الأفق يكون بتوسّط القامات الثلاث التالية:
أوّلا: موريس مرلوبونتي ونصّه الذي اختتم به مؤتمراً حول فلسفة برغسون عقد أيام 17 ـ 18 ـ 19 و20 أيار/ماي 1959(7)، وكذلك درسه الافتتاحي الذي ألقاه يوم 15 كانون الثاني 1935/جانفيه بمجمع فرنسا(8)، بمناسبة انتخابه أستاذ كرسي علم النفس والبيداغوجيا وقد تجاوز فيه بعض التصوّرات البرغسونية.
ثانياً: جيل دولوز وكتابه (البرغسونية)(9)، وجاء هذا الكتاب تدشيناً لجيل جديد من قرّاء برغسون (بعد وفاته) خاصة في خضمّ تنامي أو تصاعد أسهم الفلسفات المناوئة (بول نيزان، جـ.ب.سارتر، ريمون أرون، جورج بوليتزر..) المحسوبة على التيّار الماركسي.(10)
ثالثاً: فريديريك ورمس، وهو يشغل حالياً خطّة أستاذ الفلسفة بجامعة ليل الثالثة ومدير المركز الدولي للدراسات حول الفلسفة الفرنسية المعاصرة بدار المعلّمين العليا، ورئيس جمعيّة أصدقاء برغسون ويشرف منذ سنة 2002 على النشر المنتظم للحوليات البرغسونية les Annales bergsoniennes، وساهم بنشاطاته الغزيرة في التظاهرات العلمية التي أقيمت حول برغسون في شهر تشرين الأول/أكتوبر من سنة 2007 (ملتقى في بواتييه ثم في اليابان وآخر في كوريا الجنوبية ويوم 30 و31 تشرين الأول/أكتوبر 2007 في ليل)، ناهيك عن أنّ شهر تشرين الثاني/نوفمبر من السنة نفسها، شهد تخصيص يوميْن دراسيين لكتاب التطوّر الخلاّق (23 ـ 24 نوفمبر) بمجمَّع فرنسا وبدار المعلّمين العلّيا بمناسبة مرور مائة عام على صدور هذا الكتاب.
والحقّ أنّ العودة القويّة للبرغسونية في المشهد الفكري الفرنسي على الأقلّ قد تعزّزت بالطبعات الجديدة لمؤلفاته. فبعد الطبعة الأصلية الصادرة عن دار Félix Alcan، ثم طبعة P.U.F التي تلت وفاته مباشرة بدأت منذ سنة 2001 المطابع الجامعية الفرنسية بإصدار النشرة النقدية.
وإذا كنّا نروم بهذه الملاحظات تبرير اختيارنا للمدوّنة التي سنشتغل عليها واستشرافاً أولياً لبعض الصعوبات التي اعترضتنا في عملنا، فإننا لا نجانب الصواب إن قلنا إنّنا لم نقدّر الرّجل بعد حقّ قدره: فأين نحن من قراءة برغسون؟ لماذا يجب علينا اليوم ـ أكثر من أي وقت مضى ـ
أن نعيد قراءته؟ وكيف يمثِّل مفهوم الخلْق أفقاً ملائماً لمنازلة قضايا الفلسفة البرغسونية ومدخلاً مناسباً لامتحان رهاناتها في ما يُطرح علينا اليوم من قضايا ومشكلات؟
قد يبدو من المبالغة والتمحّل أن نقول إنّ برغسون هو ـ على حدّ علمنا ـ من أكثر الفلاسفة الذين تمّ تغييبهم وتهميشهم في ما يُعقد بين ظهرانينا من ملتقيات وندوات فلسفية، وفي ما يُدرّس في كلّياتنا من مسائل فكرية، وفي ما ينجز فيها من بحوث أكاديمية، وفي ما ينشر عندنا من كتب علمية عدا بعض الإستثناءات فائقة الندرة.(11)
إن غياب برغسون أو بالأحرى تغيّيبه مثّل لنا جنساً من الصعوبات التي اعترضتنا، ذلك أنه إذا كانت الأعمال أو الدراسات التي تناولت فلسفته بعامة ضئيلة جدّاً، فإنّ البحوث التي اشتغلت رأساً على مسـألة الخلْق لديه منعدمة.(12)
وإذا سلّمنا بأنّ من مقوّمات الدّراسات أو البحوث أن تكون بكراً وأن تعمل قدر الإمكان على ضمان تأشيرة براءتها الفكرية والعلمية، فقد آلينا على أنفسنا محاولةَ تجاوز الخطوط التأويلية المعتادة التي حصرت فكر برغسون ضمن مفاهيم الحدس والحياة والديمومة والروح والذكاء والتصوّف.. وارتأينا أن الاشتغال على مفهوم الخلْق لديه هو الذي سيساعدنا على تبرير جانب من جوانب العودة الفلسفيّة والعلميّة إلى برغسون والذي سيضمن ـ في تقديرنا ـ ارتسام الخيط الإشكالي الذي سيشدّ أجزاء بحثنا بما يضفي حدّاً أدنى من التماسك المنهجي والتسلسل المنطقي بين أطروحاته وأفكاره وتحليلاته.
وإنّ ما يبرّر لدينا إعادة قراءة برغسون وتجديد الإهتمام بفلسفته، هو أن الأمر لا يدور عنده على لفظ يدقّق أو خاص يعمّم، وإنّما على استبدال كامل لطريقة في التفلسف بأخرى. ولذلك لنا أن نزعم أنّ ما يحيل إلى راهنية مفهوم الخلْق وفاعليته التأويليّة والنقدية بالنسبة إلى مشكلات المدينة المعاصرة هو:
ـ أولاً: أنّ المشكلات الفلسفية ليست مشكلات مجرّدة ومجانية، وإنّما هي مشكلات تخفي دائماً توتّراً عميقاً جدّاً يسكن قيعان ذواتنا وأعماق حياتنا وأغوار وجودنا، وهو ما يعني أن بذرة الخلْق أو الإبداعية كامنة لدينا بما أن حياتنا الباطنية إمتلاء مطلق.
ـ ثانياً: وجود علاقة جوهرية تجمع الحرية بالخلْق والخلْق بالاختلاف والتفعّل، ذلك أن تجربة الخلْق في كل أبعادها تقتضي فاعلية الجهد باعتباره طاقةً تسمح بالتحرّر والفعل والتأثير في العالم. مثلما تُحيلنا إليه تجاربُ كبار الفنّانين والشخصيات الاستثنائية المبدعة للأخلاق.
ـ ثالثاً: إنّ تأكيد برغسون أهمية الزّمن الخلاّق في التجربة الفنيّة، ما يعني أنّ السلوك الابداعي ليس مجرّد صنع أو انتاج أو إعادة تركيب، وإنّما هو تجربة غير متوقّعة، وهو ما يحيل إلى سمات الأصالة والجدّة والفرادة التي ستجعل منها الإنشائية مع روني باسرون مقوّماً من مقوّمات السلوك الإبداعي في التجربة الفنيّة.
ـ رابعاً: إنّ ما يُحْسَب لـ برغسون أيضاً هو أنّ اهتمامه بحركية الجملة وحركان الكلمة ودفق المعنى وحيوية التعبير في رحاب الشعر خاصة، دفع به إلى التمييز بين الاستعمال المألوف للغة والاستعمال الخلاّق لها، ولعلّ ذلك ما يفسّر لدينا مبلغ تأثر مارسال پروست مثلاً
بـ برغسون بل وما تثيره هذه المسائل من قضايا ألسنية وفينومينولوجية وأدبيّة هامّة.
ـ خامساً: إنّ فكرة برغسون حول الكون الذي يتكوّن أيّ الذي يكون بصدد الإنخلاق والتغيّر والإنتشار المستمرّ فكرة تبدو قريبة اليوم من نظرية الإنفجار العظيم (Le big bang)، وكذلك فإنّ فكرة انبثاق الجديد تطرح قضايا إبستمولوجية مثل منزلة المصادفة والسجال بين القائلين بمذهب الخلْق (Créationnisme)، والقائلين بمذهب التطور (Evolutionnisme).
ـ سادساً: ان اكتشاف بنية الـ ADN (الحمض النووي الريبي المنقوص الأوكسجين) سنة 1953 والميكانيزمات البيوكيميائية للخلية، وإن دفعت مثلاً بعالم البيولوجيا فرنسوا يعقوب إلى معارضة فكرة الاندفاع الحيوي الخلاّق، فإن ما قاله برغسون بشأن الذاكرة والدماغ يُطرح اليوم بإلحاح من زاوية عرفانية(13)
ـ سابعاً: إن مسائل السياسة الحيوية والمجتمع المفتوح والمثل الأعلى الديمقراطي، وقضايا السلم والحرب ولقاء المواطنة بالإخاء تؤكد ـ دون تظنّن ـ التوجّه الإنسانوي للسياسة لدى برغسون والذي تترجمه آخر جملة من كتابه: (منبعا الأخلاق والدين).(14)
ـ ثامناً: تبدو المقاربة الحيوية للإتيقا راهنة، ذلك أن المشكل الأخلاقي يخفي قوة حيوية حقيقية، وهي قوّة الضغط (Pression) الذي يقود المجتمعات المغلقة ويفضي إلى الحرب، لكن ثمّة أيضاً قوة أخرى ليست أقلّ من الأولى حيوية وهي قوة التطلّع (Aspiration) إلى الانفتاح والسلّم التي تؤمنّها الشخصيات الاستثنائية، ومن دون التطلع لن يكون ثمّة نقدٌ للحرب، وتبعاً لذلك لن يكون هناك مشكل أخلاقي.
لعلّ في هذا كلّه بعض الجوانب من الإطار العام الذي يمكن أن نتزّل فيه اشتغالنا على مفهوم الخلْق في فلسفة برغسون، وهو موضوع صرّفناه على جملة من المسائل مبتداها مقدمة عامة ومنتهاها خاتمة عامة.
مقدمـة عامـة: الخلْق والمفهوم
نحن نفترض أننا بهذا العنوان نقلب الزوجيْن المفهومين الواردين في عنوان البحث، وقصدنا من ذلك أَشْكَلة العلاقة بين مفهوم الـ «مفهوم» ومفهوم الـ «خلْق»، سعياً لتجاوز ما يبدو أنه مفارقةٌ لمّا نروم الإشتغال على الخلْق كمفهوم لدى فيلسوف، وصنّفت فلسفتُه كفلسفة معادية أصلاً للمفهمة وللفلسفات التي تجتهد في بناء صروح مفاهيمية.(15)
لأجل ذلك نؤكد أن برغسون ميّز بين ضربيْن من المفاهيم:
ـ أولاً: المفاهيم السيّالة والمرنة واللّينة(16) المعبّرة حدسياً عن التوتّر والجدّة والتغيّر والديمومة والصيرورة والتدفق ومن ثمّة الخلْق نظراً لإقترانها بحركية الذات والحياة ولعودتها للتمفصلات الطبيعية للأشياء.
ـ ثانياً: المفاهيم الجاهزة والمتصلّبة والمصطنعة وتامة التكوين(17) التي تشلّ حركة الذات والحياة بردّ التفكير إلى كلمات تكون بمثابة ثياب جاهزة(18) أو تصوّرات جافة تصطنع لأغراض إجتماعية أو «مومياءات موجّهة إلى ترهيب كل إبداع» على حدّ عبارة دولوز وغواتّري(19).
ولسنا نحتاج في هذا الموضع إلى بيان كيف أنَّ البعض من خصوصية المقاربة البرغسونية لمسألة الخلْق تكمن في تجاوز المقاربة الميتافيزيقية للخلق كمفهوم جامد وكفعل وقتي، وكذلك المقاربة اللاهوتية للخلْق من عدم ولذلك لم يعد الخلْق ـ لدى برغسون ـ لغزاً(20)، وإنّما هو صار اقتضاءً أو حاجةً روحيةً(21) نجرّبها في أنفسنا بمجرّد أن نفعل فعلاً بكلّ حريّة.
وتبعاً لذلك أن يكون الخلْق قرين الجهد والفرح(22) ما يجعل من البرغسونية الفلسفة الوحيدة التي قرنت مصير الإنسان(23) بالخلْق والإبداع والتجديد. وإن الذي أقصد برغسون إلى مثل هذا التثمين للخلق كحالة انفعالية وكفعالية مستمرّة وكتدفّق فعلي للجدّة غير المتوقّعة، إنّما هو بالدقّة اللازمة للوقوف على أنّ التفلسف يعني التجديد(24) والخلْق، وأن الإنسان مجهود خلاّق وأنّه حيثما «وُجِدَ الفرح وُجِدَ الخلْق» وكل إنتاج إنساني ينطوي على شيء من الإبداع، وكلّ عمل إرادي يحتوي على جانب من الحرية، وكلّ حركة لكائن عضوي حيّ تتجلّى تلقائيته إنما يأتي بشيءٍ جديد إلى هذا العالم.
1) الخلْق ـ الذات
إن امتحان دعوانا الرئيسية التي أقمنا عليها البحث ضمن أفق سيكولوجي ـ ميتافيزيقي، جرياً على التقليد الفرنسي السائد آنذاك، يوجب علينا العودة أساساً إلى مؤلف سنة 1889 (محاولة في معطيات الشعور المباشرة) لأنه سيعيننا على إيضاح طبيعة العلاقة بين الخلْق والذات، ومحاورة مسائل تتّصل بامتلاء الذات(25) وثراء الأنا العميق في مقابل الأنا السطحي(26)، ومعجزة خلْق الذات ذاتها (Création de soi par soi)، وعلاقة الجهد بتنمية الشخصية، وتقصّي قيعان المعيش الروحي ودخيلة الذات التي لا تفهم إلا كيفياً.
إن النظر في انصراف ديمومتنا إلى الأشياء وتصريف الأشياء لديمومتي، يكشف النقد البرغسوني للنزعة الترابطية (Associationisme) التي تعمل على تجزئة الحالات النفسية(27) وتُحيل الزمن المعيش إلى زمن مقيس أو ميقاتي يقرّ بأن العاطفة كائن يعيش وينمو ويتغيّر دون توقف(28). ومن ثمّة لا تناقض بين الامتلاء والابداعية من جهة أولى، لأن الخلْق الداخلي نشاط اغتنائي، ولا تعارض بين الحرية والسبيبة السيكولوجية(29) من جهة ثانية، لأن السبيبة لا تختزل في التفسير الآلي، وإنّما هي تأكيد للدينامية الخلاّقة بما يجعل من الحرية سببيّة خلاّقة، ومن ثمّة فإنّ المعلول ليس متضمناً كلّياً في علّته طالما أنّه ينطوي دائماً على شيء ما جديد.
واستناداً إلى ذلك نقول إنّ الصلة بين تجربة الخلْق وفعّالية الجهد تجعل من الذات والحياة والكون امتلاءً كلّياً خالياً من أية فجوة أنطولوجية أو فراغات روحية، وهو ما يعني أن الحرية ليست حركية وجدانية وعاطفية وروحيّة فحسب، وإنّما هي إلى ذلك وضع أنطولوجي لا ينقدر وفق أفكار عامة ومبادىء ميتافيزيقية ثابتة وتصوّرات مجرّدة ومفاهيم محنّطة، وإنّما يقوم على واقعة الترقّي المستمرّ لشخصيتنا الحرّة، أعني أن الديمومة الخلاقة تتميّز بأنّها غير قابلة للإنعكاس (irréversible) لأننا لا نستطيع أن نحيا حالة واحدة مرّتين وبأنّه لا سبيل ثانياً للتنبؤ بها (imprévisible) لأنها جدّة مستمرّة وخلق متواصل وأصالة غير متوقّعة.
وإذا كان اهتداء الإنسان إلى الخلْق لا يمرّ إلا عبر اهتدائه إلى طريق الحرية باعتبارها تفعّلاً(30)، فإن الطريق إلى الحرية هو طريق الجهد(31) بما هو قوام تجربة الخلْق الذاتي. لأمر كهذا كان الأقرب إلى الحق اعتبارُ أنّ الفعل لايكون حرّاً إلا إذا عكس الشخصية بأكملها، وصدر عن الأنا العميق ـ بمعنى أن النفس بأسرها يمكنها أن تنعكس في كل حالة من حالاتها العميقة ـ ولذلك كانت بين الأنا العميق أو الحقيقي وأفعاله علاقة شبَهٍ عائلي(32). وبهذا التقدير تكون الحرية هذا الخلْق الذاتي، أي الدفعة المتواصلة من التغيّر التي تستمدّ من ذاتها، في كل آن، إبداعاتٍ غير متوقّعة، وهذا يعني أن حياتنا الروحية اختراع وخلق، وأنّ إيتنا ليست متكوّنة، وإنّما هي تتكوّن وتتشكّل باستمرار ودون توقف.
إنّ القدرة على بذل الجهد هي إذاً قدرة غير منفصلة عن كل فعل حرّ، وهي أيضاً قدرة لا تحرّرنا فقط من الإكراه الخارجي وإنّما كذلك من الضرورة الدّاخلية. وبنقْدِه للصبغة المجرّدة للإرادة التي تقرّر كأنها خارج ذواتنا. ينتهي برغسون إلى التأكيد أننا لسنا نحن من يختار ومن يغيّر طباعنا، وإنّما طباعُنا، هي التي تتغيّر وهي وحدها التي تكون ذواتنا(33). وتبعاً لذلك فإنّ مختلف درجات الحرية تتناسب مع مختلف درجات الإرادة الواعية التي تتصيّر شيئاً فشيئاً حرّة بتجاوزها الاختيار الحرّ عبر الحرّية/القرار liberté/décision، والحريّة/الإبتكار
invention/Liberté، والحرية/الخلْق Création/liberté.
وهكذا يتسنّى لنا أن نخْلُص إلى التأكيد أنّ تفسيرات العقل، وصروحه المفاهيمية وتركيباته الجافة لا تدرك امتلاء الحياة النفسية، ولا تفهم تجربة الخلْق والابتكار والانبثاق والانبجاس التي تميّز مشاعرنا وعواطفنا وأحاسيسنا غير القابلة للحصر والتجزئة، لأنّ الزمان لايكرّر، وإنّما هو يبتكر ويخلق أشكالاً غير متوقّعة.
2) الخلْق ـ الفن
إنّ المماثلة بين الخلْق الذاتي والخلْق الفنّي بناءً على أنَّ الأثر الفنّي هو فعل حرّ ـ هي التي ستسمح لنا بكشف طبيعة العلاقة بين الخلْق والفن ـ وهو ما يدعونا إلى بيان أن الشعور هو الإنبثاقية الأكثر جوهرانية لدخيلتنا، وأن التغيّر الحقيقي هو التغيّر الذي لا ينقسم والذي يشمل أنفسنا والأشياء، وهو ما يؤكد أن الحياة الباطنية بمثابة لحن موسيقى عظيم(35)، لأنّ الوجدانات تشبه إيقاعات المعزوفة، أي أن القطعة الموسيقية وحدة عضوية لا فصل بين إيقاعاتها، شأن الكائن الحيّ باعتباره كلاًّ لا يتفكّك، ومن ثمّة فإنّ استمرارية التغيّر التي تكون غير قابلة للتجزئة، أحالتنا إلى ما يُسمّيه برغسون «الدندنة المتواصلة للحياة النفسية»(36) وهو ما يعني أنه ثمّة مماثلة بين الحياة الباطنية والأثر الفنيّ.
