admin

This user hasn't shared any biographical information


Posts by admin

الفكر العربي المعاصر 160-161

ثقافة الحقيقة تأسيساً للعدالة
مطاع صفدي

كل فكْر سياسي لا بدّ له من التمتع بجرعة من ينبوع التخييل الطوبائي. وبالتالي فإن كل تأمل وبحث عن الهوية المجتمعية أو القومية أو الإنسانوية، إنما يغترف من الإناء الطوبائي كما من الإناء الوضعي. والفروق بين النظريات السياسية إنما ترجع إلى طريقة هذا الغَرْف وكميته ونوعيته. وبقدر ما تتمكن خطابات النقد السياسي من كشف أساليب المذاهب التنظيرية في التعامل مع حصة أو جرعة من المنهل الطوبائي، وتقيس درجتها وكيفيتها، بقدر ما يتمكن الفكر من استرداد المبادرة، والانتهاض بالجدل العام إلى ما فوق تضاريس التأويلات الأحادية لعلاقات المجتمع المدني بذاته أولاً، وبأشكال السلطة التي تحكمه تالياً. ولقد اعتبر تيار كبير من الفلاسفة والحقوقيين أن الطوبائية قد تكون هي الرديف المسكوت عنه، تحت تلفيظ الكونية وأنساقها الفكروية غير المحدودة. فالكوني هو الجانب الآخر اللاحديّ لكل حد مفهومي في السياق الأخلاقي والسياسي. وإن جاذبية العدالة في الأخلاق، والحرية في السياسة، مدينة لكمية اللاحدّ التي تندلق وراء جرس هذين الملفوظين. فالعدالة والحرية هما من المعاني التي تشكل عملة التعامل اليومي للخطاب الفلسفي. ولا حقيقة لهذه العملة، أي لا رصيدَ لها إلا مدى ثقة الناس المتعاملين بها، على أنها تشفّ عن الصحّ والخير ضد الغلط والشر. ذلك لأن المعنى إنما يفتح على الكلي، ويمد جسراً مفهومياً ما نحو الكوني. فالإنسان، هذا الكائن العاقل، أي المفكر، لا يمكنه أن يمارس حقيقته تلك إلا بقدر ما ينفتح على الفكر، أي على هذه العلاقة الصعبة أو المجهولة مع الكوني. فكل ما ينير هذه العلاقة، ويحيلها من الاستعصاء إلى الإمكان، إنما يساهم في نسج الفعل الفلسفي؛ ولذلك لم ير أفلاطون سبيلاً إلى إقامة المجتمع المدني إلا في ظل الحكمة الفلسفية. لأن صيغة المدني إنما هي تعبير عن المجتمع العادل الذي هو القادر على التعامل مع المعاني، وابتكار سُبُل ممارستها وتحقيقها ضمن علاقات الشفافية ما بين الناس. ولا تتوفر الشفافية في النسيج الاجتماعي إلا بالكشف عن الالتباسات الناجمة عن ازدواجية النية والفعل، الخاص والعام؛ وذلك بمدى ما يتّضح تمفْصلُ أفعالِ الأفراد مع أفعال الجماعة عند تكرار ذات الظروف، بالنسبة لكل منهما؛ وبحسب ما يتمأسس هذا التمفصل عبر جاهزيات موضوعية، يلتقطها ويصححها الفكر، محوّلاً إياها إلى قيم وحقائق عامة تحت طائلة العدالة للجميع والأمن الوجودي لأفرادهم.
إن انبثاق الفرد (العادل) أي الحرّ، مرتبط أساساً بتحقق قدر من (سيادة) الفرد على أفعاله. ولذلك كان أول شاغل للفلسفي السياسي هو مفهوم السيادة. لا حديث عن المعاني أو القيم لدى أفراد لا يمتلكون سيادتهم على أفكارهم وأعمالهم. ولا حديث عن مجتمع مدني بدون أن يكون نسيجه يتألف من إرادات الأفراد الأحرار. ولقد بدأت الحداثة الفلسفية مع طرح سؤال: لمن السيادة؟ مقابل تعالي اللاهوت فوق الناسوت. وهو تعالٍ نظّم نموذَج المجتمع التابع لدولة، تعتبر مرجعيتها كسلطة دنيوية، مجرد انعكاس أو ظل لسلطة علوية. فكان هم الحداثيين الأوائل هو طرح مرجعية أخرى، سُميت بالطبيعة. ويمكن اعتبار أرسطو أحدَ المُرسين لسلطة الطبيعة كأساس للعقلانية. لكن مرت قرون عديدة فيما بعد، كانت المرجعية خلالها محتكرة من قبل السلطة اللاهوتية، قبل أن يتمكن الفكر مجدداً، من كسر الطبقية الميتافيزيقية، كسبيل لكسر طبقية دنيوية محروسة بالحكم المطلق، والنخبوية الأرستقراطية، أي تلك المرجعية التحالفية بين الكنيسة والإقطاع النخبوي (العنصري) المتمثلة عبر حكم النبالة: الأسر العسكرية المنحدرة عن الفروسية القروسطية. فكان اختراع مفهوم الطبيعة كمحايثة مادية ومعنوية مقابل احتماء السلطات الحاكمة وراء إدعاءات الانصياع للشرعية الغيبية؛ لكن الطبيعة سوف تتحول إلى ما يشبه حتمية أخرى، سوف تستند إليها فئات سلطوية جديدة صاعدة إلى حكم الدولة الثورية القائمة على أنقاض دولة المركب اللاهوتي الإقطاعي. ذلك أن القانون (الطبيعي) لن يُعرف إلا عبر تأويلاته بحسب الخطابات العامة المسيطرة. ومن الواضح أنه إذا تمَّ اكتساب «الأنوار» لنصرها الأول على النظام القديم، فلم يكن ذلك إلّا استناداً إلى دفع مرجعية الطبيعة، والطبيعة الإنسانية، إلى صلب النقاش الدائر خلال القرن الثامن عشر(1).
فالكونية هنا تنحدر من التجريد اللاهوتي، إلى المحايثة الطبيعية. وتمتلئ بمفردات التضمين الإنسانوي الذي لا يلبث أن ينقلب إلى مصدر شرعية جديدة، تؤكد جدارة الكائن الإنساني في التمتع بحقوقه الطبيعية، قبل أن يستلبها منه أيُّ نظام باسم شرعيةٍ أخرى مفارقة لاهوتية، أو نَبالةٍ مطلقة وراثية. وباسم هذه الطبيعة الحقوقية، أو الحقانية، يمكن لكل البشر أن يتطلعوا إلى تلاق متكامل ومتوازن في رحاب كونية شمولية. تنظّم هذا التطلّع التلقائي إرادةُ ائتلاف، تثمر تعاقد الجميع تحت طائلة كونية الكل. فـ «الجميع» هنا هو المحل الموضوعي لتلاقي إرادات الأفراد حول عقد عقلاني، أخلاقي خالص، من أجل ترجمة الكونية إلى نظام حقوقي يعبر عن الصالح العام، أي إرادة الكل.
لقد أراد روسو من هذا التمييز والتكامل بين مفهوميْ: الجميع، والكلّ، أن يدعم تحت صيغة الأول سيادة الفرد على إرادته وتمتعه بحريته الطبيعية التلقائية. وأن ينفتح، تحت صيغة الثاني، مفهوم الكل، نحو الكونية الإنسانوية الشاملة. فالنظرية العقدية هي أول صياغة عقلانية واقعية لثقافة الأنوار الأولى، المنتصرة للطبيعة، أو لأول ثورة سياسية شمولية للعدالة بهذا المعنى، في مرحلة الفجر من الثورة الفرنسية؛ وقد جاءت هذه الشَّرْعة لتغدو أساسَ عُملةِ الحداثة السياسية، والتجسيد الموضوعي لإمكان قيام مجتمع حقوقي/حقاني تحت ظل كونية بشرية خالصة.
هذا بالرغم من أن الرومانسية انطلقت من نقد هذه الكونية المجردة حسب الاعتراض الجذري، الذي سيغدو كلاسيكياً بالنسبة لكل التيارات الأخرى التي سوف ترفض التوفيق بين العقلانيات ذات الصيغة الإطلاقية التعميمية، وبين مفهوم آخر للطبيعة، هو الحياة؛ إلا أن الرومانسية سوف تظل تتشبث بالفرد كهوية سابقة على كل تعريف. وكما تطورت النظرية السياسية من مذهب العقد الاجتماعي، كصياغة منفصلة عن الامكان، وتستمد شرعيتها الحقوقية من مدى تعبيرها عن العلاقة المنطقية فحسب، إلى نقدية أكثر حداثة، مع الجهد الكانطي الحاسم، فإن الرومانسية كذلك انطلقت من الاعتراضات العفوية الأولى التي جاءت عن طريق أوائل الرومانسيين الألمان بخاصة، من أمثال جاكوبي Jacobi وآخرين(2).
ثم جاءت الهيغلية فحاولت أن تستوعب كلاً من قطبي الحداثة الناشئة: العقل والطبيعة، عن طريق نقل جدل المفاهيم من الساحة المنطقية السكونية، إلى التكوين التاريخي. فإن إدخال الحركية التاريخية على الفلسفة، كان من أهم ثمرات النضج العصرية التي تمتع بها الفكر النقدي الحداثوي؛ ذلك أن ملاحقة نشوء الأفكار من بعضها سوف تسمح بتجاوز كل صعوبات المنطق التي تشل حركية الفكر. وكما قال نيتشه: «إن الكشف الرائع لهيغل، الذي قلب كل عادات المنطق، هذا الولد العاق، هو أنه عزم على تعليمنا أن الأفكار الخاصة إنما يخرج بعضها من بعض»(3). وقد وصفه بالتجديد العظيم (الأهم)، منذ أيام اليونان. وأهميته لا تتعلق بالحاضر فقط، ولكن بالماضي، لأن هذا الكشف سوف يبين عن مدى الانحراف الأنطولوجي الذي ارتكبه انحدار الميتافيزيقا الإغريقية نحو التمفصل التلفيقي والإكراهي مع اللاهوت اليهودي المسيحي. على كل حال، فإن تاريخانية هيغل تابعت كل الصيغ المركبة، الناجمة عن قطبي العقل والطبيعة داخل صيرورة لا تكف عن مراكمة إنتاج القطبين، وتفجير إمكانيات كل منهما على ضوء فعالية الذات والآخر معاً. وبهذا أصبحت الفلسفة قصةَ وعيٍ لذاتها عن طريق ممارستها لمغايرتها الدائمة مع حدثيات العالم. والنظرية السياسية لن تكون سوى محاولات لإنشاء أو التقاط منظومات دلالية انتقالية عبر تاريخانية الفلسفة نفسها.
سوف تبقى المادة الأولى من إعلان (حقوق الإنسان) معبرةً عن نواة الإشكالية الأصولية لكل تفكير سياسي مستقبلي، فهي تقول: “إن البشر يولدون أحراراً ومتساوين في الحقوق. أما الإمتيازات الاجتماعية فإنها تُبنى على المصلحة العامة”. والمقصود بتلك الإمتيازات الفوارق الطبقية الموروثة عن نظام الإقطاع الملكي والنبالة الأرستقراطية. غير أن التناقض بين طبيعانية الحقوق والفوارق الاجتماعية، وإن لم تعد ذات مشروعية إطلاقية مبنية على الحق الإلٓهي للملكية المطلقة، والحق الوراثي للنبالة النخبوية، إلا أنها ستظل مبعث مختلف صيغ التحليل والتوافقات التي تعرضت لها النظرية السياسية، حتى بعد نشوء البرجوازية، وانتقال المشروعية من السلطة المطلقة، إلى المجتمع، وتنامي الصيغة المدنية للمجتمع الحداثوي، في ظل الثورة الصناعية المتلاحقة. فلم تعد الإمتيازات وراثية، كما لو كانت ذاتَ أصولٍ فطرية في طبيعة الاجتماع الإنساني بصورة عامة. بل نظر إليها وكأنها خارج شرعية الحق إجمالاً، وإن كانت مشمولة بـ (مشروعية) القانون، كحقوق الملكية الخاصة بصورة محددة.
ولقد تطور النقد المصاحب لمبالغات الفوارق الطبقية، خاصة بعد نشوء البرجوازية التجارية، والاحتكارات الصناعية الكبرى، إلى معاودة التصدي لمفهوم المواطنية الثوري، المطبق بعد انهيار النظام القديمِ في فرنسا. فالرومانسية الألمانية التي بدت رجعية في الموقف السياسي، رفضت منذ البداية الطابع التجريدي لفكرة المواطن المعزول عن أية فردية واقعية، والمفصول عن شخصيته القومية، وتراثه الثقافي. وأما اليسار الحديث، فإنه يحل إشكالية المواطن التجريدي بإعادته إلى أرض الثورة الاجتماعية، المغيّرة لشروط علاقات القوة بين الطبقات والجماعات والأفراد، سواء كانت هذه العلاقات قائمة على قوة المال أو الموقع، أو الوظيفة والدور الاجتماعي.
هكذا قدمت الرومانسية زاداً أدبياً هائلاً في إبراز الخصوصية الفردية، بما هي تعبير أحادي عن كونية محايثة، وإن كانت هذه الخصوصية أقربَ إلى الشاعرية الأسيانة، والعزلة الإرادية، والحرية السلبية. لكنها أثرت على صعيد التأمل الفلسفي، في إنضاج المنطلق الأهم للنظرية النقدية مع كانط ومشروعه السياسي الكبير في التأسيس لفكرة المواطنة العالمية، وإمكانية نشوء الإطار الكوسموپولتيكي لمجتمع الغد الإنساني، منتصراً أخيراً على مختلف معيقاته التاريخية والإرادوية(4). فالطوبائية الثورية المتولدة مع إعلان حقوق الإنسان، كان يمكن لها أن تنهار أُسُسها النظرية كلياً، بعد تشتت البنيان السياسي للثورة الفرنسية، لولا أن هيغل أسبغ حركية الجدل التاريخي على نقدية كانط؛ ومنح الطوبائية بذلك قدرةً على صياغة عقلنة شمولية، تُزاوج بين حركة التشميل الكوني ومتغيرات الواقع التاريخي، بكل فعالياته التي يغدو لها إيقاع توحيدي، بحيث يُفسّر بعضُها بعضها الآخر، دونما حاجة إلى افتراض طبيعة عضوية بدئية، أو مبدأ متعال ومفارق، إلا هذا الحوار الدائم بين الفكر/الروح، والعالم/التاريخ. إذ أن العنصر الطوبائي هنا لا يفسر المحصلات المستقبلية على أساس تراكمية إنتاجات المركب الفكري التاريخي بعينه، بل هو الذي يُفسَر بها. وهذا ما جعل البناء الهيغلي الشامخ يبدو أهم صرح فلسفي لاكتمال تأحيد المطلق مع العالم، وليس العكس.
وبذلك تكون الهيغلية قد أنقذت «الأنوار»، وحررتها من صُدَف المتغيرات السياسية اليومية، ومن تأرجحات الارتفاع والسقوط للتجارب السلطوية معها أو ضدّها التي انتابت أوروبا في أوائل القرن التاسع عشر، الذي هو قرن الحداثة السياسية الأولى بلا منازع؛ ومن الهيغلية بالذات سوف تتولد ازدواجية الشطرين اليساري واليميني لفلسفة ذلك القرن، وتطبيقاتهما الكبرى المتعارضة خلال القرن العشرين المغادر.
لكن ذلك لا يعني أن نمو الفلسفة السياسية كان مصاحباً ومرافقاً لتطورات التاريخ السياسي المصنوع من خلال الدول وعلاقاتها مع شعوبها من جهة، وفيما بينها من جهة أخرى. ذلك أن الفلسفي السياسي يُنيط بنفسه مهمة الإبانة عن الراهن في الحدثي أو الحادث. إنه لا يكشفه كشفاً نهائياً، لأنه بذلك لن يعود راهنياً. كما أنه أي الفلسفي السياسي لا يقسر كلَّ حدثيّ على إظهار جدارته بالتدليل على الراهن سلباً أو إيجاباً. فما لا يسجله التاريخ ليس من الضروري ألا يكون قابلاً للتسجيل، والعكس صحيح كذلك. وما يبقى دائماً قيْدَ التسجيل أو عدمه، هو ذلك الفائض شبه الحدثي الذي لا بد منه للتأشير على الراهن، غير الحدثي، والحادث دائماً.
إن الخطاب الوحيد المخول بالتقاط الراهن، إقبالاً أو إدباراً، هو خطاب الفلسفي السياسي القادر على تخطي المعلومي والإبستمولوجي في المتفرقات اليومية، نحو المعاينة النقدية. ولذلك لا يمكن التوحيد بين الفلسفي السياسي، وما يسمى بالسياسة اليومية لبنيةٍ فوقية في هرمية اجتماعية معينة، على الطريقة الماركسية. إذ إن السياسة كبنية فوقية، قد يصح تفسيرُها ماركسياً، كونها تابعة لظروف الإنتاج وعلاقاته الموضوعية؛ وبالتالي فهي انعكاس فكروي أو إيديولوجي؛ وتجسده مؤسساتٌ مادية ودستورية، تحرس الأمر الواقع لحالة المجتمع، وتعبر عن صياغة معينة لعلاقات القوة مع علاقات الحقيقة. أما الراهن فهو الموضوع الأحق الذي تقاس به منتجات الظروف الاجتماعية، بما فيها سياسات الأمر الواقع.
ماركس لم يتخلّ عن معيارية (الراهن)، كمرجعية ضمنية لأساس كل نقد وجهه إلى المجتمع البرجوازي الأول المرافق لمطلع النهضة الصناعية. فإن الراهن بالنسبة له هو الإنسان العامل، وليس المواطن بالمعنى التجريدي. فالتفريق بين حقوق للإنسان، وحقوق للمواطن (أي العامل الموجود واقعياً)، إنما يعني في النهاية أن الإنسان هو البرجوازي، وهو الذي يمتلك كل الحقوق، أما البروليتاري، فإنه يمتّ إلى تصنيف آخر، يُخرجه من مجتمع (الناس الأحرار المتساوين). فالراهن الماركسي، على العكس، هو البروليتاري، وهو معيار الحرية والعدالة. إنه الإنسان الطبيعي، ضد الإنسان، المواطن التجريدي؛ أو بالأحرى فإن الراهنية هي في المواطنية الحقيقية، وليس في تقسيمها إلى حق للمواطن المجرد ضد لا شيء للمواطن الفعلي الموجود. لكن البروليتاري هو الراهني الخاص بالحضارة الصناعية. أما الإنسان العادي، إنسان كل يوم، فسوف يظلُ يذكّر بالراهني المفقود في بقية الحضارات. وباسم ذلك الراهني المفقود الموجود سوف تتنامى نظريتان للنقد الحداثوي. إحداهما المعروفة والمعروضة، كمراجعة لنقد النقد والنمو معاً عبر مراحل المشروع الثقافي الغربي، وقطيعاته المتواترة؛ والأخرى غير المعروفة تنظيرياً على الأقل، ولكن الموجودة لدى الحضارات الأخرى، والمقموعة بسبب من ضحالة مواردها الفكرية ذاتياً، ومن صلابة ظروف الواقع المضاد موضوعياً، لاكتشاف ثقافة (الراهن) ما وراء الحدثيات العارضة يومياً.
ـ راهنية (المواطنية) وحدثية (المواطنة)
إن أقنوم المواطنية كمفهمة مجردة، الذي طالما استثار حمية النظرية النقدية وجدّد أسلحتها من مرحلة إلى أخرى، قد فتح أمامه، وعلى جانبيه الأيسر والأيمن، وفي وقت واحد، ومتناوب، جبهاتٍ من المعارضات، حملتها متغيراتٌ تاريخية كبرى على الأرض طيلة القرنين الماضيين. وكانت البداية تتمثل في الحصيلة الرجعية غير المقصودة للمنعكس السياسي الذي ولّدته أدبياتُ الرومانسية، وصولاً إلى الرد الجذري عليها حسب التشكيل الإيديولوجي الأشمل للنقدية الماركسية والاشتراكية بصورة عامة، منذ خمسينيات القرن التاسع عشر..
على كل حال، إن المواطنية صياغة حقوقية، وبالتالي نسبية من جهة ارتباطها بالقوانين الوضعية وتطورها، وهي كذلك تريد ألا تقطع موردها الفلسفي حول مفهوم الكونية. وفيما يتعلق بتطورها النسبي، فقد أصبح من المتعارف عليه أن القرن الثامن عشر قد أثبت للمواطنة كياناً مدنياً مقابل التبعية اللاهوتية. ويقوم هذا الكيان على ممارسة الحقوق الحريات، (الحريات الشخصية في التعبير والاعتقاد والعمل، والتملك). وفي القرن التاسع عشر تحققت المواطنة السياسية كردّ واقعي على المواطنية التجريدية والمحددة لحق كل مواطن أن يكون ناخباً ومنتخباً للمؤسسات الدستورية القائمة، متمتعاً بالتصويت العام كسبيل لتقرير مصير الشرعية الحاكمة.
وتطورت المواطنة السياسية إبان القرن العشرين إلى المواطنة الاجتماعية، التي رصدت للمواطن حقوقاً له على مجتمعه المدني ودولته السياسية، وذلك بأن توفر لجميع المواطنين مزايا الصحة، والتعليم والعمل. إنها تترجم المواطنية المفهومية الناشئة عصرياً في ظل دولة العناية، أي الدولة المسؤولة عن توفير ظروف الحياة السليمة المعادلة لكرامة الذات الإنسانية. فهذه النماذج الثلاثة للمواطنية لم تتطور عن بعضها نتيجة انعكاسات فكروية خالصة. لكنها اقترنت بتاريخانية مشبعة بجدليات العقل والواقع، استقطبها الفكر الفلسفي وساهم في تحديد مشروعيتها الوجودية، مما أرسى للذات مفهوماً تكوينياً منفتحاً على هوية نابعة من تَعيُّن الحرية تلقائياً، دون أن تحدّها أية تعيينات قبلية ميتافيزيقية، أو وضعية قسرية بعدية. لكنها هوية نقدية، قائمة على ما يمكن اعتباره تأسيساً وإعادة تأسيسٍ لعقلانية شفافة في نشوئها وتكاملها. ولقد احتاجت هذه الهوية قروناً ثلاثة على الأقل من أجل أن يكتمل وعيها لذاتها؛ وهو وعي، ما كان ليتحقق لو لم يكن منذ البداية ناقداً لذاته، وناقداً لنقده دائماً. وأن هذا النقد المتواصل والمضاعف لنفسه باستمرار، كان محايثاً لصيرورة الأحداث كبِطانةٍ ملتصقة بواقعات التاريخ، وتحولات الجماعة الإنسانية السائرة على خيار الحداثة وهَدْيها.
غير أنه، ومع ممارسة الهوية النقدية، فإنه لا يمكن القبول بتقسيم ثلاثي لنماذج المواطنية، إلا على أساس شكلاني فحسب. فإن استشعار الراهن كان يصاحب كل تطلع سياسي منذ القديم، بل كل تفكير يقايس بين علاقات الواقع (القوة) وعلاقات الحقيقة. وقد تكون هذه المقايسة ينبوعاً دائماً للطوبائية. لكن الفلسفي السياسي كان يحاول أن يشد الطوبائي من غربته المستحيلة، ويجعله أهلياً، أي قريبَ المنال من الوعي والإرادة. فإن دولة العناية التي فازت بها ثقافة الجمهورية في أوروبا الغربية، واستطاعت أن تصوغها ضمن أنظمة اجتماعية مؤسسية راسخة، وجعلتها بديلاً عن الثورة الماركسية، المتأججة خاصة خلال الحرب الباردة، لم تكن وليدةَ تلك الظروف فحسب، بل استمرت كامنة في أصول الحداثة السياسية منذ بداية عصر الأنوار. لكنها كانت أشبه بالمدينة الفاضلة، والجمهورية الأفلاطونية. وكانت محتاجة إلى هذا القدر الكبير من شاعرية الكونية في تصور الإنسانية العادلة والسعيدة. وقد كان يمكن لهذه الكونية أن تظل حلماً إنسانوياً معلقاً في الفراغ فوق ظلامات التاريخ وعبودياته المختلفة، لولا أن فاز التراكم الحضاري أخيراً بمنفذ نحو الواقع، ينتقل منه الفكر الطوبائي إلى مصارعة يومية لحدود العقبات الأساسية المعيقة لانطلاق عصر أنواري، ولا يكف عن التجدد مع اكتشافه لمزيد من الظلمات أمامه، والظلامات الملازمة للإنسان التاريخي. فالمواطنية في لحظاتها التحقيبية الثلاث كمواطنة محايثة: المدنية فالسياسية فالاجتماعية، لا يمكن القول إنها وصلتنا الآن، وقد حلّت جميع إشكالاتها ضمن نماذجها تلك، ثم عبْر الانتقالات المفهومية التي تجاوزتها. فهي لا تزال تحتل مركز الاهتمام والتحليل في كل مقاربة فلسفية سياسية أو حقوقية، وتواجه استعصاءات الأسئلة الفكرية الكبرى، كما لو كنا أمام لوح، ممسوحة منه كلماته السابقة، أو أحداثه المنقضية.
إن كان الغرب ينعم بثمرات التحقيب باحثاً عن الأسس الدائمة لدمج اللحظات الثلاث في مفهوم المدنية الكونية، فإنه يُخَوْصِن هذه الكونية؛ بمعنى أنه يعتبرها من تصوره، وكفاحه وراءها، واكتسابه أخيراً لجنتها من الحرية. فالانتقالية الحضارية من تحقق المواطنة المدنية، والبناء عليها للمواطنة السياسية، والبناء على المرحلتين معاً، للتركيبية العليا تحت اسم المواطنة الاجتماعية، تبين عن عقلانية النمو الإنساني، وخط (التقدم) الثابت الذي تصنعه حضارة ما لذاتها، وتكاد تكون فريدة نموذجها؛ ولهذا فهي مغلقة على تجاربها. إنها تؤكد بذلك اختلافيتها المطلقة عن جميع تجارب الأمم الأخرى السابقة لها والمصاحبة لها. حتى هذه المصاحبة، فإنها عاجزة عن الاستمداد من هذا الاختلاف. كأنما المدنية، بالرغم من جاذبيتها العارمة لكل الإنسانية، إلّا أنها غدت من استحقاق نخبتها المتفوقة؛ فهي ليست للتصدير إلى سواها، وغير قابلة للتقليد من قبل الغير. ههنا يقال عن العصر الحاضر، إنه، وبالرغم من كل مطامح العالمية وسطوة تشويهها بالعولمة، فهو يُشَخْصِن الاختلاف الجذري للواحد مقابل الآخر الكل. يستعيد تفرقة المدنية الاغريقية عن بربريةِ الكل، ما عدا شعبها!
الراهن غربياً، هو أغْرِقَةُ المواطنية الأوروبية (جعلها إغريقية)؛ وأما عودة الفلسفي السياسي إلى مركزية التفكير والحوار والإنتاج لدى النخب، إنما تقوم على اعتقاد ضمني أن المشروع الغربي وحده منذور لابتعاث وتجسيد مدنية أثينا. كأنما التاريخ الفاصل بين أثينا الفعلية قبل الفين وخمس مائة عام، وأثينا الغرب المعاصر، قد أوغل أولاً في انحطاطه دون ذلك المثال الأول، ثم عاود الصعود بفضل عقلانية الغرب المحققة للقطيعات الحاسمة، المميزة لقصّته مع ذاته، من دون سواه. فمن دون القطيعة مع الغيب اللاهوتي، ثم مع هرمية المجتمع الاستبدادي، ثم مع ليبرالية الرأسمالية الخام الأولى الفالتة من كل عقال، لما أمكن ابتكار المواطنية في مثلث حقوقها المدنية، والسياسية والاجتماعية، وذلك بحسب إيديولوجيا الغَرْبَنَة. فهل انتهى جدل العقل والواقع، واكتملت سيرورة التاريخ ببلوغ هذا الشوط العظيم من انتظام الحرية في مجتمع المثال الديمقراطي العادل، على طريقة الغرب الأوروبي؟ هذا السؤال، لسنا نحن الذين نجيب عنه، بل هو المشروع الثقافي الغربي عينه. فإن عودة الفلسفي السياسي، هي إشعار أولي بالتباس النهاية، وانتقاص القصة الفريدة من خاتمتها السعيدة. ذلك أن دولة العناية التي تنيط بمفهومها وجاهزياتها، إدارةَ المواطنة في المدنية الراهنة، استطاعت أن تنقذ مجتمعاتها من المد الشيوعي خلال الستينيات من القرن العشرين، عندما قامت بابتكار نظام من الحقوق الاجتماعية يتمفصل مع إكراهات الواقع الاقتصادي للرأسمالية، ولا يضطر إلى تعليق الحقوق السياسية، وحقوق الشخص الإنساني في الاعتقاد والتعبير والعمل والتملك (كما هو الحال في ظلّ التجربة الاشتراكية آنذاك).. فإن (العناية) التي غطّت مختلف الحاجات الأساسية للفرد والجماعة، من الأمن والصحة، والتعليم والعمل، قد أرست نموذج مجتمع الوفرة والرفاه، كما لو أن نظام الرعاية قد انتزع لذاته حصة وفيرة من وعود الطوبائية من المستحيل، وحوّلها إلى مفردات من وعود مع: الممكن، والإرادوي، والواقعي. إنه حلم الجمهورية العادلة لذاتها وبذاتها، ولكن ليس للآخر، ذلك هو حدّها الذي يحفظ جسدها، ويضع (البعد) المخيالي خارج حدوده كلها. إن دولة العناية لا تلبث حتى تصطدم بالبحر العالمي حولها. إنها تجسر على كونية كيفية تخصها وحدها، وتهمل كونية للنوع والكم الإنساني، بأزليته التكوينية وأبديته المستقبلية.
وهكذا فالهوية النقدية لا تكاد تحقق قطيعة مفهومية وليست معرفية فقط، بل بنيوية مع سالفتيها: الهوية التصنيمية أو الماهوية، والهوية الأنوارية. فهي محتاجة، عند كل إنجاز انعطافي في مسيرتها، إلى استعادة معاركها القديمة بأهدافها المتجاوزة، كيما تتصدى لعقباتها الجديدة، ونحو أهداف أخرى غير محددة بعد؛ ذلك أن المجتمعات تميل عادة إلى تثبيت هويتها الثقافية، كصورة مرآوية عن ذاتها، لا تلبث حتى تموضعها في أساس تكوينها، كما لو كانت طبيعة لها. لكن هذه الطبيعة تشكو من تعارض مفهومي. فهي في الوقت الذي تعتبر فيه الأمة أن هذه الطبيعة تخصها وحدها، لأنها تحتضن ذاكراتها التاريخية، وتؤلف ركيزة واقعية لشخصيتها المفهومية، فإنها تحمل هذه (الخصوصية المثالية) على الإنسانية؛ بمعنى أن شمولية الإنسانية، إنما يُحصر تمثيلُها في تاريخانية (هذه) الثقافة دون سواها. وبالتالي فإن السقوط في القوموية، أو الثقافوية، لا يقتصر فقط على زج الدولة السابقة التي لم تدخل بعْد تاريخانيةً الجمهورية بخصائصها: (ثلاثية الحقوق، المدنية فالسياسة فالاجتماعية)؛ بل إن تصنيم الهوية، أو تصليبها، سيظل يشكل خطراً يتهدد دولة الرعاية نفسها، عندما تجعل من ذاتيّ دلالاتها نظامَ أنظمةٍ، وحيدَ نفسه، ويشتغل وحده على تسويغ الجمهورية، كمعنى، لا يمكن تحققه إلا باجتياز التحقيبية التاريخانية المؤدية إلى دولة الرعاية، أي تلك التي تمكنت من تجسيدها ثقافة هذه الأمة المتفوقة دون سواها، والحائزة على جائزة الجمهورية، في نهاية رحلة الحضارة، المتجاوزة لنفسها نحو ← المدنية. وهو التجاوز الأصعب الذي تطرحه الهوية النقدية؛ كما لو كان ذروة التحدي التاريخاني، لأنه يَعِدُ بكسْر الاحتكار الثقافوي من قبل أمة أو حضارة ما، للمدنية، حين يوفر لها مكانها الطبيعي: وهي وساعة العالم كله، بما هي وطن الإنسانية بدون تخصيص ثقافوي أو قوموي. إن الهوية النقدية تحل استعصاء الحلقة المفرغة لثنائية الأمة/الدولة، والدولة/الأمة؛ ذلك أنها تفتح على مابعدية هذه الثنائية، بالاختراق نحو مابعدية الدولة/الأمة، التي يُراد لها أن تتوّج المشروع الثقافي الغربي؛ هذا الاختراق المرتهن بوعي الهوية النقدية وممارستها الشمولية، هو الذي أصبح يميز بين راهنية العالمية، وبين مرآوية العولمة، واغتصاب الثانية للأولى.
العولمة وصراع الكونيات
ليس هناك مابعدية للدولة/الأمة، أو دولة الرعاية، سوى الأمة/العالم. ولقد كان التفكير الكوسموپوليتي منذ استعادته مع بداية الحداثة السياسية، يتعرض دائماً إلى انتقاده بالتجريد في خطابه، وبالطوبائية في أهدافه، والاستحالة في وسائل تحققه. فالكوسموبوليتي يتحدث عن الكونية باعتبارها ليست صالحة فحسب على مستوى انتماء الأمم أو المجتمعات إلى شمولية الإنسانية الحقيقية، باعتبار الإنسان هو المحل الطبيعي للحق بصرف النظر عن ثقافوياته: أي خصوصيات أقوامه وحضاراتها المختلفة، بل إن الكونية ليست كلية بالمفهوم فقط، ولكنها هي كذلك في شموليتها للجميع. وهكذا فإن تطورات القرن العشرين عبر تشكيل الإمبراطوريات الكليانية، حاولت أن تعقد تمفصلات واقعية بين ما تفهمه عن مثال الكوسموپوليتيا، وبين إيديولوجياتها الشمولية، باعتبارها منظوماتٍ دلاليةٌ تحتكر قراءات معينة للكونية على شكل تسويغات مُعَقْلَنَة. لكن هذه المحاولات انتهت إلى كون كل إيديولوجيا، أنتجت من نفسها مركزية فكروية تدعي الاحتياز على الكونية. وأما العالم كمجال حيوي لإنسانية حقوقية، فإنه يتساقط ما تحت شبكية التوازنات الدولية؛ بحيث تتناهش أُمَـمُه صراعاتِ علاقاتِ القوة على حساب علاقات الحق والحقيقة. فلم تُوصف الخطاباتُ الكوسموپوليتية بالطوبائية إلّا بسبب الخيبات المتراكمة، الناجمة عن صعوبة ابتكار التمفصل، بين تاريخ للأفكار حول الكونية، وبين تاريخ آخر للوقائع السياسية اليومية.
لكن المشروع الثقافي الأوروبي يستطيع الادّعاء أنه، بعد أن حققت مجتمعاتُه نموذجَ الدولة الاجتماعية (دولة الرعاية)، فإنه أضحى متوجهاً نحو تجسيد نوع من كونية نسبية، من خلال توحيد قارته. وبذلك تنهض أوروبا، دون بقية العالم، بكونيتها التي تغدو خصوصيةً جديدة لها؛ لكنها تجدد نزعة المركزة الغربية التقليدية لديها، على شكل استثناء. فالمدنية ليست من نصيب الإنسانية ككل. وهي استثناءٌ تاريخاني تفوّق على التاريخ العام. وخلال المد الاستعماري في القرن التاسع عشر وحتى أواسط القرن العشرين، فقد كان خطاب المركزية الأوروبية لايُسقِط (الضواحي) من صورة العالم الذي يقوده الإنسان الأبيض، متحملاً أعباء تمدينه كما يدّعي دائماً. غير أن ثمة تصوراً مرآوياً استمر يداعب مخيلة بعض المثقفين المنشغلين بالإستراتيجيات الحضارية. يعتبر أن التقدم الأوروبي قد ينوب عن المجموع الإنساني، وإن كان يصبّ في مصلحته، عند نهاية المطاف. لكن المتقدم سرعان ما ينسى المتخلّف وراءه، خاصة عندما يزداد تسريع الأول، وتقهقر الثاني أكثر. لهذه الأسباب وحدها فإن مدنية المستقبل، سوف تتابع وتُضاعف انفصالَها عن البربرية المحتومة. وبالتالي فإن كلية (الكونية) ليست للجميع. إن (النوع) الإنساني سيغدو (جنساً) لأنواع أخرى مستحاثّة، يعلوها جميعاً نوعٌ فريد يخصّ الإنسانيةَ الظافرة بالمدنية، بينما هناك أنواع (إنسانوية) شتى أخرى ستبقى خارج هذه المقولة كأمر محسوم.
في هذا المنعطف الاستراتيجي الراهن، يبرز اختراع العولمة كتحصيل حاصل لواقع افتراضي (مرآوي) مقابل الواقع الواقعي عقلانياً. ذلك أن العولمة تطرح نفسها كحل لإشكالية التعارض بين عمومية الكونية، واستثنائية المدنية. فإن الإنسانية الحقوقية كمضمون للكونية، تغدو كأنها جائزة استثنائية لمن يستحقها، وإعجازاً مستحيلاً لمن يعجز عنها.
هل أصبحت الدولة الاجتماعية وحدةَ العُملةَ اليومية التي يمكن أن تُصرف، على أساس معياريتها، مفاهيمُ الكونية؟ مثل هذا التساؤل لم يكن ليطرح لولا أن اندلاع عواصف العولمة قد شكل أهم خطر تواجهه الدولة الاجتماعية. ذلك أن حلم المدنية العادلة، كخاتمة سعيدة لنخبة الإنسانية المستحقة لها، يداهمه فجأة تصدُّرُ الاقتصاد العالمي من جديد واجهةَ القوى والعوامل الكبرى الممسكة بمصائر المجتمعات، وفي مقدمتها مجتمعات النخب المدنية المعاصرة. ذلك أن الدولة الاجتماعية لا تستطيع أن تطلق قوى الرأسمال الوطني لديها دون أن ترفع، عن حدودها كافّةً، تدابيرَ الكينزية الحمائية (نسبة إلى كينز الاقتصادي). وفي الأساس قامت الدولة الاجتماعية حسب النمط الأووربي الغربي خاصة، على إمكانية التمفصل بين ليبرالية رأسمالية محدودة، وإجراءات حمائية لحقوق المواطنة المرفهة أو السعيدة. غير أن هذه المعادلة الدقيقة من تمفصل النقيضين، الحماية الاجتماعية والليبرالية الاقتصادية، هي التي تواجه استعصاءها الأكبر مع عولمة السوق، الخارجة عن حدود كل دولة اجتماعية. إذ غدت المنافسة العالمية تمسك بمصائر الاقتصادات القومية. حتى يذهب البعض إلى اعتبار أن الشأن الاقتصادي الدولي أصبح يحتكر القرار السياسي؛ أي أن الدولي يملي على القومي والوطني سياساته المتعلقة بشؤون مجتمعاته نفسها. وبعد أن كان من شأن العلاقات الدولية أن تعكس إرادات الدول المشتبكة داخلَها، فقد أضحت هذه العلاقات هي الآمرة الناهية في السياسات الخارجية للدول، كما في أمورها الداخلية الرئيسة. وبالرغم أن الدولة الاجتماعية لم تكن لتدعي أنها قد تخلّصت تماماً من أكلاف التمفصل الدقيق بين ليبرالية رأسمالية وطنية، ونظام تأمينات اجتماعية شاملة ورفيعة المستوى، يغطي موارده من الضرائب التصاعدية المقتطعة من حصة أرباح الرأسمال الفردي، إلى جانب حصة لا يستهان بها من دخول الأفراد العاملين جميعاً، إلا أن انتقال مركز الثقل إلى مبدأ التنافس الدولي المحرر من أية قيود، سوف يطيح ولا شك بمعادلات التوازن الدقيق والصعب التي نجح مجتمعُ الرفاه الأوروبي في إقامتها بين حرية الرأسمال الفردي وأكلافه الاجتماعية. فالنظام الضرائبي الذي أصبح بمثابة العقد الاجتماعي العصري لدولة الرفاه الاستهلاكي شبه المطلق، هو الذي غدا مركز الهدف الأول الذي تسعى إلى الإطاحة به إيديولوجيا آمرية السوق، التي تدعي أن الفوز بحرية مطلقة لقوانين السوق وحده، كفيل بإقامة نظام جديد من العدالة على نطاق عالمي، يستوعب الأنظمة الدولتية بعد أن تصير أشبه بفروع وروافد له، جزئية، داخل أوسع مجال كوكبي، اقتصادوي فحسب.
لكن تقويض النظام الضرائبي سوف يجفّف الموارد الأساسية للدولة الاجتماعية. وهذا بدوره ما سوف يُسَرِّع من إضعاف الشكل القانوني والإداري للدولة بصورة عامة، ويمهّد لإزالة دورها أو تهميشه إلى حدود الإشراف الأمني على الممتلكات، وحماية أرواح الرعايا فحسب. ولذلك فإن الحل الوحيد المتاح أمام الدولة الاجتماعية هو التحرك إلى الأمام، أي اجتياز العوائق القوموية، والانفتاح نحو المؤسسات الدولية، كشكلٍ تمهيديّ نحو حلم الحكومة العالمية. فما يشكّل مواجهةً جدية مع العولمة الاقتصادوية هو استعادة فعالية الكونية، بما هي سياسة شمولية لفعالية التضامن بين الإرادات الإنسانية للجماعات القومية والحضارية. وفي رأي هابرماز، أنه لا مناص لفكر أوروبي اتحادي من تدعيم المؤسسات الدولية القائمة، وخلق مؤسسات جديدة قادرة على تغليب مصالح الشعوب في الشأن العالمي. وإذا لم تساعد أوروبا على تجديد إنهاض العالم الثالث، فإن مصيرها سيؤول إلى المركزية التقليدية للغرب(5). وما يمكن أن نذكره نحن في هذا الصدد أن الفكر الأنواري الذي تدين له نهضة الغرب منذ الأصل، إنما كان يستمد قوته الابتكارية على مواجهة الاستبداد القديم لأنظمة الإمبراطوريات الأوروبية، أو حكومات المدن المغلقة، يستمد قوته وأصالته تلك من ابتعاث فكرة الإنسان كمطلق ذاته، واعتبار الإنسانية هي المحل المُعلَّى لمفهوم الحق. وبالتالي فإن الهوية الفعلية للأمم والمجتمعات إنما تقاس بقدر ما تعكس، في أنظمتها السياسية وثقافاتها القومية، هذه الصلةَ بالهوية الإنسانية الشاملة. وما كان بالمستطاع تحقيق النقلات المعرفية الثلاث الكبرى من اكتساب الحقوق المدنية، إلى الحقوق السياسية، إلى الحقوق الاجتماعية، لو لم تكن هذه المقايسة فعالةً ونشطة، ومتجددة العقلنة، بين علاقات القوة القائمة وعلاقات الحق والحقيقة. أي لو لم تأخذ النُّخَبُ الثقافية على عاتقها مهمةَ مفهمةِ الكونية في كل حقبة من الصيرورة الاجتماعية، ومحاولة ترجمة معانيها كأوامر للحق يومية، قادرة على (إبراز) الشرعية الإنسانية فوق كل مشروعية انتقالية قائمة، ومقايسة الثانية بالأولى. فعالية المضاهاة هذه هي المضمون الفعلي للفلسفي السياسي، الذي تشكل عودته في كل مرة، إيذاناً بمولد قطيعة معرفية جديدة، ما بين حقبة حضارية وأخرى. مجمل هذه العملية الفذة هو أنها لا يمكنها أن تنبجس إلّا عن فكر حي حركي، ليس له إلا الهُوِيّ النقدي الذي يميّزه ويُعرَّف به. لذلك لن يبقى الهوي النقدي ثمرةَ تطورٍ، بقدر ما يصير فاعلَ التطور. إذ تصبح مهمته كسْرَ احتكار علاقات القوة لساحة الفعل التاريخي، وإنهاض علاقات العدالة تحت طائلة الحقيقة، كنقيض راهني ضد الأولى: كاشفاً عن راهنية الكونية، باعتبارها هي محل الصيرورة الواقعية المستحقة لاسم الواقع وأحقيته، مقابلَ واقعٍ آخر مفروض بعوامل السيطرة المصلحية المعتادة المعروفة في كل زمان ومكان.
إذا كانت أوروبا احتاجت إلى ثلاثة قرون كيما تفوز بالحِزَم الثلاث للحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية على التوالي، فإن “بقية العالم” ومنها العالم الثالث بخاصة محتاجة إلى الفوز بها كحزمة واحدة وعبر كثافة زمنية، طالما أنها لا قدرة لها على تكرار إيقاعية التحقيب الحضاري الذي يخصّ تاريخانية الغرب. فلا بدّ من الاعتراف أن الغرب فاز بتحقيبيّته هذه، بالأصالة عن نفسه وبالوكالة عن تاريخانية الإنسانية الشاملة، ما دامت قطيعاته المعرفية قد استمدت دائماً قوتها على ممارسة الهوي النقدي من شرعية الإنسانية، بما هي محل الكونية، أي هذا الوطن الروحي لحضارات كل الأمم، على اختلاف هوياتها القوموية والتراثية. لكنها كونية تتغير ألوانُها، أو تتّضح ظواهرها، بحسب مفاهيم التأويلات التي تُضفيها أو تعكسها عليها ظروفُ الحراك الاجتماعي للأمم الناهضة. وهي اليوم هذه الأمم السبّاقة إلى اكتشاف التقانة والتمفصل فكرياً وبنيوياً مع ابتكاراتها. ولذلك يصير للكونية تأثير الثقافة القادرة أكثر من سواها على استلهام استحقاقاتها، وتشكيل منظوماتها المعرفية، وتحديد أهدافها السياسية؛ كما لو أن الكونية المستحيلة نفسها، غَدَتْ قادرةً على مخاطبة الرأي العام بلغة الممكن، دون أن تتخلى عن لامحدوديتها، أو طوبائيتها؛ وحيثما تترك للهوي النقدي مهمة التأشير على الفوارق بين التأويل والتسويغ إزاء المتغيرات المجتمعية الكبرى. فالطوبائي لا يمكنه أن يقبل بمنطق الاحتمالات، إنه يقدم وجبة أوهامه كاملة محسومة لا تتسامح مع المعارضة أو المراجعة؛ لكن شدة الحسم تتناسب عكساً مع سلوك النزاهة إزاء الحقيقة. من هنا فإن فاشيات القرن العشرين، على جبهة اليمين أو اليسار في أوروبا، أشادت لأتباعها عمارات طوبائية شاهقة مغلقة النوافذ والأبواب على تصنيمية العرق والعنصر، أو الطبقة والحزب والثورة. فكان جسر العبور الأوروبي من حقبتي الحقوق المدنية والسياسية، نحو الحقوق الاجتماعية، قد كلّف بناؤه أهوالَ القرن العشرين بحروبه العالمية الثلاثة، الأولى والثانية، والحرب الباردة. فلم يكن من السهل استتباب نموذجٍ الدولة الأمة إلا بتحقيق دولة العناية، أي الفوز بالحق الاجتماعي محروساً ومرتفقاً، ضرورة، بالحقوق المدنية للأفراد، والحقوق السياسية للأفراد والمجتمع معاً. فالتجربة السوفياتية اكتفت بالحقوق الاجتماعية، منقوصة منها قاعدتاها التاريخيتان، وهما الحقوق المدنية والحقوق السياسية. في حين أن الغرب الأوروبي تملك من زاويتي المثلث، واستعصى عليه إغلاقه بالزاوية الثالثة، أي المحصلة المنتظرة، المتجسدة في بناء الدولة الاجتماعية. لكن لم يجد هذا الاستعصاء حلاً نسبوياً عن طريق إضافة الوظيفة الرعائية إلى دولة القانون، إلّا تحت ضغط الخوف من الاجتياح الشيوعي ديمقراطياً للكتل العمالية في الغرب الأوروبي؛ ولم يتم ذلك إلّا في أوج الحرب الباردة. فإن إقرار تشريعات التأمين الاجتماعي، بشروطه السمحة والشاملة لحاجات الفرد والأسرة، المعيشية الأساسية، قد أعطى للديمقراطية السياسية بعض ما يعادلها من الديمقراطية الاجتماعية. وهو الأمر الذي ساهم في تثبيت مسيرة عقلانية، راحت تتكامل معالمها المدنية أكثر فأكثر، في الغرب الأوروبي، مقابل تهافت النموذج الطوبائي للتجربة السوڤياتية، المتمثل في عجزه عن مقاومة انجراره نحو بيروقراطية الإدارة وفاشية السلطة، واندماجه مع آليتيهما كلياً، دونما أي تمايز عنهما في نهاية المطاف