ولقد قادتنا هذه المماثلة إلى الوقوع على قيمة الإيحاء والإيقاع، بما كشف لنا أنَّ الشِعْر هو ترجمان الموسيقى الباطنية والكونية، وأن روح الشاعر تسمع دقات أنباض الحياة(37). لذلك كانت العواطف تتحوّل لديه إلى صور والصور إلى كلمات موزونة بما يعني أنَّ في الإيحاء والإيقاع عودة إلى الخلْق والتفرّد، ولذلك لم نستغرب مَيْل برغسون إلى المدرسة الإنطباعية في الرّسم (Renoir, Manet)، والمدرسة الرومنطيقية في الشعر (Novalis)، والمدرسة الألمانية النمساوية في الموسيقى (Beethoven)، كما أننا لم نستغرب إلتقاء مطلب الشاعر والرسام والموسيقار الذين لا يرون الأشياء طبقاً لمصالح المؤسّسات الرّمزية أو وفقاً لإغراءات الأهواء الجامحة.
ولمّا كان الأثر العبقري في الأدب مثلاً أو «الكتب العظيمة»(38) بلغة مرلو بونتي إنما هو نتاج انفعال يغيّر الإنسان ويخلقه خلقاً من بعْدِ خلْق، لأنه مزيج من الحساسية واليقظة الفكرية والإلهام الروحي والحدس الصوفي، فإنّنا نعتبر أنّ برغسون ميّز، ضمن مشكل اللغة والتعبير وتدفّق المعنى، بين الاستخدام المألوف للغة والاستخدام الخلاّق لها(39)، الذي يحرّر الكلمة وحركة التفكير من الترابطات التقليدية، لتشكيل مفاهيم جديدة تحترم التمفصلات الطبيعية للأشياء وحركية الوجود. ولذلك من المهمّ أن نؤكد أنّ المنهج الحدسي لغةٌ تعبّر عن ذاتها في صور يرجع من خلالها الفيلسوف للسانه وحركيته واندفاعه. ومن ثمَّ من تعسّف التأويل أن يكون الاختراع المنهجي للاستعارات والأمثولات والمقارنات العينية ـ وما أكثرها في مدوّنة برغسون ـ مناطاً في الفلسفة لديه بتجميل الأسلوب وتصيّد شوارد الكِلَم، وإنما يعود بالأساس إلى أنطولوجيا الحركية و«فينومينولوجيا» الإبداعية.
وقد يكون من المفيد أن نذكر في هذا السياق أن اللغة ليست لدى برغسون تعبيراً رمزياً وإنما هي بالأساس حركة الديمومة الخلاّقة ذاتها، وهو ما يجعل من الكلام مساراً حيوياً من التفعّل، أي مساراً خلاّقاً شأنَ اعتمادِ البطل الأخلاقي أو المتصوّف اقتدارَ الكلمة وخلْقَ الصور وابتكار الاستعارات المسايرة لسيلانية النفس المنفتحة، وتغيّرها كسبيلٍ لتبليغ الرسالة الروحية، وهو ما يعني أنّ الكلمة حرّة لأنها تحرّر العقل وهو العقال.
وليس من قبيل الإسراف القول إنّ الديمومة الخلاّقة تنسرّب في اللغة جاعلةً منها حركة، أي أنّ التعبير عن الديمومة وخلْق المعنى يتجلّيان من خلال حركة الجملة(40)، لأن تجاور الكلمات لا يخلق المعنى، وأنّ القراءة هي الفعل الذي بواسطته نطبع في الكلمات حركة ونربط بينها على خطّ الزمان، ويكون ذلك عبر تفعيل الإيقاع العميق الذي يضمّها.
وعلى افتراض أن الكلمات لا تؤلّف ـ لدى برغسون ـ
معنى الجملة ذلك أنها تمثّل لأفكار جزئية، فإنّ الجملة تكون تعبيراً عن تفكير يكون بمثابة حركة خلاّقة، بمعنى أن في الجملة حركة داخلية. وممّا يشهد لما ذهبنا إليه من تأوّل للجملة لدى برغسون اختباره لإيقاعها العميق (أي إيقاع الجملة) تحت صورة خطاطة محرّكة (un schéma moteur)(41).
تكون صالحة لتوجيه عمل الفكر ضمن وجهة محدّدة. وإذَّاك لم تكن الجمل المتعاقبة على امتداد خطاب ما قطعاً منفصلة من الأفكار المتصلّبة والمتراصفة والمتجاورة. إنّ خطاباً أو قولاً لن يكون أصيلاً إلا إذا صدر عن انفعال عميق ونَبَعَ عن جهد خلاّق، وانبثق من حدس يكون بمثابة انتباه محمول على الحركية المؤلفة لجوهر الأشياء ذاتها لأنه بمثابة توتّر نحو التعبير. واستناداً إلى ذلك تكون اللغة شكلاً من الخلْق الحيوي بناء على تميّزها بأبعاد ثلاثة(42): ديناميكي وقصدي وبنيوي. ومن ثمّة توجد علاقة أنطولوجية بين اللغة الحيّة والاندفاع الحيوي، طالما أنها حركة مزدوجة من التوتّر (tension) أي الجهد والانفراج أي زوال التوتّر، ولولا هذا الازدواج الذي يسكن اللغة لما تسنّى لنا الحديث عن أشكال من القيل أو الخطاب.
ولمّا كانت الديمومة تحريضاً على الحركة فإنّ اعتبار اللغة شكلاً من الخلْق الحيوي ما يجعل منها ملزمة بتفعيل المعنى، ذلك أنّ اللغة لا تختزن المعنى لأنها لا تستطيع أن تعطينا إلا إرشادات حول الوجهة التي ينبغي أن يتّبعها الفكر من أجل إدراكها شأن علامات الطريق. وبهذا التقدير يمكن تفعيل المعنى باعتباره توتراً نحو التعبير، لأن اللغة إختراعية شأن لغة الطفل مثلاً التي تكون فيها العلامة مؤلفة بكل حرية، وكذا حال اللغة الشعرية التي تكون فيها صور الشاعر ـ هذا الكاشف عن قسم مخبوء من ذواتنا ـ معبّرة عن الشعور في فَرْديته الخلاّقة وفي كليّة قدرته الإيحائية.
ويمثّل الفن كذلك ـ لدى برغسون ـ إختراعاً لأن الزّمان، وإن كان عاملاً عرضياً في مثال إعادة تركيب صورة ما، فإنّه يكون عاملاً جوهرياً في مثال تجربة الخلْق الفني الأصيل، ومن ثمّة فإمّا أنّ الزمان يكون ابتكاراً وإمّا ألا يكون شيئاً البتّة.(43)
ولمّا كان الخلْق، لدى الرسام مثلاً، يُفضي إلى صورة، كان من الضروري القول إنّ الصورة لا تكون معطاة بصفة مسبقة في فكرة وإنّما هي تتجسّد شيئاً فشيئاً، لأنه يجتهد في انتزاعها من أعماق نفسه اجتهاداً.(44)
ولقد قادنا هذا الفهم إلى بيان كيف أنّ الفنّ لدى برغسون «يحيا على الخلْق»(45)، ولذلك يشكّل التنكر للجدّة والانبثاق أصل المشكلات الميتافيزيقية سيّئة الطرح، لأنّ الخلْق الفنّي ليس صنعاً أو مجرّد إنتاج، وإنّما هو ابتكار، بمعنى أنّ الأثر الفنّي المتفرّد ليس نتيجة آلية لحاصل شروط مسبقة، كما أنه منزّه عن المنفعة ويروم تحقيق الإتّصال المباشر بيننا وبين أنفسنا وبيننا وبين الأشياء.
3) الخلْق ـ الحياة
إنّ عقد الصلة بين مفهوميْ: الخلْق والحياة، يدعونا إلى الاستعانة بمتون «الطاقة الروحية» و«التطور الخالق» و«الفكر والمتحرك» لأنّ ما يجمع الحياة بالذات وبالفنّ هو أنّها تخلق في كل لحظة شيئاً جديداً ومن ثمّة فهي لا تتكرّر أبداً لأن التكرار هزلي.
وإذا تأكّد لنا أننا لا ندوم بمفردنا وأنّ هناك ديمومات بحسب تنوّع درجات الوجود، فإنّ أهميّة الديمومة هي التي جعلت من برغسون يُصالح بين فكرة الخلْق وفكرة التطوّر، ناقداً الآلية الجذرية والغائية الجذرية. وعلى اعتبار الذكاء مساراً من العكس يصرفنا عن الحقيقة الواقعية الحيّة، فإنّ نزعته المفهومية تجعله عاجزاً عن فهم تطوّر الحياة ومعاينة عملية الخلْق خلافاً للحدس.
وإذا كان ليس ثمّة من إرادة تفعّل دون مواجهة معوّقات، فإنّ الحياة تكون جهداً والاندفاع الحيوي يكون حاجةً إلى الخلْق، لأنّه يجعل من حقائق واقعية وأكثر تعقّداً تنبثق في مجرى الزمان.
وبما أن الحياة تتميّز بالزمان/الابتكار فإنّ برغسون يدرج التطوّر ضمن الديمومة باعتبارها ما يتكوّن ويتشكّل، في حين أنّ الزمان المقيس أو الميقاتي المتفضّي يقوم على معيّات أو تزامنات أو مُدَدٍ توقّف افتراضية كما هو الحال في العلم. وتبعاً لذلك، فإنّ أي بحث لم يتفحّص في الصفات المميّزة للزمان لايمكنه أن يفكّر في الخلْق والجدّة وغير المتوقّع، ويتمثل شرط تفحّص تلك الإقامة في الديمومة التي يكون فيها التطوّر خلقاً ويكون فيها الجديد متدفّقا باستمرار. ولذلك شنّع برغسون ببعض المذاهب بسبب تجاهلها لجدّة كل لحظة من التطوّر، ذلك أنها اعتقدت أنّ مُمْكِنَ الأشياء يسبق وجودها، في حين أنّ الواقع لدى برغسون هو الذي يصير ممكناً وهو ما يُسمّى لديه بـ «سراب مثول الماضي في الحاضر» أو المنطق الاعتيادي أو الاستعادي (la logique de rétrospection).
وهكذا نتبيّن كيف أنّ الكون هو ما يتكوّن، أي أنه ليس مُعطىً ومتحقّقاً دفعة واحدة، وإنّما هو محكوم بالنشأة المستمرّة والبدء المتواصل والتشكّل الدائم خلافاً للتصوّرين التقليديين الميتافيزيقي واللاهوتي.
ولمّا كانت الحياة تيّاراً نَفَذَ إلى صميم المادة الشائعة في الكون، أعني شعوراً متدفّقاً خلال المادة (العكسinversion) وهي حركة تنحلّ، أي أنها حركة مسؤولة عن مادية الواقع وتعدّد الكائنات، وحركة صاعدة (الاهتداء conversion)، وهي حركة معبّرة عن الخلْق وتقوم بها الحياة. أي أنّه إذا كانت الحركة النازلة إعلاناً عن انقطاع الاندفاع الحيوي، فإنَّ الحركة الصاعدة تمثل تأكيداً لاستعادة الاندفاع الخلاّق.
وهكذا نقع على أمريْن:
الأمر الأول يفيد أنّ التطوّر خَلْق لأشكال جديدة وصور متباينة من الأنواع والأفراد.
الأمر الثاني يؤكد أن الذكاء لا يفهم الخلْق والتطوّر ومن ثمّة لا يفهم الحياة، باعتباره يمنح أولوية للسلبي على الإيجابي وللعدم على الوجود وللفوضى على النظام وللممكن على الواقعي، وهذه النظرة إلى الوراء أو الاستعادية هي الوظيفة الطبيعية للذكاء المنصرف إلى العمل والتأثير في المادة الخام.
وتبعاً لذلك نقول إنّ في اعتبار الحياة ـ لدى برغسون ـ مبدأ للفعل في المادة ما يجعل من الحياة تكون مستحيلة لو أنّ الحتميّة التي تخضع لها المادة لا تتراخى في شدّتها، ولذلك فإنّ دفعة الحياة لا تستطيع مطلقاً أن تخلق شيئاً من العدم لأنّها تلقى المادة أمامها أي الحركة المضادة لحركتها، غير أنها تستحوذ على هذه المادة التي هي الضرورة نفسها وتتّجه إلى إدخال أكبر قدر ممكن من الحرية ومن عدم التحديد فيها، ولذلك لم يكن تشتت الاندفاع الحيوي(47) باعتباره طاقة روحية وبفعل انقسامه بين الكائنات عائقاً يحول دونه ودون مواصلة عملية الخلْق من خلال تشكيل المادة وتزويدها بالحركة والطاقة.
وعلى هذا الأساس، يكون التطوّر، هذا الاندفاع الحيوي الذي تشابك مع المادة فبَعَثَ فيها الحياة والحيويّة وانتقل بها عبر الكائنات وسائر المخلوقات من طور إلى آخر، ولعلّ ذلك ما يفسّر تشبيه برغسون وجود الحياة بالقنبلة الممتلئة(48) ذات القدرة الإنشطارية اللامتناهية، وتشبيهه الاندفاع الحيوي
ـ باعتباره تياراً شعورياً ضخماً ارتبط بالمادة وتكاثر بالانقسام ـ بالريح التي تندفع في مفترق طرق لا تلوي على شيء.
وبناءً على ذلك إذا كانت الحياة تخترع فإنّ تطوّرها، وإن كان من جهة خلاّقاً، فإنّه لا يكون من جهة أخرى خطياً. أضف إلى أنّه مليء بالمآزق والاخفاقات والارتدادات. ولمّا لم يكن هذا التطوّر مبدأً خارجياً وإنّما هو بالأحرى مبدأ داخلي، فإنّ ما اكتشفه برغسون في المستوى السيكولوجي سيعثر عليه في المستوى الكوسمولوجي؛ ولعلّ ذلك يحيلنا إلى ما قاله الشاعر الألماني نوڤاليس: «نحن نحلم بالسَفَر عبر الكون، ولكن أليس الكون فينا؟».
إن مذهب برغسون الحيوي ينهض إذاً على مبدأ سيكولوجي، أي على تطابق بين الحيوي والشعوري، وهو تطابق لن يُفهم دون هذا الحدس الأساسي للإندفاع الأصلي، وهو ما قادنا إلى كشف اللقاء بين الاختلاف والخلْق الذي يلتئم عند قاعدة التفعّل (لأن قاعدة التحقّق تكرار) ذلك أنّه، لكي يتفعّل الكموني (Le virtuel)، توجب عليه أن يخلق خطوطَ تفعّله، ولذلك إذا كان التطوّر تفعّلاً فإنّ التفعّل يكون خلقاً ومن ثمّة اختلافاً كما تأوّل دولوز.(49)

……………….. التتمة\ في العدد

الإرث الأفلاطــونـي
فـي الفن العربـي الإسلامـي
قيصــر الجليـدي

المقدمة
لا أحد ينكر اليوم ما كان للحضارة اليونانية من أثر على الثقافة العربية الإسلامية في مختلف مجالات الفكر والممارسة، من علم وفلسفة وسياسة وفن، ولكن التقاء الثقافة العربية الإسلامية بالإرث اليوناني لم يكن التقاء تلفيقياً أو اعتباطياً، بقدر ما كان واعياً وإبداعياً، استطاع من خلاله الإنسان المُسْلِم (عالماً كان أو فيلسوفاً أو فناناً) أن يذهب إلى حدود الثقافة اليونانية، وأن يطأ أرضها محافظاً في نفس الوقت على خصوصيته الثقافية، ولكن إختلاط الإنسان المُسْلِم بغيره من الشعوب قد ترك آثاره التي تتراوح بين الاختفاء والتجلّي، ولئن بدا أثر العلوم والفلسفة واضحاً في طريقة تفكير الإنسان المُسْلِم فإن أثر الفن لن يكون على نفس الدرجة من الوضوح، ذلك أن الفن الإسلامي في إلتقائه بالثقافة بالفن اليوناني فلسفةً وممارسةً، قد استطاع أن يحتوي ما يتميّز به الفن اليوناني، وأن يصهره ضمن رؤية شمولية للعالم وللذات الإلٓهية ولموقع الإنسان في الكون. ولذلك، فإن البحث عن جذور الفن الإسلامي يتطلّب منّا أن نُعاين هذا الفن من خلال مقاربة (أركيولوجية) تَعْمَد إلى الكشف عن أصل وفصل الجمالية العربية الإسلامية، وهو ما سعى إليه أكثر من باحث في ميدان الفن: قرابار(1) ـ بابادوبولو(2) ـ عفيف بهنسي(3)، ثم إن ما يجمع عليه الأولان هو أن الفن الإسلامي، ليس إسلامياً إلاّ بالتجوّز، بمعنى أننا لا يجب أن نفهم صفة الإسلامي من وجهة نظر دينية، إذ هناك أعمال فنية لاعلاقة لها بالإسلام كدين، وأعمال فنية إسلامية أبدعها فنانون غير مسلمين: إذ نجد فناً إسلامياً ـ يهودياً أو إسلامياً ـ مسيحياً. ولذلك يذهب قرابار إلى اعتبار صفة «إسلامي» كرمزية حضارية لا دينية بالضرورة، لأن الإسلام قد أثَّرَ في أكثر من ثقافة، وفي أكثر من شعب وفي بلدان متعددة. يقول Georges Marçais: «إن الفن الإسلامي هو آخر مولود من فنون عالمنا القديم ومهده آسيا الغربية»، وما دام هذا الفن هو آخر قادم من الفنون فإنه قد عمل على «أَسْلَمَة/islamiser» الفنون المحلِّية (في إسبانيا وآسيا الوسطى..) وينتهي قرابار إلى الحكْم بأنه لا الظروف التي كانت سائدة في الجزيرة العربية، ولا مجيء الإسلامية ونزول القرآن (الذي كان متمحوراً حول الله، ولذلك لم يُذْكَر إلاّ عرضاً ما يتعلّق بفنون تشكيلية أو جميلة)(4)، ولا الأحاديث النبوية التي كانت، في معظمها مُعَادية للصور، هي التي ستفسّر لنا كيفية نشأة الفن الإسلامي، ولذلـك يجب أن نبحث في الفنون المحلية التي وجدها الإسلام في البلدان المفتوحة، وأن نرصد كيف تمَّ «زرع/greffer» الفن الإسلامي في أشكال فنية سابقة عليه وجاهزة، وأن نبحث في مدى نجاح هذا «الزرع» في الأجساد الفنية: الإسبانية والبيزنطية واليونانية.. إلخ.