.
………. التتمة في العدد

المدنية الإنسانية
بين عدل الكينونة وعدالة الكائن الإنساني
مشير باسيل عون

يتصوّر هيدغر المدينة الإنسانيّة كموضع فريد لتحقّق المصالحة بين الكينونة والسياسة. ومن أبرز وجوه هذا التحقّق أنّ السياسية لا تُنجز هويّتها إلاّ حين تُنصف الناس المتّحدين في رباط الانتماء إلى المدينة الإنسانيّة والناشطين في معترك الوجود التاريخيّ. بيد أنّ هذا الإنصاف لا يتأتّى للوجود وللواقع وللإنسان وللمدينة، إلاّ على قدر ما يتهيّأ لحقيقة الكائنات، وحقيقتها هي كينونتها(1)، أن تنبسط في رحاب الوجود في حرّيّة إقبالها وإدبارها، وعلى قدر ما يتسنّى للكائنات أن ترعى حرّيّة الكينونة هذه في مداولة انكشافها الرضيّ للكائنات وانحجابها الخلاصيّ عنها. فالكينونة هي عماد الفكر بحسب هيدغر. وهي جوهر السؤال الفلسفيّ وضمان الانبساط العادل للوجود. ولشدّة ما تحتشد وتتكثّف في الكينونة معاني الوجود، انبرى هيدغر يعاين فيها أصل الأصول في استجلاء مسائل الواقع الإنسانيّ، ومنها مسألة العدل والعدالة. وطالما أنّ جوهر الفلسفة مساءلةُ الكينونة، فإنّ المباحثة في مسألة العدل لا تستقيم بحسب هيدغر إلاّ إذا انتهجت سبيل التفكّر الأصليّ في معنى الكينونة.
وللوقوف على دقائق هذا التصوّر الفلسفيّ المربك، لا بدّ من التذكير بعمارة هيدغر الفكريّة. وهي العمارة التي تقوم على استعادة مساءلة الكينونة التي تفتّحت في الزمن الإغريقيّ الأوّل حيث الإشارة الخفرة كانت الأجدر صوناً لغنى الكينونة. أمّا الزمن الإغريقيّ الثاني الذي استهلّه أفلاطون، فكان أشبه بزمن التخلّي والتخلّف، تخلّي الفكر عن خفر الإشارة المتواضعة إلى الكينونة، وتخلّف الكينونة عن ملاقاة الكائنات في سعيها إلى الإمساك بحقيقة جوهرها. ومن ثمّ، ارتأى هيدغر أن يناهض الغلوّ الفلسفيّ المسرف في استنطاق الكينونة ومحاسبتها والتلاعب الأفهوميّ بها. فانتقد مسرى الميتافيزيقا التي استهلّها أفلاطون وختمها نيتشه. والميتافيزيقا في نظره سقوطُ الفكر في محنة التسلّط المعرفيّ على جوهر الكينونة العصيّ على الإنسلاك في تمثّلات الذهن وقوالب اللغة. وراح يستدرك معاثر الفلسفة اليونانيّة المتخلّية عن أصالتها الأولى. فإذا به ينادي بالتفكّر الخفر القائم على التذكّر والاستفهام والساعي إلى تملّك الأصالة المنبثقة من تجلّيات الكينونة الحرّة للفكر الخاشع المصغي. وإذا به أيضاً يعتني بالواقع أو بوقائعيّة الأشياء، يترصّد على إيقاعها المتوتّر طاقات الانفتاح التي يختزنها الوجود.
ولبّ الأمر في مسعى هيدغر أن يعود الإنسان إلى الاندهاش أمام التفتّح العفويّ للكينونة. وهو الاندهاش الذي يسمو فوق جميع ضروب الإدراكات الجزئيّة للعلوم الوضعيّة والإنسانيّة. ذلك أنّ كينونة الأشياء لا يقوى الفكر على الإمساك بجوهرها إلاّ حين يرعى اعتلانها وانحجابها في روحيّة المساءلة التقيّة والمصابرة الواثقة والمودّة المتّضعة. ومن ثمّ، لا بدّ للإنسان الراعي للوجود من أن يُعرض عن مطامح العقل الساعي إلى الجلب النفعيّ حيث الكينونة تنقلب مادّةً قابلة للاستقدام الفوريّ والانخراط القاهر في قوالب التصوّرات الذهنيّة. وهذا كلّه يخالف حركيّة الأشياء في إقبالها وإدبارها. ويخالف أيضاً حركيّة الكينونة في تأتّيها العفويّ وانوهابها الأصليّ المجّانيّ (Ereignis). فالكينونة، بحسب هيدغر، ليست علّةً غيبيّةً ماورائيّةً للوجود. وليست هي كتلةً مرصوصةً جامعةً لجوهر الكائنات والأشياء. وليست هي حاملاً لتصوّرات الذهن وتمثّلاته. إنّها حقيقة الأشياء حين تتّضع الأشياء في الإفصاح عن حقيقتها القصوى، فتكشف في انحجابها أكثر ممّا تكشفه في اعتلانها. الكينونة انبساطٌ عفويٌّ يتزمّن في تضاعيف الوجود، لا قوامٌ جوهريٌّ صلبٌ ينسلك في الزمن. ولذلك لا يجوز أن ينصّبها العقل مبتدأً يُنسب إليه خبرٌ يلازمه ملازمة الهيمنة والاستنفاد.
ولا يكتفي هيدغر بتقريع العقلانيّة الحسّابة التي تقلب حقيقة الكينونة إلى يقين وتجعل الكينونة كتلةً قابلةً للاستقدام المنفعيّ، بل يذهب، في حقبته الفكريّة الثانية، إلى تجريم الكينونة عينها، فيعاين في مزاجيّتها علّةَ المظالم التي تصيب الأشياء حين يُخضعها الإنسانُ لسلطة الاستثمار والاستنفاد. فالكينونة هي التي تنحجب لتُسقط الوجود في محنة الضلال المعرفيّ والتقنيّ. وإذا كان الأمر على هذه الحال، كان لا بدّ للإنسان من أن يتوق إلى أصالة التفكّر الصابر على تقلّبات الكينونة يتجاوز به جزئيّات المعرفة فيستطلع من ورائها أبعاد الكثافة الكيانيّة العصيّة على الأخذ العقليّ الشموليّ. فإذا برسالة الإنسان في معترك العالم تُملي عليه أن ينفتح على تأتّي الحقيقة في سياق التزّمن حيث الزمن هو الأفق اللامحدود لهذا التأتّي الزمنيّ، وفي سياق التاريخيّة حيث التاريخ هو موضع تفتّح هذا التأتّي وجريانه الحرّ. وإذا بكرامة الإنسان تقتضي منه أن ينحت ذاته وفاقاً لمتطّلبات الكينونة لا تني تستدعيه لرعاية سرّ الغنى الوجوديّ المنغلّ في أشياء العالم ووقائعه.
فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي تستدعيه الكينونة للتأمّل في غنى الوجود لأنّه الكائن الوحيد الذي ينطوي كيانه على همّ مساءلة الكينونة. فالمساءلة الكيانيّة هي قوام الكائن الإنسانيّ. ومن ثمّ، لا يستطيع الإنسان أن يعدل إلاّ إذا راعى مقتضيات هذه المساءلة الكيانيّة. وفي هذا السياق الأرحب تنسلك مقاربة هيدغر لقضيّة العدل. فالعدل عنده صفةٌ ملازمةٌ للكينونة التي تُخضع الكائنات لمقتضيات اعتلانها التاريخيّ، فتنصب للكائنات وللأشياء وللوقائع وللأحداث وللأمور مقامَها الملائم لها في نطاق الانتظام الرضيّ في بنية المدينة الإنسانيّة. واستيضاحاً للصلة التي تربط الكينونة بالعدل، يتأوّل هيدغر الأصل اليونانيّ لعبارة العدل (δίκη)، وينقلها إلى الألمانيّة، ليصبح العدلُ هو ما ترسمه الكينونةُ للكائنات لكي تنتظم في الموقع الملائم لها (Fug). ولا يلبث أن يستنجد بـ بارمنيدس في تفسيره الإغريقيّ القديم للعدل: «حتّى في ما يتّصل بالتناول الفكريّ لكلمة (ذيكي) في قولة الكينونة، لا ينفكّ بارمنيدس، في نهاية الأمر، هو الشاهدَ صاحبَ القول الفصل. فـ (ذيكي) هي بالنسبة إليه الإلٓهة التي تحفظ المفتاح الذي تارةً يفتح أبواب النهار والليل وتارةً يوصدها، أي هي مفتاح سبُل الكينونة (الكاشفة) والمظهر (المموِّه) والعدم (المغلِق). وهذا يعني أنّ الكائن يعتلن على قدر ما تُنقَذ نظمةُ الكينونة وتُصان. فالكينونة، بما هي (ذيكي)، هي مفتاح الكائن في انتظامه»(2). يُستدلّ من هذا الكلام على طبيعة العدل الذي يُنصف الكائنات والأشياء في انتمائها إلى المدينة الإنسانيّة. فالعدل أصلُه في نظمة الكينونة التي ترسم للكائنات والأشياء أن ترعى الموضع التاريخيّ الملائم لحقيقتها.
ومن ثمّ، فإنّ الكينونة التي يودّ هيدغر أن يستعيد النظر الإغريقيّ فيها لا يليق بها أن تخضع لأنطومة من العدل، تهيمن عليها الاعتباراتُ القانونيّة أو الأخلاقيّة. فالعدل الذي يلائم مقام الكينونة مقترنٌ بالانتظام الأصليّ للكائنات في ارتباطها الوثيق بالكينونة. ولذلك اعتبر هيدغر أنّ العدل هو في أصله مفهومٌ ميتافيزيقيّ، أي منبثقٌ من الأصول الأولى للوجود. فذهب إلى أنّ «القاع الحامل والجوهر المحدّد لكلّ كينونة سياسيّة لا يقوم على ما هو أقلّ من التبصّر النظريّ، أي على إدراك جوهر العدل والعدالة (ذيكي ذيكايوسيني). تُترجَم هذه الكلمة اليونانيّة بالعدل، فإذا بالترجمة لا تصيب المعنى المناسب حين يُساق المسمَّى المنقول على الفور، وكلّياً، إلى حقل الأخلاقيّات، أو تلقائيّاً إلى حقل القانونيّات. إلاّ أنّ (ذيكي) هي مفهومٌ ميتافيزيقيٌّ، وليست هي مفهوماً من أصل أخلاقيّ. وهي تُسمّي جوهر الكينونة من حيث شرعيّة انتظام كلّ الكائنات انتظاماً ملائماً لقوامها. ولا شكّ في أنّ الفلسفة الأفلاطونيّة هي التي أدخلت (ذيكي) في ديجور النور الذي يكتنف الأخلاقيّات. غير أنّ هذا الإدخال هو الذي يضطرّنا إلى الاعتصام بالمعنى الميتافيزيقيّ، لئلاّ تغيبَ عن بالنا الخلفيّاتُ الإغريقيّة لهذه المحاورة في الدولة. فالمعرفة التي تتناول على وجه الخصوص العدلَ (ذيكي) وأحكامَ انتظام الكينونة في مطلق الأحول، هذه المعرفة هي الفلسفة. ولذلك ينبري الإدراكُ الحاسم لمجموع هذه المحاورة في الدولة يُعلن أنّه من الضرورة الجوهريّة أن يحكم الفلاسفةُ (أفلاطون، السياسيّات، الكتاب الخامس). ولا يعني هذا الإعلان أنّ أساتذة الفلسفة ينبغي لهم أن يسوسوا شؤون الدولة، بل يعني أنّ كيفيّات التصرّف الأساسيّة التي ترسم الخير العامّ وترعاه يجب أن تتأسّس على المعرفة الجوهريّة وتحتكم إليها. والشرط في هذا كلّه، بطبيعة الحال، أن يقوم أصلُ الخير العامّ، بما هو نظامُ الكينونة، في ذاته، فلا يستمدّ معاييره من نظام آخر، كنظام منبثق من عالم فوقيّ على سبيل المثال. ذلك أنّ التأصّل الذاتيّ الحرّ للوجود التاريخيّ يخضع لصلاحيّة المعرفة، لا لصلاحيّة الإيمان يَنظر إليه المرء كاعتلان للحقيقة مستندٍ إلى سلطة الوحي الإلٓهيّ. فكلّ معرفة هي، في عمق الأمر، التزامنُا الكينونةَ في ما تكشفه هي لنا في نور اعتلانها»(3). معنى هذا القول أنّ العدل الذي ينادي به هيدغر ليس خاضعاً لأنظومة فكريّة متعالية على الكينونة تُفرَض على المدينة الإنسانيّة من خارج تاريخيّة الانتماء إلى هذه المدينة. هو عدلٌ متأصّلٌ في قوام كينونة الأشياء. وهو عدلٌ يتيح للكائنات أن تعدل عدالةً تليق بمقام انتمائها إلى جوهر الكينونة. فإذا بالعدالة تغدو هي الفعل التاريخيّ الذي يعتصم به أهلُ المدينة الإنسانيّة في رعايتهم للمعايشة الإنسانيّة الحريصة على صون الوجود.
غير أنّ الناس في المدينة لا يمكنهم أن يعدلوا إلاّ إذا راعوا بضعةً من المقتضيات التي يستتليها انبساطُ الكينونة في معترك التاريخ. ومع أنّ هيدغر لا يتوسّع في استنباط الأحكام التشريعيّة الخليقة بضبط المعايشة الإنسانيّة العادلة في نطاق الانتماء التاريخيّ إلى المدينة الإنسانيّة، إلاّ أنّ بعضاً من النصوص التي أنشأها تعليقاً على مقتطفات المفكّرين الإغريق الأوائل، من أمثال هيراقليطس وبارمنيدس، وعلى قصائد هولدرلين، تنطوي على إشارات خفرة إلى التدابير الإنسانيّة التي ينبغي الائتمار بها صوناً لكرامة الأشياء والكائنات واحتفالاً بانسياب الكينونة العفويّ في ثنايا الزمن. وإذا ما ترصّد القارئ مثل هذه الإشارات، تهيّأ له أن يستدلّ بها على ضروب أربعة من المقتضيات الأساسيّة.
المقتضى الأوّل لعدالة الكائن البشريّ أن تُستخرج أحكامُ العيش في المدينة من ارتباط الإنسان بإلٓه انحجب فأخلى التاريخ موضعاً لعلاقة إنسانيّة مبتكرة بالله. في المحاضرة التي ألقاها هيدغر في العام 1951، متناولاً فيها عبارةً لـ هولدرلين تصف سكنى الإنسان على الأرض بالعمل الفنّيّ «إنّما الإنسان يسكن الأرض شعريّاً»، يتحدّث عن مسعى العثور على مرجعيّة للوجود يستنبطها الإنسان من معاني انكفاء الله: «ما المقياس الذي يُقاس به الإنسان؟ الله؟ كلاّ. السماء؟ كلاّ. انفتاح السماء؟ كلاّ. المقياس هو في الكيفيّة التي عليها تُظهر السماءُ الله الذي يظلّ مجهولاً، تُظهره في استمراره مجهولاً. وإنّ انكشاف الله بواسطة السماء هو انجلاءٌ يُظهر ما انحجب. ولكنّه لا يُظهره بالسعي إلى انتزاع المحجوب من انحجابه، بل يُظهره بصونه للمحجوب في انحجابه. وعليه، بواسطة انفتاح السماء، يَظهر الله المجهول كالمجهول على الإطلاق. هذا الظهور هو المقياس الذي به يقيس الإنسانُ ذاتَه»(4). يعتبر هيدغر أنّ التشريع الإنسانيّ ينبغي أن يتدبّر محنة غياب الله في الزمن المعاصر الخاضع لهيمنة التقنية. فالإنسان الذي يختبر اليوم انكفاء الله عن التاريخ عاد لا يقوى على استدعاء الله واستلهام أحكامه. وقد يكون في الحديث عن غياب الله تصويرٌ لحال الكينونة المنبسطة في التاريخ انبساطَ الإقبال والإدبار والانكشاف والانحجاب. فالتشريع الذي لا يناصر الكينونة العصيّة على الإمساك إنّما هو تشريعٌ يُعرض عن محنة الغيبة الإلٓهيّة، مدّعياً القدرة على استدعاء الله لأغراض المنفعة التاريخيّة.

….. التتمة في العدد

العدالة أمام تعدد العقل والعقلانية
عند «أمارتيا صن»
محمد المصباحي

مقدمة
لا يمكن إدراك حقيقته اسم العدل أو العدالة إلا بالإضافة إلى نقيضه الظلم وبالصراع الذي يبذله الإنسان للتخفيف من وطأته والتقليص من أسبابه. وهذه الإضافة إلى ضده هي التي جعلت العدالة اسماً ملتبساً يجمع بين التعالي عن الثقافة والزمان، واستمداد معناه من التاريخ ومن ثقافات الشعوب، وبالتالي لا يمكن أن نتكلم عن «العدالة بما هي عدالة»، أي بما هي ماهية واحدة في ذاتها، وإنما عن عدالات متباينة حسب الثقافات. ولا يقتصر معنى هذا التعدد على الاختلاف المجالي بين عدالة اجتماعية، وعدالة قانونية (عدل المحاكم)، وعدالة اقتصادية (العدالة التوزيعية)، وعدالة سياسية (الديمقراطية)، وعدالة ثقافية (الإنصاف بين الهويات)، وعدالة شرعية وعدالة عقلية.. الخ، بل يتجاوز ذلك إلى الاختلاف الدلالي؛ فالقضاء بالحق عدالة، والعقاب عدالة، وفعل ما يجب عدالة، واجتناب ما هو محظور عدالة، والتوسط والاعتدال عدالة، وغلبة الحق عدالة، والعدل مساواة وإحسان الذي هو تجاوز المساواة في المكافأة. كما أن العدالة لا تقال بمعنى واحد في الأزمنة والثقافات والمذاهب المختلفة. فقد كانت الثقافات القديمة والوسطوية وحتى الحديثة تعتبر الاستعباد تجارة مشروعة وضرورية لبقاء الحضارة، في حين أصبحت اليوم هي عين الظلم عندما اكتُشفت وسائل وقوى الإنتاج الآلية الحديثة، وحينما انتشرت وتوطدت أفكار حقوق الإنسان بين الجمهور. ولا أدلّ على تاريخية قيمة العدالة أن الميز العنصري لم يتم القضاء عليه فعلياً في الولايات المتحدة الأمريكية وجنوب إفريقيا إلا في أواخر القرن العشرين بسبب اعتقاد البيض أنه من العدل استرقاق السود.
العدالة بطبيعتها، إذن، تاريخية. فهي وإن كانت تحظى بإجماع كل البشر، بمللهم وعقائدهم وأفكارهم المختلفة، بوصفها أعز القيم لدى الإنسان، فإنها ستبقى دائماً مثالا أعلى يَنتظر التحقيق، مما يعني أن الصراع حول طرق ومعايير تحديدها وإنجازها لن يتوقف بين الأفراد والجماعات والثقافات والأديان والإيديولوجيات والدول. فما يُعد عدالة في حق المرأة في الهند أو في الإسلام هو عين الظلم في نظر الثقافة الغربية، وما يعد عدلاً في حقها في الثقافات الغربية المعاصرة يُعتبر انحلالاً وخروجاً عن القيم الأخلاقية والتعاليم الدينية السامية لدى بعض الاتجاهات الإسلامية والهندوسية المتشددة. من هذه الجهة، لا يوجد إجماع حول معنى العدالة بين الثقافات والأزمنة، لكن الجميع يتغنى باسمها ويتوق إلى تحقيقها كأفق أعلى.
إن تَغنِّي الجميع باسمها يخفف من نسبيتها التاريخية وتعددها الدلالي ويسمح بالتوافق على معايير عامة ومشتركة حولها مهما اختلفت الأزمنة والحضارات والمذاهب. فالإجماع يكاد ينعقد على أنه لكي تكون العدالة عدالات، ينبغي على الأقل أن تقوم على أولاً على الحرية والعقل والحق والإنصاف والمساواة والحق في الاختلاف. والعدالة إذ ترتكز على هذه المعايير الستة فلغاية ضمان شروط العيش المشترك، وتوفير الظروف الملائمة للتفكير تفكيراً عقلانياً حراً، وتأمين البيئة المناسبة للشعور بالتعاطف مع المظلوم، وفتح أفق شفاف يمكّن الناس من رؤية الظلم ظلماً، والتنديد به والعمل على استئصاله قدر الإمكان. ذلك أن البيئة المحرومة من ظروف مواتية للإحساس بضرورة العدل وللتفكير فيه تفكيراً عقلانياً قد تجعل الناس غير قادرين على الشعور بالظلم حتى بالنسبة لأنفسهم، عِلماً بأن هذا الوضع ليس معناه أنهم لا يملكون أصلا القدرة على هذا التفكير أو الاستطاعة على الإحساس بالظلم. فالجماعات الثقافية (الطالبان) التي تحْرِم الفتاة الأفغانية من حقها في التعلم والمعرفة باسم «العدل الإلٓهي»، أو ترغمها على الزواج وهي لم تتجاوز عتبة الطفولة، تبدو وكأنها غير قادرة على الشعور بفداحة الظلم الذي ترتكبه ولا مؤهلة على التفكير تفكيراً عقلانياً وحرّاً. بل إن هذا العجز عن الانفعال بالظلم وتشخيصه تشخيصاً عقلياً ينتقل إلى الفتاة نفسها، دون أن يعني ذلك أنها غير قادرة أصلاً على التفكير العقلاني أو على الشعور بالظلم والحرمان الذي تعانيه منه، وإنما معناه أنها حُرِمت من الشروط الضرورية التي تسمح لها بتفعيل قدراتها الفطرية. ولذلك، فإن إمكانية الانفصال عن تأثير الجماعة والهوية الموروثة والانتفاض ضد وصايتها أمر وارد دائماً بالنسبة لها، لأن القدرات العقلية والأخلاقية ما زالت كامنة فيها.
من جهة أخرى، تميز تاريخ العدالة المعاصر بتفجير الفيلسوف الأمريكي جون راولز (John Rowls) النقاش حولها منذ سنة 1958 بمقاله المشهور «العدالة من حيث هي إنصاف»، حيث صارت العدالة بؤرة النقاش في الفلسفات السياسية بمختلف اتجاهاتها. وكان أحد أهم الكتب الأخيرة التي ناقشت كتاب راولز نظرية العدالة كتاب فكرة العدالة للمفكر الهندي أمارتيا صن (Amartya Sen). كانت مناقشة هذا الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل لكتاب راولز مناسبة لمناقشة عدد كبير من المبادئ والأفكار والمدارس المتصلة بالعدالة. وبسبب هذا التعدد الغنيّ، ارتأينا أن نخصص هذا المقال لجانب واحد من جوانب الكتاب هو علاقة العدل بالعقل، أو صلة العدالة بالعقلانية وما يتصل بها أو يتعارض معها.
ولكي نستوعب جيداً مدى التجديد الذي أضافه صاحب كتاب فكرة العدالة في التعاطي مع علاقة العقل بالعدالة، سيكون من المفيد أن نلقي نظرة سريعة على طبيعة هذه العلاقة في الفلسفات السياسية اليونانية والعربية والتي شيدت حُلمها للعدالة المحضة على أساس «العقل النظري»، ومقارنتها بفلسفات الحداثة التي كان التخلي عن هذا العقل لصالح «العقل العملي» هو إنجازها الملفت للنظر. بعد ذلك سيكون علينا أن نقف على دور العقل في الانتقال من الشعور بالظلم إلى تشخيصه النظري؛ لننتقل بعد ذلك إلى نقد العقل التنويري لفتح الباب أمام إثبات تعدد العقول والأنوار؛ وهذا التعدد سيُسلِمنا بدوره للكلام عن تعدد الموضوعية والنزاهة، التي ستفتح أفقاً لإبراز دور العاطفة واللاعقل في العدالة تكريساً للطابع المرن والمنفتح للعقلانية التي يؤسس عليه أمارتيا صن مفهومه للعدالة ؛ وأخيراً سنتكلم عن العدالة بين المؤسسات والسلوكات الحياتية.
I. العقل النظري البرهاني وحلم العدل المحض في الفلسفتين اليونانية والعربية
اخترت أن أتحدث عن جانب واحد من الجوانب المتعددة التي يستعرضها كتاب فكرة العدالة، هو علاقة العدالة بالعقل ومشتقاته كـ (العقلية والمعقولية والعقلانية والتعقل والتفكير) وتوابعه كـ (الحق والموضوعية والنزاهة والنقاش العمومي)، لما له من أهمية أساسية في النقاش الذي يدور اليوم في العالم العربي، ولما يقوم به من دور في بلورة فكرة العدالة بعامة، ولدى أمارتيا صن بخاصة. ومن المعلوم أن مشكل العلاقة بين العقل والعدالة مشكل قديم، وهو ما عبّر عنه صن بقوله إننا «نواجه مشكل جدوى العقل وحدوده منذ قرون، ومع ذلك عقدنا العزم على معالجته هنا، لأنه بالاستدلال العقلي سنتناول، في هذا الكتاب، فكرة العدل»(فكرة العدالة، 63).(1)
وقبل أن أعرض للعلاقة المتشابكة بين العقل والعدل كما يعرضها صن، فإني رأيت من المفيد أن أعرّج، ولو بسرعة شديدة، على التراث الفلسفي في صيغتيه اليونانية والعربية، أولاً جرياً على عادة صن في الانفتاح على مختلف تجارب العقل الإنساني المنتمية لثقافات متباينة تلافياً للتقوقع في تفكير محلي ضيق كما حصل للفكر الغربي، وثانياً حرصاً منّي على تأطير الموضوع في تاريخ الفلسفة كيما نستطيع قياس المسافة الكبيرة التي تفصل بين طرح القدماء وطرح المحدثين فيما يتصل بعلاقة العدل بالعقل.
اتخذت علاقة «العدالة بالعقل» دائماً طابعاً إشكالياً منذ أن وضع أفلاطون الأسس الأولى لنظرية العدالة في محاورة الجمهورية. في حين لم تَطرح العلاقة بين «العدالة والحق» مشكلة كبيرة في تاريخ الفلسفة اليوناني والعربية الإسلامية، بحكم ارتباطهما الذاتي، سواء بالمعنى الشرعي الذي يجري تداوله في أقبية المحاكم، أو بالمعنى الاجتماعي والسياسي الذي تجري ممارسته والصراع حوله في الفضاءات العمومية. فلا يمكن الحديث عن العدالة بهذين المعنيين القضائي والسياسي بدون الإحالة على الحق، والعكس صحيح.
في هذه المحاورة التي نذرها أفلاطون للنظر في مفهوم «العدالة»، أبَى إلا أن يربط مصيرها بمفهوم العقل، وبخاصة بمفهوم معين هو العقل البرهاني، عقل الرياضيات والطبيعيات، لا بعقل الجدل والسفسطة والخطابة. فبعد أن أعطى العقل الأسبقية على القوى الانفعالية الثلاث، الغضبية والشهوية والنزوعية، بحكم اتصافه بالنزاهة والموضوعية وقدرته على الوقوف على الحقيقة المجردة، وبعد أن وضع تناظراً بين القوى النفسية والقوى الاجتماعية، استخلص بأن العدالة السياسية هي التي تقوم على مبدء التفاضل والتفاوت بين القوى الاجتماعية الثلاث، الحكام والجيش والفئات المنتجة، وعلى خدمة الأدنى للأعلى، وخدمة الجميع للحاكم الأول الذي يمثل العقل. ولعل هذا الربط هو الذي أفضى به إلى مناهضة المساواة والحرية المطلقتين بين المواطنين في هذه المحاورة. هكذا تحكمت هذه الرؤية العقلية للعدالة في مصير سؤال العدالة في الفلسفة اليونانية وفي الفلسفات اللاحقة عليها زهاء 20 قرناً من الزمان.
في العصور الوسطى العربية الإسلامية، التي عرفت تضخم نظرية العقل بموازاة نظرية البرهان، ودخول العقل الشرعي الديني بقوة حلبة التفكير في كيفية تنظيم وجود الإنسان الاجتماعي والسياسي، تَعزَّز وضع العقل باعتباره ميزانَ العدالة في بعض الاتجاهات الكلامية (المعتزلة) والفلسفية، وذلك على حساب الانفعالات والعواطف وكل ما يتصل أو ينتمي إلى الجسم. وبسبب تعاظم أهمية نظرية البرهان بمعية نظرية العقل، جرى التفكير في العدالة من لدن جماعة من المتكلمين والفلاسفة العرب من خلال العقل النظري خاصة، أي من خلال وظيفته القوية: القياس البرهاني، لا عبر وظائفه المرنة كـ (القياس الجدلي والسفسطائي والخطابي والشعري). في هذا الجو المشحون بهذا النوع من العقل، الذي يوجد في أصل الوجود، جرى ربط المدينة الفاضلة بالحقيقة باعتبارها تطابقاً ذاتياً بين المبادئ والنتائج، أو تطابقاً بين ما في الذهن وما في الواقع. وكانت الحقيقة هي المدخل لاحتلال عقل ميتافيزيقي، هو «العقل الفعال» أو «العقل المستفاد»، مرتبة الصدارة في تصور الفلاسفة للعدالة، عوض العقل العملي، عقل المعاملات الخطابية والاجتماعية والسياسية التي تجري في المدينة. بهذا النحو صارت غاية المدينة في نظر الحكماء هي تحقيق سعادة «الاتصال» بعالم ما بعد الطبيعة المتميز بالخلود والثبات، لا تغيير الوضع المفعم بشتى أنواع الإكراه والاستبداد والتحكم والظلم والآلام. كل هذه العناصر شكلت البيئة المناسبة لهجاء الحرية واعتبار المساواة المطلقة بين الناس (الديمقراطية) أصل فساد الدولة الفاضلة لأنها تؤدي إلى بطلان الناموس.
عندما نتأمل المدينة الفاضلة لـ الفارابي، وتلخيص سياسة أفلاطون لـ ابن رشد، نجد العدالة تتجاوز كونها قيمة اجتماعية أو مبدءاً أخلاقياً أو غاية سياسية، لتتخذ وضعَ المبدء الميتافيزيقي الذي يربط الفئات والوظائف الاجتماعية ويدفعها للتضامن والخلق لخدمة مبدء أسمَى يمثله الفيلسوف الرئيس. في هذا الأفق لم يكن غرض النظر في العدالة البحث نفي «كيف» يعيش الإنسان، وإنما عن كيف «ينبغي» أن يعيش على أساس العقل، وذلك من خلال تَمثّلٍ للعدالة قائم على خضوعَ الكل لنظام العقل، باعتباره أداة للتوحيد والترتيب والتفاضل. بهذا النحو يحق لنا أن نقول بأن العقل تحوّل عند هؤلاء الفلاسفة إلى مبدء مضاد للعدالة، إذا اعتبرناها مساوية للحق في الحرية والمساواة. بينما سنجد علماء الكلام يجعلون الشرع ميزاناً للعدل الحق، وهذا ما عبّر ابن خلدون بعبارة كلامية حينما قال بأن «العدل المحض هو في الخلافة الشرعية، وهي قليلة اللبث»، أي نادرة الوجود.
II. العقل العملي طريق للتخلي عن حلم العدالة الكاملة
أما المحدثون من فلاسفة ومفكري الغرب، فقد استهلوا حداثتهم في النظر إلى مسألة العدالة بالتخلي عن نظرية العقل بجهازها النظري المتشعب، والابتعاد قدر الإمكان عن آليات العقل النظري، وبخاصة الاستدلال البرهاني، في مقابل التركيز على العقل العملي، مع الحرص على فصل السياسي عن الأخلاقي. وقد أفضى هذا الانتقال من الاعتماد شبه الكلي على العقل النظري إلى استعمال وسائل العقل العملي في النظر إلى سؤال العدالة، إلى تبني تصور جديد للعقل يسمح للجدل والحوار بأن يلعبا دوراً أساسياً في التفكير في أمور العدالة التي تتصل بتأسيس الدولة الحديثة. وبذلك تكون العدالة قد استبدلت الجزم واليقين بالإقناع والتوافق. وكان من ثمرات هذه الانقلابات في طرائق التفكير وجِهاته إعادة الاعتبار للذات على حساب الموضوع، وإعطاء الأولوية للإرادة والحرية والمساواة على حساب الولاء المطلق للدولة أو للشريعة. ولا شك أن ربط العدالة بالحرية وبالعقل العملي سيؤثر على مفهوم الحق والحقيقة. فلم يعد الحق ثمرة برهان فقط، أي ثمرة مقدمات ذاتية وضرورية وكلية لا تقبل النقاش والعناد والإبطال، وإنما صار نتيجة انفتاح على كل مكونات الواقع، ووليد توافق عليه عبر الحوار والنقاش العقلاني والحر بين مختلف المرجعيات العقلية، مما أدخل الحق، وبمعيته العدالة، في منظور النسبية والتاريخية والتعدد.
ومع ذلك، يمكن القول بأن التفكير في العدالة منذ تدشينه الرسمي على يد أفلاطون ظل يدور في فلك النموذج (الباراديغم) الأفلاطوني ـ الأرسطي بهذه القوة أو تلك، إما على شكل شرح وتأويل أو على شكل نقد وتعديل وتنويع، إلى أن جاء راولز (1912-2002). فقد أحدث هذا الفيلسوف الأمريكي انقلاباً في التفكير في العدالة في أواسط القرن العشرين أفضى به إلى تأسيس نموذج جديد قائم على شعار «العدالة كإنصاف». بعد هذا الانقلاب وجد الفلاسفة المعاصرون أنفسهم، على حد قول روبرت نوزيك (Robert Nozick)، مضطرين أن يختاروا إما التفكير في العدالة داخل نموذج «العدالة كإنصاف»، أو أن يفسروا لماذا لا يفضلون التفكير داخله. ومما يبرر جدة رؤية «العدالة كإنصاف» أن راولز بناها على شبكة جديدة من المفاهيم والفرضيات، دون أن يمنع نفسه من الاستئناس بالعدة الفلسفية القديمة للتفكير في العدالة بعد أن يكيف معانيها حتى تتلاءم مع مقتضيات نظريته الجديدة. وكما سبق أن قلنا، أثارت نظرية «العدالة كإنصاف» موجات من الشرح والتأويل والنقد، إما موالية أو منتقدة لها. ومن بين ردود الفعل الهامة على نظرية راولز كتاب صن الأخير فكرة العدالة.
يعترف صن صراحة بأن تفكيره في العدالة يندرج في أفق تفكير راولز، وخير دليل على هذا الاعتراف إهداؤه كتابه فكرة العدالة إليه. وكان حريصاً على أن لا يترك فرصة إلا ويعرب فيها عن إعجابه الشديد وتقديره العميق لنظرية «العدالة كإنصاف» معتبراً إياها النظرية «الأكثر تأثيراً في الفلسفة الأخلاقية الحديثة»(فكرة العدالة، ص89). أما اعترافاته بدَيْنه لهذه النظرية فعديدة من بينها قوله «بعض المفاهيم التي حددها [راولز] بوصفها مفاهيم أساسية توجد في بنية تأويلي الخاص للعدالة، وإن كان توجيه وخلاصات عملي مختلفة»(فكرة العدالة، ص 82). ومع ذلك، فقد كتب كتابه الذي نحن فيه من أجل انتقاده أو على الأقل اتخاذ مسافة منه، وبخاصة من منهجية «العَقد الاجتماعي» التي ينتمي إليها راولز. فقد عرّف طريقته لمناولة العدالة بأنها أقرب إلى طريقة «المقارنة الثقافية»، التي تسمح بالانفتاح على تجارب ثقافية متعددة ومختلفة لتطبيق العدالة، وتساعد بشكل أفضل على تطويرها ومقاومة الظلم أينما كان في العالم(انظر ص 21). ويبرر جمعه بين الإعجاب بـ راولز ونقده إياه قائلاً: «من الممكن أن تكون في نفس الوقت معجباً وناقداً نقداً حقيقياً حيال نظرية ما؛ ولا شيء يحرمني من أن أكون أكثر سعادة أن أقوم بمرافقة راولز، إذا كان ذلك ممكناً، بهذا التقييم المزدوج لنظرية العدالة كإنصاف»(أنظر ص 89).
ولم تكن غاية صن من التفكير في مسألة العدالة الوقوف على ماهيتها، وإنما الوصول إلى تشخيص أعراضها وتجلياتها في نفس الأمكنة والآفاق الثقافية المختلفة التي تظهر فيها. بل إن الأهم، بالنسبة لهذا المفكر الهندي، التركيز بشكل خاص على المظاهر المضادة للعدالة التي تعاني منها البشرية من ظلم وحيف وغصب وبغي وإثم وتجاوز وإقصاء وهدر للحق واعتداء عليه. « فما يحركنا إذن، على نحو شامل، ليس هو ملاحظة أن العالَم لم يصل إلى أن يكون عادلاً تماماً (مَن منّا ينتظر هذا؟)، ولكن وجود ألوان من الظلم حولنا يمكن تجنبها، والعمل على اتقائها»(ص 11) من كل بقاع العالم، وليس فقط في حضارة معينة كالحضارة الغربية. فكما أن العدالة، كما كان يقول ابن رشد، لم تعد تمتد إلى كل أجزاء المدينة، بل إلى كل أجزاء المعمور، فكذلك الظلم. وصن لم يكن يعتبر «تحديد طبيعة المظالم (injustices) القابلة للعلاج حافزاً لنا فقط على التفكير بألفاظ العدل والظلم، بل وأيضاً مركز نظرية العدل ـ وهذه هي أطروحة هذا الكتاب على الأقل. ففي هذا البحث الذي أقدمه هنا، تُستعمَل تشخيصات الظلم عادة كنقطة انطلاق لتحليل نقدي»(ص 12). لكن لم تكن الغاية القصوى لـ صن تحقيق ما سمّاه ابن خلدون بـ «العدل المحض»، أو «العدالة الكاملة»، وهو الحلم الذي ظل مسيطراً حتى على تيارات من الفلسفة الأخلاقية والسياسية المعاصرة، وإنما كان قصده البحث عن وسائل وكيفيات تطوير العدل وتقليص الجَوْر ما أمكن. وفي إطار استحالة تحقيق العدل الكامل ينقل لنا صن ما قاله أحد قادة الرومان: «لو تم تحقيق العدالة لانهار العالم»(ص 47)، وهو قول يتوافق مع ما سيقوله الغزالي فيما بعد: «الحكمة [في مجال العدل] تقتضي شمول الغفلة. بل لو أكل الناس الحلال أربعين يوما لَخَرِبت الدنيا لزهدهم فيها، وبطلت الأسواق والمعايش، بل لو أكل العلماء الحلال لاشتغلوا بأنفسهم، ولوقفت الألسنة والأقلام عن كثير مما انتشر من العلوم، ولكن لله تعالى فيما هو شرٌّ في الظاهر أسرار وحِكم، كما أن له في الخير أسراراً وحكما، ولا منتهى لحكمته، كما لا غاية لقدرته».
من جهة أخرى، يتمحور تفكير صن في العدل والظلم على القضايا التي تتصل بالعقل العملي، أي بإجراءات عملية لا نظرية، على أحوال السلوك الملموسة، وعلى كيفيات ممارسة الناس لحياتهم الخاصة حتى تكون العقلانية التي ينادي بها أكثر مرونة. في مقابل ذلك، اتهم عقلانية «العدالة من حيث هي إنصاف»(راولز) بأنها كانت عقلانية نظرية لأنها فضّلت التركيز على المبادئ والمؤسسات المجردة والمتعالية لا على الوقائع والسلوكات. ومع ذلك، استمر صن في جعل ما هو عقلي أمراً أساسيا في مشروعه للعدالة. فهو لا يهرب من التنظير لفكرة العدالة، وإنما يحاول تفادي الانغلاق في نسق حديدي مغلق.
ومما يدل على ما قلناه أن العدالة لا تظهر في كتاباته على هيئة مفهوم منسجم ومتماسك، وإنما على شكل فكرة إشكالية جامعة بين جملة من المتضادات، كالمساواة والاختلاف، النفعية والغيرية، الحرية والحتمية. ولعل هذا الطابع الإشكالي لفكرة العدالة كان بسبب اقتران العدالة بالإنصاف، ذلك أن الإنصاف وإن كان لا يوزِّع الحقوق، أي المصالح والمنافع بين الأفراد والفئات والجماعات بحسب مرتبتهم الاجتماعية أو الدينية أو السياسية أو الثقافية، وإنما بحسب مجهودهم وبذلهم وعطائهم، فإنه (الإنصاف) مع ذلك ينطوي على قدر كبير من اللامساواة التي تعارض مبدء المساواة في العدالة. فالإنصاف ينشد تحقيق التكافؤ في معاملة الناس دون الإحالة على حيثياتهم العرقية والثقافية واللغوية والطبقية، إلا أنه يمارس قدراً من اللامساواة والميز فيما يخص مكافأة الناس حسب مجهودهم وعطائهم ومقدرتهم ومهارتهم التي تختلف من فرد لآخر ومن جماعة لأخرى.
ونفس الإشكال الذي وقفنا عليه بالنسبة للجمع بين المساواة والاختلاف (اللامساواة)، يمكن الوقوف عليه بالنسبة لجمع العدالة بين النفعية والغيرية. فالعدالة تدفع الناس إلى البحث عن مصالحهم دون المساس بمصالح غيرهم سواء كانوا أفراداً أو جماعات أو دولة. ومع ذلك، فإن البحث عن المنفعة الشخصية لا ينبغي أن يتحول إلى أنانية، بل يتعين أن يتحول البحث عن المنفعة الشخصية إلى غيرية. والمفارقة ستكون أوضح بالنسبة لجمع العدالة بين الحرية والحتمية الاجتماعية والتاريخية والنفسية، فالفرد أو الجماعة حرة بقدر مراعاتها لإكراهات المجتمع وآليات تنزيله للمبادئ على أرض الواقع

.
…… التتمة في العدد

 