ولكننا نتساءل: هل إن المُسْلِمين الوافدين على أراضٍ وثقافاتٍ عريقة ضاربة في القدم، سيتأثرون بشكل كلّي بما يوجد قبل مجيئهم، ويتبنّون الفن الموجود كما هو، أم أنهم سيسعون إلى تغييره ونقله إلى حضارتهم بشكل لا يتناقض مع عقليتهم الإسلامية ورؤيتهم الخاصة للعالم وللوجود؟ أين يقف تأثير الثقافات المحلّية وأين يبدأ الفن الإسلامي؟ وهل نحن قادرون ضمن هذه المقاربة الأركيولوجية ـ التمييزية أن نسطر خطاً فاصلاً بين ما هو إسلامي وما هو دخيل أو غريب، كفَّ عن غربته بفعل الأسْلَمَة؟ هذا يفترض أن كلّ فن قد حافظ على وحدته وتفرّده رغم العلاقات المتبادلة التي قامت بين الفن الإسلامي وغيره من الفنون الأخرى، ولكن إلى أي مدى يصح ذلك؟
وإذا كان ألكسندر بابادوبولو، يسير على نفس النهج الذي يسلكه قرابار من حيث أن العرب الغزاة لم يكونوا على دراية إلاّ بفن واحد هو فن الأدب، ولم يكن لهم أن يتعاطوا أي فن آخر بسبب نظرتهم الإحتقارية للصنائع اليدوية (وهو ما يفسّر ثانوية الهندسة والمهندسين المعماريين إذا ما قارناهما بباقي الفنون الأخرى، فالمهندس ليس في الأصل إلاّ بناء، ولذلك كان أقل حظوة عند السلاطين من الشعراء والخطاطين والرسامين والعلماء)، بل إن المُسْلِمين «لن يضعوا أيديهم في العجين البتة»(5)، حسب بابادوبولو. ولكن في مقابل ذلك يبيّن، بابادوبولو، أنه ورغم تأثر الفنان المُسْلِم بالعوامل الجغرافية والقومية والثقافية للبلدان التي وصلها الإسلام (بيزنطة، الصين، أسيا، الهند)، فإن ذلك لا يحوُل دون الإعتراف بالدور الكبير الذي اضُطلع به الفنان المُسْلِم في تأليفه بين هذه العناصر، مضيفاً إليها نظرتَه الخاصة المستلهمة من مثله العليا (القرآن والسنة) ومن نظرته للجمال وانطلاقاً من توجه إبداعي متميز.
وبالتالي فإن فهم الفن العربي الإسلامي يقتضي المراوحة بين المقاربة الثقافية الأنتربولوجية، والمقاربة الفلسفية الأركيولوجية من ناحية والجمالية من ناحية ثانية.
أما بالنسبة لـ بهنسي فهو يبين في كتابه (الفن العربي الإسلامي في بداية تكونه)، أن الفن الإسلامي له خلفية إيديولوجية تتجلى في ما جاء به الدين الإسلامي من تعاليم تؤكد بالخصوص على قضية التوحيد «فالله وحده لاشريك له وهو رب العالمين، لا المُسْلِمين فقط، وأن القوة المطلقة له، لا حدّ لها، ولا تشخيص لصورتها»، ولكن وراء هذه الخلفية الإيديولوجية خلفية تاريخية قومية، ذلك إن مبدأ التوحيد ليس من إبداعات الإسلام، فالعرب يعرفونه في «شخص الإلٓه إيل» في عهد إبراهيم.
وقد بين بابادوبولو الأثر العميق الذي تركه التصوّر اللاهوتي الأشعري في الفن الإسلامي، كما تمَّ نحته في علم الكلام، فهو يقرّ إن الله إرادة، وحرية مطلقة، وما الحقيقة والجمال والخير إلاّ مخلوقات ربّانية عرضية، ويعبّر Louis Massignon (1991) قائلاً: «بالنسبة للمسلمين، ليس هناك دليل إستيتيقي على وجود الله، والدليل هو الآتي: الله هو الوحيد الباقي، فالأشياء زائلة إلا وجهَه، والدليل على الله هو تغيّر كل ما ليس هو»، ويبيّن بابادوبولو إن موقف ماسينيون هذا سيتغير فيما بعد 1938 ليبيّن، بالاعتماد على مفهوم «الشاهد/Témoin»، أن الرسم الإسلامي الفارسي يعمل على البرهنة على وجود الله من خلال تصوير الأشياء الجميلة: فيكون لله حضور محسوس بفضل الأدلة الفنية.
لكن الاقتصار على فهم الفن الإسلامي بالعودة إلى الرؤية الإسلامية للعالم ولله، لا يمكّن من الكشف عن حقيقة هذا الفن وما يزخر به من معانٍ، تعجز القراءة الأُحادية عن الكشف عنها، وهو ما يدعونا في واقع الأمر إلى البحث عن آثار الفلسفة الأفلاطونية في الفن العربي الإسلامي التي تسرّبت إليه عن وعي أو غير وعي؛ يقول بهنسي: «إذا كان الإسلام قد أوضح منطلقات فلسفة الفن العربي، فإن معالم شخصية هذا الفن قديمة عريقة، ولكن لا بدَّ من الإعتراف أن فلسفة هذا الفن الذي يرجع إلى ما قبل الإسلام، وعلى الرغم من وفرة المكتشفات الأثرية، لم تتوضح حتى الآن»(6)، بهذا القول يوضح بهنسي صعوبة الوقوف على الجذور الفعلية للفن العربي الإسلامي، لكن ذلك لا يمنعنا من أن نتلمّس مصادر هذا الفن، وذلك بالعودة أولاً إلى الرؤية الإسلامية للعالم، وثانياً بحصر ما ورثه الفن الإسلامي من التراث اليوناني عامة والتراث الأفلاطوني بالخصوص.
I. مصادر الفن الإسلامي بين الوحدة والتنوع
يقول جورج مارسيه: «لمّا كان مَهْدَ الفنون آسيا الغربية، التي شهدت إزدهار أكثر الحضارات أهمية، فقد جنى الفن الإسلامي من تراثها، ولكنه اختار منها ما شاء، وتمثل ما احتفظ به من عناصر، ثم أعطى هذه العناصر طابعه الخاص، أعطاها وجهاً جديداً لا يمكن التعرّف على أصولها»(7)، إن انتشار الإسلام في مختلف بقاع الأرض قد جعل منه رؤية شاملة تتأسس على مبادئ عقدية وفلسفية وأخلاقية صهرت ما اكتسبته من الثقافات الأخرى لتتكّون كرؤية متميزة تجلّت في مختلف الفنون الإسلامية من عمارة وزخرفة وخط ورقش، ومقرنص.. الخ.
أ. الرؤية الإسلامية للعالم
يقول عبد الكريم الخطيبي ومحمد السجلماسي: «أن العالم في نظر المُسْلِم ماثل أمامه كتاباً مطلقاً يشهد على الحضور الإلٓهي المحيط»(8)، فالعالم إذن دلالة مادية على قدرة الله وحرّيته وإبداعه، العالم شاهد على الحضور الإلٓهي، بمعنى أن الله لم يعد ما هو خفيّ متعال بإطلاق، بل إن عالم الشهادة لهو دليل قطعي على وجود عالم الغيب، وما عالم الشهادة إلاّ مجال لتجلّي القدرة الإلٓهية والعناية الإلٓهية، كما يذهب إليه الأشاعرة. لم يعد عالم الشهادة نقيضاً، ضد العالم ـ الغيب بقدر ما هو امتداد له وضرب من ضروبه، فالعالم المادي، الدنيوي على علاقة وطيدة بالعالم المقدس الذي يقيم علاقات وطيدة مع هذا العالم، وهو نفس ما ذهب إليه ماسينيون كما سَبَقَ أن أشرنا إلى ذلك آنفاً.
أن الرؤية الإسلامية للعالم رؤية سبحانية، تتأسس بالخصوص على القرآن والسُنَّة كمصدريْن أساسييْن لكلّ تمثّل موحد ومنسجم للعالم، ولذلك فإن القرآن والسُنَّة لا يمثلان مجرّد مصادر عقدية تحدد واجبات المُسْلِم وطقوسه، بل كانا أساساً لفلسفة أكثر شمولاً تحدّد طبيعة العالم ومصدره ومصيره، كما تضبط موضع الإنسان فيه كجزء لا يتجزأ من العالم الفسيح الذي هو في أول المطاف ونهايته مخلوق ربّاني «إن الإنسان علامة، واسمٌ مختوم بخاتم الله»(9)، وبالتالي يتنزّل الإنسانُ ضمن هذا العالم كعنصر من عناصره، وكعلامة لها دالُّـها ومدلولها، أما دالّـها فهو الجسد ذاك الحضور المادي الذي يخفي داخلَه مدلولاً، هو الروح التي هي أمرٌ من أمور الربّ؛ الإنسان إسم مطبوع بطابع ربَّاني، ولذلك فالإسم لا يُحيل إلى ذاته، بقدر ما يُحيل إلى المعنى (التصوّر الذهني) الذي هو ليس إلاّ الخالق؛ فالإنسان مجال آخر لتجلّي القدرة الإلٓهية «إنه هذا الجسم المتخفي عن ذاته، وكأنه تخلص من حركَته فانصهر في الرؤية الإلٓهية. إن ما يتسرب إلى هذا الجسم بإملاءٍ من الصوت الإلٓهي، صورةٌ للنفس وهي تنزل من سماء الله. وفن الخط التقط بطريقته صورة النفس هذه، فعرض على البصر مسلك الوحي»(10). إن موقف الإسلام من العالم ومن الإنسان هو الذي سيحدد طريقة تعامل الفنان المُسْلِم أولاً مع النَصّ القرآني من ناحية، والنَصّ السني من ناحية ثانية، والنَصّ الفلسفي من ناحية ثالثة، وإذا كان النصّان الأولان يمثلان ما به يتقوم الإسلام كدين وعقيدة ورؤية للحياة، فأن النَصّ الثالث وهو نَصٌّ وافدٌ من الخارج على المُسْلِمين سيكون في علاقته بالنصّيْن الأوليْن، ما به يتقوّم الإسلامُ كحضارة، يحتل فيها الإجتهاد مركزاً تأسيسياً، وسيكون لهذا الإجتهاد دور تحديديّ ينحت موقف الفيلسوف والفنان المُسْلِم على حدّ السواء من مسألة الجمال والفن وما يحتويه من عمارة وخط وزركشة ونَمْنَمَة… الخ
ب. الإرث اليوناني
إذا كان القرآن والسنة قد حدّدا في البداية ما يُعتبر سلوكاً إسلامياً بتمييزه عن غيره من السلوكات الأخرى الغريبة عن الإسلام بما في ذلك رفض المحاكاة لمضاهاة لخلْق الله «يعذب الذين يضاهون خلق الله»(حديث)، فإن كلاًّ من الخطيبي والسجلماسي قد صرّحا بأن «الفنان المُسْلِم يُنشئ الشيء إنشاءاً وهمياً، تمت كتابته بَعْدُ (لأن الله هو وحده الذي يخلق)»(11)، وهذا التصريح ليس غريباً على الفكر اليوناني عموماً والأفلاطوني بالخصوص كما سنرى ذلك فيما بعد. وبالتالي فإن المصدر الثاني للجمالية العربية الإسلامية هو الإرث اليوناني، يقول بهنسي: «وخلال المرحلة الثانية كان التأثير الإغريقي أكثر وضوحاً، صحيح أن خالد بن يزيد كان من أوائل الذين اهتموا بالثقافة الإغريقية، غير أن المأمون كان قد قوَّى علاقته بالبيزنطيين، فطلب إليهم إرسال كتب أفلاطون وأرسطو وجالينوس وأبقراط (كما روى سعد والمقريزي). ولقد أسَّس المأمون جماعة من العلماء منهم الحجاج بن يوسف بن مظر ويحي بن البطريق وسلمان وغيرهم لاختبار أحسن الكتب».(12)
نلاحظ إذن أن نَقْلَ الثقافة اليونانية: فلسفة وفيزياء وطب، لم يكن نقلاً عشوائياً أو اعتباطياً، بل كان نقلاً تأسيسياً وانتقائياً، وتمييزياً، أي نقدياً، فحركة الترجمة كانت حركة قصدية وواعية، مدعومة بإرادة سياسية متحمسة، وهذا ليس غريباً على المأمون الذي كان ذو ميولات معتزلية وعقلانية، ولذلك فإن ما سيُترجم، أو يُنقل، إلى رحاب الثقافة الإسلامية، سيُستوعب ويُهضم ويُغربل بشكل يجعله يتلاءم مع النظرة التوحيدية الإسلامية.
من ناحية أخرى يبيّن بابادوبولو أن البلدان التي غزاها المُسْلِمون: كـ سورية وفلسطين ومصر وإيران، لن تكون مليئة بالأثرياء فقط وإنما برجال الدين والفلاسفة والعلماء والمهندسين المعماريين والفنانين والحرفيين وستكون اللغة اليونانية اللغة الرسمية للخلافة ولإدارتها لمدة خمسين سنة، وستكون المنافسة الوحيدة للغة العربية حتى في الحياة اليومية(13). ولذلك سيسعى الخلفاء الأمويون إلى التشبّه بالإغريق في سكنهم وأوانيهم وأبنيتهم، وسيحتاجون إلى فنانين أقباط وبيزنطيين ويونانيين ويَعَاقبة، لإنجاز طموحاتهم الفنية من مساجد وقصور (عد إلى الهامش 5)، يقول Oleg Grabar متحدثاً عن أثر القُدامى من اليونانيين في الديانات التوحيدية كالإسلام والمسيحية والبوذية:
«Mais ces religions étaient nourries d’une longue tradition de réflexion sur les arts qui remonte à Platon».(14)
يجمع معظم الباحثين في مجال الفن والجماليات أن الفلسفة الأفلاطونية تمثل نقطة انطلاق تأسيسية لما سيأتي فيما بعد في مجال الوجود والإلٓهيات والفن سواء عند الإغريق، أو عند الحضارات الأخرى، بما في ذلك الحضارة العربية الإسلامية، ولذلك سنسعى فيما يلي من بحثنا إلى إبراز مدى ضخامة الإرث الأفلاطوني في الرؤية الفنية الجمالية في مجال الفلسفة وفي مجال الممارسة الفنية على حدّ السواء، لنحدّد مدى حضور النموذج (Paradigme) الكلاسيكي (الأفلاطوني والأرسطي) في الرؤية الفنية الإسلامية للعالم وللوجود. ولذلك يجب أن نتساءل عن منزلة الجمال في الفن الإسلامي وعن تموضعه ومفهومه وكيفية إدراكه وعن هدف الإنتاج الفني بين الأفلاطونية والفن العربي الإسلامي، ثم إلى أي مدى يمكن الحكم أن الفن العربي الإسلامي قد ظلَّ سجين البراديغم الكلاسيكي المطلق؟ وإلى أي حدّ أسهم في وضع معالم براديغم جديد يقطع مع مبدإ المحاكاة، لينشأ عالماً مستقلاً للفن يكون في نفس الوقت تعبيراً عن حرّية الإبداع والخلق الفني وشهادة/أو شاهداً على تجلّي العجيب والغريب وربما «اللاواقعي» في هذا الفن؟ ما هي مواطن التقليد ومواضع التجديد في الفن العربي الإسلامي؟
II. التأسيس الأفلاطوني للفن وأثره في الفن العربي الإسلامي
إن النظرة الأفلاطونية هي نظرة مثالية تفاضلية كما هو معلوم، تلعب فيها نظرية المثل الدور المحوري والرئيسي، وقد جاءت محاورة التيماوس Timée لاستعراض مستفيض لكسمولوجيا أفلاطون، فلكيْ يبيّن أفلاطون الموقع الذي يحتله الإنسان في العالم المحيط به (Macrocosmic) يميّز بين نوعيْن من الوجود: وجود المُـثُل والتي يتمّ إدراكها بالعقل، والوجود الصائر المحسوس الذي هو مجال الظن. ويبيّن أفلاطون أن خالق العالم هو كائن يتميز بالكمال والخير المطلقين ولذلك سعى هذا الكائن أن يجعل كل مخلوق على صورته أي أن يجعله كائناً خيِّراً.
أ. العالم بين الكمال الأخلاقي والكمال الجمالي بين أفلاطون والمُسْلِمين:
يبيّن Emile Chambry في تقديمه لمحاورة التيماوس أن الله ينتقل بالعالم من الفوضى والعبثية إلى النظم المُحْكَم والانسجام التام، ولخلق العالم أخذ الله النار والتراب بتوسّط الهواء والماء، لأنه لا شيء يُرى دون النار ولا شيء يُلمس دون التراب، ولذلك فعلاقة العناصر الأربعة تناسبية Proportionnés، فكل عنصر من هذه العناصر الأربعة ينصهر بصورة كلية في تركيبة أو بنية العالم، ليُصبح العالم واحداً، رغم تعدّد عناصره، وهذا هو نفس المشكل الذي سيتناوله المتكلّمون والفلاسفة المُسْلِمون من بعده وسيصوغونه في السؤال التالي: كيف يمكن أن تصدر عن الواحد كثرة؟ عند أفلاطون عن الواحد لا يصدر إلا الواحد كما أسلفنا، والعالم هو صورة الله، والله ليس أكثر من صورة، ولذلك رغم تعدّد عناصر العالم واختلاف طبائعها فإن العلاقة بينها علاقة تداخل كلّي، يصعب أن نميّز فيها عنصراً عن آخر، بحيث أن كل عنصر يشارك في كلّيته الوجودَ بكلّيته، مما لا يسمح له بأن يُشارك بجزء منه في تكون عالم آخر، قد يفلت من قانون المرض والفناء والزوال كما أراد الله ذلك: فتعدد هرقليطس يصبح وحدة عند أفلاطون وهو نفس ما ذهب إليه فلاسفة الإسلام من بعده.