العدالةُ بما هي رهانٌ عمومي
«أمارتيا صن» ضد «جون رولز»
نبيل فازيو

رغم أن مدار فكر أمارتيا صن كان على مفهوم العدالة، فإن الملاحظ على متنه شساعة المساحات المفهومية التي جعلها أرضية عليها أقام تصوره للعدالة؛ فهو لا ينظر إلى العدالة إلا من وراء حجاب مفاهيم مساحلةٍ لها؛ من قبيل مفهوم الخير والحق والديمقراطية والحرية. فليس من باب الصدفة، والحال هاته، أن يأتي تعريفه للعدالة بالسلب، إذ إن الذي حمله على انتهاج هذا النحو في العريف وعيُه بتباهت ملامح مفهوم العدالة وذوبانه في ثنايا غيره من المفاهيم السياسية. فهو لم يرد لكتابه أن يكون مصنفاً في نظرية العدالة ولا في مفهومها، بل فقط في فكرتها؛ أي في ما يتناسل من تجربتنا المعيشة معها، بعيداً عما تُلحقه بها النظرية والمفهوم من أَمْثَلَةٍ. لذلك كان عليه أن يسحضر هاجس فكرة «العمومي» أثناء تحليله لفكرة العدالة، وهو الذي أرادها أن تكون محاربةً للجَوْر(1) ومقاومةً لأسباب الفقر والعَوَزِ في العالم. من المؤكد أنه لم يُفرد في كتابه العمدة (في العدالة) فصلاً للنظر في ماهية فكرة العمومي(2) على نحو ما نجده عند هابرماس(3) أو فرايزر(4)، بيد أن ذلك لا يمنع، في اعتقادي، من اشتقاق تمثله للفكرة تلك انطلاقاً من تصوره للعدالة، خاصةً في ضوء وصلها بمفهوم الديمقراطية والحرية. إذ يدرك المهتمون بمتن صن متانة الصلة التي أقامها بين هذه المفاهيم الثلاثة، وهو الذي أراد للديمقراطية أن تكون تدبيراً للشأن العام باعتماد النقاش العمومي. الأمر الذي جعل مقاربته لسؤال العدالة مشدودةً إلى الحاجة إلى النقاش العمومي وما يستلزمه من تقعيدٍ لفكرة الوجود العمومي للعقل والإنسان.
ولعلّ ما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن الحديث عن فكرة العدالة لا يستقيم في خطاب صن دونما انتباهٍ إلى المشارب والروافد الغزيرة التي نَهَلَ منها تصوره لهذا المفهوم. فالرجل، وعلاوةً عن كونه واحداً من جهابذة الفكر الاقتصادي المعاصر(5)، انخرط في استشكال سؤال العدالة في جوٍ فكريٍ هيمن عليه نقد جون رولز لتصور كل من النزعتين الحدسية والبراغماتية لمفهوم العدالة، وذلك في إطار بلورته لنظريته الخاصة في الموضوع، والتي أرسى قواعدها على مفهوم الإنصاف كما هو معلوم. عبَر هذا السجال، الذي اتصف بعمقٍ في النظر إلى المفهوم والقدرة على اجتذاب جَمْهَرةٍ من كبار رموز الفلسفة المعاصرة، من أمثال هابرماس ورولز ورورتي ودريدا وريكور وساندل(6)، عن وعيٍ رفيعٍ بالحاجة إلى التأسيس لسؤال العدالة، من حيث كونُه سؤالاً محدداً للكينونة الإنسانية. وقد تجلى ذلك أولاً في السعي إلى تحديد الإطار النظري المعقول الذي يتيح تفكيك مفهومها وبلورة نمطٍ مناسبٍ من الاستدلال والإقناع من شأنه أن يفيدنا في الوقوف عند التصور الأمثل لها، في ضوء البحث عن حلٍ لجل إعضالاتها النظرية والواقعية(7). وتجلى ثانياً في أن النقاش ذاك أثبت قدرة الفكر الفلسفي على الإنصات لراهنه والتفكير في سؤاله، الذي تبدى هذه المرة في صورة اهتمامٍ بالعدالة بلغ حد الهَوَسِ، بحسبانها القضية المحورية في زمن ما بعد الحداثة الذي في ترتبته أينعت معالم رؤية جديدة للسياسة قوامها تسليط الضوء على الشرط العمومي للوجود السياسي للإنسان. كيف ارتبط التفكير في العدالة بفكرة العمومية؟ ما هي مفارقات العدالة ورهاناتها بما هي قضية عمومية وسياسية؟ وكيف تبدت الحاجة، في فكر صن ورولز، إلى فكرة العمومية كضامنة لوجود العدالة؟
I. في نقد رولز
اتسمت أعمال رولز حول مفهوم العدالة بطابعها التأسيسي الذي مكَّنه من الارتفاع بسؤالها إلى مستوى النظرية التي نَهَلَ من روافد فكرية متعددةٍ ومختلفةٍ في سبيل بلورتها(8). وهو ما جعل من أطروحته مرتكزاً لكل من أوكل إلى نفسه مهمة الانخراط في النقاش المسْتَعِر حول العدالة في الولايات المتحدة وأوروبا على الأقل(9). ليس مرد هذه المكانة الشرفية التي تبوأها رولز إلى العَوَزِ النظري الذي هيمن على مفهوم العدالة إبان عقد هذا المفكر لمصنفه حولها كما اعتقد بعض الباحثين(10)، بقدر ما إن التفكير في إعادة التأسيس للعدالة أينع في ضوء قناعةٍ بالمنزلقات والمفارقات الكثيرة التي تقود إليها التصورات الفلسفية التي استتب لها أمرُ احتكارِ القولِ في العدالة قُبَيل تقديم رولز لنظريته، وخاصةً منها التصور الذرائعي الذي استمد رؤيته الفلسفية من الفكر البراغماتي والذرائعي السائد في الثقافة الأمريكية. يعترف صن بالقيمة الفكرية لنظرية رولز، ولا ينفك ينبّه قارئه إلى المنعطف الكبير الذي أحدثته النظريته في تاريخ الفكر السياسي والأخلاقي(11). بل إنه لم يتحرّج من الاعتراف بأن أطروحة هذا الفيلسوف ستشكل المنطلق والقاعدة النظرية التي عليها ستتأسس نظريته(12)، أو لنقل فكرته عن العدالة. لذلك فإن نقد كتاب (نظرية العدالة) في خطاب صن لا يعني أبداً هدم وجة نظره أو تقويضها، بقدر ما يشي بمحاولةٍ جديةٍ لاستثمار مكتسباتها والتنبيه على المغالطات التي ما فتئت تعتورها، في أفق شق دروب نظرية جديدة أمامها.
وإذا كان لقاء صن بـ رولز قد تمّ في مناسباتٍ عديدة؛ من قبيل نقد التصور الذرائعي والنزعة الجماعاتية(13)، وكذا على مستوى أكثر من مفهوم، فإن مفهوم الإنصاف مثل مجال هذا اللقاء بحكم أنه يبقى العمدة في رؤية رولز إلى العدالة. نقرأ لـ صن في هذا المقام قوله؛ «إن إسهامات رولز الكبرى في فكرتيْ الإنصاف والعدالة تستحق التنويه؛ غير أنني بينت أن في نظريته عن العدالة أفكاراً تستلزم فحصاً نقدياً، بل وتغييراً كذلك. لقد وضّح لنا جيداً تحليلَه للإنصاف وللعدالة، وللمؤسسات والسلوك، وكذا لفهمِنا للعدالة. كما أن تحليله ذاك لعب، وما يزال، دوراً تأسيسياً في بناء نظرية العدالة. بيد أنه ليس من الصواب أن نجعل عالم تفكير رولز نقطة نهاية فكرية. يجب علينا أن نستثمر غنى أفكاره ومواصلة عمله، عوض الاكتفاء بمكاسبها»(14). يحدد هذا القول إذن، الموقف النقدي الإيجابي الذي تَمَوْقَعَ فيه صن؛ فهو إذْ يعلن قناعته بفاعلية مفهوم الإنصاف وقدرته على إحداث رجةٍ في مياه الفكر السياسي الآسنة، خاصةً في ضوء العلاقة الجدلية التي أقامها رولز بين الإنصاف ومفهوم الحرية، والتي أفضت إلى التأسيس لرؤيةٍ سياسيةٍ لها انطلاقاً من فكرة الوضعية الأصلية(15)، فإنه يعمل مع ذلك معول النقد لفتح آفاق نظرية أمام تصور نظرية العدالة لمفهوم الإنصاف، وما يتناسل منه من مفاهيم أخرى.
وفي هذا المضمار يمكن للقارئ في أعمال رولز أن يفطن إلى صعوبة إحداث ميزٍ واضح المعالم بين الإنصاف والعدالة في خطابه. ولعلّ مرد ذلك إلى إطنابه في التأكيد على التماهي الجوهري الحاصل بين المفهومين، هذا إن لم يكن الإنصاف شرطاً قبليا لكل تفكير ممكنٍ في العدالة في نظره، حيث يغدو تصور هذه الأخيرة نتيجةً لما رسخ في أذهان الأفراد عن مفهوم الانصاف. يشدد صن بدوره على هذا المعطى، معتبراً أن أي نظر في مشكلة العدالة لا بدّ له أن يتم في اتصالٍ بسؤال الإنصاف(16). لا ينم هذا الموقف، ودرءاً لكل سوء فهمٍ، عن استسهالٍ من صاحبه للطابع الإشكالي الذي يتسم به مفهوم الإنصاف في متن صاحب نظرية العدالة، إذ سرعان ما ينبّه قارئه إلى الصعوبات التي تستوقف كل من ينتدب نفسه لفض شفرات هذا المفهوم ذي الصبغة السياسية. لذلك وجدنا صن ينتهج أسلوب التعريف بالسلب في تحديده لمعنى الإنصاف قائلاً: «[إننا نقصد بالإنصاف] ألا نكون أنانيين في تقديراتنا، وأن نأخذ بعين الاعتبار مصالح الآخرين واهتماماتهم، وسيكون علينا تحديداً أن نتجنب هيمنة مصالحنا وأولوياتنا علينا»(17).
يمكن للباحث أن يلْحظَ كيف أن شرط النزاهة، أو الحياد في تقييم الأوضاع، هو ما يمثل ماهية فكرة العدالة كإنصافٍ في تصور كل من رولز وصن. لذلك فإن هذا الموقف يبقى في حاجةٍ إلى الإجابة عن السؤال التالي: كيف يمكن لمثل هذه الوضعية المحكومة بالإنصاف أن تظهر في كنف الصراعات التي تطفو على سطح الحياة الاجتماعية والسياسية، والتي تغلب عليها وضعية الجَوْر (اللاعدالة) وغياب الإنصاف؟ أو بصيغة تساؤلية أكثر اتساعاً نقول: هل من المشروع الحديث عن وضعيةٍ تأسيسيةٍ لحالة العدالة المنصِفة رغم كل المؤشرات، الغزيرة والقوية، على غياب العدالة والإنصاف بسبب الشرط الاجتماعي الحاكم للعدالة كممارسةٍ يوميةٍ معيشة، والذي بمقتضاه يكون معظم الناس غافلين عن المصالح المشتركة بينهم، بحكم سعي كل واحد منهم إلى تحقيق مصلحته الشخصية؟
للخروج من هذا المأزق النظري وظَّف رولز مفهوم «الوضعية الأصلية» الذي مكَّنه من افتراض حالةٍ ابتدائيةٍ يغلب فيها على كل الفاعلين الوعيُ بموقعهم ضمن المجتمع ككلٍ ناظمٍ لمختلف المصالح الفردية. يقول صن معرّفاً هذه الوضعية: «إنها وضعية أولية ومتصورة تهيمن عليها المساواة، يكون الفاعلون فيها غافلين عن هويتهم الخاصة وكذا عن المصالح المشتركة الواجب احترامُها في كنف المجتمع»(18). يتعلق الأمر إذن، وتوخياً للدقة، بوضعيةٍ افتراضيةٍ يستوي أمرُها على مقتضى المساواة في الحرية والاختيارات بين جميع الأطراف، فالمساواة تتعلق هنا بحرية كل فردٍ في الاختيار الذي يستجيب لمصالحه في ضوء جهلٍ (مفترض على الأقل) بقواعد اللعبة التي تدير كل العلاقات المتصورة بين الأفراد(19). يشدد رولز في كتابه (نظرية العدالة) على شرط الغفلة المؤسِسة (أو الجهل) في تحديد التقاسيم العامة لمبادئ العدالة التي تنبثق من وضعية الغفْلةِ تلك، والتي يكون عليها أن تُسهم بشكلٍ جوهري في تحديد شكل المؤسسات القادرة على الإدارة الجيدة للمجتمع الذي وجدت فيه(20). هكذا تتحدد طبيعة الوضعية الافتراضية انطلاقاً من التضارب العفوي والطبيعي بين مصالح الأفراد، بل إنها تضمن تكافؤ الفرص بين الأفراد وعدم تفضيل أحدهم على الآخر، وهو ما يعني أن قيمة حجاب الغفلة تكمن في قدرته على قيادة الأفراد على نحوٍ عفوي لاختيار المبادئ العامة لفكرتهم عن العدالة(21). كما أنها فرضية تُسعفنا بفهم أوضح للحاجة إلى عملية التبرير بحسبانها ضمانةً عموميةً لمبادئ العدالة(22). وسيكون على نظرية العدالة أن تضفي نوعاً من المعقولية على تلك الوضعية بأن تكشف عن الكيفية التي تتناسل بها تصورات الأفراد عن العدالة انطلاقا من وضعيتهم الأصيلة ومعاناتهم اليومية مع محددات العدالة ورهاناتها.
نتبين في أعقاب ما تقدم كيف أن فكرة الإنصاف سرعان ما انفلتت من شرنقتها التأملية لتهوي في مجال السياسة وتدبير المجتمع، لذلك لم يتردد رولز في وصف نظريته، ومنذ سنة 1993، بأنها تصورٌ سياسيٌ للعدالة(23)؛ إذ إن الأفق الذي يَستشكِل في ضوئه سؤالَ العدالة عامةً هو أفقُ السياسةِ والاجتماع الذي ينأى برؤيته عن جل المقاربات التأملية المتعالية للوجود الإنساني، الأمر الذي يفسّر لنا امتعاض الرجل من التأويلات التأملية والنظرية التي نُسبت إلى نظريته. كما أننا نفهم في ضوء هذا التوجه سبب الحاح رولز على مراجعة التصور الكانطي للذات الأخلاقية المتعالية وعمله على بتره من سياقه الميتافيزيقي(24). وضداً على هذه المقاربات المتعالية لفكرة العدالة، ذهب الفيلسوف الأمريكي إلى القول، إن ما يهمه من نظره في العدالة هو تحديد الوظيفة العاجلة التي يجب على الفكر السياسي النهوض بها25). هذا رغم صلته الوثيقة بأبرز النظريات الفلسفية وعلى رأسها تلك التي نحت فلاسفة العقد الاجتماعي ملامحها.
ههنا يمكن أن نلاحظ أن رولز، وفي مضمار إنشائه لمفهوم «البنية القاعدية»، حافظ على بعض تقاسيم نظرية العقد الاجتماعي، وذلك بأن أبقى على إمكانية التوصل إلى اتفاقٍ مبدئيٍ حول الخلافات السياسية الكبرى شريطة أن نأخذ في الحسبان تصور الأفراد، المنتمين إلى مجتمعٍ بعينه(26) للعدالة(27)، وهو التصور الذي يجب أن يتسم بأدنى قدر ممكن من المعقولية. إن أهمية توفر الفاعلين على مثل هذا التصور إنما مرده إلى ما يتيح لهم ذلك من فرصٍ لفتح نقاشٍ عموميٍ للنظر في شأن القضايا السياسية البارزة، ويخص فيلسوفنا بالذكر ما تعلق منها بالأسئلة المؤسساتية ذات الصلة بالعدالة(28). لا يعني هذا أبدا أن الاختلاف(29)، بما هو تباين في المواقف، ومن حيثُ هو مبدأ مؤسسٌ، لا محل له ضمن هذا التصور التعاقدي؛ إذ يبقى من المنتظر أن تطفح على سطح الحياة الاجتماعية اختلافاتٌ في شأن قضايا ذات صلة بالاجتماع من قبيل الدين والعرْق والعقيدة والأخلاقيات العامة والحق والتباين الطبقي.. الخ، بيد أن النقاش العمومي يبقى قادراً على صهر العوائق التي تحول دون تقديم تنازلاتٍ من طرف كل الأفراد حول هذه القضية أو تلك في نظر رولز. من هنا تنبع أهمية الفضاء العمومي؛ إذ بفضله يحقق الأفراد شرط وجودهم السياسي بأن ينخرطوا في المناقشة الحرة لكل القضايا المتعلقة بمجتمعهم، مما يأذن لهم بتحقيق القدر الضروري من العدالة والإنصاف بين مواقفهم المختلفة. لذلك يمكن القول إن النقاش العمومي آلية لضمان الوحدة والاختلاف في الآن ذاته؛ فهو يضمن الوحدة بصهر التباينات في المواقف معتداً بالإقناع والتبرير وخلق المقبولية أمام المواقف المتداول في شأنها(30)، وما ينشأ عنه من توحيد تمثلات الأفراد عن العدالة والخير العام، في الآن ذاته الذي يضمن الاختلاف بين الناس عندما يراهن على حقهم في الدفاع عن آرائهم وتبريرها.
لا يكتسب وجود الأفراد بعده السياسي إلا من خلال قدرتهم على الاختيار الحر، ولعل الحيز الأكبر من أهمية نظرية العدالة يتجلى في ربطها انتقاء مبادئ العدالة وأسسها بتلك الاختيارات العفوية التي يُقْدِم عليها الأفراد وهم في وضعية الغفْلة. وهو الأمر الذي يلقي بظلاله على البعد المؤسساتي للمجتمع، وذلك بحكم أن الموقف العام من العدالة(31)، هو الذي يوجه اشتغال المؤسسات السياسية في نظر رولز(32). لذلك سيكون شأناً في باب الادّعاء، القول إن وضعية الغفلة المؤسسة من شأنها أن تقود بالضرورة نحو تصور فرداني وأناني للأفراد في علاقتهم بالمجتمع، إذ إن الذي يهم رولز هو أثر تصوراتهم العفوية للعدالة في توجيه المؤسسات المجتمعية والسياسية. إذ يكفي المرء أن يفطن إلى العلاقة الجدلية التي تجمع بين مبدأيْ الإنصاف عند رولز ليقف عند الجهد الذي بذله في سبيل تجنّب مثل هذا المآل الفرداني والأناني لنظريته في العدالة. يتعلق الأمر بمحاولة لوضع أُسس تمكِّن الإنصاف من الجمع بين الحقوق الأساسية والحريات الضرورية المشتركة في الوضعية الأصلية من جهة، وبمحاولة لتبرير التباينات الاجتماعية التي يمكنها أن تهدد وحدة تلك الحقوق والحريات من جهة ثانية. يحدد صاحب نظرية العدالة هذين المبدأين وفق الصيغة التالية؛
ـ لكل فرد الحق في الحصول على الحريات الأساسية على نحوٍ متساوٍ مع غيره.
ـ هناك شرطان أساسيان يجب على التباينات الاجتماعية أن تستجيب لهما إنْ هي أرادت أن تحظى بقدرٍ معقولٍ من المشروعية؛ أولهما الحاجة إلى تعميم الاستفادة من كافة الفرص على جميع الأفراد، وثانيهما تمكين الفئات الأكثر تهميشاً من الاستفادة بدورها من عائدات وخيرات تلك الفوارق.(33)
يَحْسُن بنا بدايةً، أن ننتبّه إلى المكانة الشرفية التي تتبوؤها الحرية ضمن هذا التصور حسب صن؛ إذ إن صاحبه أبى إلا أن ينأى بها عن اعتبارها مجرد وسيلة، من بين وسائل أخرى، يمكن الاعتداد بها لتحقيق مصالح شخصية(34)، وهو ما ينأى بتصور رولز عن المواقف الذرائعية التي عمل على انتقادها. كما يجب أن نفطن إلى جملة الصعوبات المؤسساتية التي تمكنت نظرية رولز من التخفيف من حدتها؛ وبيانه أن تشديد المبدء الثاني على حاجة العدالة إلى الانفتاح على فكرة تكافئ الفرص، إنما عبر عن حاجة مؤسساتية لا يمكن تجاهلها في أي مجتمع، إذ من شأن ذلك أن يوقع في إخراج شرط المواطنة من سياقه السياسي ليغدو محكوماً بأولويات لا سياسية؛ كالعرق أو الدين أو الثقافة.. الخ.
تتيح هذه النظرية إذن تعميم الاستفادة من الخيرات الأولية على الجميع، وهو ما يعني أن الإنصاف يتضمن تكافؤ الفرص بالضرورة. بيد أن المأزق الذي يستوقف تصور رولز في هذا المضمار هو أن الحرية تعتبر بدورها، وبجهة من الجهات، من جملة تلك الخيرات الأساسية التي يجب على الجميع الاستفادة منها، الأمر الذي يهبط بها إلى منزلة الوسيلة التي أطنب الفيلسوف الأمريكي في القول إنها مجافية لأهمية الحرية(35) ومقامها. وهو ما فطن إليه صن في تعليقه على مبادئ رولز، إذ يَلْحظ أن هذا الأخير يحشر الحرية ضمن الخيرات الأولية، كما أنه ينبه على جملة الاعتبارات الحقوقية التي لا يحتفل بها دون سبب يذكر، رغم علاقتها البينة بمسألة العدالة، والتي يبقى من بينها تصور الرجل لموقع الأفراد في الاتفاق التأسيسي الذي يحدد مستقبل العدالة بينهم، والذي أراد له صاحبه أن يكون نقطة الانطلاق بإطلاق في التأسيس للعدالة، وهو أمر صعب التحقق بحكم التباينات والفوارق التي يخضع لها الوجود الاجتماعي.
تكاد هذه المعطيات أن تلخص تمثل صن لنظرية رولز، ويبقى القول إن رؤيته هاته أسعفتْ البحث في مجال الفكر السياسي والفلسفة الأخلاقية بحلٍ لكثيرٍ من القضايا التي ظلت عالقةً، وذلك بأن ضخَّت جملةً من المفاهيم الإجرائية في مجال فهم العدالة، يبقى على رأسها مفهوم الإنصاف الذي أعاد ترتيب أوضاع العدالة بأن فتح أمام تصوّرها آفاق التوزيع العادل وكشف عن شرط الحياد كمحددٍ قَبْلي لفهم الأفراد لها. أضف إلى ذلك الدور الكبير الذي لعبه الاعتداد بمفهوم الموضوعية في التنبّه إلى الحاجة لفكرة نقاشٍ عموميٍ حرّ وواعٍ حول العدالة، مادام أن تحصيل وعي بالموضوعية من شأنه أن يقود الأفراد إلى التفكير حتماً في سؤال العقلانية الذي غالباً ما استوقف التأسيس للمجتمع العادل؛ إذ يقتضي ذلك التفكير في مدى عقلانية الأفراد واختياراتهم في حياتهم اليومية، وعلاقة ذلك بتمثل كل واحد منهم للخير العمومي، وكذا بالآليات التي يتوسّلون بها لتحقيق هذا الخير.
وسيكون شأناً في باب الاعتراف القولُ إن طرْح هذا الضرب من الأسئلة ليس غرضه جرّ التفكير في العدالة إلى أفقٍ نظريٍ مجردٍ أو مثاليٍ لا يَأْبه بالشروط الاجتماعية والتاريخية لتشكلها، ولعلنا نجد في تمييز رولز بين مفهوميْ (العقلاني) و(المعقول) ما نعضد به هذا الاستنتاج، إذ سرعان ما يلقي هذا التمييز بظلاله على فهم الرجل للحرية التي تتبوأ في كتاباته مقام الصدارة. ورغم الغموض النسبي الذي يكتنف موقفه بشأن ما إذا كانت الحرية من جملة الخيرات الأولية (الضرورية) التي يمكن تحويلها إلى وسائل، أم إنها تتنطع من شرنقة النظرة الآداتية لها، فإن الثابت في نهاية المطاف أن فيلسوفنا يوكل إليها مهام أخرى على علاقة بما هو شخصي وفردي. حينها تغدو الحرية علامة على طبيعة العلاقة بين المجال العمومي والمجال الخاص(36)، وهي بذلك تكشف لنا عن مقدار إنصاف الكل في ما يتعلق بحرياتهم الشخصية وانفتاحهم على الفضاء العمومي حسب صن(37)؛ إذ بمقدار ما يغدو التفكير في الحرية تفكيراً في حدودها وفاعليتها العمومية، فإنها تصبح كذلك علامةً فارقةً على ما يطالُ الذات من رقي وانفتاح يسعفانها بالصيرورة كياناً سياسياً وعمومياً كذلك(38). ولعلّ هذا الحس السياسي الذي يخرج من جوف الوعي بالحرية هو ما يقف وراء سهم رولز في تنبيه العلوم الاجتماعية إلى مسألة غياب التكافؤ التي نضجت في متنه، وذلك في سياق تحليله لمفهوم التباين الذي اتخذ صورة مبدء أساسي من مبادئ العدالة المنصفة، وذلك بأن نبّه على خطورة أن تهوي العدالة إلى دِرْك حالة الجور والظلم. ولعلّه من الجدير بالذكر أن تعريف صن للعدالة بأنها دفع للجور ومظاهر الحيف لم يكن بالأمر الجديد على رولز، إذ سبق وأن بسَّط القول في هذا الضرب من العدالة في أعقاب تعليقه على تصور أرسطو للموضوع.(39)
بيد أن أهمية هذه النظرية ليست تنحصر في ما أفادت به الفلسفة السياسية فقط، بل إنها تشمل الآفاق النظرية التي أتاحتْها مساجلتُها من طرف العديد من الفلاسفة، والتي ركزت على إظهار الثغرات التي تَعْتَوِر تصور رولز. يميز صن في هذه الأخيرة بين ضربين؛ ثغرات يمكن تشذيبها لتجد مكانتها المنطقية ضمن عناصر النظرية، وأخرى سيكون من الضروري اعتبارها مظاهر أزمة تشي بإمكانيات مجاوزة نظرية العدالة. كيف ذلك؟
نبادر أولاً إلى التنبيه إلى بعض الأمور التي يمكن إعادة موقعتها ضمن نسق رولز في نظر صن، من قبيل مغالاته غير المبررة في الإعلاء من شأن الحرية قياساً بغيرها من الأولويات الضرورية(40)، وكذا تشديده على أسبقية التوزيع العادل للثروات الذي أفضى إلى عدم إعطاء القدرات الشخصية للفرد قيمتها الحقيقية. ويمكن أن نلاحظ أن السير بهاتين القضيتين صوب تصور صن لا يقود بالضرورة إلى خلخلة نظرية رولز، بقدر ما يعطيها قوة إجرائية أوسع وأشمل. بيد أنه سيكون من باب الاعتراف القول إن أمورا كثيرة أعرض صن عن ذكرها من شأنها أن تفيد نظرية العدالة في أن تصير أكثر دقة وعمقاً، من قبيل موقفها من التصور الذرائعي الذي لم يكن مجرد عناد، بل إنه أتى ليعبر عن رغبه صاحبها في استيعاب مكتسباته والتنبيه إلى أن هذه النزعة تنتهي إلى إهمال الشخص رغم إعلانها أنها تراهن على مصلحته.(41)
في مقابل ذلك، يرصد الفيلسوف الهندي عدداً من النِقاط التي تعبر عن مأزق فعلي من شأنه أن يحمل الفكر السياسي على مجاوزة نظرية رولز، يذكر لنا من بينها مغالاة صاحبها في الإعلاء من شأن دور المؤسسات في تجسيد العدالة وتحديد معناها(42)، الأمر الذي يحجب عنا الدور الفعال الذي يؤديه سلوك الأفراد في نحت معنى هذا المفهوم. وبيانه أن السعي وراء وضع مبادئ للعدالة لا يعني أبداً وضع اليد على وجودها الواقعي من جهة، ولا على تمثل الأفراد لها من جهة ثانية. لذلك فإن السؤال المطروح لا ينحصر في اختيار المبادئ العقلانية للعدالة وتمثل الأفراد لها وكذا المؤسسات المتولدة عنها، بل يجب عليه أن يمتد إلى التفكير في كيفية «اشتغال المؤسسات التي تم اختيارها في عالمٍ قد لا يتطابق فيه دائما السلوك الواقعي لكل فرد مع السلوك العقلاني المأمول في تحقيقه»(43). إن هذه الرؤية العقلانية المفارقة تجد جذورها، في نظر صن، في كون رولز ظل يبحث عن التعاقد الاجتماعي الأمثل الذي يمكن للجميع أن يتقبله، على الأقل في ما يتعلق بالوضعية التأسيسية أو الأصلية. وذلك في مقابل التصور الذرائعي الذي عمل صاحب نظرية العدالة على إظهار تعارضه مع التصور التعاقدي. ولعلّ إلحاح هذا الأخير على الاختيار التعاقدي، وكذا على تطعيمه بمبادئ الفلسفة الأخلاقية الكانطية(44)، هو ما يقف وراء النتائج العقلانية التي انتهت إليها نظريته في العدالة خاصة تحت وطأة عنادها للتصورات الذرائعية، فكان من الطبيعي أن ينتبه نقاده إلى ضرورة إخراج النظرية من أفقها العقلاني واستثمار مكتسبات التصورات المنافسة لها، قصد تمكينها من التعبير، على نحوٍ أكثر دقة، عن جدلية العدالة. صحيح أن الفيلسوف يقر في كتابه بأن «كل شخصٍ يجد نفسه متموقعاً منذ الولادة في وضعية وفي مجتمع معينين» وبأن «طبيعة هذه الوضعية تؤثر على نحوٍ ملموسٍ في إدراكه للحياة»(45)، بيد أن هذا الاستدراك لا يشفع لنظريته طابعها المثالي والعقلاني في نظر صن.(46)
لم يكن السقوط في نزعةٍ مثاليةٍ فاقعةٍ المآلَ السلبي الوحيد الذي أنتهى إليه رولز جرّاء عناده للنزعة الذرائعية وانبهاره بجاذبية التعاقد، إذ يلاحظ صن أنه أغفل كذلك استثمار بعض المقاربات التي لا تقل أهميةً عن التصور التعاقدي والذرائعي. وهو يشير تحديداً إلى تصور آدم سميث الذي نضج في سياق لجوئه لآلية الملاحظ المحايد من أجل تعميق النظر في مسألة الإنصاف وفي العدالة من حيث هي الفضيلة الضامنة لتوازن المجتمع(47). إن هذا النموذج لا يصدر عن مسلّمات أية واحدةٍ من المقاربتين، وهو ما يفسر لنا قدرته على فتح آفاق أمام التنظير للعدالة والإنصاف معاً. الأمر الذي يؤهله إلى تحقيق أمور تقع خارج آفاق مقاربة العقد الاجتماعي. يذكر صن من بين ذلك قدرته على إعمال مقاربات مقارنة عوض الاكتفاء بتقديم حلول متعالية(48)، خاصةً وأن الملاحظ المحايد يفترض مسبقاً القدرة على الانفتاح على موقع الغير وإعمال المخيلة قصد التموقع فيه؛ إنه موقف يقتضي مقارنةً مستمرةً تخرج الذات من شرنقتها لتزج بها في عالم الآخر كما لاحظ أرنستو سانتشيز(49).
علاوةً على ذلك، يرصد صن اعتماد هذا التصور على الموقف والمعطيات الاجتماعية بدل الاكتفاء بالإكراهات المؤسساتية والقانونية، الأمر الذي يتيح لنا إمكانية التفكير في العدالة انطلاقاً من السعي إلى تبديد الجور (اللاعدالة)(50). هذا بالإضافة إلى إمكانية الانفتاح على مواقف الأشخاص البرانيين عن الجماعة التعاقدية من أجل استشراف معالم عدالةٍ موسعةٍ أو عالميةٍ، خلافاً لما ذهب إليه رولز، رغم رهانه على كونية العدالة. والسبب في ذلك، حسب صن، أن مسلمات الوضعية الأصيلة لم يكن لها إلا أن تقود إلى حصر امتداد العدالة في الأفراد المشمولين بالتعاقد الأصلي. وهو ما يرفضه لما لمسَ فيه من ضيقِ الأفقِ والسقوط في نزعة جهوية وخصوصية. إذ يؤكد، في مقابل ذلك، أن أي حديثٍ عن العدالة داخل هذا بلد أو ذاك لا بدّ أن يجرنا إلى الخروج عن حدوده، وذلك قصد توسيع دائرة التفكير في العدالة بخوض مجازفة المقارنة بين وضعيات مختلفة لها. أما مرد ذلك فإلى سببين في نظر الفيلسوف الهندي؛ أولهما أن كل بلدٍ يمكنه أن يؤثر في غيره من حيث كيفية اشتغال مؤسساته السياسية، وهو ما يتبدى جلياً من حدثٍ (كغزو العراق) أو محاربة الإرهاب وما كان لهما من تأثير في التصور العالمي لمعايير العدالة والحق(51). وثانيهما يتعلق بقدرة الآخر على التأثير في المعايير والقيم الأخلاقية بالنسبة إلى كل كيان سياسي. لذلك قد يكون النقاش العمومي المنفتح على آفاق كونية أفيد من الاكتفاء بنقاشٍ ذي بُعدٍ محليٍ مقتصر على أصحاب الوضعية الأصلية، وهو العيب الذي ظل يسكن مقاربة رولز للعدالة، إذ سرعان ما هَوَتْ في رؤيةٍ ضيقةٍ جعلتْ من العدالة مسألةً جهويةً ومخصوصةً في أحيان كثيرة. ولئن كان من الصعب اتهام رولز بجهوية مقاربته، وهو الذي ظل مهووساً بتشييد نظريةٍ للعدالة شاملة، فإن الحديث عن كونية العدالة لا يخلو هو الآخر من مفارقات لم يعرها صن اهتمامها الذي تستحق في تقدري؛ إذ العدالةُ ليستْ مجرد فكرة يمكن أن نُأقلمها دون أن تتلون بخصائص المجال الذي ولجت إليه، بل إن صلاحيتها تتحدد بمدى قدرتها على تطويع مقتضيات ذلك المجال وشروطه واستيعاب مفارقاتها وجدليتها كذلك(52). ولعلّ الأمر يغدو أوضح عندما نربط فكرة العدالة بالحق كمحدد واقعي لها، وخاصة ما تعلق منه بتداخله مع الأعراف السائدة في كل بلد، والتي تصبح بمثابة مقولات قبلية محددة للعدالة.
يتعلق الأمر إذن بمحاولةٍ لمجاوزة أفق نظرية العدالة وأساسها التعاقدي نحو أرضية يمكن للعدالة أن تصير فيها فكرةً مجسدةً في قدرتنا على مواجهة الجوْر ومظاهر الحيف في المجتمع. لذلك يمكن أن نتفهم اعتقاد البعض أن الخلاف بين رولز وصن كان في عمقه تعبيراً عن الخلاف بين مرجعيتين متباينتيين في النظر إلى الاجتماع والسياسة؛ مرجعية فكر التعاقد في تأويلها الكانطي، ومرجعية الملاحظ المحايد كما قدمها آدم سميث(53)، بيد أن في هذا القول مبالغة كثيرة في نظري، بحكم أن رولز لا يُعرض تماماً عن فكرة الملاحظ المحايد، وإنْ كان يُشهر سلاح النقد في وجهها منذ مطلع كتابه (نظرية العدالة)(54)، إذ يؤاخذ عليها عملها على اسقاط اختيارات شخص واحد على المجتمع برمته، وقد شكل ذلك بالنسبة إليه ماهية النزعة الذرائعية(55). لذلك فإن اختزال مقاربة رولز لفكر آدم سميت في محاولة لإبداله بالموقف الكانطي لا يكفي لإبراز قوة موقفه الفكري الذي اعتمد بدوره على بعض المقدمات الحاكمة لفكر سميت، وخاصة ما تعلق منها بدور المصلحة والمواقف في إنشاء تمثل الأفراد للعدالة.
II. في الحاجة إلى الاختيار الاجتماعي
شكَّل نقد رولز مناسبةً لاستيعاب مفارقاته والانتقال بها إلى مستوى آخر بدا لـ صن أكثر فعالية في فهم جدلية العدالة، وقد أسعفته نظرية الاختيار الاجتماعي بمثل هذه الإمكانية، إذ وجد فيها بديلاً ممكناً عن الآفاق الضيقة التي حصرت فيها أطروحة رولز مفهوم العدالة. تأسست النظرية تلك في القرن الثامن عشر، وقد هيمنت طموحات العقلانية الأنوارية على الجو الفكري الذي أينعت فيه، وتبدّى ذلك في رهانها على إرساء ركائز نظامٍ اجتماعيٍ معقلن، خاصة وأنها نشأت على وقع الرجات العميقة التي خلخلت ثوابت المجتمع الفرنسي بعد ثورته السياسية. رمى منظرو الاختيار الاجتماعي، والذين كان بعضهم من بين وجوه الثورة البارزين كـ كوندرسيه، إلى عَقْلَنَة الحياة الاجتماعية من خلال عقل قانونها الذي بمقتضاه يمكن تجنب الاعتباط وعدم الثبات في الطرق المعتمدة في تحديد مواقف الأفراد واختيارهم الاجتماعي(56)؛ لذلك يمكن القول إن عمل مؤسسي هذه النظرية؛ ارتكز على «بلورة إطار لاتخاذ القرار العقلاني والديمقراطي، الذي يمكننا من أن نأخذ بعين الاعتبار رغبات ومصالح كل أفراد الجماعة»(57). ورغم الانطباعات المتشائمة التي هيمنت على نتائج أصحاب هذه النظرية، فإن جمهرةً من المهتمين بمسألة العدالة في الأزمنة المعاصرة عملت على إحيائها وإعادة الإعتبار إليها، وقد كان من بين هؤلاء كنث أروو Kenneth  Arrow الذي أعطى لنظرية الاختيار الاجتماعي صيغتها المؤسسة والتحليلية، وذلك بعد تشديده على إمكانية تلاؤم كل قرارٍ اجتماعي مع جملةٍ من الشروط القابلة للتطوير، وهذا ما سيصفه هذا الباحث بالقرار أو الاختيار العقلاني.
عبرت هذه الرؤية عن محاولةٍ للرهان على العقل والعقلانية من أجل تحقيق شعارات الأنوار، بيد أن مصيرها لم يحد عن المآل العام الذي كان في انتظار شعارات الأنوار غب اندلاع الحربين العالميتين، إذ نظر إلى مأساة الإنسانية بحسبانها سليلة المقامرة على العقل والعقلانية المتحمسة والمدفوعة بشعارات التنوير. ومهما يكن من أمر، فإن الملاحظ حسب صن هو أن غالبية كبيرة من منظري العدالة رغبتْ عن نظرية الاختيار الاجتماعي بالنظر إلى طابعها العقلاني الفاقع، خاصة وأن ثلةً ممن نحتوا مفاهيمها الأساسية كانوا رياضيي التكوين، فكان من المنتظر حسب خصومها أن تَظهر هوةٌ لا تُجسْر بين المنهج الرياضي المعتمد في تحليلاتها، والواقع الذي تروم فهمه وتغييره(58). كما كان من الطبيعي أن تبدو مواقف فلسفية على قدر أكبر من التعقيد والتجريد، من قبيل ما ألفه كانط وهوبز ورولز في شأن العدالة، أبسطَ وأدق إنْ هي قُورِنَتْ بنظرية الاختيار الاجتماعي(59).
على هذا النحو من النظر يكون فيلسوفنا قد شخَّص أبرز ملامح الرؤية السائدة عن العدالة في الأوساط الفلسفية الأمريكية المعاصرة، والتي تقوم في نظره على أنقاض الاختيار الاجتماعي. بيد أنه يسجل أن رفض النظرية تلك اتخذ في بعض الأحيان صورة عنادٍ مبالغٍ فيه، وكانت من نتائجه أنْ غدت رؤية الفكر السياسي الأمريكي إلى العدالة متعاليةً، وقد أتت أطروحة رولز تعبر عن هذا المنحى المثالي. وضداً على هذا الموقف المتسرع من نظرية الاختيار الاجتماعي، يدعو صن إلى إعادة النظر في مفهوم العدالة انطلاقاً من مقولاتها التأسيسية، الأمر الذي يستدعي في نظره قلب الموقف الرافض لها في ضوء استدعاء مرجعية آدم سميث ومفهومه عن الملاحظ المحايد، صادراً في ذلك عن اعتقاده أن «في نظرية الاختيار الاجتماعي جوانب عديدة من شأنها أن تكون مكمن إفادةٍ كبيرةٍ بالنسبة إلى نظرية العدالة»(60). هكذا سيعمل صن على إعادة الاعتبار لنظرية، غالباً ما اعتبرت غير قادرة على تقديم فهم معقول وجدلي للعدالة، يتساكن فيه الواقع، بما ينضح به من مواقف وتمثلات ومعاناة إزاء العدالة، ومبادئ العقل التي تروم تقديم صورة متعالية عن المجتمع العادل، هذا رغم إقراره المسبق بأن كل مقاربة للعدالة يجب أن تتنكب السقوط في مثل هذه الصورة. لذلك يجد الباحث نفسه مستوقفاً بالسؤال التالي؛ كيف يمكن لمقاربة عقلانية أن تغدو أداة لفهم المجتمع العادل دون السقوط في نزعة متعالية؟
يُعرف صن هذه النظرية قائلاً: «تهتم نظرية الاختيار الاجتماعي، بحسبانها تخصصاً معيارياً، بالأساس العقلاني للأحكام الاجتماعية والقرارات العمومية التي ينبغي أن تجمع بين آراء عديدة. تقدم نتائج هذه النظرية نفسها في شكل ترتيب لمختلف الوضعيات انطلاقاً من (وجهة نظر اجتماعية)، وذلك في ضوء آراء الأفراد المعنيين»، يمكن أن نلمس في ضوء هذا التعريف الفرق الكبير بين هذه المقاربة وتلك التي تبحث عن معيار مثالي للعدالة كالتي قدمها هوبز ورولز ونوزيك. إذ لم يرَ صن في محاولات رولز الرامية إلى الإجابة عن السؤال: ما هو المجتمع العادل؟ غير حضور لنزعةٍ متعالية(61)ٍ، بل ومثاليةٍ، في تضاعيف نظرية هذا الفيلسوف. هذا في حين أن التصور الترسندنتالي للعدالة لا يمكنه أن يفيدنا في الرفع من منسوب العدالة في المجتمع ودرء الجور (اللاعدالة) فيه، بمقدار ما يعمل على صياغة برنامج عمل متعالي عن الهموم التي تحمل الناس على الاهتجاس بسؤال العدالة أصلا، من قبيل التفكير في مسألة المجاعات والفقر والأمية والعنصرية وتهميش النساء والحرمان من التغطية الصحية.. الخ(62). نعم، يمكن القول إن كتابات رولز تنضح باستحضارٍ لمثل هذه الوضعيات الاجتماعية الحرجة، بيد أن صن لا يعتبر ذلك علامةً فارقةً على تحصيل وعي بالكيفية الأنجع لفهمها وتحليلها، مادام أن صاحبها يصدر عن رؤية متعالية. كما أنه لا يكفي تشديد البعض على تضمن هذه الرؤية لمقاربة مقارنة، مادام أن بعضاً من جهابذة هذه النزعة يقرّ بوجود قطيعة بينها وبين النزعة المقارنة في نظر صن.
يمكن القول إذن، وفي ضوء ما تقدم، إن أمارتيا صن، وبموقفه النقدي من النزعة الترسندتالية، استطاع أن يفتح أفق المراجعة الشاملة لتاريخ الفكر السياسي والأخلاقي الحديث وللتقليد الذي ينتمي إليه، والذي ظل ينهل من مختلف روافد تلك النزعة. لذلك يبقى من البين بذاته أن سجال صن مع روادها أتى يعبر عن محاولته الرامية إلى مراجعة واحدةٍ من المسلمات التي ظلّ الفكر السياسي الحديث يصدر عنها في رؤيته إلى مفهوم العدالة، وتبقى مسلمة المقاربة المتعالية من أظهرها؛ إذ تستمد شرعيتها من اعتبارها مسلمة كافية وضرورية للوصول إلى فهم معقول لمفهوم العدالة. فهي كافيةٌ، في نظر أصحابها، لأنها لا تستدعي غيرها من الأفكار والمسلمات في بلورة هذا مفهوم، وهي ضروريةٌ لأن هذا الأخير ليس من شأنه أن يكون من دونها، فهي مقوم من مقوماته الذاتية(63). بيد أن قراءةً متأنيةً ونقديةً لهاتين الفرضيتين (الضرورة والكفاية) من شأنها أن تكشف لنا، حسب صن، عن الضعف الذي يعتَوِر التصور الذي يقوم عليها. كيف ذلك؟
نبدأ أولاً بالنظر في صفة الكفاية التي تؤسس للنزعة الترنسندتالية، إذ يبادر صن إلى القول إن ثمة بعض الفروقِ، التي تظهرُ بين وضعيات الأفراد في المجتمعِ، لا يمكن لآليات هذه النزعة أن تدركها(64). لذلك، ورغم اعتمادها على طريقة مقارنة الاختلافات والفوارق، ورغم تحقيقها بعض النتائج الجزئية، فإنها ظلّت عاجزة عن تقديم فهم معقول لكيفية التعامل مع التباينات الاجتماعية التي يصدر عنها الأفراد في وعيهم بالعدالة. وقد كانت تلك حال نظرية رولز التي ارتكزت على فرضية التعاقد التأسيسي ورامت إعمال منهاج لفك شفرات العدالة الاجتماعية في بعدها التوزيعي المرتبط بتوزيع الخيرات، بيد أن هذه المناهج كانت وما تزال سليلة التصور المقارن للعدالة، وهي بذلك مجافيةٌ لروح المقاربة المتعالية التي صدر عنها رولز(65). إن هذه الأخيرة كانت تتغيا تحديد المجتمع الأعدل بإطلاق، مما يجعلها تلهث قسراً وراء مجتمع مثالي الذي لا مكان له في عالم الناس الذي تخضع فيه العدالة للنسبية والتفاضل، لذلك فإن النظرية الأفْيَد في هذا الباب هي تلك التي تعلمنا كيف نقيس مقدار تطور مستوى العدالة ومنسوبها في المجتمع، وذلك من خلال عقد مقارنات بين مختلف الوضعيات، ودونما محاولة لإسقاط مفهوم متعالي عن العدالة والتنقيب عن ملامحه في هذا المجتمع أو ذاك. يقول صن في هذا المضمار: «إن اختيار ما هو مطلق، ما هو عادل بشكل متعالي، [...] يمكنه هو أيضاً، أن يتأسس على استدلال قوي [...] لكن من المؤكد أنه لن يفيدنا أبداً وهذا هو الأهم في مقامنا هذا في إنجاز تقديرات مقارنة لدرجات العدالة، وبالتالي في الاختيار بين السياسات الممكنة»(66). هكذا يكون العيب الأساسي الذي يعتَوِر التصور المتعالي هو لهاثه وراء تحديدٍ، قبليٍ ربما، لماهية المجتمع العادل. وهو عينه ما يفسر لنا القصور الذي ظلّ يسكنُ فهمَ هذا التصور للعدالة، هذا في حين أن ما نحتاج إليه اليوم هو التفكير في سبلٍ ناجعةٍ للتقليص من حجم الحيف والجور في المجتمع. مما يعني أن العدالة تتحدد بنقيضها، ومعيار وجودها في المجتمع هو مقدار غياب ذلك النقيض الذي هو الجور (اللاعدالة). ولعل ما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن الجور لا يقدم نفسه في صورة مفهوم متعال في متن صن، إذ سرعان ما يربطه بجدلية توزيع الثروات وارتفاع الدخل العام وضمان الخدمات الأساسية كالتعليم والتغطية الصحية والأمن الغذائي.. الخ، فغياب مثل هذه المؤشرات يشي، في نظره، بارتفاع منسوب الجور في المجتمع من جهة، وبسوء تدبير الدولة لمعادلة العدالة من جهة ثانية.
الملاحظة عينها تقال عن موقف صن من خاصية الضرورة التي غالباً ما تذرع بها أصحابُ النزعة الترسندنتالية. فهو يؤكد، وخلافاً لـ رولز، أن التوفر على تصورٍ مطلقٍ عن العدالة ليس من شأنه أن يكون ضرورياً من أجل إقامة نظريةٍ حولها. بذلك تفقد هذه النظرية خاصيتي الضرورة والكفاية، وهو ما يسمح بإمكانية الحديث عن مجاوزتها بعد أن غدت مفتقرةً إلى ما تحتاز به شرعيتها. يمكن لمعترضٍ أن يقول إن نقد صن للنزعة الترسندتالية وعمله على الانتصار للتصور المقارن يصدر عن تسليمٍ مسبقٍ بوجود قطيعةٍ تامةٍ بينهما، رغم أنه عمد إلى رفض هذا الاعتراض منذ البداية. ولعلّ من آيات ذلك أن نقده للنزعة المتعالية تمّ بمعزل عن أي استدعاءٍ لعيوب التصور المقارن، وكذا للعلاقات المتصورة ينهما، الأمر الذي من شأنه أن يحجب عنا حقيقة التداخل الحاصل بين الرؤيتين. كما من شأنه أن يحرمنا من إمكانية التفكير في مدى توفر النزعة المقارنة على تلك الشروط التي بيَن فيلسوفنا أنها تعوز التصور المتعالي. بيد أن صن يبادر إلى القول إن التداخل الموجود بين التصورين لا يعني أبدا أنه يمكن للمقاربة المقارنة أن تسقط في شرك التصور المطلق للعدالة على نحو ما تفعل نظيرتها الترسندنتالية(67). وإذا كانت صفة العقلانية هي أبرز ما يجمع بين وجهتي النظر تينك، فإن ذلك لا يعني أن ارتياد درب العقلانية لا يمكن إلا أن يقودنا إلى مآلٍ متعالٍ، لذلك وجب التمييز بين المقاربة العقلانية للعدالة، كتلك التي تصدر عنها نظرية الاختيار الاجتماعي، وبين المقارنة المتعالية التي تفضل الإجابة عن سؤال ترسندنتالي يحدد أفق الجواب بشكل مسبق على نحو ما انتهى إليه تحليل رولز للعدالة وأمله في إقامة مجتمعٍ عادلٍ بإطلاق(68).
يرى صن أن في نظرية الاختيار الاجتماعي جملةً من المعطيات المهمة التي يجب على نظرية العدالة استثمارها، إن هي أرادت أن تصير نظرية نافعة وفعالة. فهي أولاً، تركز على التصور المقارن وليس على المقاربة الترسندنتالية؛ فهي من هذه الجهة تهتم بتحليل الكيفية التي يُتخذ بها قرار الأفراد العقلاني واختيارهم الاجتماعي، عوض التساؤل عن السبيل إلى مجتمع عادل بإطلاق(69). كما أنها ثانياً، تسلم بضرورة الاعتراف بالمبادئ المنافسة لها في النظر إلى العدالة، إذ إنها تصدر عن تصورٍ منفتحٍ على التعدد والاختلاف بحسبانهما العمدة في مقاربة مثل هذه الإشكالية، مما يتيح أمامها رسم أفقٍ تأويليٍ شاسع يمكن أن تتجاور فيه تصورات الأفراد لسؤال العدالة(70). هذا وتجدر الإشارة ثالثاً، إلى قدرتها على إعادة المراجعة والفحص المستمر، مما يحول دون التشرنق في قناعاتٍ نهائيةٍ من شأنها أن تحجب عنا التطورات الحاصلة على مستوى الواقع والجدليات التي يحبل بها، لذلك فهي في حاجةٍ إلى تبني الحلول الجزئية وفق ما تقتضيه استراتيجية عملها. فهي من هذه الجهة تقابل الحلول الشمولية والمتعالية وما يدخل في زمرتها من حديثٍ عن بنيةٍ قاعديةٍ أو اتفاقٍ تأسيسي ٍكليٍ.. الخ(71). ولعلّه سيكون من المفيد جداً أن نشير إلى استفادة صن من مفهوم الملاحظ المحايد، إذ أسعفه بإمكانية لتفهم التباينات الاجتماعية التي يمكن أن تحُول دون حصول التوافق حول معنى العدالة في المجتمع.
ذلك إذن بعضٌ من مظاهر الفائدة التي يمكن لنظرية العدالة أن تجنيها من اعتدادها بنظرية الإختيار الاجتماعي، ولعلّه من الغني عن البيان القول إن تلك المعطيات كلها تحتاج إلى النقاش العمومي (أو الإعمال العمومي للعقل) الذي أخذت أهميته تتبدى باعتباره روح الممارسة الديمقراطية التي أينعت نظرية الاختيار الاجتماعي في تربتها؛ فهذه النظرية، يقول صن، «تعطي الأولوية للنقاش العمومي رغم أن جل مؤسسيها كانوا رياضيي التكوين»(72). بل إن البرهان الرياضي أسهم في الدفع بالنقاش العمومي حول العدالة بعيداً جداً في نظره؛ فمفارقة كوندرسيه بخصوص التصويت، وكذا مبرهنة أروو، قد مثلتا عُدةً منهجيةً أفاد منها ذلك النقاش كثيراً(73)، وهو ما يكشف عن الحاجة إلى إعادة النظر في اللغة باعتبارها المجال الذي يتحقق من خلاله النقاش العمومي حول العدالة(74)، الأمر الذي فطنت إليه نظرية الاختيار الاجتماعي بتشديدها على تدقيق الألفاظ المستعملة في مثل هذا النقاش درءاً لكل ضروب المغالطات التي يمكن أن تنبع من سوء فهم لهذه الكلمة أو تلك(75). على هذا النحو من النظر ينأى صن بمقاربته للعدالة عن كل التصورات المثالية والمطلقة، ويأبى إلا أن يحدد إطارا عمليا لموقفه الذي، وبمقدار ما يروم الانفلات من قبضة العقلانية المثالية والمتعالية، فإنه لا يتنكر لمبدء العقل ويعتبره تأسيسياً في كل نظرية عن العدالة. يقول صن في هذا المقام: «يقدم هذا العمل نظرية عن العدالة بمعناها الواسع. وعوض اقتراح جملةٍ من الأجوبة على بعض الأسئلة المتعلقة بطبيعة العدالة الكاملة، فإنه يروم بيان تحديد الكيفية التي تمكننا من الرفع من مستوى العدالة وتجنب الجوْر (اللاعدالة)»(76).
تروم النظرية التي يقدمها صن تحديد العدالة بالسلب؛ فهي تبحث عن آليات وسبل تمكننا من تقليص حضور الحيف والظلم، والعمل في الآن ذاته على الرفع من منسوب العدالة في المجتمع. صحيح أن الرؤيتين معاً، أي تلك التي رسَّخها رولز وتلك التي استلهمها صن من نظرية الاختيار الاجتماعي، تصدران عن نية واحدة تتمثل في الرقي بمفهوم العدالة والتأصيل لوجوده في ذهن الأفراد، بيد أن الطريق الثانية في نظر صن إنما تراهن على فهم سيرورة اشتغال المؤسسات في ضوء علاقتها بسلوك الأفراد وغيره من العوامل المسهمة، من قريب أو بعيد، في تحديد ماهية العدالة ودلالتها عند الأفراد(77)، وهي بذلك تتموقع في قلب التصور الأول دون أن تحتفظ بروحه المتعالية التي تتغيا وضع اليد على العدالة المثالية. إذ إن استيعابها للبعد المؤسساتي للعدالة لم يأُلْ بها إلى عدم الاحتفال بفهم الأفراد للعدالة. يقول في هذا المعرض؛ «ترتبط العدالة، في نهاية التحليل، بالكيفية التي يعيش بها كل واحد منا حياته، وليس فقط بطبيعة المؤسسات المؤطرة لها. بيد أنه توجد، بين كبريات نظريات العدالة، غالبية تركز في المقام الأول على كيفية إنشاء (مؤسسات عادلة)، ولا تعطي للبعد السلوكي إلا مكانة ثانوية وهامشية»(78).
….. التتمة في العدد

الحداثة بين التنوير الذاتي والتجذير الثيولوجي:
«كارل لوفيث» ومناحي التصيّر الثيولوجي في فلسفة التاريخ(1)
يوسف أشلحي

لسنا نأتي، ههنا، لتجريب نمط من الحديث عن الحداثة، بوصفها نتاجَ أو مخاضَ الحديث (الخطاب). ولا كشفاً لضروب التدبير الفلسفي لمقاماتها في الحقبة التي لها (الحداثة)، أو مابعدها (مابعد الحداثة). بقدر ما سترتهن المقاربة في استشكال البنى الأصيلة في حدث الحداثة. بحسب خطة تقليب النظر في شأنها، نقف على تدبير متضارب لنوابت وروافد الحداثة. هل الحداثة تأسيس ذاتي بذاته؟ وفق ما عبرت عنه جملة من إنعطاءاتها النظرية والعملية؛ البائنة بفضلها عن سوالف البنى المحصلة، بشكل يشي بتحول بنيوي وتبدل جوهري من مقام إلى مقام، على نحو ما يطيب إستفراغه في مفاهيم سديدة وأوضاع مستجدة: آية على التفرد والتقوُّم، وتوكيد ذاتي مدموغ بالإبداع والإختلاف، في حِلِّ من شأن قيد يمسي بها رهين وضع ينعت حالها بالتقليد والإتباع بدل التجديد والإختلاق. أم أنًّ الحداثة محض ادّعاء نافل؟ على فرض كونها واقع حال تقرًّر بغيره لا بنفسه؛ فلا ميزة تحسب لها إلا من حيث هي تحويل وتحوير حافظ لنفسه على صميم البنى السابقة، مع نزر من التغيير آتى على ظاهر تعيناتها.
توشك أن تكون الحداثة في جملتها أو في أطراف من ظهوراتها، موضعا آتى عليها التدبير الفكري المعاصر إستشكالا وتقويما، في صيغ متواترة وصور متباينة(2). بحيث كان سؤال “المشروعية” (Legitimität) ضمنها، الرابط الدقيق بين هذه الرؤى المتناثرة: بين طرح مقر لها بالمشروعية الذاتية وحيازة المعقولية الخاصة بها، وطرح يميط عنها شأن إدعاء الأصالة، ليُنيطها بمقامات المشروعية المستلفة؛ عند هذا لا يمكن فمهم الحداثة خارج الإستمرارية، وعند ذلك لا يمكن فهم الحداثة بمعزل عن القطيعة.
فأي موطئ إهتمام بالحداثة تَنَزَّلته الحداثة في المشروع الفلسفي لدى هيدجر، وهو القائل: “بأن الميتافيزيقا داومت، في جملة هيئاتها والمراحل التاريخية التي مرّت بها، على نفس الوحدة”(3). وما حازت الكينونة في عرفه عن مقام متأصِّل في الحداثة، بما أن هذه الأخيرة تدويم للنسيان وتمكين للحجب “إن طرق ماهية الكينونة، يستوجب منا إبداء التساؤل عمن تكون؟ فقد ظلت الكينونة في حل من أي تساؤل إلى جانب الفهم الذاتي التي رافقها، لهذا باتت مسألة غير مفتكرة: لكونها تنطوي على نسيان مديد، وافتقاد لأساس الحقيقة”(4). لئن توخت المقاربة الأنطولوجية عند هيدغر، تجذير معطى الحداثة في منبتها اليوناني، بما يجعل الحديث عن قيمومتها في محل رفع. فكذلك حامت جملة من الأطياف النظرية حول توطين بنى الحداثة في التربة الثيولوجية؛ فما من شأن يُقرّ للحداثة إلا من حيث هي إستعادة حرفية أو معدلة، مستقاة من رحم الثيولوجيا “هكذا يرى البعض في الحداثة مجرد غنوصية مستحدثة (Eric Vœgelin) أو مسيحية معلمنة (Gogarten, Bultmann, Löwith)”(5). وما كان هذا الطرح لينأى بكلكله عن مباحث الفكر السياسي المعاصر، على نحو ما نجده عند (Leo Stauss) و(Carl schmitt) “فكل المفاهيم التي تحوم في فلك النظرية الحديثة حول الدولة، هي بالأساس مفاهيم ثيولوجية معلمنة”(6). تبعاً لهذه الوجهة، ما كان مستساغاً الإقرار بأصالة للفلسفة السياسية الحديثة إلا من حيث تأصّل نموذجها في معين الثيولوجيا السياسية. فكنه الفلسفة الحديثة وفق ما هو معطى في أحد نماذجها، ليس تحقّق ذاتي وبذاته، بل غاية الأمر كونه تحوير معدل لمعطى سابق له؛ إنْ في ثناياه وأدواره، أو في صميمه وجوهره.
إن أُجْملت المواقف الفكرية الأنفة على تمايزها موقفها من الحداثة بما هو موقف جامع؛ على أن كنه الحداثة غير قائم في صلبها، بقدر ما هو مرهون بغيرها، فيها تلفي أصلها وتستقي مصدرها. ومن ثمة، ما لها أن تكون سوى مقام مؤَسِّس من قبل سلطة أصيلة مؤَسِّسة سالفة، كفيلة بضمان الاستمرارية التاريخية في غيرها. فإن هناك من الرؤى الفلسفية، من تقف موقف المعترض على هذه المواقف المعترضة؛ شأن ما هو مكنون في طرح كل من (يورغن هابرماس) و(هانز بلومنبرغ). بغية تقريب وجاهة الحداثة إلى الأفهام، عبر نصوص ذات صلة من إنعطاءات الفلسفة في عهد الحداثة والمعاصرة، يستهل هابرماس مصنفه (الخطاب الفلسفي للحداثة)، بقول صريح يجمل موقفه من الحداثة (الحداثة: وعيها بالزمان وحاجتها إلى إيجاد ضمانات خاصة في ذاتها). بحيث ما كان في وسع الحداثة في نظره ولا في مبتغاها، أن تستلف معاييرها من زمن مغاير لها، تكون نبراساً منيراً لدربها، بقدر ما يتعين أن تستمد معياريتها من صميم ذاتها(7). قفا نستذكر مفاهيم ضاربة في جوف الحداثة وشاهدة عليها؛ شأن مفاهيم؛ الذاتية (subjektivität) أو الوعي الذاتي (Selbstbewusstsein)، والعقلانية (Vernunftigkeit)، والفردانية(8) (Individualität)، والحرية (Freiheit)، ومفهوم التطور (Entwicklung). بالإضافة إلى حدث التنوير (Aufklärung)، والثورة (Revolution).
….. التتمة في العدد

 

الليبرالية
من السياسي إلى الاجتماعي
محمد تحزيمة

تتلخص الأطروحة الأساسية لهذه الورقة في الاعتقاد بأن تاريخ تكوّن البراديغم الليبرالي انبثق عبر مسار تحوّل اهتمام الفلسفة السياسية بالإجتماعي على حساب السياسي في حياة الأفراد والمجتمعات. وأن هذا التحوّل واكبته مجموعة تحولات في كيفيات النظر والتفكير في الوظائف والأدوار التي تلعبها مفاهيم الدولة والقانون والحق والحرية، باعتبارها المفاهيم المؤسسة للتفكير في السياسة والأدوات التي تتأمل من خلالها الفلسفة السياسية الوجود الإنساني وتستوعبه بالدراسة والتحليل.
ننطلق، في سبيل إثبات صحة هذا الطرح، من رصد وتجميع مظاهر ما نعتقد أنه يفسر الكيفية والطريقة التي تحولت من خلالها الفلسفة السياسية الحديثة من الاهتمام بالسياسي من غاية إلى مجرد وسيلة، سامحة بتكون البراديغم الليبرالي. إذ لن يكون هذا الرصد ممكنناً، إلا بتعداد الأسباب وكشف مظاهر التحوّل في مفاهيم الدولة والقانون والحق والحرية والأخلاق، لرصد مظاهر التحول من الاهتمام بالسياسي إلى الاهتمام بالإجتماعي. وسيسمح رصد هذه المظاهر والمؤشرات، بالاشتغال على تاريخ تكون البراديغم الليبرالي كحركة تاريخية، بوضع اليد على مجموع التحولات التي عرفتها الليبرالية منذ ميلادها حتى بناء جهازها المفاهيمي وقيم فكرها، والتي مكّنتها من ترسيخ نفسها كواحدة من الفلسفات الأكثر سيادة.
لقد حولت الليبرالية الاهتمام من السياسي إلى الإجتماعي حتى تتمكن من إيجاد مكان لها بين الفلسفات. ذلك أن اختزال دور ووظيفة السياسة من غاية إلى مجرد وسيلة كان الطريق الملكي الذي من خلاله استطاع البراديغم الليبرالي ترسيخ نفسه كمذهب سيد حامل لتصور للعالم. لقد عمل هذا المذهب على مراجعة نظام الفكر والعمل وعلاقة الإنسان بالطبيعة بشكل جذري وصارم. إذ استطاعت الليبرالية إخضاع العصور السابقة عليها لمراجعةٍ جذرية، واعتبار التاريخ مجالاً لترجمة وتأصيل مشروعيتها وممارسة سيادتها الكاملة في جعل مج%D

الفكر العربي المعاصر: بين الحرية والتأويل والالتزام

كلمتنا: الطغيان الغيبي هل نعرفه!

ليس للطغيان وجهٌ وحيد يُعرف به. ليس هو الاستبداد السياسي الهابط من قوى أمر واقع تحتل قمم الفعاليات العامة لمصلحة أضيق الفئات وأقل الأفراد، وصولاً إلى ذروة الديكتاتور الواحد الأحد.
كل هذه الأعراض، قد تكون من خصائص الطغيان، لكنها لا تختصره. إنها خصائص مشخصة محسوسة. بيد أن الأدهى منها، هو ذلك الطغيان الآخر الذي لا وجهَ له ولا حواسٌ مباشرة تُلتقط من خلالها ملامحُ ثابتة مادية له. ليس هو طغياناً موضوعياً، إلا من حيث آثاره ومفاعيله. وقد يُوصف تقريبياً أنه نابع من الذات. وليس محدداً بفئة أو طبقة. أغرب ما فيه أنه طغيان عمومي، يشترك فيه الجميع عن غير إرادة أو قصد، وإن كان جُلّهُم يمارس أفعاله باختيار أو ما يشبه ذلك، بيد أنهم لا يعون مضمون تلك الأفعال، وإن اعتقدوا عكس ذلك غالباً.
قد نسميه موقتاً بالطغيان الغيبي، ليس لأن مصدره مجهول، بل لأن من يمارسه هو آمره وهو ضحيته في وقت واحد. ومع ذلك يعتقد الطاغي الغيبي أنه ينفذ القانون الإلهي. فالارتجاع نحو هذا الكلي الوجود والقدرة معاً يجعل أفعال التابعين/المؤمنين ممنوعةً مقدماً من الصرف، أي من التسويغ إلا بما هو مضمون في منطق الأمر عينه المطلوب تحقيقه. فالآمر الديني أو الفوقي لا يعلوه أي صوت آخر، قُدْسيتَه هذه تأتي من كونه أنه هو المعقول الأعظم الذي لا يقبل نقاشاً أو جدالاً مع العقل. حقيقة المقدس تنحدر فقط من آمريته المطلقة، ليس هو الواجب الكانطي.. الأخلاقي، لكنه هو المدعي أنه يشرّع الأخلاق أصلاً.
طغيانه متحصّل من جموع المقموعين المتهافتين على طاعته. إنه الغيب الأعظم الذي لا وجود له إلا من خلال حضور عبيده. هؤلاء وحدهم أدلَّته، براهينُه، ووقائعُه اليومية في تاريخ الطغيان الإنساني.
ففي أُوديسّا الطغيان االإنساني، ليس من طاغٍ جبار إلّا وكان له جسد، صنمٌ ما يُعرف به. إلا ذلك المقدس المشاع الذي، بقدر ما هو مجرد أو مستحيل، فقد يكون فاعلاً هائلاً في ضمائر الغالبيات العظمى من قبائل البشر في شتى أعرافَهم وأزمانهم. وقد يستمر هذا الحال إلى أن يختفي طلوع الشمس من إيقاع الليل والنهار..
عندئذ فقط، نسأل٬ أين كان العقل من كل هذا؟ كأنما لم يكن يعيش طريداً أو يتيماً غالباً، بل كثيراً ما كان حليفاً للمقدس الشائع، وأجيراً له في صوامعه وصولاته، يساعده في تسويغ إكراهاته، إذ يضفي عليها أشباحاً من أشباه الحقيقة إمعاناً في إلغائها.
متى يمكن لثورة الحرية أن تواجه الطغيان الغيبي؟ ذلك هو السؤال الذي لا تطرحه الحرية على أي آخر إلّا ذاتها، وهي في ذروة صراعها الوجودي مع العدو الأكبر الذي هو الطغيان عينه. ولكن دون تخصيص، سياسياً كان أو غيبياً. إذ أنه هو العدو الواحد، وقد تتعثر بنَسْخٍ منه في كل الأمكنة ذات الأبواب العالية المغلقة على ساكنيها المجهولين؛ في نهاية رواق الأبواب هذه ينهض السور الحاجز الأعلى؛ من يتسلّقه قد يبتلعه الفراغ والصمت في الفضاء، ولا عودة له إلا سقوطه في الحضيض من جديد..

رئيس التحرير

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

فُجاءة الفلسفة العالم
II
مطـاع صفدي

كيف يمكن للذات* أن يسقط ثم يُعاد التفكير به. فما هو موضوع الاعتراض الرئيسي في مجمل الفلسفة التي تحمل عنوان: نقد الذات، لعلّه يتعلق بالأفكار المتراكمة فلسفياً، وعلمياً رُبما، حول الذات. وعندما يتم الاتفاق على هذا التمييز الضروري، فإنه يمكن بعد ذلك أن يُعاد النظر في الذات كمفهوم مستقل عن كل قراءاته السابقة، سواء تلك التي أرادت دعم استقلاله ذاك. أو أرادت دحْضَه كيما تعود إلى الذات براءته؛ في هذه الحالة، هل يمكن توفيره بمنأى عن كل الأثواب التي لَبِسَها، أو أُلْبِس إياها. بالرغم من صعوبة المهمة، فلقد رأينا أن الحدس الأول للفينومنولوجيا قد انطلق من إدعّاء هذه المهمة، ولعلّ كل كتابة فينومنولوجية، حتى النص الهيدغري نفسه، حاولت ممارسةَ هذا النوع من الآمر المطلق؛ وهو الفوز مجدداً بالذات بريئاً هذه المرة من كل التهم أو المزايا التي سعت أن تُلْحقها به، تواريخٌ فلسفيةٌ واعتقاديةٌ غير محدودة. لكن ماذا يعني: لو أمكن للفكر حقاً أن يفوز بالذات عارياً من كل لواحقه. هل هناك فوز حقيقي بشيء. فما هو هذا الذات الذي يغدو مستقلاً، مثلاً، عن جسده، عن تاريخه.