فالله عند أفلاطون علّة فاعلة (بلغة أرسطو) مادام هو خالق الكون ومدبّره وصانعه وهو كذلك عند الفارابي. يُفرّق الفارابي بين الممكن والواجب، أما الممكن فهو ما اعتبر ذاته لم يَجبْ وجودُه، وأما الواجب فهو ما اعتبر ذاته وَجَبَ وجودُه وجودَ الله. والأشياء الممكنة التي تكون علّة ومعلول لبعضها لا بدَّ من انتهائنا إلى شيء واجب هو الموجود الأول: الله تعالى، خالق كل شيء. فواجب الوجود لا علّة لوجوده، فهو واجب الوجود بذاته. ويبرهن الفارابي في فصل «القول في نفس الشريك عنه تعالى»، في آراء أهل المدينة الفاضلة على وحدانية الله مستعملاً مفهوم «التمام»، والتام هو ما لا يمكن أن يوجد خارجاً عنه وجودٌ من نوع وجوده، وذلك في أي شيء كان «وبالتالي فإن وجود العالم هو وجود أدنى من الوجود الربّاني لا محالة، ومن أمثلة التمام التي يقدمها الفارابي الجمال والعِظَم والتامّ في الجوهر. فالحقيقة التي لله ليست لشيء غيره، وهو واحد لا يقبل التجزؤ. فلا فرق إذن بين الموجود الأول والسبب الأول: فنظام الوجود هو نفسه نظام العلّية أو السببيّة.
هذا من ناحية أما من ناحية أخرى فلقد كان لنظرية المُـثُل الأثر الكبير في الرؤية الفنية والفلسفية الإسلامية للعالم. فالمُـثُل كما هو معلوم حقائقُ أزلية، والإنسان قادر على اكتشافها في نفسه ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ والحقائق الأزلية متراتبة تراتباً تفاضلياً وهو ما سيؤدي إلى نظرية العقول العشرة عند الفلاسفة وإلى نظرية تراتب الملائكة عند المتكلمين والفقهاء. والإنسان لا يستطيع أن يصعد إلا عبْر معرفة إشراقية ينتقل فيها المُريد من الأدنى إلى الأعلى ليقف عند العقل العاشر، وعملية الصعود لا تكون إلا عبْر طقوس يمتزج فيها ما هو ديني بما هو فني وجمالي، وسيؤدي ذلك إلى نشأة فن الرقص الصوفي والشعر والأدب الصوفيين، يقول سالم حميش: «أما التأثير اليوناني، وبالأخص منه الأفلاطوني والهرمسي، فلا شك
في حدوثه ولكن ابتداء من القن الخامس الهجري فقط، وبالذات أبرز ممثلي التصوف الإشراقي والنظري، السهروردي المقتول (587 م) وابن عربي (938م)»(15)، ولكن قبل أن نعرض للأثر اليوناني والأفلاطوني الصوفي ـ الجمالي في الفن العربي لا بدَّ أن نعرض بادئ ذي بدء لملامح الجمالية الأفلاطونية ولفكرة الجمال عند أفلاطون.
ب. فكرة الجمال بين التأسيس الفلسفي والممارسة الفنية عند أفلاطون وأثرها في الفن العربي الإسلامي:
1) الفن والمثل الأعلى.
يقول                             :Raymond Bayer
«L’idéal n’est autre que l’idée réalisée, l’idée devenue sensible, l’idée en incarnation l’idéal est un mixte entre l’image et l’idée».(16)
إلى أي مدى يمكن أن نُسَلِّم مع باير Bayer أن المََـثَل الأعلى للفن هو «خليط» بين الصورة والمثال (الفكرة)، ونحن نعلم مدى احتقار أفلاطون لعالم الصور، عالم الظلال والأشباح، يمكننا نلاحظ أنه بقدر احتقاره للصور يبدع صوراً جميلة، وما حضور الأمثولة كأسلوب وصفي ورمزي ضمن المتن الفلسفي الأفلاطوني إلا دليل على ذلك. أن القول بأن أفلاطون معاد للصور الحسية هو قول قارئ على عجل، لأن من يتثبت أكثر في محاورة التيماوس (كما أسلفنا ذكر ذلك آنفاً)، يلاحظ أن الله قد خَلَقَ العالم على صورته، فصوره فأحسن تصويره، فبقدر بهاء العالم وجماله يكون بهاء الخالق وجماله أيضا. ولذلك نجد عند أفلاطون تمييزاً بين نوعيْن من فن الخلق والإبداع، الأول ربّاني والثاني إنساني.
«Les choses que l’on dit produits par la nature sont l’oeuvre d’un art divin celles que les hommes composent avec celles là sont l’oeuvre d’un art humain».
نلاحظ مبدئياً أن أفلاطون لا ينكر الإبداع الإنساني، ولكنه يضعه في مرتبة دون مرتبة الخلْق الربَّاني. ثم الطبيعة لا تبدع، لأن صفة الإبداع لا تصدق إلاّ على الكائن العاقل فقط، وبالتالي فأن الطبيعة لا تدل على ذاتها، بل هي دلالة على الخلْق الربّاني وهنا يلتقي أفلاطون بالفلاسفة المُسْلِمين الأشاعرة بالخصوص الذي يسمّون المخلوقات المادية بالعرضية مقابل ما تتمتع به الذات الإلٓهية من سرمدية. ولكن الطبيعة ميدان مشترك بين الإبداع الربَّاني والإبداع الإنساني، ذلك أن هذا الإنسان لا يُبدع إلا إذا انطلق مما تقدمه له الطبيعة من مواد أولية، ولكن لا يُبدع إلا إذا أصبح قادراً على تطويعها دون أن يتحوّل إلى خاضع لها: فشرط التحرّر من الطبيعة هو الإنطلاق منها والوعي بضروراتها. ولذلك فإن فعل الخلْق لا يجب أن يقتصر على فعل المحاكاة. وهنا نجد تمييزاً ثنائياً آخر عند أفلاطون بين أن نخلق خلقاً أولياً لا مثيل له، وبين أن نخلق أشياء شبيهة لا طرافة ولا جدة فيها، والله عند أفلاطون قادر على القيام بهذين الفعلين على حد السواء فهو يستطيع أن يبدع عالم المثل الأزلية والمطلقة، كما يستطيع أن يحاكي هذا العالم فينتج عالم المحسوسات الذي هو في آخر المطاف صورة لعالم المثل. فالمثال نموذج للكمال وللحقيقة. ولذلك أقر المعتزلة أن المثل بما هي حقائق مطلقة توجد في العقل الإلٓهي بما في ذلك مثال الجمال. وبالتالي فأن مثال الجمال عند أفلاطون يحتل موضعاً أخلاقياً وأنطولوجياً، أي أن الجمال عند أفلاطون يتنزّل ضمن نظرية الوجود عند أفلاطون فالجمال “مثال” متعال، ضروري الوجود، وثابت ومستقل عن العالم المادي بقدر استقلاله عن كل مَلَكَة إدراك، أي عن كل عقل مدرك سواء كان العقل الإنساني أو العقل الإلٓهي، بل أن العقل الإلٓهي في إبداعه للعالم يتخذ من المثل نموذجاًً له. أما بالنسبة للمسلمين من بعد ورغم إيمانهم بما يتمتع به الجمال من مثالية تجعله ملازماً للعقل الإلٓهي، فأنه رغم ذلك يتجلى ويظهر في عالم الموجودات الحسية كتعبير عما هو إلٓهي في الوجود. وإذا كان أفلاطون يقرّ بأن المثل بما في ذلك مثال الجمال ـ قديمة قِدَم الإلٓه، فإن التصوّر العربي الإسلامي بعقلية الكلامي والفلسفي سيتخذ من هذه المسألة مذاهبَ ومللاً ونحلاً شتَّى: ولكن الأكيد هو أن الله عند المُسْلِمين هو العلّة الفاعلة، المريدة لكل ما يوجد في الكون، وبالتالي فإننا إذا وصفنا الإنسان بالإبداع فإننا لا نفعل ذلك إلا على وجه الجواز والشبه لا على وجه الحقيقة، وقد بيّن الخطيبي والسلجماسي أن الفنان المُسْلِم ينشئ الشيء إنشاءاً وهمياً، لأن فعل الخلق حِكْرٌ على الله دون غيره من الكائنات الناقصة:
«Le faiseur de tragédies est éloigné du roi et de la vérité», Roi = Dieu = Bien (Les letters de Platon).
إن الخلق الإنساني هو خلق من درجة ثانية، بل هو شبْه خلق، ورغم ذلك يبين أفلاطون في محاورة اپيتات “إن من واجب الإنسان هو أن يحاكي الله في كل شيء «ما دام الله هو المثل الأعلى للإنسان، ولذلك ستُعرَّف الفلسفةُ عند العرب من بعد (الفارابي) بأنها التشبه بصفات الله قدر طاقة الإنسان. فمعاداة أفلاطون للمحاكاة ليست مطلقة، كما هو الشأن عند المُسْلِمين من بَعْدُ، فإذا كانت المحاكاة بغاية إظهار قدرة الخالق وعنايته فهي محمودة أما إذا كانت لمنافسته فهي مذمومة وممنوعة.
فالإنسان عند أفلاطون محكوم عليه بأن يكون مجرد مقلد لله، ولكن التقليد المتواصل لله يمكن أن يجعل الإنسان شبيها به ولكن دون أن يصل إلى نفس المرتبة التي يحتلها، لأن الإنسان مثقل بجسده الذي هو عائق وقبر، ولكن الإلتحام بالله يظل ممكنا إذا ما نجح الإنسان في التحرر مما يشده إلى عالم الكون والفساد (فالمثل الفرنسي يقول (Qui se ressemble s’assemble) أي إذا ما نجح في مسيرته بما هي تدرب على الموت، قَتْل الشهوة باسم العشق الإلٓهي والحياة الأزلية، وإذا كان الفنان المُسْلِم لن ينجح مهما حاول في أن يساوي فعل الخالق، إلا أنه من حقّه أن يكون من أحبابه، وأحباب الله هم المقربون منه: أنهم الصالحون.
«Celui qui s’élève vers l’espèce, une, éternelle, immuable du bien même, devient l’ami de Dieu».(17)
إن أثر أفلاطون في هذا المستوى سيكون على شاكلتين: الأولى تتمثل في احتقاره لمحاكاة المحسوس وتثمينه لمحاكاة المعقول، وهو ما سنجده عند المُسْلِمين أيضا: الذين سيبدعون جمالية العالم المستقل، جمالية المفهوم، لا جماليةَ المحسوس كما هو الشأن عند البيزنطيين من قبل. ولكن لا يفوتنا أن نؤكد أن المحاكاة عند أفلاطون هي ما يجعل العمل الفني عملاً دنيئاً، تابعاً، لأن العمل لايمثل إلا تكراراً لما قد وجد بعد ـ فالمحاكاة «خلق» على مثال سابق وبالتالي فليس لها من «الخلق» إلا المجاز، لأن الخالق/الصانع Démiurge الفعلي هو الإلٓه، وهو الوحيد الذي يخلق من «عدم» حسب التصوّر الإسلامي، ولكن رغم ذلك: لم يكن المُسْلِمون أو الفنان المُسْلِم بالتحديد سجين هذا النموذج الكلاسيكي في حرفيته، إذ استطاع أن ينشأ لنفسه عالماً مستقلاً، ولذلك فأن الفنان المُسْلِم في اللحظة التي يبتعد فيها عن المحاكاة بالمعنى الأفلاطوني للكلمة (محاكاة الحقيقة) نجده يقترب من المحاكاة في معناها الارسطي (محاكاة المستحيل)، ولكن ذلك لا يجعلنا
نُسَلِّم بتبعية الفن العربي الإسلامي للرؤية الفلسفية في حليها الأفلاطوني والأرسطي، فانزياح الفن العربي الإسلامي عن الموقف الأفلاطوني لا يعني بالضرورة السقوط في التصوّر الأرسطي لأننا سنجد في الفن الإسلامي وخاصة في الرقش (Arabesque) خير دليل على تحرّر هذا الفن من مبدإ المحاكاة ليؤسس “نموذجاً” جديداً يصبح معه الفن استعراضاً حرّاً للأشكال الخالصة التي ليس لنا إلا أن نعجب بها وبتناسقها وانسجامها مما يبعث فينا الشعور باللذة والسرور. بل وسيتجلّى هذا التوجه في الخط العربي المعاصر الذي سيصبح شكلية أو شكلانية فنية لا تحيل إلا إلى ذاتها بعيدا عن كل موقف أخلاقي وديني. أما الشاكلة الثانية فهي صوفية الجمال عند أفلاطون التي سيكون لها الأثر العظيم في نشأة الأدب الصوفي والرقص والعشق والجمال الصوفي.
إن الميتافيزيقا الأفلاطونية جمالية بالضرورة حسب تعبير Basch، مادام العالم قد خُلِقَ أو صُنِعَ حسب نماذج ثابتة: المُـثُل. ولذلك فالجمال سيكون عند أفلاطون موضوع بحث فلسفي مجرد بعيد عن كل نفعية أو براقماتية:
«Le beau est recherché en soi. Et pour soi et la qualité essentielle de la beauté est le désintéressement».(18)
ذلك إن البحث الفلسفي الأفلاطوني يسعى إلى تقصي الجمال في ذاته ولذاته. فسقراط يتساءل ما هو الجميل في ذاته؟ كيف يمكن أن نسمي أشياء على غاية من الإختلاف جميلةً؟ ما الذي يجمع بينها؟ من نفس الزاوية (أي الميتافيزيقية والإلٓهية) يتناول الفارابي مسألة الجمال المطلق، الجمال في ذاته. فـ الفارابي يعرض للجمال ضمن حديثه عن عظمة الموجود الأول وجلاله ومجده «والجمال والبهاء والزينة في كل موجود هو أن يوجد وجودَه الأفضل، ويبلغ استكماله الأخير. وإذا كان الأولُ وجودُه أفضلَ الوجود، فجمالُه إذن فائتٌ لجمال كل ذي جمال، وكذلك زينته وبهاؤه. وجماله له بجوهره وذاته، وذلك في نفسه وبما يعقله من ذاته»(19)، نلاحظ أن الجمال المطلق هو صفة للموجود المطلق، وهذا عين ما يقرّه أفلاطون عندما يعمل على تجاوز أشكال الجمال الحسي مروراً بالجمال الرياضي، وصولاً إلى الجمال ذاته، وبالتالي فإن الجماليات الأفلاطونية جماليات تفاضلية وهرمية، ولكن رغم ذلك يبين أفلاطون أن المثال الوحيد الذي يلتصق بعالم المادة دون أن يفقد شيئاً من بهائه وبريقه، هو مثال الجمال، ولذلك يحدثنا أفلاطون عن الجمال الملون والجمال المسموع، كرمز للجمال المطلق، وهذا ما قد يفسر لنا إمعان الصوفية في تصوير الجمال الحسي في أشعارهم. يبدأ أفلاطون في محاورة Hippias Majeur باستعراض تعريفات متعددة لما هو جميل (أي تتحدث عن أشياء جميلة ولا يعرف ما هو الجمال؟). يقول أفلاطون:
«La belle vierge, la belle cavale, la belle lyre, l’or, l’ivoire, être riche, heureux, honore.. etc. Le beau en soi n’est tel objet, ni tel autre, mais quelque chose qui lui communiqué son proper caractère».(20)
ولذلك لم يُعْنَ الفنانُ المُسْلِم بتصوير المواد الحسّية وتركّز فنَّه على النمنمات والزركشات والرقْش والمقرنص، ولئن اعتبرت هذه الفنون صغيرة في البداية، إلا أنها كشفت عن عظمة الفن الإسلامي، وحتى الرسم التشبيهي الذي يبدو في الظاهر نقلاً للمحسوس، إن هو في الواقع إلا نقلاً للمفهوم ولذلك لم تعنيه دقائق وجوههم، وهذا ما يجعل منها وجوهاً متشابهةً، متماثلةً. فلا يمكن أن نفسّر انتشار الفن التجريدي عند المُسْلِمين بتحريم الدين لتصوير الأحياء، ونحن نعلم أن الدين لم يحرّم التصوير بل حرَّم مضاهاة خلق الله، بل إن انتشار هذا النوع من الفن يعود أيضاً إلى تأثيرات فلسفية أفلاطونية تتجاوز مفهوم الجمال كمرادف لمفهوم الملائم (La convenance) أو كمرادف للنافع (L’utile) أو اللذيذ/المُسرّ/المُبهج لتؤسس في محاورتي Phèdre و Le Banquet مفهوم الجمال في ذاته، وفي علاقته بالحب/أو العشق، أو الجمال كتعبير عن النظام والإنسجام والقياس.
من ناحية ثانية سيتجاوز الرسّام المُسْلِم، وهو متأثر في ذلك بالأفلاطونية، المظاهرَ الحسّية للطبيعة: كالعمق Profondeur والمنظورية، والظلال والأضواء، ليرسم المحتمل والمستحيل، وتجاوز الواقعي والفردي، لأنهما رمز للزوال والتغير، أما رسْمُه للكلّي، وللمفهوم فهو دلالة على تعلّقه بالثابت والمطلق؛ ولذلك سيعبّر الفن الإسلامي دائماً عن معانٍ كلّية (بالمعنى الأفلاطوني للكلمة: أي المُـثُل) وعلى كلّيات بالمعنى الأرسطي، بما أن الأفلاطونية والأرسطية هما “ثدييا” الرؤية الإسلامية للعالم حسب عبارة بابادوبولو.
فـ ابن سينا يقول: أن عقلنا يتقبل أفكاراً تأتيه من العقل العاشر، العقل المفارق الذي يمدّنا بأشكال des formes أو أجناس espèces أو طبائع. يقول بابادوبولو
ـ نقلاً عن المؤرخ أبو الفضل ـ: «يبدو لي أن للرسام طريقة خاصة في التعرّف على الله، لأن الرسام عندما يرسم كائناً حيّاً، ويرسم أعضاءه واحداً بعد واحد، يجب أن يُدرك أنه غير قادر على أن يعطي الفردانية (أو التفرّد) لعمله وبالتالي يكون مُلْزماً بأن يفكّر في الله، واهب الحياة، وبذلك ينمِّي حكمته»، وعلى هذه الشاكلة يتحوّل الرسم إلى شكل من أشكال التأمل في الذات الإلٓهية، بعد أن كان متهماً بالتطاول عليها، والسعي إلى تحديها. يتحوّل الرسم من أحد الممنوعات الكبرى في الثقافة العربية الإسلامية إلى طريق يحملنا إلى الله، فعبادة الله تكون على طرق شتّى. وما الرسم إلا واحد منها، وما يُقال على الرسم هنا يُقال على الخط أيضاً، فالخط كفن ارتبط بالقرآن، ولذلك فإن تاريخ الخط هو تاريخ الإسلام.

………………. التتمة في العدد

البلاغة والإيديولوجيا
بحث في العلاقة الملتبسة بين المعرفة البلاغية والمطالب الإيديولوجية
مصطفى الغرافي

لعلّنا نتفق جميعاً على أنه لا توجد معرفة بريئة، فالحياد النصّي وَهْم إيديولوجي، والبراءة الفكرية ضرب من المستحيل، ما دام كل خطاب معرفي يهدف ـ بالضرورة ـ إلى تمرير حمولة إيديولوجية. إن الإيديولوجيا ثاوية في الخطابات جميعها، وليس ثمة خطاب ـ من وجهة النظر هاته ـ يمكن أن يُعرَّى تماماً من الإيديولوجيا. في ضوء هذا الفهم سنحاول في هذا البحث إجلاء العلاقة الملتبسة بين المعرفة البلاغية والمطالب الإيديولوجية.
I. في تلازم البلاغي والإيديولوجي
إن المتتبع لنظرية الأدب وتاريخ الأفكار يستطيع أن يستخلص أن ارتباط البلاغة بالخطابات الإيديولوجية عامة، يمكن أن يرتدّ إلى السفسطائيين الذين اشتهر عنهم استخدام «العتاد البلاغي» من أجل استغواء المخاطبين واستقطابهم(1). وهذا التلازم بين البلاغي والإيديولوجي ليس منفكاً عن الرغبة في السيطرة وبسْط النفوذ، ذلك أن هاجس السلطة، أي سلطة إنما يتمثل في تحصيل «الشرعية»، التي تضمن لسلطانها الاستقرار والاستمرار هو مطلب عزيز ليس يسلَّم للسلطة إلا بكثير من القوة والعنف، ثم ما تلبث السلطة أن تدرك ـ بتوجيه من حدسها الطبيعي وتجربتها الواقعية ـ أن السلطة لا تستطيع الاستمرار إذا اقتصرت على القوة والعنف لانتزاع الاعتراف بشرعيتها، فتتوجَّه ـ من ثم ـ إلى البحث عن أساس مكين يسند استقرارها ويضمن استمرارها. وليس من سبيل إلى ذلك إلا بتقبّل الذوات السياسية تلقائياً للسلطة، ومصادقتهم عليها على سبيل الرضا والموافقة، وليس على سبيل القهر والإرغام. وهو ما تفطَّن إليه جان جاك روسو ـ أبرز المنظرين لـ «النظرية التعاقدية» بين الحاكمين والمحكومين، فقد قرَّر في كتابه (العقد الاجتماعي) أن: «الأقوى لا يبقى أبداً على جانب كافٍ من القوة ليكون دائماً هو السيّد، إن لم يحوِّل قوته إلى حقّ والطاعة إلى واجب»(2).
وبما أن هذا الصنف العميق من الاعتقاد في شرعية السلطة القائمة لا يمكن تحصيله بالقهر والعنف الماديين، فإنه يصبح: «من الضروري اللجوء إلى نوع آخر من العنف، نوع أكثر لطفاً وتهذيباً وخفاءً هو ”العنف اللفظي” أو ”العنف الرمزي”، وقد ارتبط خطاب السلطة دوماً بسلطة الخطاب، وكلمات السلطة بسلطة الكلمات، وبهذا المعنى فالبلاغة ليست مجرّد حلية ترفيه جمالية في الخطاب الإيديولوجي، بل هي براعات ذات وظيفة»(3).
إن البلاغة واجدة في الإيديولوجيا حقلاً تطبيقياً خصيباً للعديد من سماتها ووظائفها. ومن هنا وجدنا الصلة تنعقد وثيقة بين الإيديولوجيا والبلاغة، إذ الإيديولوجيا ـ في المطلق ـ
ليست سوى مجلى من مجالي البلاغة. وليس من سبيل إلى تبيين أوجه هذه العلاقة من غير تحديد سمات الممارسة الإيديولوجية. وهو ما نستعين فيه بدراسة لـ پول ريكور يرصد فيها أهم الخصائص الواسمة للإيديولوجيا وقد حصرها كما يلي:(4)
ــ الإيديولوجيا محرّك اجتماعي، تنشر الأفكار وتصنع القناعات عبر التحريض على الفعل وتبريره.
ــ الإيديولوجيا منتسبة ـ في هذا المستوى ـ إلى ما يسميه ريكور «نظرية الحافز الاجتماعي». إنها تتحرك لإظهار أن الجماعة التي تجاهر بها هي محقّة في أن تكون ما هي عليه. لكن كيف تحافظ الإيديولوجيا على ديناميتها؟ الجواب كامن في سِمَتها الثالثة.
ــ كل إيديولوجيا هي مبسَّطة وخطاطية، إنها شبكة لتحديد نظرة شاملة ليس فقط إلى الجماعة بل وللتاريخ، وفي الحدّ الأقصى للعالم، وهذا الطابع المسنَّن للإيديولوجيا ملتحم بوظيفتها التبريرية، لكن هذه القدرة على التغيير مشروطة بتحول الأفكار التي تنشرها إلى آراء ومعتقدات. وفي هذه الحال تفقد الأفكار صرامتها لتزيد من فعاليتها الاجتماعية. وعلى هذا النحو يتحوَّل كل شيء إلى إيديولوجيا: الأخلاق، الدين، الفلسفة… وهذا التحوّل من نسق فكر إلى نسق اعتقاد هو جوهر الظاهرة الإيديولوجية. يسمح لهذا الملمح (الثالث) بملاحظة الطابع الاعتقادي للإيديولوجيا، حيث المستوى الإبستمولوجي للإيديولوجيا هو مستوى «الرأي»، مستودع الاعتقاد عند الإغريق، لأجل ذلك فإن الإيديولوجيا تعبّر عن نفسها طوعياً من خلال الأمثال والشعارات والصيغ الموجزة، ومن ثم فلا شيء أقرب إلى البلاغة ـ فن الحكمة والإقناع ـ من الإيديولوجيا.
ــ الإيديولجيا تعبير عن مقاصد عملية أكثر منها تعبيراً عن منازع نظرية، حيث القانون التأويلي للإيديولوجيا كامن فيما يتعوَّده الناس، ويؤمنون به أكثرَ من تصوّرات يتحركون نحوها.
ــ الإيديولوجيا مطبوعة بالجمود، ترفض الجديد وتسعى إلى المحافظة على الأنموذج القائم من خلال صيغة «التمثيل»، وهو ما يجعل الإيديولوجيا في نفس الآن تأويلاً للواقع وحشداً للممكن، وبهذا المعنى يمكن الحديث عن «السياج الإيديولوجي» بل «العمى الإيديولوجي».
إن الناظر في سمات الإيديولوجيا كما تحدَّدت عند بول ريكور ليخلص فعلاً إلى تبيُّن أوجه الصلة الجامعة بين البلاغة من جهة، والممارسات الإيديولوجية من جهة ثانية. فالبلاغة تتحدّد أساساً بوصفها فعالية خطابية واستدلالية يتوسَّلها المتكلّم لعرض فكرة أو فرض نظرية، وفي الحالين تقوم البلاغةُ سياسةً في القول مخصوصة، يتوصّل منها المتكلّم إلى تحصيل مطلوبه: حمل المخاطب على الإذعان والتسليم بما يُلقى إليه من مضامين، وإن لم يعتقد فيها حقيقة قائمة، لأن التعويل في مقامات التخاطب التي قصدها التأثير، إنما يرتكز على سحر البيان وسلطة الكلام، وليس صحة «المعلومة» أو صدق الخطاب. وفي هذا المستوى تظهر الصلة وثيقةً بين العِتاد البلاغي والممارسة الإيديولوجية، إذ الخطاب ـ في المطلق ـ واقعة تواصلية تلتبس فيها المقوماتُ البلاغية بالمقاصد الإيديولوجية، فالخطاب ـ كل خطاب ـ متضمِّن بالضرورة لمقتضى حجاجي واستدلالي، بما هو «رسالةٌ» صادرة من باثٍّ إلى متقبّل، قد يكون فرداً أو جماعةً أو شعباً أو الإنسانية جمعاء، الغرض من بثها وإلقائها إيقاعُ التصديق والحمل على الاقتناع. وهو مقصد تأثيري وإقناعي يستند ـ بالتأكيد ـ إلى تصورات المجتمع المُرْتَهَنَة إلى الرأي الشائع والقناعات المشتركة، إذ لا يمكننا أن نتصور «متكلماً» يعي ما يقول يمكن أن يتوجّه إلى رفض ما أطبق الناس على الاعتقاد فيه، أو دحض ما أجمعوا على رفضه وإنكاره. وعند هذه النقطة (الاقتناع استناداً إلى الرأي الشائع والمشترك) ينفتح المجال وسيعاً لتلبّس البلاغي بالإيديولوجي.
• سحر البيان: القول سلطان
إن الناظر في علاقة البلاغة بالإيديولوجيا سيلحظ  التباساً وتعقيداً يطبعان ـ من غير شك ـ هذه العلاقة، ذلك أن الإيديولوجيا تسخِّر البلاغة أداةً حين تضطلع بدور تبريري ملازم لدورها القيادي ـ كما نبّه إلى ذلك بول ريكور ـ وفي هذه الحال لا تعدو البلاغة أن تكون «تقنية» في يد الإيديولوجيا تصطنعها خدمة للمقاصد. وهي بذلك تمثل الجانب التبريري في الإيديولوجيا، ذلك أن الإيديولوجيات السياسية والاقتصادية جميعها صيغت بطرق استعارية(5)، لكن تدقيق النظر في هذه المسألة من شأنه أن يقود الباحث لأن يستخلص أن البلاغة ـ من جهة مقابلة ـ خاصة عندما ترتبط بالمقاصد، كما هي متجسّدة في مباحث الحِجاج، عبارةٌ عن خطاب عملي وظيفي وغائي مستند إلى خلفية إيديولوجية في عرض القناعات والتعبير عن المعتقدات. وبذلك تغدو البلاغة ضرباً من الإيديولوجيا: تحتجّ وتبرّر، تستدلّ وتسوّغ لحمل المخاطبَ على الإذعان، وإن لم يحصل له اقتناع حقيقي، بما يؤشر على تغليب لـ «الغائية» واحتكام لـ «القصدية» في السعي لتحويل «الرأي» إلى «عقيدة».
إن البلاغة بوصفها فن الاقناع بالرأي ـ كما يعتقد كثيرون ـ لَهي «الإيديولوجيا» عينها، إنها رؤية للكون وموقف من الوجود متى اعتنقناهما تحولنا من مجال الاقناع بـ «رأيٍ من آراء» إلى الحمْل على الإذعان لـ «عقيدة» تُفرض فرضاً.
وبهذا الفهم تغدو البلاغة ممارسة خطابية تنقل «البلاغي»، إذ يلتبس بـ «الإيديولوجي»، من مجال الإمكان والاحتمال إلى مجال البداهة والمصادرة على المطلوب، لأن «الما صدق» ليس شرطاً في الحجاج الناجح كما هو مقرّر عند علماء الحجاج ومنظريه(6). فالبلاغة كما نصَّ على ذلك التوحيدي: «تُـحِقُّ الحق وتُبْطل الباطل على ما يجب أن يكون الأمر عليه، ثم تحقيق الباطل وإبطال الحق لأغراض تأتلف، وأمور لا تخلو أحوال هذه الدنيا منها من خير وشر وإباء وإذعان وعدل وعدول وكفر وإيمان»(7).
ومن هنا كان المتكلّم «لا يُعَدُّ من المجادلين الحذاق حتى يكون، بحسن بديهته وجودة عارضته وحلاوة منطقه، قادراً على تصوير الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق»(8). صحيح أن الحق في المطلق واحد ولكنه في تجلياته العملية نسبي، وفي هذا المستوى تظهر الحاجة إلى «البلاغة» سياسة في القول مخصوصة، قادرة على قلب الحق إلى باطل والباطل إلى حق(9).
ومن الواضح أن الحقائق لا تنقلب في أعيانها ولكن في صورها، اقتداراً من البليغ، وتمهّراً في فنون القول وسحر البيان، فكما أن السحر لا يغير من الواقع شيئاً، وإنما الساحر يجري التغيير في عقول المستمعين، كذلك البليغ يستطيع بما يصطنع من إفصاح بالحجة ومبالغةٍ في وضوح الدلالة، من بلوغ أعلى مراتب التأثير العقلي والعاطفي في متلقيه، بما يكفل تحصيل المتكلم لمطلوبه في تكييف عاطفة السامع وتعديل اعتقاده على نحو يستجيب لمقاصده ومراميه.
II. المتفاعلات الإيديولوجية في البلاغة العربية
إذا كنا نستخلص مما سبق تلازم «الإيديولوجي» و«البلاغي» فإن ذلك يدفعنا إلى التساؤل عن حال البلاغة في السياق العربي : هل ارتهنت هي الأخرى إلى المقصدية الإيديولوجية في تشييد الأنساق الناظمة لمشاريعها البلاغية المعتبرة؟ أم أن النظام البلاغي العربي بلور تصوراته بمعزل عن التأثيرات الإيديولوجية المختلفة؟
يحيل متصوّر «البلاغة» في السياق العربي على الإبانة والإبلاغ: الإبانة عن النفس وإبلاغ الرأي والمعتقد، لكن «البليغ»، كما تحدد في نظامنا النقدي والبلاغي القديم،  ليس من برع في الإعراب عما في خاطره، أو أحسن «الترجمة» عن نفسه فحسب، ولكن «البليغ» حقاً من جمع، إلى ذلك، مقدرة على استمالة متلقيه، وإقناع مخاطبيه بالأهداف والمقاصد التي إليها قصد من إنشاء خطابه، مما أُطلق عليه في المدوّنة البلاغية القديمة «سياسة البلاغة» التي هي أصعب من «البلاغة» فيما يروي الجاحظ عن سهل بن هارون(10).
لقد أسْلمنا نظرنا في الموروث البلاغي العربي ـ في حدود فهمنا وطاقتنا ـ إلى تسجيل مَلْحَظِ لا يخلو من أهميةِ مؤدْاه هيمنةُ المقصدية الإيديولوجية على هذا الموروث. وهي هيمنة يمكن تلمّس بعض مظاهرها في مستويين: يتصل الأول بـ «بنية الخطاب» ويخصّ الطريقة المعتمدة عند علمائنا القدامى في بسط المشاغل البلاغية التي استأثرت باهتمامهم. أما الثاني فمتعلق بـ «فحوى الخطاب» ويهم القضايا التي استأثرت باهتمام علماء البلاغة العربية المعتبرين.
إن فحص «بنية» الخطاب البلاغي العربي باعتبار «نسق المفاهيم» و«نسق الغايات»، يكشف عن خطاب إيديولوجي صريح، من طوابعه توجُّهُ سجالي يحاور الخصوم متحدياً، ويقيم الحجة ويطلبها، بما يجعل الخطاب البلاغي ـ في المحصلة ـ بنية حجاجية إيديولوجية عمادها الدفاع عن ملفوظ إزاء ملفوظات أخرى. لكن فصل البلاغة العربية عن أنظمة التفكير التي أحاطت نشأتها أفضى إلى تغييب الملمح الإيديولوجي الذي وَسَمَ تشغيل المقولات البلاغية في السياق العربي. يقول محمد مفتاح: «بقيت البلاغة العربية في الدراسات القديمة والحديثة مفصولة عن النظام الفكري الذي نشأت فيه وترعرعت، فهي وثيقة الصلة بالمنطق والأصول والنحو وعلم الكلام. وعدم مراعاة التفاعل بين هذه الفروع المعرفية عاق المصلحين أن يكتشفوا الآليات العميقة التي تحكم النشاط الاستدلالي اللغوي القائمة عليها تلك الفروع».(11)
يترتب عن التسليم بأن نشأة البيان العربي كانت في أصلها «كلامية»(12) نتيجة هامة مؤداها أن فهم أو تفسير العملية البيانية لا بدَّ أن يستند إلى هذه النشأة، ولذلك فإن حاجة الفهم أو الإصلاح أو التجديد تضطر إلى التحقيق في مسائل كلامية وأصولية؟ ويترتب عن هذه الملاحظة المهمة أن حديث بعض الأدباء مفصولاً «يصبح أبتر ناقصاً لأن مناقشته [البيان العربي] الأولى كلامية»(13).
فمن المعروف لعموم الدارسين أن العلوم المختلفة المكونة لدوحة البلاغة العربية الشريفة، و(العلوم العربية عموماً)، إنما نشأت وتخلّقت استجابةً لغايةٍ سامية هي التدبر في هندسة العبارة القرآنية «البليغة»، لاستجلاء مظاهر «الإعجاز» فيها. ومن هذه القضية، الإيديولوجية في أصل منشأها، والمتخذة كساءً معرفياً في العرض والمناولة، تناسلت معظم الإشكالات الثقافية والحضارية التي شغلت العقل العربي «البياني»(14) طويلاً، فالتركيز على قضية الشعر الجاهلي إثباتاً ونفياً، إنما كان باعتباره شاهداً على «الإعجاز» ـ السراب الذي جرى خلْفََهُ الأشاعرةُ وتخفَّف منه بعض المعتزلة لقولهم بالصِرْفة، ولم تكن قضايا مثل اللفظ والمعنى والفصاحة والبلاغة غير ستارٍ بلوري يحجب صراعات سياسية حزبية، أو كلامية فلسفية مكتمنةً لتناقضات وتعارضات بين المشتغلين في الحقل البلاغي
ـ وكلهم صاحبُ نِحْلة أو منافِحٍ عن مذهب ـ حول فهم العالم وتفسير قضاياه. وفي ذلك ترجيح للفرضية القائلة إن الخطاب البلاغي العربي كان «ملكية مشاعة» بين المشتغلين بالحقل الثقافي العربي الإسلامي بشكل عام. وقد هيمنت عليه ـ لذلك ـ المقصدية الإيديولوجية، وهي الفرضية التي بها نأخذ وعنها نصدر فيما نستقبل من مباحث، انطلاقاً من تصورٍ يرى أن: «ما يُسمَّى إيديولوجيا هو شكل من أشكال البلاغة»(15).
III. نسق المفاهيم
ننطلق في هذا المطلب من افتراض منهجي مؤداه أن «شبكة المفاهيم» المكوِّنة لجدلية البلاغة لا تنبثق من فراغ، ولكنها تنشأ وتتخلَّق متشابكة مع المنظومات الفكرية والمشاريع الثقافية التي تتجادل معها سلباً أو إيجاباً،
فلا أحد ينفي أن البلاغة في التقليد الغربي إنما تحدرت من أصول قضائية وفلسفية، بدءاً بالسفسطائيين وأفلاطون وصولاً إلى أرسطو. والأمر نفسه ينسحب على البلاغة في السياق العربي، حيث تشكلت المشاريع البلاغية الكبرى متشابكةً مع الإشكالات المعرفية والثقافية التي كانت تعتمل في قلب المجتمع العربي في الأدب والدين والسياسة والاجتماع.