لا شك، يمكن تحويل النظر، مع الحداثة البعدية، من (بؤرة) الذات، إلى (منطقة) الفرد. كما لو كان الفرد قد قطع كل صلاته مع تراث المركزة والإطلاقية والوحدانية، التي تحصَّن بها فكُر الذات، وأنشأ حوله شرنقة الحداثة المعهودة، التقليدية. ذلك أن هناك احتفالاً فلسفوياً صاخباً لدى جيل كامل من كتّاب الفلسفة الغربيين، والفرنسيين بخاصة منهم، حول الإعلان، صباحاً مساءً، عن موت الذات، وتدشين الفرد. وقد يبدو مثل هذا التحوّل منطقياً وسليماً إلى أبعد حد، من حيث أنه يتمشّى عضوياً مع توجه الحداثة البعدية. لكن المسألة في غير هذا السياق. فالمسافة ليست شاسعة بين إقنوميْ الذات والفرد، كما يحاول صخب الدفن، والتدشين أن يعلن. ليست شاسعةً مفهومياً. وهذا هو المهم. ذلك أنه لا يمكن الالتقاء
بـ ـ فرد، متخلٍّ تماماً عن ثنائية الذات/الشخص. لا يبدو الفرد تركيباً مستحدثاً من طرفيْ تلك الثنائية بالذات. على العكس، فقد يأتي كأقنوم إضافي يجلس تجاورياً مع الأقنومين السابقين. ولكن دون أن يقنع الفرد باصطفاف سلبي، فإنه يلجأ إلى الدخول على الأقنومين السابقين، بطريقة بهلوانية أحياناً، دون أن تخلو من مغزى طريف. فالفرد لايستطيع أن يَبْرأ تماماً من كل إغراءات الذات. وهو يشعر أنه مكلف وحده بعبء التخلّص من أعبائها، أو بنسج علاقات جديدة معها كذات (له)، أو معه كذات، ليس لأحد. فبيْن التعامل مع الذات، مذكراً أو مؤنثاً، قد يختلف التعامل نفسه جهوياً، حتى جوهرياً.
في الخطاب المعهود، الكلاسيكي، يقنع الفرد بمهمة تمثيلية بالنسبة لذات متعال. وبالرغم من الثورة النقدية التي حاولت أن تخلِّصَ الذاتَ المتعالي من أي انعكاس لاهوتي، إلّا أنه استمدَّ منه كلَّ الامتيازات الأخرى، كالمركزية والإطلاقية في آن. فالكوجيتو الديكارتي اكتسب معقوليته الشاملة من مفهوم المتعالي الذي ستُرسِّخُه النقديةَ الكانطية. وهكذا اتّحد الذات مع العقل لينشئا معاً سلطةً جديدةً للمحايثة تقوم على مفهوم الوعي، باعتباره مرجعَ كلِّ علاقةٍ بين الإنسان والعالم. وقد وُضع الفردُ في موقع الوساطة الإشكالية بين مطلقيْن: من ناحية الوعيُ، والموضوع من ناحية مقابلة. هكذا برزت إشكالية الفرد من حيث أنه هو حيّز الوعي، وهو في الوقت عينه وسيلتُه الوحيدة لممارسة دوره، لمفارقة ذاته والخروج إلى العالم. ولا شك فإن الالتباس قد حكم تاريخ الحداثة، إنطلاقاً من هذه العلاقة التناقضية بين محدودية الفرد، وانحصاره بين قطبين منطلقين، الوعي والعالم. مثل هذه الهندسة المعمارية دعمت، بما يشبه وضع البدهية الحاسمة، انفصالاً ميتافيزيقياً/وجودانياً في وقت واحد، بين الوعي والعالم. لقد أدخلت الحداثةُ أساسيةَ الفكر الثنائي، بدلاً عن تبعية الفرد للوحدانية المفارقة، على الطريقة اللاهوتية. إن إعادة تعمير العلاقة مع الواقع فرضت ضرورة قيام الاستقطاب على طرفيها، بين ذاتٍ، هي محلُّ الوعي فحسب، وموضوعٍ هو مساحة لانهائية للمعرفة فحسب. فالاستقطاب يفترض نوعاً من انقلاب الدلالة بين القطب والقطب الآخر. ليس حتمياً أن يقوم بينهما تعارض إلى درجة التناقض المنطقي. لكن يقع حتمياً تباينٌ بينهما. إلا أنه التباين الذي هو من مسؤولية شبه كاملة، تخصُّ طرفاً دون الآخر. وهو الذات الذي أخذ على عاتقه، مع نمو نظرية الوعي، إنشاءَ العالم من حيث هو ينشئ حيزه الخاص به. فالحسم جاءت به نظرية الوعي. لم يعد هذا الحسم مجرد افتراض أولي، لكنه استحوذ على السؤالين معاً، المعرفي والأنطولوجي.
إن الاستقطاب بين الذات والعالم تجاوز مسألة العلاقة بين الأنا واللاأنا، كما تجاوز كذلك ثنائية الشخص واللاشخص، وأعاد مفهمة اللوغوس الإغريقي، ولكن هذه المرة من خلال الوعي الذي صار عليه تأكيدَ كفايةِ العالم كداخلانية، مقابلَ طرح داخلانية الذات. وبذلك يتمّ الحسم مع فكر الخارجانية أصلاً. فبعد الانتهاء من مبدأ وجودٍ خارجَ وجودِ العالم، جاءت الذات لتحتلّ ما هو خارجها، كامتداد لداخلها عينه. حين قال شوبنهور عبارته: العالم من امتثالي، كان يلخّص جوهر الحداثة التقليدية. إنها تقوم، بكلمة واحدة، على انتهاء الآخر. فالذات جوانية لا خارج لها، حتى لو كان هذا الخارج يسع العالم بمعناه المألوف. لم يعد الاستقطاب يمثل سوى لحظة ما قبلَ تاريخ الذات؛ لحظةٍ اقتراضية فحسب، راحت تبرّر تدميرَ الفكر البرّاني برّمته، كحتمية أنطولوجية لا مفرّ منها.
إن انبثاق الفرد، الفَرْدَنَة، لا يضع حدّاً لتراث الذات. ذلك أن هذا الانبثاق لا يستطيع إدعاء الولادة من العدم. فإن له سلالةً تكوينية امتلأت بكل أمجاد الذات المنقرضة. ولادة الفرد قطيعةٌ حقيقية. لكنها لاتستطيع أن تتجاهل كل ما تقطع معه. لذلك يلتبس أقنوم الفرد في الفكر المعاصر، ويكاد يفتقد التأسيس. وهو لا يدَّعي أن امتيازه الأهم، أنه انبثاقة بدون قاع، بدون سلالة، إلّا لكونه يدرك تماماً أنه في كل مرة يريد تأسيس انبثاقته بطريقة ذاتية، لا بدّ له من استحضار الأساس التقليدي الذي يحسم معه، معلناً من جديد اختلافه معه. بعبارة أخرى قد تستطيع عهود الذات أن تستغني عن الفرد، لكن ثقافة الفردنة مضطرة إلى الإعلان عن فقدان ذاكرتها ـ المشبعة بالحكايا الذاتوية ـ، ليُتاح لها الاهتمام بثقافتها غير المعهودة بعد، من قبل أي عهد. هذا ما يقودنا إلى ضرورة التنويه أن علاقة الفردنة المعاصرة بذاكرتها التاريخية الحافلة، قد لاتتيح لها قطيعة أنطولوجية، تقابل قطيعتها المعرفية. فالتحقيب المعرفي لا يعكس دائماً تقطيعاً أنطولوجياً موازياً له. وبالتالي تبرز الفَرْدَنَة (الغربية) كثمرة طبيعية لتاريخٍ تكويني توليدي متصل، في حين أنها على صعيد التحقيب المعرفي، تشغل نسقاً قطيعانياً فعلاً.
أليس ادّعاء بعض الغربنة أن الفردنة هي علامتها الرئيسة، أو برهانها المحايث عن استكمالها لرحلة تاريخها، كما لو أنه بعد الفردنة ينعدم كلُّ تاريخ تكويني آخر؛ أليس هذا الادعاء مشبعاً بذات ذكوري كبير، لايمكنه أن يقنع بذات أنثوية حميمية، تركن إلى أفهوم فرد، محدود بفردانيته فحسب. فالفردنة، كالحداثة البعدية، لا يمكنها أن تقطع تكوينياً ـ جينالوجياً/أركيولوجياً ـ مع ثقافة الذات، بما يوازي قطيعتَها الفعلية داخل سياق التحقيب المعرفي، إلّا بطريقة انحرافية دائماً. فهي كالحداثة البعدية المضطرة دائماً إلى استحضار الحداثة (التقليدية)، كلما عزمت على تأكيد قطيعتها معها؛ كذلك شأن الفردنة التي هي إنحراف ما يظلُّ داخلَ خطاب الذات عينه، لكنه يطمح إلى أن يكون انحرافاً ـ عنه. مما ينبئ عن تجديد إمكانية الاختراق نحو برانيةٍ جديدة، لعلّها تكشف عن إعادة الذاتوية إلى مجرد حجمها الأصلي، كداخلانية، كانت ادّعت دائماً التملّكَ من خارجها أصلياً، أنطولوجياً، كحالة أخرى من حالاتها الجوانية عينها.
لا تستطيع البرانية أن تقدم برَّها إلاّ إذا اعترفت دائماً بجوانيةٍ ما، تقع ما وراء حدودها؛ في حين أن الذاتوية لم تَبْنِ خطاباتها الحداثوية إلا على أساس افتراض مرجعية الكلي إلى الواحدي، المستكفي بداخلانيته المطلقة، بحيث لا يتبقى للخارج ثمة تضاريس برانية، تفاجئ تجانسية داخلوية، مقتصرة على قلعة ذاتوية منكفئة على قاعها، بدون أية نوافذ على ما ليس منها. ولكن بالمقابل يجب التمييز بين الفردية، والفردنة. فالأولى ليست إلّا تطويراً لفظياً للذاتوية المعهودة. في حين أن الفردنة أفهومٌ مكانيّ بالدرجة الأولى. يعيد إلى العالم أرضيته المادية التي يتوقف عليها وجوده. فالفردنة تعددية رياضية، أي عقلانية، ووجودانية existential في آنٍ معاً. وهو ما لم تستطع الذاتوية أن تعزوه إلى نفسها إلّا بابتلاعها للفكر البرّي كلياً، أي بجعل العقلاني قطبَ نفسه فحسب. ليس معنى ذلك أن الذاتوية خلقت نوعاً من تيولوجيا إنسانوية جرّدت العالمَ من عالميته، بل على العكس فقد قامت بقلْب العلاقة مع العالمية، من وضع التناظر الأنطولوجي المادي معها، إلى الوضع التملكي لها ـ من فعل الكينونة Être إلى فعل المُلْك Avoir. من هنا الحديث عن الثالث المرفوع ـ المحجوب ـ الذي يستثمر كلاً من الحدّين: الأنطولوجي/المعرفي، متدخلاً بينهما كحاجز غير مرئي، مانعاً من تواصلهما وراهنيتهما المباشرة بالنسبة لكليهما معاً. إنها الإرادوية التي تتوسل بالمعيارية، لتفرض ترجمتها الخاصة لكل من الحدّين مقابل الآخر. فالمعرفي لا يظلّ هو نفسه عندما ينتقل، عبْر الإرادوية، إلى التعامل مع الأنطولوجي. وكذلك الأمر بالنسبة للأنطولوجي الذي، بدلاً من أن يفتح على الشمولي، فإنه يقع أداةً في يد الخوْصنة. (أي استخدام الكليات، وتحت ستارها، لممارسة الخاص وتَملُّكِه).
إن الإرادوية ليست في الواقع، الثالثَ المرفوع بين المعرفي والأنطولوجي، بل الفاعل المحجوب. فهي الطرف الثالث المتدخل واقعياً وصيرورياً في تحديد مصير العلاقة بينهما. لكنه الثالث المتخفّي والمقنّع الذي يحتاج أكثر ما يحتاج إلى إدّعاء الشمولية التي يسْتَرِقُها من كلا الحدّين معاً، ويستخدمها في تحقيق ما يناقضهما غالباً. تحت وطأة الإرادوية فإن المعرفي يتم اختزالُه إلى الأداتوي التقنوي فحسب؛ ويُختزل الأنطولوجي، بالمقابل، إلى الذاتوي. وبالتالي تتقلّص العالميةُ إلى المحيطية. وفي نطاق المحيطية يختلط صنف البشر بصنف الأشياء، بصنف (العلاقات)؛ بحيث يغدو كل متحرك أوجامد في هذا النطاق، أداةً لسواه. فلا مبالغة في وصف هيدغر لهذه المشهدية بالتجارة. ذلك أن المجتمعية، عندما يُقشط من على جسدها أديمُ المعايير، تتكشّف عن سوق حقيقية لصراع موازين القوى التي لا تفرز سوى علاقات الاستغلال، شرْط أن يفهم الاستغلال هنا كشبكية وحيدة، تنفرد بآلية تحويل كل ما هو في ذاته، إلى كل ما ليس كذلك، ما ليس لذاته، إلى ما هو لغيره. يحدث ذلك تحت ضغوط متفشية في كل مكان لقوى الأمر الواقع فحسب.
صحيح أن صيغة الأداتوية تبدو حياديةً للوهلة الأولى، إلى درجة تقاربها من مفهوم التدبّر، أو التوسّل بما هو تحت اليد من أجل الوصول إلى ما ليس هو كذلك. وفي هذه الحالة يمكن إدراجُ أبسط الأدوات إلى أرقاها، إلى الأفكار والمفاهيم، في سياق التدبّر؛ أي ذلك الشأن الإستثنائي الذي يتمتع به حيوان الإنسان، من حيث أنه لا يأتي إلى العالم إلّا ناقصاً. وقد تُرك له أمْرُ تدبّر نَقْصِه وضُعفه؛ في حين أن أنواع جنسه الحيواني، الأخرى، لا تنبثق ـ تطورياً ـ في العالم إلّا وهي مجهّزة سلفاً ببرنامج وجودها؛ أما برنامج الحي الإنساني، فهو أنه بدون أية برمجةٍ إنسانية مسبقة. ذلك هو مبعث حتمية حريته: إن كينونة الإنساني مبنية على أساس من عدمية وجوده المضطردة.
لكن الأداتية ترتدّ بحتمية اللابرنامج، إلى (حتمويات) العالم المحيطي. تحرف ذلك الشرط الأنطولوجي، باعتباره امتيازاً إنِّياً خالصاً لصيغة الوجود في العالم، وخاصاً بالكائن الإنساني وحده. تتسلّم الكائنَ من حيث أنه كائن براني أصلاً، تخضعه للتأهيل، تشذّبه، تنقِّحه، تقْشُط عنه لحومه الأصلية، وتكسوه بجلودٍ فوق جلود، مستعارة من كل الكائنات التي تسبقه أو تعاصره في ذلك المصير. فالكائن البراني يغدو كائناً جوانياً كله. الوحشي يصير أهلياً. ومن حتميةِ لا وجودٍ معينٍ مسْبقاً، إلى القَوْلبة، باعتبارها فنَّ المجتمعية الأعظم. التدبّر يصير التأقلم. لماذا القَوْلبةُ تدَّعي التدبّر، ..أَلِتقتله، أو لِتعتقله في شبكية من نمذجة التدبير الواحد السائد؟ إن العالم المحيط يصير الحدّ الأخير، الأفق الأخير للعالمية. ما تحت اليد يقف بالمرصاد لما يتجاوز اليد. ينقلب ما تحت اليد إلى يد واحدة، أخطبوطية الأصابع الملتوية في كل مكان. التشابكات عِقَدٌ ديدانية، أكوامٌ ديدانية. كلُّ شيء يخفي كلَّ شيء. استبداديةُ اللاشيء المطلقة.
بين التدبر، (الأدواتية) والأخطبوطية المعمَّمة، ينعدم
كلُّ خطاب جِهَويٍّ. تغدو الإرادوية غايةً في ذاتها، ممنوعة عن وعي كل أَحَدٍ لها، كما عن وعي ذاتها بذاتها. ليس هذا الوضع شبيهاً بحالة العالم، ما قبل دخول حضارة التسمية إليه. ذلك أنه، قبلَ التسمية لم تكن الأشياء تنتظر أسماءها. بعد التسمية لن يُحْفَظَ للأشياء تاريخُ ـ ما قبل ـ التسمية. لكن أحداً لا يتذكر ذلك، ولا يبدو مهتمّاً بتاريخ ما قبل التسمية. فإن التبادلية تعفيه من ارتكاب هذا الهمَّ/الوهم الكبير. تُقدّمُ العالمَ المحيطَ منظّماً سلفاً، أي تعيده إلى مصافِّ البيئات الحيوانية، المبرمجة على إيقاع البرمجة الفطرية في الجسد الحيواني. ذلك أن الارادوية تريد أن تعوّض عن خواء الداخل (الأصيل)، بشيء من ملاء الخارج، العارض، (الدخيل). لكنها، في خطوة تالية، لا تريد أن تتعامل مع هذا الخارج، من حيث أنه الواقع، أو الوجه المادي والطبيعوي والعضوي (الحيوان والإنسان). ذلك العالم الذي يقع على مسافة من الإرداوية ليس في مأمن أبداً من مختلف عمليات الغزو المضاد، التي لا تطمح إلى مجرد تطويعه، أو تغييره، بل استبداله بما ليس واقعاً. ههنا فارق جوهري بين جعل العالم مسرحاً للتدبّر، والتفكّر، وبين محاولة حجبه، ثم تَذْريته، وتطييره من حيّزه على أجنحة الوهم.. حتى يصير كشف الوهم نوعاً من أدواته، من مناوراته.
إن الإرادوية التي لا تدري كيف تواجه العالم بما هو منه واقعياً ومفهومياً، فإنها متعجّلة في إلغائه. والإلغاء، أو التوهيم، له فنون كثيرة، ابتدأت منذ أن اكتشفت المعياريةُ ألعابَ اليوطوبيا. منذ أن وضعت أسباب العالم تارة فيما هو خارج عنه، أو متعال فوقه، أو عند استبداله بخفايا الأدلجة الحديثة. فإن توهيم العالم قائم على الإيهام الذاتي. بمعنى أنه لو لم تستطع الإرادوية أن تخلْق وهْم الذاتوية، فإنها لم تكن لتقدر على تطيير العالم هكذا، واستبداله بأنساق حكائية، تارة قدسوية، وتارة استبدادية عقلنوية.
إن قتل الواقع لا يستتبع البحثَ عن جثته بالضرورة. ذلك أن جسد الواقع لن يُعثر عليه مرة ثانية مع حلول عصر الصورة. فلقد تكفّلت الصورةُ لا في تشفيف الواقع إلى درجة تلاشيه، بل حرصت كذلك ألا تترك أية آثارٍ من بقايا جثته في جسدها، في كَفَنِها الهلامي.
بعد أن أُشبع الواقع قتلاً على يد أوهام التحقيب المعرفي، فإن العصر الصوري يتكفّل ليس في تمديد عصر الوهم إلى ما لانهاية فحسب، ولكنه يأخذ على عاتقه، بكفاءة لا سابقَ لها، محْوَ كلِّ ذاكرةٍ لما قبل القتل والتوهيم. فالوهم المفارق، والوهم الأيديولوجي يحتفظان على الأقل بذاكرة الموضوع الموهوم، لأنهما يعجزان أصلاً عن إخماد أنفاسه نهائياً. في حين أن الوهم الصوري المداهم اليوم وغداً، لكلَّ العالم دفعةً واحدة، سيتكفّل بإلغاء ما قبل تاريخه وذاكرته معاً. يصير الوهم الصوري هو الواقع النهائي اليوم وغداً. ذلك الوهم الذي يغدو واقعاً مطلقاً، لن يتيح أية مقارنة له بما هو مختلف عنه.ليس ذلك لأن زمن جدلية الجواني البراني، قد اقْتْلِعُ من حكاية التاريخ فحسب، بل لأن الصوري يقضي على اختلاف المشهديات تحت سلطان وحدة الانتماء لجميع المشهديات إلى الصورة. ففي شريط لايتناهى من الصور/التصوّرات، يغدو سؤالُ الأصل صورياً آخر، كذلك، ضمنَ الشريط عينه. يحدث هذا في ذات اللحظة التي يبلغ فيها الفكرُ البّري أقصى بداهته، وذلك على حطام تاريخ من التحقيب المعرفي، الذي استغلّ الفكر، دائماً كواقع آخر، باسم تغيير الواقع الماثل. فإن مستقبل الوهم القادم أخطر ما فيه ليس قتل الواقع فحسب، بل إلغاء ماضيه عينه، ماضي الوهم. خارج الوهم لن يتبقَّى أي برٍّ وحشي، لكائنات وحشية، غير مصنَّفة بعْد. وهذا ما يعبر عنه بودريار بنوع من كارثية الرؤيا الميتافيزيقية الحقيقية، عندما يعلن: «لن يُعثر ثانية على جسد الواقع، ذلك أنه، في كفن الصوري، لن يُستطاع أبداً العثورُ مجدداً على جسد الواقع». فالحدّان، الواقعي والصوري ينتميان إلى الموت معاً. الموت وحده هو المتحرك والمتمدد إلى ما لانهاية في عصر «الزمن الواقعي»، الذي هو امتصاص المسافة بين (بُرهة) الحدث، و(مُهْلَة) نقله من حيّزه الخاص به وحده، إلى كل حيّز آخر لا يخصه، ويقع على أطراف كل المسافات الغريبة عن حيّزه وبرهته.
على تخوم الفكر الكارثي ـ وآخر ممثليه العصريين جداً بودريار ـ ينبغي التمهل قليلاً حول المصطلح الرئيسي في خطاب المفاقمة في كل شيء، وهو الصوري (الافتراضي) Le virtuel: من الواضح مبدئياً أن الحقل الأوسع لهذا الترميز، إنما يعود إلى مصطلح الإمكان. إنه ترميز يطفح عن المشخّص. وهو يحتل أمكنة عديدة من مفهوم الكائن. ولعل الدزاين عينه ليس سوى تصريفٍ وجوداني لفعل الكون، كإمكان. إلا أنه مقابل الواقع، ليس الإمكان حداً مناقضاً. لأنه من الواقع كذلك أن (يوجد) ثمة إمكان. وعلى هذا الأساس فاللغة التداولية تصنف واقعاً ممكناً، وواقعاً غير ذلك، مستحيلاً مثلاً. الإمكان إذاً يتخلل الواقع. وهو لايأتيه من خارجه كمساحة مجهولة تقع وراء المدرَك. لكنه مع ذلك يطبع الواقع بما ليس كذلك تماماً. بل ليس الإمكان بدلالة الممكن، التي قد تعني حالة خاصة منه. وهذا ما يحرّر الإمكان من تصنيف الممكن واللاممكن، مؤقتاً على الأقل. وفي هذه المهلة يتدخل تلفّظُ التصوري والصوري. فالأول يطرح الإمكان على صعيد ذهني، في حين أن الآخر (الصورة)، يُلْبسه مجدداً لبوس الحسّي، وإن لم يكن كذلك تماماً. فأين يقع مصطلح الافتراضي الصوري الذي تفرضه علينا نقلةُ التكنولوجيا المعلوماتية الهائلة. فالافتراضي لم يعد كذلك، على هذا الصعيد؛ إن له تشخّصاً عبر عالم الترميزات، التي منها الأرقام والصور، وكلُّ مصطلح الصورة المصطنعة من الخطوط والحروف والرموز الاصطلاحية. إنه الترميزُ المنفلت من كل مرجعيةٍ أو إحالة، تقع خارجَ أنساقه عينها. فإذا قلنا عنه أنه تصوّر، افتقدنا منه حالاً كل ما له صلة بالدلالة أو المضمون. فهو تصور يكاد لايقول شيئاً. وإذا قلت عنه أنه صورة، فينبغي مباشرة أن نستبقه بتوصيفه الحتمي، وهو أنه صورةُ صورتها. أي أنها لا تفترض كذلك مرجعية مستقلة عنها. إذ يمكن لكل صورة عن شيء، أن تغدو صورة مركبة، أي يدخلها الاختلاق بطريقة ما. ذلك أنه فضلاً عن كون أية صورة لا يمكنها أن تكون نقلاً كاملاً لموضوعها، فكم بالأحرى أن تكون الصورة الإعلامية، غيرَ إخبارية حقاً، لا إعلامية، بالمعنى الأصلي للكلمة.
لكن مع ذلك فإن ترميز الإفتراضي virtuel، يريد أن يضفي على لفظ الصوري الأصلي هالةً تحديثية قصوى تُدْرِجه في سياق «نهاية التاريخ» العتيدة. يصير اللفظ في حَقَبَةِ ما بعد التحقيب المعرفي، أشبه بالدلالة التقليدية للإمكان، شرْط أن يُفهم منه ما يفوق الإمكانَ عينه. إنه يُخرج التلفّظ دفعة واحدة عن تراثه التصنيفي. فهو ينطلق من الإفتراض، ليأخذ بطريقهِ وساعةَ الإمكان، ليُلْحِقَ كلَّ التراكم السابق، بحدثية الصور، شرْط عدم فصلها عن كونها من مفردات التصور. هذا التصور الذي يُقْصر على التعامل مع الأشباح من كل شيء، وليس مع الأشياء، ذاتها. إذ أنه جهْدٌ مدفوعٌ بالتسريع المطلق. يفتقد كل أدبيات التمهل، بما فيه التعقّل والتأمل. إنه مقترن بسيولة قصوى لما يسمى سَيْل «المعلومات» المتدفق مرآوياً، بالصورة والصوت والحركة. هذه التسميات التي تستولي عليها حركة السرعة المتسارعة إلى أقصاها، تصطلح عليها عبارة: «الزمن الواقعي». هكذا يُمسي زمنُ نقل الصورة أهمَّ بكثير من منظرها.إذا سُئل الرائي عما يراه، فقد تفوته مرايا كثيرة، بين السؤال والجواب. «الزمن الواقعي» يلغي كلَّ زمنُ خارجه. كما أن الأنظمة المعلوماتية لا تختزل أو توسّع من أفق الواقع، ولكنها تُلاشيه، تزيحه عن حيّزه، لتجلس فيه وحدها. فالافتراض، والتصور، والتوهم دلالات تناقض المجسّد، والمشخَّص، والحقيقي؛ بل تدفع بتلك الحالات إلى أقل هامش من الاهتمام والتأثير. كما لو أن فرط العلم إلى المعلوماتية، يزيل وظيفة الواقع. لكن المشكلة، مع الصورية الحديثة، أنه لا يجري قتلُ الواقع من أجل الوهم، بل يجري قتل الواقع، وكلِّ وهم يحلّ مكانه، في ذات العملية.
في عصور الحداثة التقليدية سادت أفانين التوهيم العلموي والأدلجي والطوبائي؛ وفي عصر الحداثة (البعدية) وفي خط مضادٍّ ومحاصِرِ لها، تُفتقد أوهامُ الماضي بأحلامها المفارقة، وكوابيسها المحايثة الكارثية، وقد تُستعاد ولكن ككائنات شبحية، لا تُمْسَك بذاتها، ولا أحدٌ يقدر على (تصوّر) الإمساك بها؛ وفي الآن ذاته فليس الواقع هو البديل، إذ يغدو موضع تساؤل عما صار يعنيه الواقع فعلاً، وهو تحت طبقات من المرآويات المعلوماتية والليزرية.
ليس هو الإمكان الذي يتجاوز الواقع، وينقله من حال إلى حال. فإن المرآوية تقطع الصلة نهائياً بين فائض الصورة، والمعلومة، والمشهدية التسريعية لكل شيء فيها، وبين فسحة الإمكان، ووظيفة التوهيم أو التخييل. فالمرآوية تنتج حدّاً ثالثاً ليس بالوهم والإمكان من ناحية، ولا بالواقع والحقيقة من ناحية أخرى. إنه الزائد عن كل حد. الزائد الفائض عن كل حدّ، الذي يأتي باللاشيء، كحالة انفجار لكل شيء يُتْخَمُ بذاته حتى ينفجر، يتبعثر بدون أثر. لقد أصبح راهنياً أن قَتْلَ الواقع لا يعني أبداً اختراع الأوهام كبدائل عنه. بل إن الفائض القُصْووي عن حدِّ الواقع، وحدَّ الوهم، هو الذي يلغي المسافة المفهومية، كما المسافة الزمكانية، بين الأشياء؛ إنه لا يعيد الكون المبعثر إلى ذرته الواحدية ذات الكثافة المطلقة التي كانت بذرةَ الكون الأولى. إن انفجار الفائض يلغي المسافوية، من أجل أن يصبح كل شيء، كأنه لا شيء في الآن عينه.
لقد انطلق بودريار من مُسلَّمة: قتل الواقع، وكأنه يعلن عن قيام سلطان مطلق للوهم والتوهيم، لكنه، ومن خلال توتر نصّه بالذات، رأى أنه يعلن موت الوهم كذلك. ولعلّه، ورغم كارثية وعيه الإستثنائية، فإنه لا يزال يبحث عن أقنومية الحدّ. فهو قلما يتحرر من حنينية رومانسية، إلى طوبائية التغيير من ناحية، وإلى استعادةِ ثقافةٍ، تعتمد تقديسَ اللغز الذي تدَّعي أنها بصدد حلّهِ دائماً. «إن اللغز، هو لغز الموضوع الذي يتقدم عبر شفافية كلية، وبالتالي لا يمتنع عن كشف هويته من خلال خطاب نقدي أو إستطيقي. إنه لغز موضوعٍ سطحي أو مصطنع ينجح في الحفاظ على اصطناعته، وفي الانفلات من كل دلالة طبيعية، ليكتسب توتراً طيفياً، فارغاً من المعنى، وهي ليست سوى دلالة تصنيمية*». هكذا يتحدث بودريار في معرض تحليله لفن الرسام ڤارول Varhol، الذي يُفرِغ كل صورة من محتواها، وينقلها إلى مجرد صورة خالصة، تنتجها التقنية فحسب، باعتبارها إنما تنطوي على محض فراغ. فالحنين إلى ما يملأ هذا الفراغ في عصر التصحير التقني، ليس سوى مضاهاة للحاضر بالماضي. إن انتزاع الصورة من دلالتها الأساسية، باعتبارها صورة تنتظر مشاهداً، حرّرها من حتمية أن يكون لها مشهد حقيقي، أو حتى وهمي. فيقرّ بودريار مجدداً بتلك الحنينية على شكل صوفية جديدة: «في الرؤيا، الصوفية، فإن إشراقةَ أضعفِ تفصيلٍ إنما تجيء من الحدس الإلهي الذي ينيرها. ومن استشعار المتعالي الذي يسكنها. أما بالنسبة إلينا، فالأمر على العكس، فإن صحة العالم المذهلة إنما تجيء من استشعار جوهرٍ يفرّ منه، وحقيقةٍ لم تعد تسكنه أبداً. تجيء من إدراك دقيق للشبه، وبالتحديد، للشبه الإعلامي والصناعي. ذلك هو ڤارول، وهاجس الصورة التسلسلي عنده، أيقونيتُه، الوجدية واللادلالية. وتلك هي صوفيتنا نحن كذلك، وصوفيتنا المضادة المطلقة، بمعنى أن كل تفصيل من العالم، وكل صورة، يظل لها إيحاؤها، لكنه إيحاءٌ باللاشيء تماماً»**، فالمنهج الآلي لايقتصر على تَألْية المشاهد، لا يلغي الموضوع فحسب، بل يدمر الذات والذاتية. إنه انقلابُ المشهدية إلى مجرد الآلية الإبتدائية، يُفرغ المُشاهد كذلك من دوره كذات تنتظر فُجاءةً من عالم الصورة. الفنان الذي يُبدع في تصوير التفاهة، يغدو كذلك من أولى ضحاياها، لأنه يمسي ريشة معلقة في الفراغ، بدون ذات. ذلك أن «التفاهة تغدو هنا معيارَ السلام الاستطيقي». لكن ما ينبغي قوله هنا أن الطليعية حاولت أن تلاشي من أهمية موضوع اللوحة، حتى تُفسح حيّزاً أفضل لإبداعية الفن. لكنها، مع أعمال ڤارول خاصة، التي أعادت إنتاج ابتذالية الموضوع على مستوى منهجيةٍ للأَلْيني الخالص، قد تمّ قطعُ هذه الطليعية عن أية مثالية إستطيقية؛ كما يلاحظ بودريار، الذي يحكم جازماً أن ڤارول قد صفّى حسابه مع كل يوطوبيا: لكن كل ذلك لا يعني إلّا أن الفنان قد صفََّى حسابه كذلك مع ذاتيته. مثلما لم يعد الموضوع يجلس في أي حيّز، أي لا وجود له، فإن الذات المبدعة افتقدت حيزها كذلك. «وهكذا يجتاز ڤارول حيّز الطليعية، ويغلق مرة واحدة حلقة الإستطيقا. فيحرّرنا هكذا أخيراً من الفن ومن طوباويته النقدية».
«لقد مضى الفن الحديث بعيداً في تفكيك موضوعه، لكن ڤارول ذهب أبعد في انعدامية الفنان والفعل الإبداعي»، وفي هذه المرحلة من الأَلْيَنَة، ومن ذاتية الألينة، لم يتبق ثمة حيّز نقدي، حيّز لكل من الذات والموضوع، ولكنه حيّز متعارض، حيّز من الاختفاء المتوازن لكل من الذات والموضوع. بما يشبه إلى حدٍّ ما، حالةَ العلوم الراهنة، حيثما يختفي موقعُ كلٍ من الذات والموضوع معاً، فلا يتبقى من واقع الموضوع إلا آثاره على لوحة الحساب. فلقد أمسى هذا الحيّز العلمي الجديد، هو عينه، حيّزاً متعارضاً. فلم يعد للعالم الواقعي ثمة وجود خلْفَ الشاشات التي تسجل مدارات الجزئيات، كما ليس من وجود لذاتٍ، هي ڤارول وراء صور ڤارول. بدون شك، لم يعد ذلك فناً، مثلما تقريباً لم يعد ذلك العلم علماً
ـ فماذا يعني علم متعارض؟ غير أن هذه المرحلة المتعارضة هي مرحلتنا، وهي لا يمكن عكْسَ اتجاهها».
ولا شك فإن الاستعانة بنموذج الرسم المُؤَلْيَن الخالص، كما أنجزه بكفاءة حاسمة ڤارول، توضح لدى بودريار ذُرويةَ وضع التحييد المتقابل، بين الصورة والصورة، بين حيّز الصورة في الواقع، وحيّز المشاهد. هناك تبادليةٌ باردة ولكن قاطعة، بين حيادية كل شخص مقابل كل شخص. ولقد تكون «التحايُديَة» هي التعبير الأخير، عن إنجاز معركة الذات والموضوع؛ إذ يتم عبْر التحايدية تسويةُ كل الحدود بنوع من المسافوية الصماء، المحايدة هي كذلك؛ يغدو الجميع آخرويين مقابلَ بعضهم، دون أن تكون بينهم أية جهة ذاتوية. لكن مثل هذه الآخروية ماذا يتبقى لها من دلالة، إن لم تُشِرْ إليها أيةُ ذاتوية، حتى ولو كانت ذاتويةً فارطة، إلى تعددية لا مركزية.
ليست التحايدية قراراً سياسياً، ولكنها إعلان عن مرحلة نهاية فنَّ الرسم، مع الطليعية ذات النزوع الأَلْيني الخالص، المتمثل لدى ڤارول، كما يحدد بودريار. قد تضع حداً للإستطيقا نفسها؛ ذلك أن الإستطيقا تراهن على الآخر باعتباره المختلف، وليس المتشابه. في حين أن انفراط ثنائية الذات/الموضوع إلى سلاسل الأشباه المندرجة في كل إتجاهات المكان، بحيث تتلاشى القطبية، ولا يتبقى لأي حدٍّ حَدُّ يُعْرف به ويختلف به عن سواه، هذا الانفراط هو ما يعنيه سلطانٌ مطلق لفن الوهم، على حطام وهم الفن. الأول يخص (صياغة) الأشباه. والثاني يخص ثقافة الإمكان؛ وبودريار يعنيه جيداً أن يحدد راهنية الحداثة (الغَرْبنية) المتمثلة في هذه النقلة من ثقافة الإمكان إلى صناعة الأشباه. وما لا يقوله بودريار: إن كان ثمة أملٌ حقيقي في تفعيل هذا النوع من التقاط المايحدث، والبحث عن ثمة مخرج. ذلك أن الوقوع تحت سلطان الشِبْه المطلق، لن يُبقي على أي حيّز لذاكرة تَلْفت إلى إمكان المختلف. فالشبه لا ينتج إلّا الشِبْه. وهنا فالوهم فقد كل نقائضه، إلى الدرجة التي يمكن فيها للاستثنائي، الذي لم يستطع تسويقُ دعايته لذاته تحت أضواء المدينة الليزرية، أن يندب حظِّه لأنه «لم يفز بعْدُ بصيرورته آلةً»، كبقية (العالم).
لكن المسألة التي لم يُعِرْها بودريار الأهميةَ التي تستحقها، هي أن قتل الواقع من أجل الفوز بالوهم، لن يترك مجالاً للتعامل مع الوهم إلا بطريقة وهمية كذلك. وهو التحذير عينه الذي يشكل التباسية التقنية، باعتبارها أعلى تجسيد للوهم بطريقة الواقع نفسه. فحين يتعاظم خطابُ القتل للواقع، فهذا يعني أن حادثة القتل لم تعد الاختيار والاختيار الوحيد. وأن (الإمكان) لا يزال يُشغل ثمة زاوية ما. وبالتالي فإن حنينية اليأس شبه المطلق أمام الأَلْينة،
لا تتكلم تماماً مفرداتِ الأَلْينة عينها. وإذا كان الفكر البري أو البرّاني، قد تم إجهاضه تماماً تحت وطأة (فكر) الشبه الذي يملأ مشهدية عالم ما بعد الحداثة، فليس ذلك لأن الفكر ـ بدون أي توصيف ـ لم يستطع بعْدُ اكتشافَ المفهمة المطلوبة للتعامل مع عالم برّاني كله، غدا معناه الوحيد في اللامعنى؛ بل ليس ذلك أيضاً لأن الفكر لم يتقن بعْدُ تقنيةَ إنتاج المعنى حتى من اللامعنى؛ إنما لعلّ التشخيص الوحيد لمأزق الفكر الحداثوي مع امتداد سلطان الوهم التقنوي، يرجع إلى استحالة اجتراح مخرج من هذا المأزق، خارجَ التقنية عينها. ولذلك فإن أنصار إطلاق الثورة المعلوماتية إلى أقصى آفاقها، يريدون أن يثبتوا لمن تبقَّى جامداً في معسكر الحنينيات، أن الاستسلام إلى حركة الانزياح مع قصووية التقني، هو وحدَه طريقُ اكتشافِ مهلةٍ فُجائية، خارقة، تضع الفكر لأول مرة على حدود اللامفكر به.
مرةً واحدة يُستعاد الخطابُ حول فُجاءة العالم، إلى درجة أن يُقال إن الوهمي عينه إنما ينطوي على نوع من انتظار صامت لما ليس هو منه وفيه. أليس التقني، هو من مشتقات التدبّر والاتقان، حَسَب الحدس الإغريقي والعربي. صحيح أن (التكنولوجيا) هي في طريقها إلى استكمال بناء عالم من الوهم كامل، مواز للعالم التقليدي، كما كان توقّع الحدسُ الإنساني العام؛ لكن (التقنية) كتدبّر، تفيض عن إنتاج نموذج وحداني في التكنولوجيا. صحيح أن عالم ما تحت اليد يحجب ما وراءه، لكنه هو وحده المدخل إليه. هذه الإشكالية تُخرج السؤال الفلسفي من مأزق الإحراج الذي يُوقعها قيه منطقٌ وحدانيّ لا يتحرر منه حتى أمثال بودريار. فإذا كان الغرب قد فاز بصناعة الوهم (الخالص) كنهاية للتاريخ والفلسفة معاً، بعد أن أتم استنفاذَهُ للأوهام، المُقَنَّعة تارةً بالطوباوية، وتارةً بالتاريخانية، والجمالية، فكأن الواقعية، ذلك الفكر البراني الخالص، قد تُركت لمحورٍ أساسٍ، لصراع «بقية العالم» [اللاغربية] مع حلقة فارغة من أوهامه التقليدية، التي لا تفرض نفسها كما هي، بل تضطر أن تكون نسبية، وتتقنّع بحجابات من صنع الطوباوية الميتافيزيقية، والتاريخانية، والجمالية.
إن الفوز بفكرٍ عما هو ذاتيّ الوهم، أي بذلك الوهم الذي لم يعد يتكئ على حوامل طوباوية، قد يكون امتيازاً إستثنائياً لدى أصحاب مشروع الغَرْبََنَة الأصليين. ولعلّهم سوف يتبارون ـ مثل بودريار ـ في ندْب الواقع (الواقعي؟) الذي صار يفتقدونه، وسيفتقدونه إلى الأبد. لكنهم فازوا بالبديل، هو (الشبْه) المطلق الذي ينطوي على أقصى حكم معياري، منطوقُه هكذا: أفضل ما في التقنية هي هذه
ـ التكنولوجيا، والالتحام بها يبرر كلياً نسيانَ التقنية عينها.
فإذا ما قشطنا أسلوب الحنينية عن خطاب بودريار، هل يتبقَّى فيه ظلّ لجريمة كاملة، وبحث عن المتهم، ودعوة إلى محاكمة، وإصدار حكم. فالوهم الذي صار ذاتيّ نفسه قد يضع حداً لإشكالية الداخل/الخارج، الواقع والمثال. عندئذ لن يتبقَّى للفلسفة حقٌّ في المطالبة بمحاكمة أحد. لعلّ ذلك ما يقصده بودريار بالجريمة الكاملة. ليس اختفاء دوافع الجريمة، والجهل بالفاعل، وضياع جثة القتيل عينه، ليست كلُّ هذه الخصائص إمتيازاتِ الجريمة الكاملة. بل تحت سلطة ذاتيَّ الوهم، سوف تختفي كلُّ هذه الخصائص، ويختفي الموصوف نفسه. ولن يكون معنى الاختفاء التواري الموقت، بل هو الزوال النهائي، مع ضياع فرصة أن يتلاقى العقل والعالم معاً بدون توسط تلك (الحضارة) الهالكة فيما بينهما. أي على العكس من الحلم الهيغلي الذي طمح إلى انقضاض العقل على العالم كلياً بفضل حضارته تلك.
هل ثمّة انقطاع حقيقي بين الأوهام باليوطوبيات، وبين (الوهم) بالشِبْه التكنولوجي؟ من عادة اليوطوبيات رغم أنها تُبنى جميعها على صرامة الواحدية، إلا أنها تفسح مجالاً لتعدد التأويلات المدعية جميعها الإمساكَ بالمفتاح الواحدي. أما الوهم فلا يقدم تأويلات، وهو ينقل التعددية دفعة واحدة من كيفيات مختلفة في الرؤية، إلى رؤية الواحد المتكثّر كمياً نُسخياً، أشباهاً على أشباه. لسنا حتى أمام تعددية الآلات أو الأدوات؛ فإن الإختزال الإلكتروني يحجب أو يلاشي إلى درجة الصفر، الجهازَ الآلي الصانع، ليضعنا مباشرة أمام النتائج. في حين أن الأوهام السابقة التي اغتنت وتطورت مع قطائع المعرفي، كانت مضطرة دائماً إلى حجب ذاتها، تكذيبِ نفسها كوهم، والاعتصام بتقاليد ظاهرية عن ـ الحقيقة. فالوهم الطوبائي عندما لا يستطيع أن يقع على مسافة مادية من الحواس، باعتباره شيئاً، حدثاً، فإنه مضطر إلى الاستنجاد بكل طاقة التخييل والترميز. ولذلك فإنه هو الساكن الرئيسي في اللغة، والممتنع عن الخروج منها. إذ كل خروج هو بمثابة الانهيار في العدم. في حين أن وهم الشبه ينخرط رأساً في بناء العالم الموازي، الذي لا يلبث أن يتآكل أمامه ذلك العالمُ الأصلي، الذي كنا نعتبره بداهةَ الوجود، ووجودَ البداهة.
فالأشباه، خارج الصيرورة، ليست مشاريع للمستقبل.
ولا حاجة، من أجل فهمها، لا للإمكان، ولا إلى التخيّل، ولا إلى استيهامات الشغف، شغف النفس الإنسانية بما يتعدى المعطى الراهن. فالآلي يدخل في نطاق ما تحت اليد مباشرة، ويحرمك من إيهامات عالم آخر، يقع خارجَ ما تحت اليد. ماذا ينفع الحلُم إن كان إطار الواقع (الشِبْهيّ) عينه كفيلاً باستباق الحلم، وتقديم تجسيده السهل إلى درجة الابتذال. الأشباهُ أمست هي عاديات الحياة التي تتناسل من بعضها على نسق الصور، التي تغدو مجردُ حركتها من صورة إلى أخرى، كافيةً لاستشعار المتغير، سواء كان المتغير شكلاً أو هيئة، زماناً أو مكاناً، أو حالاتٍ آتية بعد أخرى.
الفارق المعرفي، بل الأنطولوجي كذلك، بين أوهام عالم الطوباويات، وعالم الأشباه، أن الأول يتكلم لغةً لا تستطيع أن تعزز واقعاً مباشراً، في حين أن الثاني يقدم العالم الجاهز، المتحقق، الذي لا يحتاج إلى أية مراهنة على خيارات الممكن واللاممكن. فالوهم ينكر نفسه دائماً. وخاصة إذا كان ينتمي إلى الأرومة الطوباوية؛ إلا وهْمُ الشبه الذي يتمتع بالقوام المادي، المداهم للحواس. يملأ كل فراغات ما تحت اليد، بما يجعل الشبه المتحقق الآن وهنا، أقرب إلى المخيلة من أقرب ممكناتها وأحلامها الخائبة. فالشبه لا يلغي الممكن فحسب، لا يقتله، بل يقتل حادثة قتله كذلك، ويبدّد الجثةَ الضحيةَ: في الزمن الواقعي لا متّسعٌ لحيّزِ، قَبْرٍ.
لا يبقى أيُّ نفْعٍ للتذكير بالتحقيب المعرفي إلا للتأشير على الآخرين ـ من غير المتغربين ـ أولئك الذين لا يزالون يتخبطون في متاهاته، ويتقافزون بين ذرى القطيعات وقيعانها. فالمنشغلون بكل أدبيات تحدي الواقع وتجاوزه، أصبحوا مضطرين للتسليم بخسارة المعركة قبل خوضها. ما نفْعُ أزمنة التحقيب المعرفي كلها، إزاء الحسم الأخير للزمن الواقعي. إن أحداً منّا لم يعد يدّعي أنه يسند الجدار، ولكن عندما ننزاح عنه يتساقط شذَر مذَر: إلا أنه قد ينجو سؤالٌ أخير: هل عصر سلطان الشبه هو بدون طوباوية حقاً؟ ألّا يقول بودريار نفسه في معرض تحليله لوهمية الأَلْينة عند ڤارول: «ذلك أن قدر كل التقنيات: هو أن تجعل العالم أكثر وهمية كذلك». فالوهم عندما انفصل عن الطوباوية، ولم يعد يخشى أي افتضاح، لأنه أضحى بطلَ الساحة بدون منافس، يمكنه أن يخترع طوباويته، بأن يمعن توهيماً إلى أقصاه، داخل التوهيم عينه، الذي لم يعد له ثمة خارجٌ. وبالطبع ينبغي مع ذلك تمييز طوباوية الوهم الخالص عن طوباويات التحقيب المعرفي التي كانت تغطي تاريخانية التاريخ؛ إنها تقدم (واقع) الشبه الراهن على كل أوهام الطوباويات المؤجلة إلى ما بعد الآن وهنا. «ذلك أن للوهم سراً، وهو إنه ينظر إلى العالم كعالم، ولكن باعتباره نموذج ذاته. وهو ما يعيد إلى العالم الشكلانية ـ في ـ الوهم، مما يحيله مجدداً، بطريقة محايثة، إلى مجرد «شيء بين الأشياء». فإن اختلاق عالم مواز كامل (التكنولوجيا) يجعل الذات تتنازل عن «أسرارها» إلى ما صار شِبْهِها. تسلّم إليه تميّزَها الأنطولوجي الذي هو الإمكان، إلى الواقع/الشبه، الذي لن يحتاج بعد تسلّم الإمكان، إلى أية إحالةٍ تُذكِّر بالأصل. الشبه لن يشبه إلا ذاته. في حين أنه من تلك الذات ينطلق التغيّير المتواصل، أي الإمكانُ اللامحدد الذي لن يعرف نفسه إلا على أساس أنه الواقع. هكذا لن يحتاج (الوهم الخالص) إلى مضاهاة حدِّه بأي حدِّ/آخر، لأنه لن يتبقَّى خارجَه أيُّ خارج.
في حين أن وهم الطوبائية، مضطر دائماً إلى إخفاء وجهه وملامحه. لأنه يظل مهدداً حقاً بالواقع الذي يكمن في جهة ما. ميزةُ الأوهام التقليدية أنها لا تستطيع أن تبرح كونَها حكاياتٍ لغويةً. وهي تستغلّ ازدواجية اللغوي، كتصوّر وموضوع، لكنها تعرض عليه الانحرافَ إلى جانب التصوّر، والسعي إلى إخفاء الموضوع تحت مزيد من التصورات كذلك؛ بحيث تُحيل تطوّرها إلى مرتبة المفاهيم. ههنا يتم الاستغلال الأعلى للفلسفة. إذ يُعهد إليها بمهمة إنتاج المفاهيم ما دامت تساعد ـ هذه المفاهيم ـ في الانحراف عن الواقع: بَدَلَ أن يكون المفهوم مفتاحاً يفكّ عِقَدَ الواقع، فإنه ينحاز إلى جانب تلك العقد، ويُقفل على نفسه وعليها في وقت واحد.
لكن في سياق «التحقيب المعرفي» كانت لعبة المفهوم واللامفهوم، لا تستطيع إلا أن تترك الواقع لاعباً مستمراً في عقر دار الوهم، وإن جَعَلَتْهُ واقعاً محجوباً أو مقنعاً، أو متوارباً مهمشاً، لكنه لا يبرح الساحة كلياً. أما الوهم الخالص، الذي يبشّرنا به عصر «الزمن الواقعي»، فإنه يقدم واقعه على أنه الممكن الوحيد، دون أمل باكتشاف أي ممكن خارج سياقه. إنه يحشر جدلية الواقع ـ الممكن داخل جُوانيته. ينقلب العالم البّري نهائياً إلى عالم جواني، دون أن يكون أهلياً أو حميمياً. تلك هي جوانيَّةُ الشفافية الخالصة: تجانسيةُ ملساء صلعاء. كل نقطة فيها هي كل نقطة أخرى، لا تنتج شكلاً، وجهاً، كياناً. ولا تبدّد أيَّ شكل، كان قبلها أو سيأتي بعدها.
هل ينبغي الجزم مع بودريار أنَّ: «كل ما تأتون به، وفْقَ صيغة الإنتاج، لن يكون إلّا صورتكم عينها. ووحدَه ما يتأتّى، وفق صيغة الاختفاء، هو الآخرُ فعلاً». ذلك أن الآخر لا يمكنه أن يأتي إلّا إذا كان يتملك حيّزاً خارجانياً، لا يشغله أحد سواه. فالفكر البّري، ليس هو كذلك، إلّا لأن أحداً داخلانياً لم يُشغلْه بعد. أفضلُ فراغٍ هو ما لا يمتلئ بالأشباح. إنه الفراغ الذي يمتنع عن الوهم، عن الشبه، بانتظار انبثاقة الآخر. ذلك صوتٌ هو من نداء الفكر البري؛ لأنه ينادى حقاً على إنقاذ الفراغ، تارةً من التحقيب المعرفي الذي يملأه بالأصنام التقديسية، وإنقاذه، تارةً أخرى، من الأشباه، من سلطة المرايا التي لم تعد تكتفي بإخفاء الأشياء، بل تعدمها، لتتعامل مع أشباحها الزجاجية فحسب. المرآويةُ وهمٌ مطلق؛ أما الطوباوية، فكانت تسجيلات متواليةً لفشل الوهم في حجب الحقيقة نهائياً. ذلك زَمَنُ المرآوية، آتيةً ما بعد التاريخ، تعلن عن تشبيح الإثنين معاً: مسيرةُ التاريخُ ونهايتُه، أي الطوباويةِ وموتها. تحدد تاريخَ الذاتية، في عيْن لحظة تبديد الموضوع. غير أن المشكلة أن الموضوع لم يكن بالمستطاع تبديده (تماماً) خلال تاريخانية الطوباويات، بل كان ثمّة تاريخٌ متسلسل من الحجب والتلعيب والاستغلال الذي يخضع له الموضوع تحت ادّعاءات كثيرة، بلغت أحياناً حدّ التشويه ← التأويل نفسه، الذي قد يقبل بالتحوّل إلى جبهة حارة لصراعات كل تلك الادعاءات، دون الفوز أخيراً بنفسه كتأويل نظيف من كل تلعيب. فالفارق بين التأويل والتوهيم هو أن الأول محتاج إلى حضور الأصل موضوع التأويل، بينما أصبح يشتغل التوهيم على أساسٍ من غياب الموضوع، وذاكرته معه، وذلك في مرحلته العليا: المرآوية.
إن ثقافة الحجب ليست هي ثقافة الفراغ. فالحجب قد ينجح في تغطية الموضوع، لكنه لا يزيله. لذلك لم تستطع تاريخانية الوهم الطوباوي أن تتجاوز المَفْهَمَة القائمة على الثنائية. ومهما حاولت التمظهر بالواحدية، فلقد كان ثمة من يقف لهذه الواحدية بالمرصاد في جهة ما من المَفْهَمَة. ولذلك أصبح اللجوء إلى التأويلية، يوفر احتياطاً في وجه الحسم الذي قد تحتمي به الواحدية؛ مما يدفع بها إلى الأدلجة، كآخر خط دفاعي لها. فلم يكن ثمة من حل لمأزق الطوباوية مع ذاتها إلّا في ابتكار الإيديولوجيا. بمعنى أن الإيديولوجيا ليست انحطاطاً أخيراً للطوباوية، ولكنها هي القوام الحقيقي الذي ينحلُّ إليه كل فكر واحدي كان يتقنَّع بلعبة الثنائية، كبديل عن التعددية، المستبعدة تماماً منذ الأفلاطونية، التي تتهمها باعتبارها موطناً للأوهام، الموصوفة بالحسّوية والمادوية.. والمرصودة للتغير والزوال.
أليس من أعجب الظواهر أن يوصف عالمُ المحسوسات والموجودات، بالوهم، وكونِه موطنَ الأوهام، حيثما الموجودُ ينقلب إلى وهم؛ عندئذٍ ينبغي البحثُ عن الموجود فيما يتجاوز الموجود الفعلي؛ فقد يكون مفهوماً، في سياق أنتروبولوجي تطوري، تبرير الفرار من الإقرار بالواقع، كسبيل إلى التحرّر من وطأته وضروراته التي تفوق طاقة الإنسان على التحمّل والتدبّر. غير أن هذه الآلية: الفرار، ستظلّ ترافق الإنسان وهو يرقى إلى المرتبات المتقدمة من إعمال تدبُّره، والتحكّم بما أصبح يسمى بالطبيعة وقوانينها، وصولاً إلى التمكّن من صناعة طبيعة أخرى موازية، شكّلت عالمَه الخاص المغلق عليه وعلى أداتـيّـته؛ فالخوف من ← الآخر غَذَّىَ دائماً قدرات التدبّر. صار تغيير العالم ـ باعتباره الآخر المداهم ـ هو الأسلوب الوحيد للقاء به، بل للفرار منه، أو تجاوزه؛ لكن في النهاية لم يعد ثمة حديثٌ حقيقي عن الآخر الحقيقي. صار هذا يقبع وراء شبه ـ العالم، أو العالم/الشبه الذي يجسد الصورة، ويقيم مملكة فعلية/وهمية، للـ ـ تصوّر، تقع خارج المتخيلة، ولكنها ممتدة كلها داخل إطار ما يُسمى بعالمِ ما تحت ـ اليد………….