من مشكاة المفاهيم البلاغية التي لم تقطع مع المنابت الإيديولوجية التي حفت إنتاجها وتلقيها:
• البيان ، البديع، الفصاحة:
إذا نظرنا في الخطاب البلاغي العربي من زاوية المفاهيم البلاغية التي بَلْور، وجدناها تنتظم في نسق أكبر تحكمه مقصدية إيديولوجية واضحة؛ فليس ثمة شك في أن اختيار المفاهيم وتشغيلها مرتهنان ـ بالضرورة ـ إلى مقاصد إنتاج الخطاب وشروط بنائه، كما أن هذه المقاصد ذاتها ليست مفصولةً عن الإشكالات التي تسود المجتمع في مرحلة محددة من تاريخه السياسي والثقافي، فتخترق من ثَمَّ خطاباتٍ معرفية شتى، بما فيها الخطاب البلاغي الذي تفاعلت داخله ـ في السياق العربي ـ المفاهيمَ والمقاصد بطريقة جدلية وفق منظور إبستيمي، تُهيمن عليه قضايا كبرى ثلاثة هي قضية التدوين وقضية إعجاز القرآن ثم قضية القدَامة والحداثة.
فقد ارتبط مفهوم «البيان» بالصراع بين أصحاب الملل والنحل الذي كان محتدماً في دار الإسلام، الأمر الذي وَلَّدَ حاجةً ملحةً إلى تملّك أدوات الحجاج للإقناع بالمطالب المذهبية كما يمكن أن نستبين من كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ الذي لم يكن مجرد أديب وناقد، وإنما كان قبل هذا وبعده «متكلّماً»، والمتكلّم، بما هو صاحب مقالة ورئيس نِحْلة، لا يعنيه الجانب الفني والجمالي في الخطاب بقدر ما تعنيه فعالية الخطاب ونجاعته؛ أي الجوانب الاستدلالية في العملية البيانية، ومن هنا كان «البيان»، عند الجاحظ، منظوراً إليه من زاوية وظيفته العملية والإنجازية؛ أي القدرة على التأثير في السامع لتعديل موقفه أو سلوكه من خلال المزاوجة في الخطاب بين الصنعة اللفظية والحجة العقلية.
إن عناية الجاحظ بـ «البيان» نابعة من عنايته بوظيفية الخطاب ونجاعته، حيث المدار على الغايات والمقاصد التي يرسمها المتكلّم لخطابه، وهو فهم يسلّمنا إلى أن حرص الجاحظ على «البيان» مرتهن إلى الوظيفة العملية والإنجازية التي ينيطها بالعملية البيانية ككل، حيث «المتكلم» عنده ناهض بوظيفة «بيانية» و«تبيينية» بطريق كشف قناع المعنى وتوضيحه للسامع، ومن أجل أن يتحقق «البيان» (= الإفهام) يُنيط الجاحظ بالسامع وظيفة «التبيّن» (=الفهم) التي تقتضيه التأملَ في المعنى من أجل تفهمه، وهو جهد يجعل السامع شريكاً للمتكلّم في الفضل، إذ بدونه لا تتحقق «المقاصد» التي يهفو إليها المتكلّم، ولذلك أَوْلَى الجاحظ عناية خاصة للمستمع ـ المخاطب الذي أصبح محدداً أساساً في العملية البيانية، «لأن مدار الأمر على البيان والتبيين، وعلى الإفهام والتفهم، وكلما كان اللسان أَبْيَن كان أحمد، كما أنه كلما كان القلب أشدَّ استبانة كان أحمد، والمُفْهَم لك والمتفهّم عنك شريكان في الفضل»(16).
إن البيان عند الجاحظ منظوراً إليه من زاوية وظيفته «الكلامية» هو «سلطة» تُقدر «المتكلّم» على التأثير في السامع لإيقاع التصديق وتحقيق المقاصد، ذلك أن.. «مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام، وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع»(17).
أما مفهوم «البديع» فقد ارتبط بمقاصد إيديولوجية أخرى ولَّدها صراع القوميات الطارئ على المجتمع الإسلامي الجديد، الذي استوجب الدفاع عن «اللسان العربي» أمام التيارات الشعوبية. فقد كانت غاية ابن المعتز من تأليف كتاب (البديع)، كما صَرَّحَ هو نفسه، الرد على دعاوى الشعوبية الذين زعموا أن البديع صناعة دخيلة اقتبسها المحدثون (وأغلبهم من الموالي) من بلاغة «يونان». والكتاب بهذا الاعتبار دفاع عن أصالة البلاغة العربية في وجه منتقصيها وشانئيها من المفتونين بـ «بلاغة اليونان». وقد بيَّن ابن المعتز غرضه من تأليف الكتاب، فأجمله في «تعريف الناس أن المحدثين لم يسبقوا المتقدمين إلى شيء من أبواب البديع»(18). وتلك دعوى تَلَطَّفَ ابن المعتز في إثباتها بسوق شواهد من: «القرآن واللغة وأحاديث رسول للهصلعم وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سماه المحدثون البديع، ليعلم أن بشاراً ومسلماً ومن تقيّلهم وسَلَكَ سبيلَهم لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه كثر في أشعارهم فعُرف في زمانهم حتى سُمي بهذا الاسم، فأعرب عنه ودلّ عليه»(19).
وبذلك يكون مصطلح «البديع»، الذي اصطفاه ابن المعتز لوصف جماليات النص الشعري العربي، غيرَ مفصول عن ملابسات الصراع بين طريقة القدماء وطريقة المحدثين، الذي بلغ ذروته في القرن الثالث للهجرة(20)، وطال مجالات الإبداع والسياسة والاعتقاد.
أما زوج الفصاحة والبلاغة فقد توزعته مقصديةٌ إيديولوجية أساسٌ، تمثلت في الدفاع عن «الإعجاز القرآني» من خلال البحث في «دلائل إعجازه» و«أسرار بلاغته». فـ الباقلاني ـ وهو من أبرز علماء البلاغة الإعجازية ـ لم يستطع تجاوز مقولة «الإعجاز» التي شكَّلت أُساً أدار عليه كتابه (إعجاز القرآن)؛ فانشغاله بإبراز تميُّز النص القرآني وتفوقه جعله لا يعتني من الأنواع الخطابية إلا بتلك التي تقترب في تكوينها البلاغي والأسلوبي من النص/الأنموذج (القرآن العظيم). ومن هنا كان قبول الأنواع الخطابية أو رفضها مرتهناً، عند الباقلاني، إلى حظّها من الفصاحة والبلاغة، ذلك ما نتبيّنه من العبارة التالية التي يوردها الباقلاني في معرض مرافعته عن فكرة تفوق النص القرآني على «الأصول» الثلاثة، التي قررها من قبل أجناساً خطابية توافرت لها شرائط “القول البليغ”: «من كان قد تناهى في معرفة اللسان العربي [...] فليس يخفى عليه إعجاز القرآن كما يميز جنس الخطب والرسائل والشعر».(21)
إن تخصيص هذه الأجناس الثلاثة بالعناية إنما يرتد إلى اشتراكها في «التعمل» و«الصناعة»، وبذلك يستقيم للباقلاني المقارنةُ بينها والقرآن ابتداءً، ليخلص ـ انتهاءً ـ إلى إثبات تفوق النص القرآني على هذه الأنواع جميعاً في مقاييس الفصاحة والبلاغة. وإلى ذلك نعثر عند الباقلاني في المواضع التي يختصها بالحديث عن «إعجاز القرآن» وبلاغته على ذكْرٍ لأقسام الخطاب غير الأصول الثلاثة، إما بشكل صريح أو ضمني، يُفهم من صيغ القول التي يُستعمل للدلالة على أنواع أدبية مثل أخبر (الخبر) وضرب (المثل) وذكر (قصة) يوسف…
ومما يسترعي انتباه الدارس أن أجناس الخطاب في القرآن، فيما يرصد الباقلاني، وفيرة تتوزع ما بين خبر ومثل وقصة وموعظة… وهي أجناس لم يتضمنها تقسيم الباقلاني لأجناس الكلام العربي. وهو أمر يمكن أن يرتدّ إلى الخلفية الإعجازية التي حكمت هذا الباحث ووجّهته لأن يعتبر جميع الأجناس الخطابية، التي تضمنها القرآن مستحقة للذِكْر والتنويه، لما حازت من فصاحة وما انطوت عليه من بلاغة. أما كلام العرب فلم تتوافر شروط البلاغة إلا لأجناس منه ثلاثة هي الشعر والرسائل والخطب. وقد استحقت، بمقتضى ذلك، الاعتراف بها أجناساً أدبية. أما الأصناف الخطابية الأخرى مثل المحاورات والشعر القصصي فلم تتوافر له هذه الشروط فكان أن أسقطها الباقلاني من خطاطته التصنيفية.
لقد اعتمد الباقلاني «مقولة الإعجاز» معياراً في الحكم على حظ الأنواع الأدبية من الفصاحة والبلاغة، الذي يستند إليه في تحديد قيمتها «الأدبية»، وبالتالي صلاحيتها للتداول من عدمه. وهو إجراء يُجليه موقفُه المعلن من جنس «القصة» الذي اتسم بازدواجية واضحة؛ فهذا الجنس يحظى عنده، من جهة، بالاعتراف والمقبولية عندما يَرِد في القرآن الكريم، إذ يعتبرها، في هذه الحال، نوعاً من الخطاب سامياً، توافر له من شرائط البلاغة ما استحق معه أن يُدرج ضمن الأنواع الخطابية الأخرى التي استوعبها النص القرآني مثل الموعظة والمثل والخبر، لكن موقف الباقلاني من هذا الجنس يختلف تماماً عندما يرد، من جهة مقابلة، في الشعر، حيث يكون حظه من البلاغة، في زعمه، منعدماً. ولذلك توجب إخراجه من دائرة الأغراض الشعرية المعترف بها مثل المدح والفخر والرثاء…
وقد عبَّر الباقلاني عن هذا الموقف الرافض للقصة نوعاً خطابياً في جنس الشعر في معرض مفاضلته بين بلاغة السرد القصصي في النص القرآني والنص الشعري، حيث يقرّر أن أي سورة من سور القرآن تتضمن: «من القصص ما لو تكلَّفت العبارة عنها بأضعاف كلماتها لم تستوف ما استوفته [...] وإن أردت أن تتحقق ما وصفت لك فتأمل شعر من شئت من الشعراء المفلقين، هل تجد كلامه في المديح والغزل والفخر والهجو يجري مجرى كلامه في ذكر القصص، إنك لتراه إذا جاء إلى وصف واقعة أو نقل خبر عاميّ الكلام سوقي الخطاب، مسترسلاً في أمره، متساهلاً في كلامه، عادلاً عن المألوف من طبعه».(22)
وإذا كان من البدهي أن المقصديات الإيديولوجية لا تتنزَّل في «فراغ»، وإنما تتنزَّل في مناخ سياسي وثقافي تَرتهن إليه في صوغ المفاهيم وتحديد الغايات، فإن المناخ السياسي والثقافي الذي احتكمت إليه المشاريع البلاغية التي أطلقها أصحابها في دار الإسلام، لم تكن سوى حركة التدوين التي وجهت مختلف المواقف في الفكر العربي ومنه التفكير البلاغي، حتى إننا إذا قلنا إن المواقف إزاء مختلف الإشكالات تحدّدت في ضوء حركة التدوين لم نكن قد بَعْدنا.(23)
• المذهب الكلامي:
لقد نصَّ ابن المعتز في كتابه (البديع) على أن «المذهب الكلامي» لون من ألوان البديع الخمسة التي رصد، مشيراً إلى أن الجاحظ هو الذي سمَّاه بهذا الاسم: «وهو مذهب سماه عمرو الجاحظ المذهب الكلامي»(24).
وإذا كان ابن المعتز لا يعيّن المقصود بـ «المذهب الكلامي»، فإن مراجعة نصوص الجاحظ المتصلة بقواعد الخطاب الإقناعي تكشف بجلاء ارتباطَ هذا المتصوِّر بطريقة المتكلمين العقلية في الاحتجاج والجدل، والاحتيال للعلل والمعاذير، استمالةً للسامع واجتذاباً لإصغائه، ومن ثم إيقاع التصديق في نفسه. يقول الجاحظ: «ولولا استعمال المعرفة لما كان للمعرفة معنى، كما أنه لولا الاستدلال بالأدلة لما كان لوضع الأدلة معنى [...] وللعقل في خلال ذلك مجال وللرأي تقلّب. وتنشأ للخواطر أسبابٌ وتتهيأ لصواب الرأي أبواب»(25).
ولعلّه من الدال في هذا الشاهد، مما نحن منه بسبيل، استخدام الجاحظ لعبارة «استعمال المعرفة»، التي يمكن أن تُحمل على مبدأ «العمل بالعلم»، كما يمكن أن تُحمل على القصد إلى «استعمال» المعرفة أداةً لتحقيق المقاصد المذهبية. وهو فرضٌ، إن صحّ، يؤكد ارتباط «البلاغة» بـ «المذهب الكلامي» أشد ارتباط وأوثقه، خاصة عندما نلمّ بتحديدات هذا المقوم البلاغي في مواضعها من كتب البلاغة العربية، فقد ذكر  الخطيب القزويني أن «المذهب الكلامي هو إيراد حجة المطلوب على طريقة أهل الكلام»(26). إن الربط الذي يقيم القزويني في الشاهد بين «المذهب الكلامي» و«طريقة أهل الكلام» ليفيد انشداد هذا المقوم البلاغي إلى المقاصد الإقناعية والمنازع الأيديولوجية. وهي النتيجة التي خلص إليها شكري المبخوت الذي أفرد فصلاً من كتابه (الاستدلال البلاغي) لفحص هذا المفهوم وسمه بـ «تحليل استدلالي لظاهرة بديعية»، حيث انتهى الباحث من تتبع تعريف المفهوم وتاريخه إلى أنه: «أسلوب من أساليب تركيب القول على نحو مناسب لمقتضى المحاجة؛ فهو يقوم على علاقة استدلالية تربط بين قول حجة وقول نتيجة تكون في الغالب ضمنية. والمهم كذلك أنه يدل على أن المقدمة (الحجة) موجهة لتغيير اعتقاد المخاطب بما أنها تقتضي مخاطباً معانداً يسعى إلى إلجامه بـ “الحجة الجامعة” (على حد تعبير الزركشي) وهذا السياق التخاطبي الحواري الذي يشير إليه بعض التعريفات يرسخ المذهب الكلامي في بعده الخطابي المحاجي».(27)
• اللفظ والمعنى:
لقد كان الجاحظ ـ فيما يبدو ـ أول من دشَّن النقاش في هذه القضية عندما أعلى من شأن اللفظ على حساب المعنى في نص له شهير قرّر فيه أن: «المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، البدوي والقروي، وإنما الشـأن في إقامـة الوزن وتمييز اللفظ، وسـهولة المخرج، وفي صحـة الطبـع، وجودة السبك».(28)
وإذا كان الجاحظ المفكر المعتزلي المرموق لا يجد في نفسه حرجاً من الإعلاء من شأن اللفظ على حساب المعنى، مادام هذا الإعلاء لا يتعارض مع عقيدته الاعتزالية، فإن غريمه السني ابن قتيبة لم يكن ليُسلِّم بذلك ولو أراد، تمنعه من ذلك اعتبارات عقدية وتقديرات مذهبية ترى في إجراء المفاضلة بين اللفظ والمعنى تجاوزا لمسألة الإعجاز القرآني، التي تقتضي مراعاة جانب اللفظ والمعنى معاً، ولذلك وجدناه في مقدمة (الشعر والشعراء) يساوي بين اللفظ والمعنى(29)، حيث جعل للفظ مزيته هو الآخر في البيان، كما اعترف له بحظه من الفصاحة والبلاغة. وعلى هذا الأساس قسَّم الشعر إلى أربعة أضرب:(30)
1) ما حسن لفظه ومعناه.
2) ما حسن لفظه دون معناه.
3) ما حسن معناه دون لفظه.
4) ما ساء وقبح في لفظه ومعناه.
وبهذا الإجراء في التسوية بين اللفظ والمعنى يكون ابن قتيبة قد ردَّ على الجاحظ مذهبه في تقديم اللفظ على المعنى، محتكماً في ذلك إلى الخلفية الإعجازية التي تجعل «أساس البلاغة» توافق اللفظ والمعنى وانسجامهما.
يتحصَّل من هذا التحليل أن السُنَّة أرادوا إقامة بلاغة متوافقة مع منهجهم في فهم أصول العقيدة، ولذلك كان إنتاج هذه البلاغة يتم في تعارض مع بلاغة أخرى نقيضة هي بلاغة الاعتزال، التي كانت تستند إلى أصول اعتزالية في فهم قضايا العقيدة والدين. هذا وستخضع قضية اللفظ والمعنى لتسوية مذهبية في فترة لاحقة ومتطورة من تاريخ الفكر السني ضمن التسوية التي عرفتها قضيةُ خلقْ القرآن، التي كانت مثارَ خلاف حادّ بين السنة والاعتزال. وقد حدث ذلك بالضبط عندما أنشئ علمُ الكلام السني على يد أبي الحسن الأشعري، الذي صاغ تصوراته الفكرية في ضوء مقررات الحنابلة بعد رِدَّتِه الشهيرة عن فكر الاعتزال وانحيازه لعقيدة السنة(31)، ولا ينبغي أن يعزب عن بالنا أن ابن قتيبة محسوب على الحنابلة.(32)
إذا كان تقديم الجاحظ للمعاني على الألفاظ، كما رأينا، لا يتعارض وعقيدتَه الاعتزالية التي تقول بخلقِ القرآن، وهو ما يتيح له أن يجعل، بمقتضى ذلك، الحروف والصياغةَ اللفظية، بل حتى المعاني كلها «حادثة»، فإن الأشاعرة سيجدون في نظرية «الكلام النفسي» رأياً وسطاً، أسعفهم في تجاوز الخلاف القائم بين من يجعل القرآن كله قديماً، ومن يجعله كلّه حادثاً؛ ومؤدّى نظرية «الكلام النفسي» في العقيدة الأشعرية أن المعاني (المدلولات) قديمة، لأنها قائمة في ذات الله منذ القدم، أما الألفاظ (الدوال)؛ أي الحروف المنظومة فحادثة.
نستبين من ذلك أن الاحتدام في النقاش بين السنة والاعتزال حول قضية اللفظ والمعنى في مظهره العام نقدي بلاغي، لكنه في جوهره فكري عقدي، باعثه المناقشات «الكلامية» التي دمغت الدراسات الإعجازية. ومن هنا رأى الجابري أن الدراسات الإعجازية هي المسؤولة عن توجيه قضايا البلاغة، ومنها قضية اللفظ والمعنى وجهة «كلامية»، إذ اعتبر أن: «المتكلم الذي كان مشغولاً ببيان وجود إعجاز القرآن داخل الدائرة البيانية ولفائدتها، كان عليه أن يكون على معرفة بالأساليب البلاغية العربية متذوقاً لها، كما أن البلاغي والناقد الأدبي الذي كان مهتماً بتحليل مظاهر البلاغة وآلياتها في الخطاب العربي، كان عليه أن يعتمد القرآن كسلطة مرجعية [...] ومن هنا اتجهت المناقشات الكلامية في موضوع اللفظ والمعنى اتجاهاً بلاغياً، واتجهت المناقشات البلاغية في الموضوع نفسه اتجاهاً كلامياً. والنتيجة اصطباغ البحث البلاغي العربي بالصبغة الكلامية»(33).
• نسق الغايات
لما كانت المفاهيم غيرَ مفصولة عندنا عن طريقة إجرائها وتشغيلها، فإن ذلك يقتضينا في هذا المقام التنبيه إلى أن فصلنا في هذا البحث بين «نسق المفاهيم» و«نسق الغايات» إنما هو فصل إجرائي فرضته بواعث منهجية محض، وإلا فإن النسقيْن معاً يتفاعلان بطريقة جدلية تلازمية، حيث اختيار المفاهيم مرتهن بالضرورة إلى الشرائط التي يفرضها إنتاج الخطاب والمقاصد التي يَرُوم بلوغها.

……………….. التتمة في العدد

جمالية فن الخط العربي والتدّوين

متعة القراءة والإبصار
المولدي عزديني

“تعدّدت الأساليب التي تناولت الخط العربي في الفن التشكيلي. فقديماً كان الفن العربي مقتصراً على تنويعات الخط والزخرفة، وذلك يعود لأسباب دينية، [...]. ولكن، ظلّ الخطّ هو الأساس الذي أبدع فيه الفنّانون العرب والمسلمون، وخاصّة في مجال تزيين جدران القصور والمساجد وغيرها. وخلّفت لنا العصور آلافاً من اللّوحات الفنيّة، القائمة كلّياً على الكتابة والزخرفة العربية. كما حَوَتْ بطون الكتب أعداداً كبيرةً من لوحات الكتابة، فقد تفنّن الخطّاطون في زخرفة وتذهيب الكتب، خاصة في نسخ القرآن الكريم، مستخدمين الألوان المختلفة بشكل متناسق جميل أضفى على الكتب روعةً وجمالاً».(1)
مقدِّمــة
ثمَّة تصوُّر فلسفي شبه معاصر يحدِّد الفن والدِّين(2) على أنَّهما رؤيتيْن للعالم. وفي تقديرنا يحتاج مثل هذا الاعتبار إلى تدقيق نقدي وإعادة نظر.
إنّ ما يسمح برصد جنس العلاقة بين جمالية فن الخط العربي(3) والتَّدوين، هو انحلال المفهوميْن في مفهوم واحد أوسع: وهو فنّ الكتاب(4)، أو ما يُسمّى أيضاً بالكتابة(5). فما المقصود بفنّ الكتاب؟ وبأيّ المعاني الفنية والفلسفية يمكننا فهمه؟ وكيف تسمح لنا هذه المعاني بالانفتاح على هذه المسألة الفنيّة؟ ولماذا هذه المماهاة بين فن الكِتاب والكتابة؟
يقول سمبسان في كتابه الفن الإسلامي ما يلي: «مثلما هو الشَّأن بالنسبة إلى فنّ الشيء/الموضوع الذي يتمظهر من خلال أجناس ومواد متنوّعة [...](6). فإنّ فنّ الكتاب في الإسلام قد تكوّن من مواد مستقلّة، ولكن الواحد منها متمّم للآخر: فن الخطّ، الزخرفة [...]، إنّ هذه الفنون قد نشأت في الاصل من رغبة ملحّة في تدوين نُسَخ جميلة من القرآن»(7).
بهذا المعنى يكون الطابع الجمالي لفنّ الخطّ العربي وطيد الصّلة بالخاصيّة القدسية للنصّ الديني (القرآن والسُّنَّة). ولا يُعْنى هنا المبحث بالنظر في الصفة الاتباعية لفنّ الخطّ العربي إلى الدّين، بقدر ما سَيُعْنى بضبط المواصفات الفنيّة والمعايير الجمالية لهذا الفنّ. ذلك أنّ في فنّ الخطّ العربي من بناء جمالي ومميّزات فنيّة، ما يجعل من نوعيَّة العلاقة بين الفنّ (الدنيوي) والدّين (القدسي) مناسبة لإثارة إشكال مثنَّى: فن وجمال من ناحية، وفلسفة دين من ناحية ثانية.
لقد مثّل الفنّ العربي عموماً وفنّ الخطّ خصوصاً فضاءً مواشجاً حميمياً بين الدّين والفنّ في تاريخ الحضارة العربية ـ الإسلاميّة. وفي هذا السّياق نكتفي بالقول
ـ إيجازاً ـ بأنّ الدّين كان خادماً للفنّ بنفس القدر الذي كان معه الفنّ خادماً للدّين. ذلك ما يتجلّى من خلال كتاب (روح الخطّ العربي) لمؤلّفه كمال البابا(8). ويمكننا التَّعبير عن هذه العلاقة بالرَّسم(9) التالي:
إنّ ثراء مسألة فنّ الخطّ العربي يسمح لنا بالوقوف عند عنصريْن أساسيّين يمتزج فيهما الفلسفي بالجمالي.
ـ أوّلا: من الناحية الفلسفية أدّى تطوّر فنّ الخطّ العربي إلى الحديث عن نظريّة جذريّة للكتابة. ففي هذا السياق يتساءل الخطيبي والسجلماسي: «من أين يستقي الفنّان المُسْلِم متعته؟» ثم يجيبان بالقول: «أنّ المحور التمثيلي للوجه الإلٓهي والبشري يجعل الوجود نابعاً من الكتابة. وفي إطار النظريّة الجذريّة للكتابة ينبغي أن يمرّ كل شيء عبر النّص المقدّس وينبغي أن يعود إليه. وهذا النّص مقدّس وهو كذلك مبدأ محوري. والفنّان المُسْلِم ينشئ الشّيء إنشاءً وهميّاً، تمّت كتابته بعدُ (لأنّ الله هو وحده الذي يخلق)»(10).
ـ ثانياً: من الناحية الجمالية فقد كان التفنّن في نحت أكثر من خطّ ممكن للكتابة والتزيين هو أحد عوامل تميّز فنّ الخطّ العربي بمسحة جمالية مستقلّة عن كلّ الاغراض ما عدا الفنّية منها. وهكذا أصبح: «الخطّ العربي من أهمّ العناصر التشكيلية، نظراً لصفته الكامنة التي تتيح له التعبير عن الحركة والكتلة، وليس المقصود هنا بالتعبير عن الحركة بمعناها المرتبط بأشياء متحرّكة، وإنّما المقصود معناها الجمالي والتشكيلي الذي يعني الحركة الذاتية التي تجعل الخطّ يتراقص في رونق مستقلّ عن أيّ غرض آخر.(11).
أنّ الجمع بين أصالة الطَّابع الفني للخطّ العربي وجذرية الانشغال بالكتابة التي ارتفعت إلى مستوى النظرية، من شأنه أن يبرز لنا كيف أنّ التدوين قد كان من أهمّ العوامل المساعدة على الاهتمام بالخطّ وتطوير أساليب الكتابة به وأشكاله.
ذلك أنّ الكتابة في أساسها لم تكن تهدف إلى المحافظة فقط على النصّ، وإنَّما أيضاً إلى زخرفته. ولهذا: «كثيراً ما يؤدّي الخطّ دوره الرّئيس في أعلى حوائط العمارات ليعطيها الإحساس بالصلابة والقوّة من جهة، ومن جهة أخرى كوشي يزيّن أعلاها، ولتخفيف الملل من السطوح المستوية العارية، كما أنّ الفنّان المُسلم كثيراً ما استعمل الخطّ داخل حشوات، أوفي أفاريز، لمزيد من تأكيد المساحة وإبراز ملامحها الجمالية»(12).
أنّ جمالية الخطّ العربي والبحث عن أساليب تطويره وتجذيره كلّها عناصر جعلت منه يحتلّ منزلة متميّزة وهامّة تفوق بقيّة مكوّنات هذا الفضاء الفنّي الرّحب. وقد أبرز عادل قديح هذه المنزلة في قوله: «لقد استطاع الخطّ العربي في مساره التاريخي الطويل أن يستحوذ على قيمة جمالية فائقة»(13).
أما الخطُّ نفسه فيجد في طبيعة الحرف العربي ليونة وقابليَّة للتطويع (مدّاً وانحناءً وتدويراً…). وهذا يعني حسبه أنَّ: «لتعاطي الخطّ مع هذه المواد التي شكّلت الحيّزات والمجالات وقع إيجابي على المسيرة الجمالية للخطّ العربي، فأصبحت الكلمة المدوَّنة بعضاً من الأسس الرَّئيسيَّة في تزيين المساجد وقِبابها»(14).
فالجماليَّة الفنِّيَّة أنَّى تتضاعف تناسبياً كلَّما ازداًد الاهتمام بالديني وقَرُبَ من متناول الخطَّاط. وعليه، فقد: «وُضِعَتْ في المقام الأوّل مكامن القوّة الجماليّة والتأليفية التي يحتويها الخطّ نفسه، ليس إنطلاقاً من موقع اللّغة بل إنطلاقاً من قدرة الأبجدية والكتابة في التعاًطي والتكيّف مع هذه المواد والخامات أو المساحات والحيزات»(15).
من هنا يبدو واضحاً أنّ جمالية الخطّ العربي ستجعل منه في تاريخ الحضارة العربية ـ الإسلامية يتبوأ مكانة هامَّة ومرموقة قياساً ببقيّة الفنون الأخرى. فما هي، إذاً، المعايير الجمالية لفنّ الخطّ العربي؟ وما هي منزلته ضمن الفنون العربية ـ الإسلامية الأخرى؟
وفي هذا الاطار سنتطرَّق من الناحية المنهجيّة إلى نقاط أساسيّة أربع بغرض الوقوف عند المنزلة الجمالية للخطّ العربي:
ـ أوّلاً: محدّدات جمالية فن الخط العربي وشاعريته.
ـ ثانياً: المنزلة الفنيّة للخطّ العربي ضمن الفنون العربيَّة ـ الإسلاميَّة.
ـ ثالثاً: التَّدوين وجمالية الشكل في فن الخطّ العربي: متعة القراءة والإبصار.
ـ رابعاً: فنّ الخطّ العربي؛ وحدة الكثرة والتنوّع والجمال.
محدِّدات جمالية فن الخط العربي وشاعريته
يعتبر الخطّ العربي أكثر الفنون العربيّة التي تمتاز باشتغالها لأقلّ المساحات. كما يجمع في الآن ذاته بين الرونق الجمالي والإنشاء الفنّي وقد زادته محدودية المساحة بهاءاً وجمالاً. وفي هذا الإطار نجد في مقدّمة كتاب جماليّة الرّسم الإسلامي لـ بابا دوبولو ما يلي: «فقد اتجه كل انتباه الفنّانين وأنصارهم إلى العالم المستقلّ للعمل الفنّي أي إلى المساحة المرسومة في ذاتها»(16). إذ مثَّلت مسألة الفضاء(17) إحدى المقوّمات التي تسمح بالتقييم الجمالي(18) للفنون العربية عموماً. ولكن، هذا الفضاء أو ما يُسمّى أحياناً بالحيّز(19) الذي يعتبر ميزة تسم فنيّاً الخطّ العربي أكثر من بقيّة الفنون الأخرى. فهذا الفضاء قد حظي بأهميّة بالغة تتجلّى أساًساً من خلال تجويد الخطّ العربي حيث «أبدع الفنّان العربي في تجويد الخطّ الكوفي»(20).
إنّ تجويد الخطّ هذا وتحديد/تضييق فضاءات رسمه قد سمحا للخطّاط ابن مقلة بأن يضبط جملة من القواعد والقوانين التي تمكِّنه من «خلق علاقة ثابتة بين الحروف التي تُؤَدَّى بها الكتابة، بحيث يتحقّق بها الاتساًق وجمال العلاقات»(21). ولعلّ ما ساعد على إخراج الخطّ العربي في شتّى الصّور الفنيّة الرّائعة وتنويع كيفيات رسمه هو صغر حجم حروف الأبجدية العربية التي تتميَّز بأنواع عدّة من المستقيمات والمنحنيات وأنصاف الدّوائر… إلخ. ثمَّ أنَّ ما يلفت النّظر هنا أيضاً هو تميّز فنّ الخط العربي بطابع الجمالية حيث تبرز أنواع الخطوط المتعدّدة وأشكال رسمها مع ما تكتسيه هذه الخطوط من إنشاء فنّي وذوق جمالي خُصَّ به الخطّاط العربي. وقد شدّد عيسى السَّلمان على عمق الانشغال بالخطّ العربي مبرزاً العوامل التي ساهمت في تطوّره من خلال مفاد قوله: «يمثل إزدهار فنون الكتاب، خلال الفترة الزمنيّة المعيّنة، مظهراً من مظاهر النّضوج الحضاري في العالم العربي ـ الإسلامي [...] إنّ رعاية العلم والعلماء والعناية بالمؤلّفات والخطوط وتزويد دور العلم والقصور بأنفس المخطوطات، كانت من أهمّ عوامل إزدهار فنّ الخطّ والتزويق»(22).
إنّ من شأن هذا الاهتمام الفنّي بجمالية الخطّ العربي، والحاجة الدينيَّة إليه من الناحية الفكريّة والعقائديّة، أن يجعلا منه ذو منزلة هامّة ضمن الفنون العربية ـ الإسلامية.
المنزلة الفنيَّة للخط العربي ضمن الفنون العربيَّة ـ الإسلامية:
إنّ المنزلة الفنيّة التي احتلّها الخطّ العربي جعلت منه محور اهتمام فنّي من قِبَل الفنّان العربي. بل، ربّما اعتُبِر حُسْن رسم الخط العربي واحداً من المعايير الجمالية الدّالة على شخصيّة الفنّان. وفي هذا المجال نجد الوزير الخطّاًط ابن مقلة الذي «وضع المقاييس والمعايير الهندسية والجمالية للخطّ العربي، بحيث إذا زاد عنها قبح، وإن قصر دونها سمج، وقد سمّي الخطّ الذي تنطبق عليه هذه المعايير الفاضلة “محقّقاً” والخطّ الذي لا تنطبق عليه هذه المعايير سُمّي “دارجاً”»(23). وعليه، ثمَّة في هذا القول ما يفيد دارس الخطّ العربي بالوقوف عند هذه المعايير التي اتخذت صيغاً وأشكالاً تدلّ على ما في الخطّ العربي من عمق فنّي ومتعة جمالية يجد فيهما الفنّان العربي إشباعاً لحسّه الجمالي ولإيمانه العقائدي، وسط فضاءٍ يسمح له بتنويع الخطوط وتكثيف الوعي لديه بالانشاء والخلق الفنّيَيْن. ولا يتعلَّق مجال الحديث هنا بإشكالية نسبة الخلق إلى الإنسان أو الله، لما يكتنف المسألة من عمق فلسفي أكثر منه فنّي. ولكن، ما يهمّنا هنا هذا الوجه الجمالي الذي طغى على الخطوط العربية في كثرتها وشيوعها في جميع المجالات، وخاصّة منها مجال الكتابة، الذي حدا بالفنّان إلى نحت أكثر من كيفيّة في استخدامه للخطّ العربي. ومن ثمّة «أمكن توليد أقلام جديدة من الأقلام الموجودة بحيث أصبح عدد الأقلام العربية نحو عشرين نوعاً»(24). إنّ كثرة الخطوط عمّقت إحساساً بثراء فن الكتابة لدى الخطّاط العربي ونمّت ملكاته الذهنية وذوقه الجمالي. فهذّبت مواهبه وجعلته ذا حسّ مرهف. وتدلّ هذه الكثرة على البعد المثنّى للخطّ العربي:
ـ أوَّلاً، معرفيّاً وجماليّاً
وهو ما يعني أنّ «الكتابة اًصبحت وسيلة للتزيين كما هي وسيلة للمعرفة. لقد أدرك الفنّان العربي ما للجمال من وقع في النّفوس فسخّر أقلامه لتزيين الآيات الكريمة فأطرب العيون بروعة زخارفها كما أطرب المُقرئ للآذان برائع ترتيلها. «أنّ العرب، بشهادة المستشرقين وكبار الفنّانين، كانوا سادة التزيين الخطّي دون منازع»(25). نتبيَّن إذاً، بهذا المعنى كيف أنَّ تزاوج المعرفي والجمالي سيضمن بالنسبة إلى فن الخطّ العربي التأليف بين معظم الفنون العربيَّة التي تتوفر بداخلها على تنوّع هائل. وعليه، فهي تحتاج بعضها بعضاً، أيَّما احتياج. ويمكن القول أنَّ هذا ما يسَّر للخطّ العربي أن يطال أكثر من مجال ـ علاوة على الكتابة والتدوين. إذ يسجّل حضوراً مكثّفاً وشيوعاً هائلاً في مجال الزخرفة والعمارة والمساجد والمدن… إلخ. وإذا كنّا نجد ميلاً لدى «أكثر الفلاسفة المعاًصرين المهتمّين بعلم الجمال إلى تناول كلّ فنّ على حدة»(26)، فإنّ الأمر بخلاف ذلك تماماً لدى فنّان الخط العربي. حيث يتوجّه ـ دون أن يعدل عن الكتابة ـ إلى المباني محاولةً منه لإضفاء مسحة أكثر جمالية عليها. وعلى الرّغم من اتساع فضاء بعض المباني، فإنّ مواقع معيّنة ذات حيزات ومجالات جدّ دقيقة ومحدّدة كانت تُرْسَمُ عليها خطوطاً وأحرفاً عربيّة، تكون حاملة في غالب الأحيان لأقوال نصيّة أوسنّية، وأحياناً أخرى لحكمٍ ومأثورات شعبيّة ذات عراقة حضاريّة.
يبدو لنا في هذا المستوى الأخير من الحديث عن محدّدات جمالية فنّ الخطّ العربي وشاعريته، أنّ الفنَّان كان موفِّقاً بين إحداث المتعة الجمالية وإبراز الطَّابع القدسي للحرف العربي.
ـ ثانياً: من الناحية التَّشكيليَّة
نجد لدى الألفي ما يفيد هذا الأمر من خلال قوله: «إيماناً من الفنّان المُسْلِم بأنّ الحرف العربي هوعنصر طيّع، يُتيح له فرصة تحقيق التكوين الزّخرفي الذي يهواه، فقد لجأ ـ أحياناً ـ لتحقيق التَّماثل، إلى كتابة بعض الجمل في وضعها المقروء، ثمّ تكرارها في وضع مقلوب، ومع أنّ المعنى الذي يحتويه مضمون الكتابة له أهميّته البالغة، لكن الفنَّان يعتقد أنَّ الوظيفة التشكيليَّة للخط هي أيضاً ذات أهميَّة بالغة، وأنَّ المعنى الذي تحمله هذه الكتابة، هو معنى كامن فيها، تتحقَّق به البركة التي ينشدها، بصرف النظر عن عدم إمكان قراءتها للوهلة الاولى»(27).