التتمة في العدد

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

الحرية بما هي أعلى تجليات العبودية عند ابن عربي

محمـد المصبـاحـي

عادة ما تُنسب فكرة الحرية بمعناها المتمرّد، في الفكر العربي ـ الإسلامي بتجلّياته الكلامية والفلسفية والصوفية، إلى الفكر الصوفي، وكأنه الفكر الوحيد القادر على رفع مكانة الإنسان إلى مرتبة الصدارة في مشهد الوجود. فهل كان التصوّف حقاً يؤمن بمبدأ الحرية بمعناها الحق، أم أنه كان في الحقيقة يتكلم عن الحرية ليعني بها ضدها، العبودية التامة؟ محاولة منّا للإجابة على هذا السؤال، وجدنا ابن عربي أفضل من يقدم لنا المعطيات الضرورية للاقتراب منه.
كانت مداخل ابن عربي للنظر إلى مسألة الحرية مداخل متعددة، كمدخل العلاقة ومدخل الوجود في علاقته بالإمكان والعدم، ومدخل الفرق بين العيني والإضافي، النهائي واللانهائي.. إلخ. لكن غالباً ما كان ابن عربي ينظر إلى الحرية من جهة الإضافة، أي بوصفها علاقة مع ضدها العبودية. وتكون هذه العلاقة إما بين حدّين غير متكافئين، هما الأنا البشري المتناهي والمتميز والمحدَّد، والحق المطلق واللامتناهي واللامتميِّز واللامُحدد؛ أو بين حديْن متكافئين، لكونهما يندرجان معاً تحت نطاق الوجود الممكن، هما الذات البشرية، وباقي الموجودات من الأمثال والأغيار. وقد وجدنا أن العلاقة بين المتناهي واللامتناهي هي التي كانت تعنيه أكثر من غيرها في تحليله لمفهوم الحرية.
فضّل ابن عربي أن ينظر إلى الحرية من مستوى الكشف لا من مستوى التغيير، من زاوية الوجدان والانفعال لا من زاوية الفعل والتأثير، من مشارف التعالي والتسامي لا عبر المحايثة والالتزام، من أعالي الحق لا من أداني الخلق. كان ينشد إذن حرية روحية، لا عن حرية عملية (خلقية وسياسية واجتماعية وثقافية)، تسعى إلى التخلّص من ضروب الحِجر الأخلاقي وفنون الاستبداد السياسي وأصناف القمع الاجتماعي وألوان الطغيان الثقافي؛ أو حرية نظرية عقلانية تهفو إلى التحرّر من بطش الطبيعة ورعونة تقلّباتها القاسية. كانت الحرية لديه فضاءً وجودياً يُدرِك فيه الإنسان نهائيته، لا إزاء أمثاله وأغياره من الخَلْق، بل حِيال الحق. فالشعور بالنهائية هي الطريق السالكة نحو الحرية، أي نحو الطمع في نيل شيء من اللانهائية عبر الإفراط في النهائية، والانعتاق من الوجودية أملاً في كشف الغطاء عن الأحدية، والتحرّر من الخلق طمعاً في التملّي بالحق. ونفهم من هذا أنه مهما اتسمت إشكالية الحرية عند الشيخ الأكبر بالشوق إلى الأحدية، التي لا تعترف بالمقولات الوجودية، فقد كان الزمن بتجلياته المختلفة يسري فيها ويحركها في كل أطرافها، لأنه لم يكن يتصور الحرية صفةً من صفات الإنسان، وإنما هي مشروع ملقَى في فضاء الصيرورة والمستقبل لا يمكن أن يتحقق إلّا بقفزة أحدية. بهذه الجهة، تبدو الحرية وكأنها فاكهة لا يذوقها إلّا أصحاب الذوق الراسخين في الطريق. فهل سيكون بمقدورنا نحن أن نسير في معارج الحرية الأكبرية وهي مضنون بها على غير أهلها؟
لا يمكن أن نقترب من مفارقات الحرية ومفازاتها دون الإستئناس بجملة من الأسئلة التي يتعلق بعضها بهوية كل من الحرية والعبودية، وبعضها بالعلاقة بينها، وبعضها بالغاية. فبالنسبة لحقيقتها تتبادر إلى ذهننا هذه الأسئلة التالية: هل الحرية من باب الوجود، أم من باب الماهية، أم إنها بالأحرى من باب العدم؟ هل كانت نقطة انطلاق الشيخ الأكبر نفْيُ وجود الحرية من أجل إثبات ماهيتها، أم إثبات وجودها ابتغاء نفي ماهيتها؟ وإذا سلّمنا بأن الحرية من سياق الوجود لا من سياق الذات، فسيكون من حقنا أن نتساءل أيّ نوع من الوجود تندرج تحته: هل الوجود الجوهري الذاتي، أم الوجود العرَضِي الإضافي، أم الوجود الثبوتي أم الوجود السلبي؟ هل تنضوي تحت الوجود العيْنِي أم الوجود البيْنِيّ، أم إنه الوجود العدمي؟
ومن جهة علاقة الحرية بالبنية الأونطولوجية للإنسان، نتساءل: هل الأصل في الإنسان الحرية أم العبودية، كأن تكون الحرية ذاتية، والعبودية عرضية، أم العكس؟ أو بالأحرى، هل الحرية أدخلت في باب جوهر الإنسان، في مقابل العبودية التي تنسحب إلى مرتبة العرَض الطارئ عليه، أم العكس؟ من جهة أخرى، وإذا جاز لنا أن نتكلم عن العلاقة بين الحرية والعبودية على غرار العلاقة التي توجد بين الهيولى (المادة) والصورة، فهل نعتبر الحرية بمثابة الهيولى التي تحل فيها العبودية، أو نعتبر الحرية شبيهة بصورة الإنسان التي تحل في العبودية، وكأن هذه الأخيرة تنطوي على الحرية بالقوة؟ وإذا كان الأمر كذلك، أي إذا كانت علاقة الحرية بالعبودية هي كعلاقة الهيولى بالصورة، وعلاقة القوة بالفعل، فمن يُخرِج القوة على الحرية إلى الفعل: هل هو الشيخ الذي يأخذ بيد المريد في عملية تحرّره من أسباب الطبيعة والناس، أم هو القرآن أم هو مدد آت من السماء مباشرة؟
وإذا ما غضضنا الطرف عن هذا التقابل الفج بين الحرية والعبودية معتبرين أن العلاقة بينهما إضافية، سيكون علينا أن نتساءل ما حقيقة هذه العلاقة الإضافية بينهما: هل التضايف بينهما من جنس التضايف الذاتيّ المتبادل من الجهتين فيكون دخول الحرية في ماهية العبودية كدخول العبودية في كنه الحرية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل تحقيق بالحرية مشروط بالغلو في العبودية، وتحقيق العبودية مشروطة بالحرية طالما أن الضد لا ينفك عن ضده؟ أم أن التضايف بين الحرية والعبودية تضايف ذاتي من جهة واحدة فتدخل الحرية في جوهر العبودية، على غرار دخول الواحد في حد العدد، فيكون الحر هو من يشاهد صفة الحق في نفسه، وهي الحرية؟ أم أن تضايف الحرية والعبودية من جنس التضايف العرَضيّ الذي لا يشترط دخول أحد الطرفين في ماهية الآخر؟ ثم هل التقابل بين الحرية والعبودية هو من نوع التقابل التناقضي أو الضدي أو من نوع التقابل بين الوجود العدم؟
ونفس السؤال يراودنا لكن بطريقة أخرى إذا ما نظرنا إلى الحرية من جهة الغاية، وهو: هل كانت غاية ابن عربي من هذا البحث الوصول إلى مقام الحرية عبر نفي العبودية، أم بلوغ مقام العبودية عبر نفْيِ الحرية، أم بالأوْلى الاحتفاظ بالعبودية في عز تجاوزها نحو الحرية؟ هل غاية الحرية تحقيق فراغ مطلق في الذات طمعاً في امتلاء مطلق؟ ونعتقد أن كل هذه الأسئلة تؤم السؤال الأكبر، وهو هل يمكن أن يكون للحرية مكان ما في فضاء تملؤه عقيدة وحدة الوجود؟ ويسلمنا سؤال الغاية إلى سؤال الطريق الموصلة إلى الحرية: هل الطريق إلى الحرية هو طريق “الغِنَى بالله” عن حقوق الأكوان واسترقاق الأغيار، أم إنه طريق “الفقر إلى الله” في غمرة الغِنَى به عبر الاستغناء عن الأسباب والفرار من العالَم إلى الله؟
هذه الأسئلة وغيرها تَشِي بخطورة مقام الحرية لمن يريد أن يغامر بتحقيقها، خطورة التضحية بجنة العبودية، الآمنة والمضمونة بقضاء الله وقدَره، وبضرورة الطبيعة وحتميتها، وبتوافق الأمثال وتراضي الأغيار، في سبيل أرض غير آمنة ومحفوفة بالأسرار، هي أرض الحرية. أليست الحرية هي التي كانت وراء تضحية آدم بالجنة في سبيل الأرض؟ غير أن خطورة الحرية قد تأتي أيضا من الحيرة إزاء نوع الأدب الذي ينبغي أن يتحلى به الحرّ أمام الله، أو من التردد أمام نوع الخلُق الذي يتوجب الاتصاف به أمام الأمثال والأغيار من الناس، أو قد تترتب الخطورة من الخشية من أن تتحول الحرية إلى حجاب يستعبِد الإنسان بسبب استعمالها العقل سبيلاً لتحقيقها.
إن استئناسنا بالقاموس الفلسفي لطرح أسئلتنا لايعني أن اللغة الفلسفية، أي اللغة المفهومية المجردة القائمة على العقل والاستدلال، كانت هي معوّل ابن عربي الأساسي لصياغة إشكاليته الخاصة عن الحرية. فقد كانت مصطلحاته تستمد شكلها ومضمونها من القاموس القرآني، أي قائمة أساساً على الخيال والاستعارة والمجاز والتمثيل وما تستدعيه هذه القوى والأدوات من تأويل هدفه خلق جوّ من الالتباس والحيرة. هكذا سنلفيه يستعمل مجازات من قبيل الغِنَى والفقر، العبودية والاسترقاق، التصريف والفعل، والغيرة والقرب والبُعد، الطلب، والحق، والمحل، والمشيئة، والسؤال، والحال والعين وهلم جرا. فهل ستجد الحرية متسعاً أكبر لإثبات ذاتها عبر لغة التمثيل والخيال، أم أن ابن عربي سيستند إلى هذه اللغة ليثبت أن الحرية خيال في خيال؟
I. الحيرة طريقاً للحرية!
تأتي أهمية إشكالية الحرية عند ابن عربي من كونه ربط الحرية بالوجود ربطاً جوهرياً إلى درجة صار مصيرها رهناً بمقدار أو بنوع الوجود الذي يتمتع به الكائن الذي يُفتَرَض أن يتصف بها. وهذا ما سيُضفي على إشكالية الحرية، كما تصورها الشيخ الأكبر، طابعاً إضافياً. ذلك أننا لا نستطيع فهم حقيقة الوجود، الذي للإنسان أو للعالم، إلا من خلال إدراكنا لطبيعة الوجود الذي لله، وبالمِثْل لا نستطيع استيعاب مقدار ونوع الحرية التي للإنسان إلا عبر إدراك مقدار الحرية التي لله.
وبارتباط مع الوجود، نجد لإشكالية الحرية وجهاً آخر، هو الوجه الذاتي. ذلك أن مقتضيات النظرة البرزخية كانت توجب على ابن عربي، منذ البداية، أن ينظر إلى كل من الله والإنسان من زاوية الذات. فقد كان يميز بين الحق الغنيّ عن أي علاقة له بالعالم، والله المضاف إلى العالم في كل آن وحين. ونفس الأمر بالنسبة للإنسان، حيث كان ينظر إليه حيناً بوصفه عيناً (ذاتاً) مستقلة عن كل المقولات والأعراض الوجودية، وينظر إليه حيناً آخر باعتباره عبداً لله أو للعالم، أي بما هو مضاف إلى غيره.
وكما أشرنا، فإن صياغتنا لجانب من عناصر الإشكالية الأكبرية للحرية على هذا النحو لا يعني أننا نعتقد أنه كان يقصد من الحرية ما كان يفهمه الفلاسفة منها، من حيث الموضوع والمحرك والغاية. فلم تكن الغاية من الإستراتيجية القولية لـ ابن عربي بيان وتبيين أطروحته حول الحرية والعبودية ضمن بناء منسجم باستعمال الآليات العقلية الصارمة التي تحصر وتُقَيِّد، بل كانت تهدف على العكس من ذلك، خلق جو من الالتباس الدلالي والتشابه القولي في كل ما تحكيه وتشهده أو تتأمل فيه، سعياً وراء توسيع الدلالة وتكثير مجالات استعمالاتها، وذلك باستعمال آلة التأويل في أقصى حدودها. لم يكن خطاب الشيخ الأكبر حول الحرية خطاباً برهانياً متماسكاً، بل كان على العكس من ذلك خطاباً تضادياً يسمح له بحرية أكبر في استنباط معنى الضد من ضده، أو جمع الضد مع ضده بدون رقابة عقلية أو شرعية قوية، على غرار قوله: فأنت العامل لا العامل! كما قال:
﴿وما رميتَ إذ رميتَ﴾. فنَفَى عينَ ما أَثبَتَ لك، وأثبته لنفسه، فقال ﴿ولكن الله رَمَى﴾، وما رَمَى إلا العبد، فأعطاه اسمه وسمّاه به، وبقي الكلام في أنه هل حلاه به، كما سماه به أم لا؟ فإنّا لا نشك أن العبد رَمَى، ولا نشك أن الله تعالى قال
﴿ولكن الله رمى﴾.(الفتوحات المكية)
نعم، يُعَدّ ابن عربي من أكثر المتصوفين تفلسفاً وانفتاحاً على مفاهيم الفلسفة ومناهجها ورؤاها الكونية، كما كان يُشارك أصحاب النظر والحكمة دعوتهم الإنسانَ إلى التحرّر من رِقّ الأغيار وقيد الأمثال، إيماناً منه بأن حقَّ نفسِ الإنسان في الحرية أعظم من حقّ مِثله في مصادرتها، سواء كان هذا المِثْل فرداً بنزواته وأهوائه، أو مجتمعاً بمؤسساته وقوانينه وأعْرافه المُرهِقة، أو دولة بقوانينها واستبداداتها. إلا أنه كان يفعل ذلك بلغته المتحررة والمحجوبة بضروب من التورية والاستعارة، وبأجناس من التقلّب والتلون بين الدلالات والمتقابلات والإضافات سعياً وراء إحداث حال من الاشتباه والارتباك والحيرة لدى المتلقِّي. وقد كانت لغة القرآن، كما سبقت الإشارة، قدوته ونبراسه، تفكيراً وتعبيراً. لذلك سيكون سعينا صعباً، لأن البحث عن مكامن للحرية في أصداف مضاداتها ومجازاتها واستعاراتها، دون إلحاق «الأمور بغير مراتبها، والفروع بغير أصولها»، ليس بالأمر الهيـّن تماماً. فمصطلحات ابن عربي المجازية تتطلب منا قراءة تأويلية تُقلِّب اللفظ الواحد على كل أوجهه الكامنة وآفاقه الممكنة. فعندما نجده مثلاً، يُعلِن تفضيله “إضافة الإنسان بالعبودية” إلى الله على “إضافته بالحرية” إلى الغير، أو انحيازه للقول بأن مقام العبودية، أو العبودة، أشرف من مقام الحرية، لأن مشهود الإنسان في المقام الأخير أعيان الأغيار، بينما مشهوده في مقام العبودية هو الله، علينا أن لا نكتفي بالمعنى المباشر لهذه العبارات، بل علينا أن نستجلي معانيها المحجوبة وأحكامها المضمَرة التي قد تكشف لنا أمراً آخر قد لا يخطر بالحسبان.
ومع ذلك، لن تسمح لنا طريقة التفكير الأكبرية بالانفلات من متضاداته، بكل ما يقتضيه التضاد من ازدواج وتنازع وتناف وتضايف وبينية وبرزخية وتقلّب، سواء على مستوى الوجود أو الذات أو المعرفة أو الفعل. ولا يَخفَى أن التّضاد لا يكون إلا في جو من التعدد والاختلاف والحركة والتغير. فالإنسان لا يعمل بيد واحدة، ولا يرى بعين واحدة، ولا يفكر بعقل واحد، بل يعمل بيدين، ويُدرك بعينين، ويفكر بأكثر من عقل واحد، وبأكثر من قلب واحد، باستدلاله وتخيله وتذكره وتوهمه. وهذا ما يفسر أنه كلما تصوَّر الحرية تراءت له العبودية، وكلما فكّر في العبودية تبدّت له الحرية متوارية خلف حجابها. ومن لا ذوق له في التصوف يستنكر مثل هذا التفكير التقابلي، إذ لا يُعقَل إثبات الحرية بنفيها، أو إنكار وجودها بإثبات تجلياتها. ولكن صاحب الذوق الصوفي لا يحلو له إدراك حقيقة الحرية إلا عبْر ضدها، وكأن الحقيقة توجد بين النفي والإثبات، بين الخطأ والصواب، مما يعني أنها ذات طبيعة متقلّبة متحركة صائرة غير مستقرة على حال بعينه. فقد تكون الحرية حجاباً يستعبِد الإنسان الذي يستعمل عقله؛ وقد تكون العبودية طريقاً مستقيماً نحو الحرية، وعندئذ يكون الإنسان «عبداً لا عبداً»؛ وقد يكون الفقر عين الغنى، والغنى عين الفقر، أي تكون العبودية عين الحرية والحرية عين العبودية.
ومعنى ذوق الجمع بين المتقابلين، هو أن النظر الصحيح للحرية يتمثل في الوقوف في مقام الحيرة، لأنها أكمل حالات المعرفة، وطلب المزيد منها إلى أن يتمكن العارف من الوقوف في موقف يرى فيه المتقابلات وكأنها واحدة. وهذا ما يجعله يشعر بخطورة الحرية، لا بسبب انطوائها على أسرار وحسب، ولكن أيضاً بحكم صيرورة حقيقتها وتقلّب وجودها بين النفي والإثبات. ولذا، كان الشيخ الأكبر يطالبنا أن لا نتعدى مقام الحيرة إلى التأويل العقلي، مخافة أن نقع ضحايا المعرفة المقيَّدة الجازمة التي لا تملك إلا وجهاً واحداً للحقيقة. فبالرغم من أن الآية التي تقول ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾، توحي بالحسم بأن الله لم يخلق الإنسان وحسب، بل وخلق أيضاً أعماله وأحكامه، لأن «كل ما في الوجود مبتَدَع لله، فهو البديع»، فقد كان وليد مورسية يعتبر أن الآية المُشار إليها «أعظم آية وردت في ثبوت الحيرة في العالم»، ولعلّ السبب في ذلك يرجع إلى أنه لا يمكن تصور الإنسان بما هو إنسان بدون “خَلْق”، ما دام أن الله خلقه على صورته، وحباه بخلافته في الأرض وميَّزه عن غيره بمعرفته الأسماء كلها.
ولا يَخفَى أن القول بالطبيعة الضدية للنظرة الأكبرية لفكرة الحرية لا يعنى أنها تقوم أساساً على التنافي والتمانع بين الضدين، وإنما تعني أنها نظرة برزخية، أي بلغة العصر نظرة إشكالية. فكل المفاهيم والقضايا التي يتناولها الشيخ الأكبر بفكره، أو يتصورها بخياله، أو يتخيلها بوَهْمه ،كانت تتخذ أكثر من وجه وقصد متضايف، متكامل حيناً ومتقابل متناف حيناً آخر. ولم يسْعَ إلى “الحلول الوسطى العادلة” التي تراعى ميزان التوفيق بين المتقابلات تخفيفاً من حدّتها لحل الإشكالات المترتبة عنها، بل كان يعمل، على العكس من ذلك، من أجل تأجيج جذوة التضاد بينها ضماناً لهمّة الإبداع ويقظة التجاوز. وهذا ما تبرهن عليه كيفيةُ تناول صاحب (الفتوحات المكية) لفكرة الحرية: فهو لم يكن يسعى لتفنيد الدعاوى المؤسسة لقيام الحرية، ولا لنقض المقدمات المدافعة على شرف العبودية، وإنما كان يسعى إلى أن يَبقَى بين نارَيْ الإثبات والنفي، فهو تارة ينتصر لصالح الحرية، وأخرى يدافع عن مزايا العبودية، وكأن للحرية هي الوجه الآخر للعبودية.
أمام هذه الإستراتيجية الضدية والملتبسة للكتابة الأكبرية، سيكون من الصعب إخضاعها لمطالب الحد والبرهان ابتغاء استخلاص موقف فلسفي واضح من الحرية، لأن صاحبها لم يكن يكتفي بالاستدلال بلوازم وأعراض الشيء على حساب الشيء عينه، بل كان يريد مشاهدة الشيء نفسه مباشرة، الأمر الذي يقتضي منّا شيئاً من الذوق والوجدان. ومع ذلك، فإننا لا نريد توريط القارئ في مواقف حافلة بالتضاد والالتباس لا يظفر منها بشيء، بل سنسعى قدر الإمكان إلى تجاوز موقف الحيرة بالعمل على وضع ما يشبه ملامح عامة لِمَا يمكن أن يسمّى «نظرية ابن عربي في الحرية ـ العبودية».
II. إمكان الحرية في الأفق الأكبري
في فكر مُشْبَع بالوحدة الوجودية، لا يمكن للمرء أن ينتظر ظهورا قوياً لفكرة الحرية، بالمعنى الذي يعطي الإنسان حق التصرف في حياته والتشريع لمستقبله والتفكير في مصيره في منأى عن أي ضغط أو إكراه. لا يمكن أن ينتظر المرء من فكر يعتز بتسمية الإنسان “عبداً” أن يعترف بالمكانة الجوهرية للحرية بالنسبة للوجود البشري، تلك الحرية التي يكون هدفها تعزيز كرامة الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو عبد. فأفق الفكر الأكبري ليس أفقاً “إنسانياً” بالمعنى الذي يسعى إلى تحريره من القيود التي تنال من مروءته، أو التي تحد من طاقاته في الفعل والتشريع والإبداع، وإنما هو أفق إلٓهي ذوقي، غايته القصوى ضمان العبودية المطلقة لله، والفناء التام فيه، باعتباره السيّد والحر الوحيد.
لكننا في مقابل ذلك، نعلم جيدا أن “وحدة الوجود” الأكبرية ليست وحدة برهانية متراصة، وإنما هي وحدة قلقة ومتقلّبة، وحدة مشتبهة ومتضادة، وحدة تسمح بالتفرقة والتمايز بين الخالق والمخلوق، بين الحق والخَلق في عز رفضها للمغايرة، اتقاءً للغيرة الإلٓهية. كما تسمح وحدة الوجود الأكبرية بأكثر من مقام، مما يشجّعنا على أن نطمع في العثور على تجلّيات حقيقية للحرية بين المسافات التي تفصل هذه المقامات، وليس على مجرد وَمَضَات نادرة في سماء زاخرة بخطاب العبودية والجبر. من أجل ذلك، عندما تُطالِعُنا مظاهر فكرة “وحدة الوجود” في كل لحظة من لحظات ومنعطفات تناول ابن عربي لمسألة الحرية صراحةً أو ضمناً، بكيفية مباشرة أو غير مباشرة، فإننا لن نيأس من إثبات قدرة الإنسان على الفعل الحرّ. بل إننا نستطيع أن نزعم بأن كثيراً من أقواله الدالة على “وحدة الوجود” هي في جوهرها تعبير عن طموح متأجج للحرية، بجهة ما. فعندما يقول مثلاً «كن مِمَّن يُنسَب إلى الحق، ولا يُنسَب إلى الخلْق»، فهو في حقيقة الأمر يطالبنا، بطريق غير مباشر، بممارسة التحرّر من استرقاق سلطان الأغيار. من هنا نعتقد بأن فكرة الحرية يمكنها أن تكون مِحَكّاً لمدى وفاء الشيخ الأكبر لمذهب “وحدة الوجود”، ومختبراً لامتحان مقدار مصداقيته وتماسكه، وربما أداة للوقوف على حدوده. لأنه، إن كان ابن عربي مؤمناً حقاً بأن الله خَلَق الإنسان على “صورته”، وبأنه أوكل إليه خلافته في الأرض، وبأنه منزَّه عن العبث حينما أمره بطاعته وأداء فرائض شريعته، فإنه لا يمكن له أن يسلبه حريته وقدرته على الفعل.
وبالفعل، من يريد أن يثبت أن الفكر الأكبري أجدر من غيره من أنواع الفكر الكلامي والفلسفي بالدفاع عن الحرية، سيجد ما يكفيه من البراهين على ذلك. ونذكر على سبيل المثال خمسة براهين:
1) قيام هذا الفكر على مبدأ الحركة والتقلّب والتحوّل، لا على الثبات والاستقرار، كما هو الحال لدَى تيار كبير من الفلاسفة. فالفكر الذي ينتصر للحركة والتقلّب في كل شيء: في الموجودات والصفات والأحوال والصور والمقامات والجواهر والماهيات، بل وحتى في الله ﴿كل يوم هو في شأن﴾، هو أحرى بأن يكون فكراً منفتحاً على مغامرات الحرية بأكثر أشكالها جذرية وغرابة.
2) قيام الفكر الأكبري على مبدأ الإمكان بوصفه البيئة المناسِبة لانبثاق الحرية بالمعنى الحق للكلمة، فهو الذي يفسح الطريق أمام شتى الاحتمالات للقيام بالأفعال وتغيير الصور والأحوال والأحكام. أما الفلاسفة، الذين أقاموا صروحا متماسكة للحرية على أساس الضرورة، بما تقتضيه من عقل وبرهان، فإنهم، في واقع الأمر، إنما أرادوا تقييد الأفعالَ وحصر الحقائق بأسباب وحتميات وإكراهات جعلت هامش الحرية ضعيفا بحيث لا يسمح لها بأية طفرة أو تجديد.
3) وإذا كان الإمكان هو الفضاء الذي تجري فيه الحركة، فإنه لا بد لها من محرك، وهذا المحرك هو التضاد. وبالفعل، فإن الموقف الأكبري من مبدأ الحرية، الذي تطبعه الحيرة والقلق، يدل على أن الفكر الأكبري فكر تقابلي، وليس فكراً ذاتياً ماهوياً، بكل ما يقتضيه التقابل من ازدواج وتضايف وبينية وبرزخية سواء على مستوى الوجود أو المعرفة أو الفعل. فابن عربي لم يكن يشعر بحرج في نظم هذا البيت الشعري: «إذا كان حال الفتى عينه، فذلك حر وإن لم يَكُنِ»، أو في التصريح بأنه «لولا القُرب ما عُرِف البُعد»، أو في قوله: «فإذا أغناك فقد أبعدَك في غاية القُرب، وإذا أفقَرَك فقد قرّبك في غاية البُعد»، أو في قوله لولا الإمكان ما أُدرِك الوجود، ولولا العبودية ما عُرِفَت الحرية. ولعلّ أبلغ مثال على الكتابة الضدية لدى ابن عربي هو ربطه مقام الحرية بمقام تركها.(1)
4) وعلى مستوى الإدراك والمعرفة، نعثر في رحاب الفكر الأكبري على مقدمة رابعة توطئ بقوة لوجود الحرية، وهي القول بأصالة الخيال بلوازمه المختلفة من تمثيل وتشبيه ومجاز واستعارة ومحاكاة وحكي وشعر… على حساب العقل ببرهانه وحدِّه وماهيته. فالقول بأصالة الخيال وبموضوعاته المصنوعة من عالَم الإمكان، هو خير بيئة لقيام فكر الحرية؛ بخلاف الفكر الذي يقول بأصالة العقل الذي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى الحصر والتقييد والمراقبة الصارمة للأقوال والأفعال البشرية. ومع ذلك، سنرى كيف أن ابن عربي يستعمل أحياناً هذه العناصر الأربعة (التقلّب والإمكان والتضاد والخيال) لإثبات وحدة الوجود، وبالتالي لإقرار عبودية محضة لله.
5) قيام الفكر الأكبري على مقولة الإضافة من شأنها أن تسمح بوجود الحرية بجانب العبودية، لأن وجود العبودية يستدعي وجود الحرية.
6) قيام الفكر الأكبري على مبدأ التمييز بين العين (الذات) والوجود، يسمح للعين أن تقبل السيادة والعبودية معاً.
7) حجّة التكليف وما يترتب عنها من وعد ووعيد بالثواب والعقاب، تثبت أن لا مناص له من التسليم بأن الفعل هو لمن قام به أو اقترفه، لأن الله منزه عن العبث، يقول في هذا الصدد: «… التجلّي في الفعل، هل يصح أو لا يصح؟ فوقتاً كنت أنفيه بوجه، ووقتاً كنت أثبته بوجه يقتضيه. ويطلبه التكليف إذ كان التكليف بالعمل لا يمكن أن يكون من حكيم عليم بقول اعْمل و[الـ] فْعَل لمن يعلم أنه لا يعمل ولا يفعل، إذ لا قدرة له عليه. وقد ثبت الأمر الإلٓهي بالعمل للعبد، مثل أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واصبروا وصابروا ورابطوا وجاهدوا. فلا بدَّ أن يكون له في المنفعل عنه تعلّق من حيث الفعل فيه يسمَّى به فاعلاً وعاملاً. وإذا كان هذا، فبهذا القدر من النسبة يقع التجلي فيه، فبهذا الطريق كنت أثبته، وهو طريق مُرضٍ في غاية الوضوح يدل أن القدرة الحادثة لها نسبة تعلّق بما كلفت عمله لا بد من ذلك، ورأيت حجة المخالف واهية في غاية من الضعف والاختلال». وهذا ما يمكن أن نفهمه أيضاً من عبارته الشعرية:
فـلا حــرّ ولا عبــد    فأيـن العهـد والوعد
8) وأخيرا، نُورد حجة مزدوجة استخلصها تلميذه ابن سودكين من متن شيخه تستند إلى فكرتين، خَلْق الله الإنسان على صورته، وتخلّقه بالأسماء الحسنى، لإثبات تعلق الفعل بالإنسان، إذ «لو جُرِّد عنه الفعل، لما صح أن يكون على صورته، ولَمَا قبل التخلّق بالأسماء»، أي لما كان فاعلاً ولما تخلق بالأسماء الحُسْنى التي تنصّ على الفعل…………..