إنّ كثرة الخطوط وتأكيد قيمة استعمالها يثبت مدى حاجة الفنّان المُسلم إلى إشباع هذه الرغبة الجامحة في مجال الجمال والإنشاء والخلق والابتكار، حيث يتجلّى العنصر الجمالي للخطّ العربي. وهو ما جعله يَحظى بمنزلة هامّة ضمن الفنون العربية ـ الإسلامية. ولعلّ ما يزيد هذه المكانة تأصيلاً هو الذوق الجمالي والإنشاء الفنّي. أما ما يزيدها أصالةً وتجذُّراً هو استجابة فنّ الخطّ العربي إلى حاجات ذات عمق روحي يعتبرها المُسْلِم بمثابة الضرورة الحياتية اليومية، متوهّماً بذلك أنّه تجاوز قتامة الحياة وعنف الوجود اليومي، محقّقاً بذلك أعمق حاجاته الوجدانية والفنيّة والرّوحية. وباستمرار الحاجة إلى الكتابة «لانكاد نجد عملاً فنيّاً إسلاميّاً لا يكون للخطّ فيه مكانته البارزة»(28). لقد بدا واضحاً أنّ فنّ الخطّ العربي هو بصورة ما أهمّ ركيزة تشكيليَّة للفنون العربيَّة ككلّ. ولكن، إذا ما تعرّضنا بإيجاز إلى بعض الوجوه والمعايير المحدِّدة لجمالية الخطّ العربي من الناحية الفنيّة، فإنّه يتسنّى لنا أيضاً أن نذكِّر في مستوى ثانٍ بالمتعة البصرية التي تحصل لنا أثناء قراءة هذا الخطّ العربي والنظر فيه والدّواعي الجذرية لتكثيف الإنشغال به في تاريخيّة الحضارة العربية ـ الإسلامية. فهل يعتبر فعل الكتابة (وخاصَّة التَّدوين) أحد الأسس الهامَّة والمحدِّدة لتطوُّر جمالية فن الخط العربي؟
التَّدوين وجمالية الشَّكل في فنّ الخطّ العربي:
ـ متعة القراءة والابصار
ما هي وجوه استخدام الخطّ العربي ودواعي الانشغال به؟ لقد مثلت مشكلة فنّ الكتاب وتدوين النّصوص الدينيّة والعلميّة(29) والفكرية إحدى دعائم قيام فنّ الخطّ العربي. فهي ما كثَّفت وشرَّعت هذا الاهتمام المتزايد بفنّ الكتاب والكتابة. ونظراً لمتعة القراءة والإبصار لما هو محلّ تدوين وكتابة عموماً، فإنّ الخطَّاًط سعى بالاعتماد على رغبة متأصّلة فيه إلى الإنشاء الفنّي
ـ ذاتياً ـ وبالاعتماد على بعض النّصوص الدّينية أن يشرّع اهتمامه بالخطّ العربي ويعمّقه.
حتّى نتمكّن من تحديد تمظهرات هذه المسألة وحدودها نجد لدى الخطيبي والسجلماسي تأويلاً يسعى إلى جعل الخطّ العربي في مستوى متميّز نِسْبَةً إلى بقيّة الفنون الأخرى. «والرّاجح أنّ تاريخ الكتاب هو بصورة ما تاريخ الإسلام كلّه. وينبغي أن نبوِّئ فنّ الخطّ منزلتَه العامّة في الفنّ الإسلامي من عمارة وفسيفساء وموسيقى وزخرفة»(30). إنّ المكانة التي يحتلّها فنّ الخطّ العربي تعكس حقيقة ما يتميّز به من جمالية. إذ نجد في الخطّ العربي تنوّعاً هائلاً يجعل منه حاضراً لدى المُسْلِم بصرف النظر عن تحيّزه الزماني والمكاني، وفي حضوره الدّائم دلالة على الحضور الإلٓهي في الكون وتجسّد فعل الخلق بواسطة محاولة محاكاة الإلٓه من قِبَلِ الخطّاط العربي ـ المُسْلِم.
لقد كشف التهافت على تعلّم الخطّ العربي مدى ما يثيره في المتقبّل من متعة في مستوى القراءة والإبصار، هذا من الناحية الجمالية. أما من الناحية الدينيَّة، فإنَّ تعلّم فن الخط العربي ومِراسه يمثِّلان اقتراباً من فضاءات الأخروي ـ المقدّس وعدولاً عن الدنيوي ـ المدنّس. وهنا يجد الخطّاط ملاذه في: «فنّ الخطّ العربي الذي هو أعدل الفنون توزّعاً بين المسلمين لانّ كلّ من يحسن الكتابة يكون قادراً على تثمين مجهودات الخطّاط، ويمكن القول دون خشية المبالغة، أن لاشيء مميّزاً قد وسم الحسّ الجمالي لدى الشّعوب الإسلامية أكثر من الكتابة العربية»(31).
إذ بتعدّد الشُّعوب الإسلامية تعدّدت مجالات الكتابة وأشكالها، وتنوّعت إستعمالات هذه الكتابة، دون أن تُفْقِدَ حالة التعدّد وحدة الطابع الجمالي لها. بل، أنّنا نجد لكلّ نوع من أنواع الخطوط العربية مميّزات تميّزه عن الآخر. ويعتبر الباحثون «أنّ الخطّ العربي قد فاق العشرين نوعاً» وأهمّها الخطّ الكوفي. ويعود تميّز الخطّ الكوفي عن بقية الأنواع لقرابة صلته بمسالة التدوين.
إنّ ما يثيره الطابع الإنشائي ـ المميِّز لشكل الخط العربي ـ من متعة أثناء التَّدوين والقراءة والإبصار، ليشهد على اًنَّه فعل إبداع وإنشاء فنيَيْن يروم من ورائهما الفنّان محاولة تجسيد الرّباني في العالم الدنيوي. وهو ما يعني «أنّ المحور التمثيلي للوجه الإلٓهي والبشري يجعل الوجود نابعاً من الكتابة»(32). إذا كنّا نعتقد سابقاً أنّ ما يحدّد إنتاجاً من الإنتاجات هو فقط الشروط الكامنة في ذاتيّة الفاعل، فإنّنا نلاحظ هنا عكس ذلك في الرّؤية الفنيّة في الإسلام. إذ يتحوّل الفنّان المُسْلِم إلى مبدع من جهة تشبُّهه بالإلٓه باعتباره يُعيدُ تجسيد الخلق الإلٓهي. وفي المقابل، فإنّ ما يلفت الانتباه هنا في علاقة فنّ الخطّ العربي بالتدوين هو حضور ذاتيّة الفنّان في إنتاج الأثر الفنّي. وهو ما يعزِّز بيان الوجه الجمالي في هذه الآثار.
فالخطّاط المُسْلِم لا ينتج في حقيقة الأمر، بل هو يُعيد إنتاج «ما تمّت كتابته»(33). إنّ إنتاج الخطّاط يقوم على إعادة إنتاج الموجود من النّصوص الجديرة بالتَّدوين. ذلك أنَّ وعيه يجعل منه يرى في ذاته المقدرة على الإبداع والإنشاء. وليس في ذلك ما يثنيه عن الاعتراف بأن من يخلق حقيقة هو الفاعل/الخالق. وبما أنَّ الخالق هو الله، فإنَّ دور الفنّان ـ المُسْلِم ينحصر ـ باعتباره عاجزاً عن الخلق ـ في استحضار ما هو موجود فقط.
ما نستشفّه هنا بخلاف النّصوص الفنيّة المعاصرة أساساً هو الحضور الذي يكاد يكون كلّياً للمحدّدات الذاتية في تساوقه والحضور الكلّي للذات الإلٓهية. ولكن، هل يقتصر الخطّ العربي على الكتابة ذات الأسس والأغراض الدّينية فقط؟
تضعناً الإشكالية إزاء الإزدواجية التالية:
ـ فمن ناحية معرفيّة نلاحظ من خلال نماذج خطيّة أنّ الدّين لم يكن لوحده عاملاً محدّداً لجمالية الخطّ العربي. بل، إنّ الآثار العلميّة النفيسة ونقلها وتذهيبها وزخرفتها قد ساهمت هي الاخرى في تطوّر المعايير الجمالية للخطّ العربي. وما يبدو واضحاً هو أنّ الكتابة من جهة إحالتها إلى الفكر الدِّيني، أولاً. وثانياً، من جهة علاقتها بفنّ الخطّ العربي في إحالته إلى الفنّ والجمال، إنَّما تُحيل هذه الكتابة بدورها إلى القرابة المضمونيّة بين الفنون المعرفيّة(34)، والآداب والمعارف المعياريّة… شاهدة بذلك على وحدة القول والفعل. ويعود الفضل هنا إلى فنّ الخطّ الذي سمح بإمكانية هذه الوحدة الثريّة المضامين.
ـ أما من ناحية جماليّة فنيّة فإنّ تعدّد نماذج الكتابة وكثرة الخطوط تبيّن مدى شغف الفنّان المُسْلِم بتدوين هذه المرجعيّة وتذهيبها وإخراجها للمسلمين والعجم على أحسن الصّور والأشكال. وهو ما يتطلّب تكثيفاً للطاقات الفنية والمجهودات الفكريّة حتى تتمّ أفعال الزخرفة والزَّركشة والتَّزيين على أجمل وجه. ولعلّ هذا ما يسمح بتبيُّن تبوّؤ فنّ الخطّ العربي لمنزلة جدّ أساسيّة بالقياس إلى بقيّة الفنون الأخرى كالعمارة والفسيفساء والزخرفة والصّورة… إلخ.
وإذا كانت عدَّة عوامل ذاتية وموضوعيّة هي التي تحدّد طبيعة الأثر الفنّي وجماليته. فإنّها تنحصر أساساً في عاملين أساسيَيْن:
ـ أوّلاً: تعتبر العقيدة الإسلامية أهمَّ ما يدفع الخطَّاط إلى التَّفنُّن في رسم جمالية الخط العربي من خلال الآيات الخمس الأولى من سورة العلق: ﴿إقرأ باسم ربِّك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربّك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم﴾ من جهة. أما خارج الإطار الديني فتُعتبر الثَّقافة الشعريَّة من جهة أخرى أهمَّ ما يدفع بالخطَّاط إلى شحذ طاقاته وتفجيرها في فنّ الخط العربي. إذ نجد لدى الشَّاعر أبو الفتح البستي ما يفيد إجلال الكتابة وتوقيرها من خلال مفاد قوله:
إذا أقسم الأبطال يوماً سيفهـم
وعدوّه مما يكسب المجد والكــرم
كفـى قلم الكتـاب عـزّاً ورفعـةً
بأنّ إلٓــه العـرش أقسـم بالقـلـم
إنّ اعتقاد الفنّان المُسلم لإطلاقية هذه المرجعية الدينية وفعاليتها هو الذي يفسِّر سعيه الدّؤوب إلى نشرها بين الأمم، لِما في شيوعها من برهنة على انشغال المُسْلِم بعقيدته ووصايا الرسول اقتراباً من عالم الحياة الأخرى وعملاً على إرضاء الله.
ـ ثانياً: يعدّ الواقع المعيش وما يمتاز به من ظروف مناخية وجغرافية وإقتصادية من العوامل التي ساهمت هي الأخرى في بلورة الفنّ العربي ـ الإسلامي وتشكُّله. حيث انعكست في كيفيّات رسم الخطّ العربي شتّى الصّور الإنشائية المتّسمة بالرّمزية والتّداخل والتقابل والتماثل.. الخ. وهي صور توحي بمدى ما كان يعانيه المُسْلِم من أوضاع حياتيّة جدّ قاسية (ظاهرة البدو الرحّل والعوز الاجتماعي…). وقد عبّرت عنها لوحات فنيّة عديدة لتتحوّل إلى مرجعيّة تاريخيّة تسمح للدارس بالوقوف عند طبائع العصور ومميّزاتها.
وفي هذا المستوى نتوقف عند جملة من الاستنتاجات أهمُّها:
ـ قدرة الخط العربي على إثارة الإحساس بالمتعة الجمالية أثناء القراءة والإبصار.
ـ تشبّع الفنان المُسْلِم بالنصوص الشرعية.
ـ تميّز الخط العربي بمسحة جمالية مؤكَّدة تجعل منه يفوق من جهة الإنشاء الفني بقية الخطوط لدى الشعوب الأخرى.
ولهذا السّبب «اعتبر الباحث بأن الخط العربي فنّاً رائداً أو أساسياً(35)، وذلك على عكس موقع الخطوط لدى العديد من الشُّعوب الأخرى»(36).
الوقوف عند التَّساوق بين البعد الجمالي العميق للأثر الفنِّي ـ الخطِّي وحضور ذاتية الفنّان رغم تجلِّي الواعز الديني(37) للانشغال بهذا الخط الذي هو بوجه ما محكومٌ بالمرجعيّة الدينية.
يظلّ الخط العربي، على الرّغم من المفارقة المذكورة آنفاً، جدُّ متميّز، في تاريخية الفن العالمي. ولعلّ هذا ما حدا بأغلب مؤرّخي الفن منذ بداية القرن التاسع عشر للاهتمام بالآثار الخطيّة العربية ـ الإسلامية في مصر وإسبانيا وسورية وقفصة بتونس وبابل بالعراق… إلخ.
لكن الطَّابع الإشكالي الذي نواجهه هنا يدفعنا إلى طرح جملة من المعضلات:
هل من دورٍ للفنَّان إذا انحصر فعل الخلْق حسبه في الفعل الإلٓهي؟ وإذا جرَّدنا فن الخط العربي من دعامته الدينيَّة، فهل من مجال للحديث عن فنّ في تاريخ الحضارة العربيَّة ـ الإسلامية؟ وكيف يستحيل النظر في مسألة فنّ الخط العربي من مستوى فنِّي إلى مستوى فلسفي؟
يمكنناً الاكتفاء بطرح هذه الأسئلة ذات البُعْد الفلسفي أكثر منه الفنِّي. ولهذا، فمن الناحية الفنية يمكننا ملاحظة كيف يتضاعف عمق جمالية فن الخط العربي ويزداد أكثر وضوحاً بتعرُّضنا إلى مسألة تنوُّع أشكاله ومأتى هذا التَّنوُّع. فما هي مميزات الخط العربي وأنواعه؟ وما هي مستندات هذه الكثرة ومشروعية هذا التنوّع؟
فن الخط العربي
ـ وحدة الكثرة والتنوّع والجمال
إنّ الخصوصية الجمالية للخطّ العربي تقوم في أحد أبعادها على ما يمتاز به الخطَّاط من قدرة على إبداع خطوط جديدة ونحتها، وهي خطوط تمتاز بالتَّماثل دون التَّجانس وبالتقابل دون التضاد وبالتباعد دون الانفصال وبالتواصل دون المماهاة… الخ. وفي هذا الصّدد نعثر على كثرة من الخطوط: الكوفي والحجازي والفارسي والطَّغراء والجلي من الثلث والهمايوني والديواني والرُّقعة والثُّلث والنَّسخ… الخ. ولعلّ هذا التنوّع الضَّخم هو ما حدا بجان جاك لوفيك إلى القول: «لقد كان الفنّان العربي يملك أكثر من فنَّاني الأمم القديمة فن الكتابة السيمفونية بالخطوط»(38).
وإنّ من بين ما يبرهن على انشغال الخطَّاط العربي بالكتابة والتدوين هو هذا الكم الهائل من الخطوط(39) منذ التاريخ القديم للعرب والمسلمين. و«هكذاً أمكن توليد أقلام جديدة من الأقلام الموجودة بحيث أصبح عدد الأقلام العربية نحو عشرين نوعاً»(40).
لا شكّ أنّ تنوّع الخطوط لا ينفي من الناحية الفنِّية الوجه الجمالي لمجملها. وهو ما يعني أنّ الحسَّ الجمالي متأصّل في شخص الخطاط العربي بحيث يعمل دوماً على تحقيق الانسجام بين الخطوط وما يتطلّبه من اتساق وتناسب وإنشاء وزركشة وتذهيب، إيماناً من الخطَّاط بضرورة إحداث متعة الإبصار الجمالي لدى المتلقِّي، وخاصَّة إذا تعلَّق الأمر بتوريق الكتاب (القراًن).
إنّ مطلب الجمال له من الأصالة في نفسية الفنان ما يجعله ينبجس في أبهى الصُّور الجميلة من خلال الآثار الخطّية المزخرفة. و«لعلّ من أبرز الدَّلائل المميزة للفن الإسلامي استعمال الزَّخارف والنصوص الكتابية، فهي دليل من الدَّلائل التي تيسَّر على الإنسان التعرّف على المنتجات الفنية الإسلامية، وقد تنوّع استعمال الخط، كعنصر تشكيلي، بحيث أعطى لكلّ إقليم من الأقاليم الإسلامية، شخصية خاصة به، في إطار الشخصية الإسلامية العامّة»(41). إن هذه الشخصية العامة جمعت في داخلها مميزات تشكيلية ورسومات ونماذج من الفنون الخطية ذات الشهرة الفائقة. وهوما يعني أنّ المنطق الذي حكم هذه الوحدة العامة للخط العربي والتي تعكس في مضامينها تنوّعاً وتميّزاً في ذات الآن بين الخطوط، هذا المنطق سيجعل من بعض الخطوط أكثر جدارة ـ فنيّاً ودينيّاً ـ بأن تكون محور اهتمام من قِبَل الخطَّاط العربي ـ المُسْلِم. فما هي أهمّ الخطوط؟ وما هي مميّزاتها ودواعي التَّمييز بينها؟
نتوقف في هذا المستوى عند بعض الخطوط المتميّزة في تاريخية الحضارة العربية الإسلامية، وأهمُّها:
1) خط النسخ
يعود إنشاء هذا الخط إلى الحاجة إلى كتابة النصّ الديني والحديث النبوي الشريف. وفي هذا المجال يقول عيسى السَّلمان: «يمثل ازدهار فنون الكتاب، خلال الفترة الزمنية المعينة، مظهراً من مظاهر النُّضج الحضاري في العالم العربي ـ الإسلامي. وكما ذكرنا، فأنّ رعاية العلم والعلماء والعناية بالمؤلّفات والخطوط وتزويد دور العلم والقصور بأنفس المخطوطات كانت من أهمّ العوامل لازدهار فن الخط والتَّزويق»(42).
2) خط الرّقعة
يعتبر من أكثر الخطوط شيوعاً ويعود ذلك لكثرة استعماله في الكتابة اليومية كالمراسلات.

…………. التتمة في العدد