التتمة في العدد

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

ماهية الهرمينوطيقا: ارتحال المعنى وفلسفة التجول / التفكير مع «غادامير و هابرماس» وضدهما

علي عبود المحمداوي

مقدمة:
الهرمينوطيقا بوصفها مساراً، مساراً للتأويل، ربما تُحيل إلى فهمنا إياها بأنها إنوجاداً، أو محاكاة للإنجاز الهايدغري في أنها محاولة في فهم وجودنا وما يتعلّق به من فهم الكينونة ككل. فالخطابات تحمل معانيها في كونها فعلاً كينونياً يكشف القصد البراكسيسي الدائم لكل محاولة فهم. وذلك يقتضي التعدد حدّ انفراط عقد المسار الواحد ليتشظى، مما يخرجها (الهرمينوطيقا) عن كونها منهجاً صارماً محدداً ومحدوداً في أهدافه وخطواته. هذا ما نريد الوقوف عليه في تجربتيْ غادامير وهابرماس.
كيف شكل الفهم مساراً بالمعنى: الأفقي والعمودي والدائري؟
ـ أفقيا في معنى التراث وحضوره.
ـ عمودياً في الانوجاد الفعال والحاضر دوماً للذات والتذاوت.
ـ دائرياً في الاعتماد المتبادل المتداخل بين التراث والحاضر، بين الأنا والنحن.
ذلك التساؤل هو ما سنحاول البحث في خبايا إجاباته مع الشخصيتين قيد الدراسة. لكنه، في الحقيقة، ليس مساراً واحداً شاملاً وذلك بسبب ما طرأ عليه من تداخلات أفقية وعمودية جعلته ينسخ نفسه بصور مغايرة، إنما هو من داخله إلى خارجه مجموعة مسارات.
لن أقصد في بحثي هذا الغوص في جينالوجيا الهرمنيوطيقا، ورجالاتها، بما هو تفصيل، أو تسطير لاراءهم، وإنما سأقف على إشارات تحولية في تحقيق الانتقالة نحو معنى مسارات التأويل هذه، وتشكل معالم المسارات هذه وجهات وقسمات عدة منها: الدائرة والسياق والقاريء والمؤلف والنص، والحوار.
ومنذ بدايات الفعل الهرمينوطيقي مع النص المقدس وانتقالاته من التفسير والفيلولوجيا إلى الفهم والتأويل. كان هنالك همّاً مشتركا هو: محاولة القبض على معنى يصنع السكينة.
فمع أوغسطين مثلاً ولغرض الحصول على التوضيح «على القاريء أن ينظر إلى السياق الواسع للنص بالإضافة إلى توجيهات النحو، لأن الكلمات داخل النص لا يمكن أن تُفهم بنحو منعزل»(1)، وذلك يجعل من التأويل حركة فهمية متضمنة لقواعد نحوية وسياقات قصدية للمؤلف، وذلك ما عاد وأكده شلايرماخر في محاولاته لوضع مبادئ عامة تحكم الهرمينوطيقا وتحوّلها إلى تجربة عالمية وتخرجها من كونها دراسة للنص اللاهوتي، لأنها مبادئ تنطبق على النصوص جميعها بالتساوي، ولذلك ينقسم الفهم لها على قسمين هما(2):
1) القواعدي (النحوي): والذي يشتغل ويؤكد معرفة وفحص البُعْد اللساني والنحوي لبنية النص.
2) النفسي: الذي يشتغل على التفاعل بين القاري والنص.
إن التأويل الأول: هو مايسعى دوماً إلى فهم الخطاب من خلال نمط التفكير المنبثق من لغة معينة، لذلك يجب الإلمام بقواعدية تلك اللغة وبناها المعجمية، بينما التأويل الثاني: هو ما يتعامل مع الخطاب بوصفه فكراً أُنتج من ذات، فهو: تفكير وكلام، لذلك فهو هنا يمثل فناً في فهم النفس والعقل.(3)
وشكل سؤال: كيف يمكن تجاوز اللُبس وسوء الفهم؟ الأساس في تأويلية شلايرماخر. وبذلك يمكن أن نلحظ أنه استطاع أن يوسع مدار الهرمينوطيقا من تحليل الخطاب ولاسيما المقدس منه إلى نوع من الكلّيات والعالمية، فجاوز «قواعد التأويل إلى مستوى تحليل الفهم، أي إلى معرفة العمل القصدي نفسه، ليستنتج منه إمكانية تأويل ذي مشروعية كلية، بما في ذلك وسائل هذا التأويل وقواعده وحدوده»(4).
حاولت الهرمينوطيقا، بعد ذلك، أن تخرج عن آلياتها التي صورتها مقاماً حكراً على فهم ما يقبع خلف الكلمات وقواعدها أو كاتبها؛ لتضيف التفاعل التذاوتي وفهم التجربة الإنسانية، وذلك مع دلتاي فأصبح لدينا معنى للهرمينوطيقا الكونية ـ الإنسانية، التي تحاول معانقة التجارب البشرية عبر مقولة الحياة أو العالم المُعاش، والتي يرى أنه من خلالها يمكن أن نحكي تجربة لفهم الجنس البشري والتي تعبر بدورها كل الحواجز التاريخية وذلك بما تنسجه من المشتركات الإنسانية والنشاطات الحياتية(5). ذلك، حقاً، يبين المعالم لإنعطافة كبرى في مسار الفهم والتأويل فقد أصبح للعلامة والإشارة والرمز والكلام والكتابة التي تعد أداوت لفهمنا، وذلك عبر إعادة اختبار لها عبر عيش التجربة على أساس من التعاطف أو التفاعل (التذاوتي)، فنحن نفهم الآخر ونفهم أنفسنا من خلال تلك الأنشطة القرائية والتي تتصف بكونها جماعية وليس عبر تأملات فردية أو ذاتية مطلقة.(6)
إلّا أن الانتقالة الأهم، مما سبق، هي في جعل الفهم مساراً أنطولوجياً. إنها الانتقالة التي أنجزها هيدغر. إذ أفاد من المنعطف الفينومينولوجي الهوسّرلي، وزوّده بالبُعد الهرمينوطيقي ليجعل من الفهم غاية وطبيعة الانوجاد الإنساني في العالم. وذلك، بدوره، انعكس على المنجز الهرمينوطيقي
لـ غادامير الذي هو نموذج دراستنا بمعيّة هابرماس. والإفادة هي في قصدية الوعي من جهة، وفي اللغة التي تشارك الآخرين لكونها مسكناً للكائن. وإنني لأجد في ذلك استحضاراً
لـ ماركس من جهة أخرى أيضاً، وذلك حينما نطابق ما سبق مع ما قاله ماركس: بـ «أن اللغة قديمة قدم الوعي، فاللغة هي الوعي الفعلي، العملي، الموجود أيضاً من أجل البشر الآخرين، وبالتالي موجود إذن كذلك بصورة فعلية من أجلي فقط. فاللغة إنما تنشأ، مثلها مثل الوعي، من الحاجة، من ضرورة التعامل مع الناس الآخرين فهي موجود بالنسبة إليّ حيثما توجد علاقة»(7). وهذا النص يكشف مدى حضور طيف ماركس على الثلاثي: هوسّرل وهيدغر وغادامير، في انعكاس الحياة المعاشة على الوعي ومن ثم في تحديد المسكن اللغوي الذي يحقق الوعي والفهم.
غاداميـر
ـ التراث بوصفه ميكانزماً للفهم، ورجّاً لسكون التاريخ.
يجد غادامير في التراث أو التحيز مفردة وواقعاً لتأطير التأويل والفهم الإنساني للموضوع (كتابياً كان أو ذاتاً أخرى أو عملاً فنياً)، فالتصورات المسبقة لدى غادامير تسحبنا نحو بعث الحياة في فهمنا. وهي انحيازات تتعلّق بطبيعة انفتاحنا على العالم، وهي تقوم بإعادة تشكيل ما شُكلنا عليه في الماضي، ولذلك يمكن القول أن تحيزاتنا هي ما يلاصق كينونتنا “في ـ الـ ـ العالم”. وعليه، فما كان للعالم أن يكون دون ما نملكه من تحيزات وتحمل فكرة التحيّز دلالة الحكم الأول على الأشياء والذي ينبغي له أن يراجع بالرغم من كونه هو من يؤطر عملية فهمنا كلها(8). وكل ماسبق هو حضور فعلي لطيْف هيدغر في فكر غادامير، فاللغة هي مايشكل الفهم في العالم وعملية الفهم المشكلة لغوياً هنا هي عملية انوجاد في العالم نفسه عبر الحوار والعلاقة بالآخرين وتحقيق الأصالة ومعرفة المعنى بمطلقيته. وكذلك يزيد غادامير قولاً في «إننا حين نواجه الآخرين، فإن هؤلاء الآخرين يتحدثون إلينا»(9)، أي أن التلاقي الأنطولوجي يتضمن فعلاً إبستيمولوجياً.
يشكل الفهم المسبق بنيةً لا يمكن الفرار منها، أخذاً أو رداً (تماهياً مع غادامير)، فليس بمقدورنا أن نعزلها أو أن نستغني عنها ونطرحها، لأن خاصيتها إسقاطية، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة أن نكون أوعية لتلقي ما يقذف فينا من آليات ومعارف وفهوم، لأن عملية الفهم بحدّ ذاتها عملية دائرية تلزم المراجعة والفحص المستمر. بالرغم من كوننا منحصرين تماماً، «داخل انشغالاتنا وتصوراتنا المسبقة، إلى درجة أن معرفة القواعد والمناهج لا تكفي بتاتاً في تفادي الخطأ في تجربتنا الإنسانية»(10)، ولذلك يؤكد غادامير إن «المعاني لاتفهم اعتباطاً، فكما لايمكن أن نستمر في سوء فهم إستعمال كلمة من دون أن يترك ذلك أثره على معنى الكل، كذلك
لا نستطيع أن نتشبث بشكل أعمى بمعنانا المسبق حول شيء ما إذا أردنا أن نفهم معنى شيء آخر، … فكل ما مطلوب منا هو أن نظلّ منفتحين على المعنى الذي ينقله الآخر»(11). فالخضوع لفهوم الآخرين زمانياً ومكانياً يمثل استقالة للعقل والفكر، ولذلك فالفهم عبر التراث هو هزّ ورجّ لسكونه.
بذلك، فالفهم «ليس مجرد استعادة لما قصده المؤلف؛ بصرف النظر عن طبيعة هذا المؤلف… ففهوم المؤلفين
لا تفرض حداً على أفق الفهم الذي يتحرك فيه المؤِّول، أو الأفق الذي يجب أن يتحرك فيه المؤول إن أراد أن يفهم حقاً بدلاً من أن يظلّ يردد أقوال الآخرين»(12). ولا يمثل التأويل ممارسة فهمية سطحية لما هو ظاهر في بنية النص تزامنياً، فالموقف التأويلي «لا يفترض سوى الوعي الذي بتمييزه لاعتقاداتنا وأحكامنا المسبقة، فإنه يصفها كما هي وينزع عنها طابعها المتطرف. وبتحقيق هذا الموقف، نمنح للنص إمكانية ظهوره مختلفاً والكشف عن حقيقته الخالصة ضد الأفكار التي نتصورها مسبقاً ونواجهه بها»(13)، لكن هذه الأحكام المسبقة والتراث الناتج عن تراكمها لا يستحضر دلالة واحدة ووحيدة نستطيع أن نمنحها لها. فهي ليست دائماً قول لا مبرر وغير صحيح، أو إنها دائماً ما تعمل على إخفاء الحقيقة وتزييفها، فالأمر أشبه بالضرورة المواكبة لتاريخية وجودنا، فهي تجعل من وجودنا ممكناً عبر الاتجاهات أو الموجِّهات المسبقة والمؤقتة في الوقت نفسه لتوجيه إرادة الفهم لدينا في عوالمنا(14).
على ذلك استطاع غادامير أن يوظف فكرة الفهم المسبق التراثي على أنه محركاً للفهم عبر الإنصات له والانتماء إلى فضائه، وكل نقد يمكن أن يوجه للتراث هو في الآن نفسه ربطاً بالتراث الذي ننتمي له بالفعل(15). لذلك علينا ألّا نصم أذاننا عن سماع التراث، فالمسألة «ليست مسألة إحكام أو صيانة أنفسنا بمقابل التراث، الذي يعبر عن نفسه من خلال النصوص، بل هي على العكس، مسألة استبعاد أي شيء يمكن أن يمنعنا من فهم التراث بمقتضى موضوعه. إنها مسألة طغيان الأحكام المسبقة الخفية التي تغلق أسماعنا عمّا يقوله لنا التراث»(16). والحقيقة أن التراث هو: فهوم تحركنا أنطولوجياً ومعرفياً وقيمياً. إنها لا تجعلنا مستقلين بدءاً، لكن علينا أن
لا نعلن استقالتنا أمامها فهي موضوع لنا كما هي محركاً لتبدلنا موضوعاً أو وعاءاً. وهنا يقول غادامير: «توقع المعنى الذي يحكم فهمنا لنص ما ليس فعلاً ذاتياً، إنما هو فعل ينبثق مما يربطنا بالتراث. فالتراث ليس مجرد شرط مسبق ثابت، وإنما نحن بالأحرى نتيجة بقدر ما نفهم ونشارك في تطوره، ومن ثم نحدده نحن»(17)، وهنا تكمن وتبرز المهمة التحرّّرية لفاعلية النقد والفحص والاختبار التي سيؤكد عليها هابرماس علاوة على انتباه غادامير لها.
ـ التحام الآفاق متمم الفهم:
يشير التحام الآفاق في العرْف الغاداميري إلى التقاء أفق فهمنا بأفق النص وتاريخه، بل وحتى آفاق الثقافات الأجنبية أو الغريبة. ومن خلال عملية كرّ وفرّ، وسيرورة سؤال وجواب ومراجعة، فإن ثمة فهماً أشدّ قبولاً، وأدق اعتماداً، يكون قد انبثق وأصبح نتيجة لمعنى الأشياء.(18)
يؤسس غادامير لفكرة الالتحام هذه انطلاقاً من ركام تهديم الوضعية، والموضوعية التاريخية؛ ليحاول المزاوجة بين الذات والموضوع تاريخاً وفناً وفلسفةً. وذلك فيه أيضاً إفادة من التصور الهيدغري، الذي أشرنا له آنفاً، في فكرة الوجود في العالم بوصفه وجوداً يقصد الفهم. يقول غادامير: «إن الموقع الذي يحدد هرمينوطيقياً للكائن الإنساني هو موقع مثبَّت، وأن التظاهر بالوقوف على مبعدة من الأشياء، كما لو أنها مجرد موضوعات للملاحظة والرصد، يسقط من اعتباره النقطة الرئيسة في فهمنا الناس الآخرين و(الثقافات الأخرى)»(19).
وما التحام الآفاق إلا صورة للخلاص من ملاحم الجدل بين الثنائيات والذاتيات المتطرفة، بإحالة الموضوع إلى بعد تقاطعي تشابكي (بإيجابية المعنى). لذلك «يلتقي أفق الوعي بأفق التراث، والتقاؤهما هو تصافحي بقدر ماهو صفائحي، أي أنه لقاء التبادل والتحاور ولقاء التداخل والتواصل. فلا يبقى الوعي في سباته ولا يمكث في أفقه في موقف المتفرج، وإنما يجوب أيضاً أفق التراث ليتطلع عن قرب إلى حقائقه وأشيائه»(20). وهذه الممارسة تقودنا إلى أن نعترف بأن الهرمينوطيقا غير معنية بكيفية الفهم، بالرغم من أهمية ذلك، بل تهتم بمقدار أكبر بما يحصل أثناء عملية الفهم نفسها(21). وعليه، فلا يمكن الفهم بلا فروض مسبقة ولايمكن أن نسير باتجاه إقصائي لأرضية التراث.
يقع على عاتق الهرمنيوطيقا مهمة العمل بحرفة الفنان النبّاش الذي يتذوق ويستقرئ وينبش طبقات صنع واختباء المعنى ومكوناته، وذلك يتخذ صوراً عدة ومنها التحام الآفاق السابق. ولذلك وحسب غادامير فـ «إن الحقيقة التي يتعقبها الفهم ليست بالشيء المتجلّي الذي ينتظر الآخر/المؤول أن يقبض عليه أو يزيده إيضاحاً وتجليةً، وإنما هي توجد بين بداية مجموعة ولحظة متحولة في الزمن غير قابلة للتحديد، ومن ثم يصعب ضبط هذه الحقيقة فهما أو تأويلاً إلا إن تطلب جدلياً لا منهجياً»(22)، فالفهم لا يتيح معنى مقبوض عليه، ومحدد. وبتشظيه، ذلك، وتعدديته، يجعلنا لا نندفع نحو أن نفهم الحكم المسبق على شاكلة الإجابة الصارمة والموجهة لفعلنا وفكرنا! بل أنه من المحال أن يكون هنالك وجود تفسير صحيح في ذاته ومطلق القبول والقيمة كما هو محال وجود تفسير بلا فروض مسبقة، لأن المعنى يتعلق بالموقف التأويلي نفسه.
ونخلص مما سبق، إلى أن هنالك شكوكاً كبيرة لدى غادامير، حول إمكانية فهمنا فهماً أفضل ممن سبقنا تاريخياً، لأن كلا الطرفين محكومين بميزات الذكاء والسذاجة، كما إن الفهم إنما هو جزء من التاريخ نفسه، وكل فهم للتاريخ هو أيضاً تاريخي(23)، لذلك لا يمكننا ـ حسب غادامير ـ أن ننساق وراء مقولات القطيعة مع التراث، وتاريخ النص وعدم اعتبار التراكم المعرفي الإنساني، كجزء من المؤثرات على الفهم والتأويل.
ـ الالتحام: من الآفاق إلى الذوات أو في معنى الحوار.
يمكنني أن أتصور فكرة غادامير في الحوار والتذاوت على أنها التحام من نوع آخر لكن على مستوى آفاق تزامنية لاتعاقبية. وفي ذلك إتاحة لالتحامات أخرى. وعليه، فالالتحام بين التراث والحاضر بين النص والقارىء معنى ودلالةً وقصداً، وكلها التحامات من شأنها أن تستدعي التراث في قبال وعي حاضر، بينما في التحام الذوات فإن الذي يحضر هو تراث وذوات في الآن نفسه تزامنياً.
وعلاوة على ما تحمله اللغة من أساليب التعبير، فإن لها طابعها الحواري «فما يعبّر عنه في الكلام ليس فقط تثبيت إرادة التعبير، وإنما محاولة متكررة ومتحولة باستمرار قصد الالتزام داخل شيء ما عبر الحوار، معناه أننا نتعرض للشيء (المتمثل أمامنا). أيضاً عوض أن يثبت شرعية أحكامنا بعرضها وبسطها، فإن الكلام يستعملها، أي أنه يخضعها لشكوكنا ولردود الآخر»(24)، على ذلك، فالحوار هو الماهية التي تقترن في فحص ما لدينا وما يرد لنا من خارجنا. إن الحوار هو الدرب الذي يجب قطعه لغرض الوصول لاتفاق حول خطابات الحقيقة والزيف كشفاً أو نقضاً أو قبولاً.
تعد الهرمينوطيقا نشاطاً فلسفياً «باعتباره تجربة فكرية. وينبغي فهم هذا البعد التأويلي على أساس أنه حوار يشترك فيه كل حاضر دون أن يزعم التحكّم فيه بطريقة عليا، والسيطرة عليه بشكل نقدي»(25)، وهنا تنكشف لنا مرة أخرى طبيعة العمل التأويلي ونموذجه الفهمي على أنه محادثة وحوار. وعليه، يتخذ الفهم لدى غادامير «دلالة المشاركة، أي المشاركة في صوغ المعنى والاشتراك في إثرائه وتحويله؛ ويتخذ أيضاً دلالة التقاسم، أي توزيع الحصص، بحيث كل فرد يبرز إمكاناته في سياق مجموع متكامل. ويشكل مع هذا المجموع علاقة تفاعل لا انفعال على غرار العلاقة بين الكل وأجزائه»(26). ويمكن للحوار أن يسبر أغوار العلاقة بين القارىء والنص وبالآلية والنتيجة نفسها التي يعمل بها في الحوار بين الذاتي.
ويتضمن المسار الجديد للتأويلية، وعبر الدائرة الفهمية، الالتقاء مع آراء الغير (الآخر) التي يفصح عنها عبر ذل كاللقاء، «وهذا ينطبق على النصوص التي نتوخى فهمها واستيعابها وكذا الإبداعات الثقافية. فينبغي لهذه النصوص والإبداعات أن تكشف عن قدرتها الاقناعية لتستوعب وتفهم بشكل غير ملتبس»(27)، وهذا يعني أننا وبمحاولتنا أن نفهم الظاهرة التأويلية فإننا نلجأ أيضاً لأسلوب المحادثة التي تحدث بين شخصين معينين فهما يحاولان أن يصلا إلى اتفاق مع الغير (وهو واحد منهما) والمؤول يقوم بالمهمة نفسها في محاولته أن يفهم مايقوله النص(28)، وذلك الفهم بطبعه سيتخذ صورة لغوية فيعيد معنى الحوار، الملاصق لأساليب اللغة، إلى فاعلية الفهم. ومن الالتحام والحوار يمكن رسم ملامح الدائرة الهرمينوطيقية بأسلوب تشكيلي من فهم الجزء الحاضر مع الكل التراثي، ومن الجزء الذاتي والجزء الآخر، ومن الكليْن التراثين للذات والآخر.
يشترط في الحوار المنتج للفهم والاتفاق أن لا يستحوذ أحد المشاركين على مكانة أعلى أو ذات سلطة بحق الآخرين في تقرير الحقيقة أو حتى فض الحوار بشأنها أصلاً، فقد يزعم أحد الشركاء أنه يمتلك ما يخوّله من المسبقات التراثية التي تجعل الحوار يقف عندها وحسب! ويقول غادامير بحق ذلك: «يصبح التفاهم الحواري متعذراً إذا لم ينفتح أحد الشركاء على الحوار»(29)، إن الانفتاح على الحوار في الحوار نفسه يعني التخلص من المغاليق وأحكامنا المسبقة في امتلاك الحقيقة بلا نقاش أو حوار، وذلك يحتم علينا الضياع في فهم زمكاني لايلائم زمكانيتنا نحن.
لكن، ما الغاية المنشودة من الحوار؟ ومتى يقف الأخذ والرد اللغوي/العقلي/التأويلي بحق موضوع الفهم؟ يقدم غادامير حداً وحافةً لذلك وهي: الإجماع والاتفاق. فكل «مجهود للمفهمة يسعى إلى الإجماع الممكن، وهذا المجهود ينبغي أن يرتكز في حده ذاته على الاتفاق الذي يربطنا بما نتفاهم حوله ونتفق عليه… إذا لم يوجد شيء يربطنا (بالأشياء التي نتفق عليها) فإن الاتفاق يؤول إلى الإخفاق»(30).
وهذا الفهم، الذي هو الغاية المنشودة ـ إتفاقياً ـ من الحوار، في حقيقته إنما يحتاج إلى أخلاقيات وضوابط فاعلية كما «في السلوك العملي والهادف، ولا يتحدث عن “تقنيات الفهم” للإفلات من التصوّر العلموي. أي إن الفهم هو مسألة نباهة فكرية في شكل حكمة عملية أو ثقافة فعلية»(31). وهدف الخروج من النزعة العلمية (العِلموية) يتخذ اتجاهات تنظيرية من غادامير، أولها، في فهم التاريخ، والثاني في فهم العمل الفني.
يقوم غادامير ـ وكما ألمحنا لذلك سابقاً ـ بشطب حدود الفصل بين الذات والموضوع، ويطبق ذلك على موضوعات التاريخ والفن. ففي التاريخ علينا أن نفهم أن الإنسان ما هو إلا عصارة لخلطة التراث والعصرنة لذلك فهو منتَج التحام الآفاق، ما هو خارج عنا وما بداخلنا. وكذلك فالعمل الفني يحمل لنا بشارة أن نكشف الحقيقة خارج مناهج العلم التقنية والدقيقة والمحددة والصارمة، لأن العمل الفني يستدعي في ذاته قول حقيقة، من نوع خاص، وبما أنه لا يمكن أن نتخذ منهجاً كما في العلم الطبيعي لمعرفة تلك الحقيقة فهو يتيح سبيلاً للخروج من العلموية بمنفذ آخر هو حرية تقييم العمل وتذوقه جمالياً. وبذلك يسقط قناع الهيمنة العلموية على المعارف. والعمل الفني في ماهيته «ليس منفصلاً عن عالمنا الذي نعيش فيه ولا عن فهمنا لأنفسنا. ونحن في لقائنا بالعمل الفني لا نوغل في عالم غريب، ولا نخطوا خارج الزمن والتاريخ ولا ننفصل عن أنفسنا أو عن الأشياء غير الإستيتيقية، … عندما نفهم عملاً فنياً عظيماً فإن خبرتنا بالعمل تتفاعل مع كياننا كله، ويوضع فهمنا لأنفسنا على المحك. وما يحدث إذّاك هو إننا لسنا من يستجوب العملَ وإنما العملُ هو من يستجوبنا ويلقي علينا سؤاله، أي يشغلنا بالمسألة التي شغلته والتي أتت به إلى الوجود»(32)، وهنا تبادر وتخاطر آخر لـ هيدغر في طرائق ومسارات الفهم الغاداميرية، وأقصد أنه يريد أن يؤكد اندماجَ عوالم الإنسان من تاريخ وفن وفلسفة وغيرها تداخلاً لا حداً فاصلاً لها مع موضوعاتها، بل تتماهى معها بل وتسيل فيه فينتج بذلك طرح ولفظ لكل موضوعانية متطرفة تريد أن تتيح مجالاً لدخول العلموية كآلية ومرجعية في تفسيرات العلوم الإنسانية لموضوعاتها.
لكن هل استطاعت العلوم والمعارف (ونقصد بها العلوم الاجتماعية والإنسانية والتاريخية) أن تتخذ من الهرمينوطيقا طريقاً ومنهجاً “محدد الخطوات والمعالم”؟. مما لايخفى أن هذا السؤال ليس بالجديد، إلا أن الردود، غالباً، ما أحالت على غير المباشرة في إجابته، بينما نقول: أننا لا نمتلك منهجاً بالمعنى الدقيق في العلوم الإنسانية ولا يمكن أن نستنسخ التجربة على العلوم الطبيعية، هي تلك الإجابة.
وعلى ماسبق، فالعلوم والمعارف خارج دائرة العلوم الطبيعية تستدعي فكرة التجول، وأقصد بها عدم الوقوف على بداية ونهاية للمنهج، أو رسم ملامح طريق الوصول إلى الحقيقة بتلك الصوارم التقنية مع العلوم الطبيعية والرياضية. فالعلوم الإنسانية تستدعي “فلسفة التجول”: التجول في رحاب وأروقة المسالك والطرق، علّها تفيد موضوعها. كما إن التجول يدعونا هنا لأن نفهم فكرة الفراغ الدائري دونما الوقوف على أصل هو المعتمد. وذلك طابع التأويلية كما غيرها من الحركات والمنهجيات الفلسفية المعاصرة.
الطابع الجوهري لفلسفات التجول: هو الترحال الدائم، إنها صحراوية وبدوية جديدة في أراض المعنى. فكلما تحصلت واحات أو آبار ومراعي لقوت السؤال، سكن المعنى قليلاً لينتهل منها. لكن إن عُدّت تلك الاستراحة، والسكن المؤقت في البوادي «منهجاً» (ولو جدلاً) فذلك هو مسار العلوم الإنسانية…………………

التتمة في العدد

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

النظرية الليبيرالية ومسألة المساواة / «جون رولز» و«روبارت نوتزك» ضدّ المنفعية
نوفل الحاج لطيف

I. الحيازة والاستحقاق
سيتركز الاهتمام هنا على النظر في إشكالية الاستحقاق في العدالة التوزيعية وبتصوّر الحيازة المترتب عليه في صلب نظرية رولز للعدالة بما هي عدالة توزيعية بالأساس في مواجهة مختلف النظريات التوزيعية الأخرى وتخصيصاً نظرية نزويك(1)، وهي تقدم نفسها ـ شأنها في ذلك شأن الرولزية ـ كنظرية مناهضة للنظرية المنفعيّة التي مثّل نقدها بالنسبة لـ رولز تحدياً أساسياً. ففي ظلّ ذلك التنافس قد نكتشف الوجه الحقيقي للرولزية نفسها كنظرية في العدالة بما هي إنصاف تحديداً، تدافع عن الحريات الفردية، وإن كانت تشترك في ذلك مع غيرها من مواقف مناهضي المنفعيّة، ولكن تنطلق في كلّ ذلك من مبدأ خصّ به رولز نظريته فتفوقت على ما عداها، هو مبدأ التباين، وهو المبدأ الذي مثلّ بحق نقطة الخلاف الجوهرية داخل النّظريّة الليبرالية نفسها على الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقيّة.
1ـ الليبرالية ومسألة المساواة
إنّ رولز الليبرالي الذي يقول بدولة الرفاه العام، ونوتزك الليبرالي المحافظ، يحددان معاً كما جاء على لسان مايكل صاندال: «أوضح البدائل التّي يمكن أن توفرها الأجندة السياسية الأمريكية حالياً، على الأقل فيما يتعلّق بالمسائل المتصلة بالعدالة التوزيعية. ومع ما يبدوان عليه من تعارض من الناحية العملية، فإنهما من الناحية الفلسفية، يشتركان في الكثير من الأمور»، ولعلّ ما يهمنا ههنا بالذات هو اشتراكهما في مناهضة الفكر المنفعي، «إذ يعرّف كلّ منهما، [يواصل صاندال] موقفه على أنّه يعترض صراحة على المذهب المنفعي بوصفه مذهباً ينكر التمييز بين الأشخاص، كما أن كلّ منهما يقترح أخلاقاً قائمة على الحقوق باعتبارها الأكثر ضماناً لحرية الأفراد».(2)
ومن بين القواسم المشتركة ـ وأود أن ألاحظ هنا بالذات أن هذا الاشتراك جذعه المحوري مناهضة التّيارات المنفعيّة ـ
اعتمادُ قاعدةِ كانط القاضية بمعاملة كلّ شخص باعتباره غاية لا مجرد وسيلة، وبالبحث عن مبادئ العدالة التّي من شأنها أن تضمن ذلك، فضلاً عن إنكار كلّ منهما وجود أي كيان اجتماعي يسمو على الأفراد، ويبدو واضحاً في ما يقوله نزويك مردّداً ما قاله رولز من حيث المبدأ والصياغة: «بأنّ الإكراهات ذات الطبيعة الأخلاقيّة المفروضة على الفعل (أي المحظورات غير المشروطة) تعكس المبدأ الكانطي الذي تقوم عليه، والقاضي بالنظر إلى الأفراد كغايات لا مجرد وسائل […] ومع أنّ هذه الإكراهات تعبّر عن حرمة الأشخاص الآخرين، فلماذا لا يحق لأحد أن يخترق هذه الحرمة من أجل خير اجتماعي؟ من الناحية الفردية، كلّ واحد منا يرضى أحياناً بالتعّرض لبعض الأذى أو يقبل بعض التضحية من أجل تحقيق نفع أكبر أو تجنب شرّ أكبر».(3)
وفي هذا السياق يقدم نوتزك مبدأ “ملكية الذات لذاتها” كتأويل لمبدأ يحضّ على معاملة الأشخاص كغايات في ذواتهم، وهو المبدأ الذي مثلّ الصيغة الكانطية في التعبير عن صفة المساواة الأخلاقيّة، وهو أيضاً المبدأ الذي يقول به رولز والمنفعيون أنفسهم. ومن هنا جاءت أهمية هذا الاهتمام ببعض الفوارق بين مختلف النظريات، والتّي لا تبدو، في رأيي، عرضية إطلاقاً. فجوهر نظرية نوتزك كما عبّر عنها هو بنفسه في كتابه (Anarchy, State, and Utopia)، «للناس حقوق ولا يمكن القيام بأشياء لصالحهم كأشخاص أو كجماعات دون التعدي على تلك الحقوق. إنّ لهذه الحقوق قوّة واتساعاً يجعلاننا نتساءل حول ما يجوز للدولة ولموظفيها فعله لصالح الأفراد»(4)، وأنّه يتعيّن على المجتمع احترام تلك الحقوق، وأنّه لا يمكن التضحية بالأشخاص أو استخدامهم من أجل تحقيق أغراض معينة دون رضاهم. معنى هذا أن استخدام أي أحد من هؤلاء الأشخاص في سبيل خير الآخرين إنما هو استغلال له في صالح غيره لا أكثر ولا أقل، وفي ذلك يقول نوتزك: «إنّ استخدام شخص بهذه الطّريقة ليس فيه احترام كافٍ له من حيث هو شخص قائم بذاته، أي أن الحياة التّي يحياها هي الوحيدة المتاحة له»(5). وهكذا يقتضي المبدأ الكانطي نظرية في الحقوق لأنّ «الحقوق تحفظ وجودنا المستقل وتأخذ على محمل الجد وجود أفراد متمايزين عن بعضهم بحيث لا يمكن لأحد أن يكون مورد رزق لغيره»(6). ولأنّنا أفراد متمايزون ولأنّ لكلّ منا تطلعاته الخاصّة به، فإنّه ينبغي أن تكون حدود للتضحية التّي يمكن أن يطالب بها كلّ منا لصالح غيره من أفراد المجموعة وهي حدود تضبطها نظرية في الحقوق، ولهذا السبب تبدو المنفعيّة، التّي تنفي وجود مثل تلك الحدود، غير مقبولة في نظر نوتزك. إنّ احترام هذه الحقوق وجه لا ينفصم عن احترام الأشخاص في أن يعاملوا باعتبارهم غايات لا باعتبارهم مجرد وسائل. وبهذا تلتقي مقاربة رولز الليبرالية مع مقاربة نوتزك الليبرتارينية (في مواجهة الخصم المنفعي)بحيث أن المجتمع ينبغي له أن يعامل الأشخاص لا كوسائل أو كموارد، بل كما يؤكد على ذلك نوتزك: «كأشخاص ذوي حقوق فردية، مع ما يفترضه ذلك من كرامة. وبمعاملته لنا باحترام، عند احترامه لحقوقنا، يمكّننا المجتمع، سواء كنا فرادى أم جماعات من اختيار أسلوب حياتنا وتحقيق رؤيتنا لهويتنا وطموحاتنا الخاصّة وفق ما لدينا من إمكانيات وبالتعاون الإرادي مع غيرنا على أساس التساوي في الكرامة.»(7)
ثمة إذن، تقارب كبير بين رولز ونوتزك إلى حد التوافق، ليس فقط لأنّ نوتزك استنجد بمبدأ مجرد في المساواة، وإنّما من حيث طبيعة الحجج التّي يقدمانها ضد المنفعيّة. فلقد كان من المهم بالنسبة لـ رولز إبراز أن المنفعيّة لا تستطيع معاملة الأشخاص كغايات في ذواتهم طالما أنها تسمح بالتضحية ببعض الأشخاص من أجل أكبر رفاه ممكن للمجموعة. وإذن، من الواضح أن المفكرين متفقون على القول أن معاملة الأفراد باعتبارهم سواسية تقتضي وضع حدود للطريقة التّي يمكن من خلالها استخدامُ شخص ما من أجل مصلحة الآخرين أو لصالح المجتمع برمته. ففي مجتمع عادل تكون للأفراد حقوقٌ يتعيّن على المجتمع احترامُها ولا يمكن أن تكون مثل تلك الحقوق موضوعَ حساباتٍ منفعيّة.
بيد أن رولز ونوتزك يفترقان عند نقطة هامة وهي معرفة أيّ الحقوق ينبغي إعطاؤها الأولويّةَ كي يُعامل الأشخاصُ كغايات في ذواتهم. وبمعنى أدقّ يمكننا أن نقول إنّه بالنسبة لـ رولز، أحدُ أهم الحقوق الأساسية هو الحقّ في التمتع بنسبة من موارد المجتمع، في حين يرى نوتزك أنّ الحقّ الأساسي والأوّلي هو حق الشخص في امتلاك ذاته، وهو الخلاف الجوهري بين الليبرالية التّي يدافع عنها رولز والليبرتارينية التّي يقول بها نوتزك. وسنعرض في ما يلي إلى أهم صوره. ينطلق رولز من ثلاثة مبادئ ممكنة يتم من خلالها ضبطُ توزيعِ المنافع والخيرات الاجتماعية والاقتصادية أو تقديرُ قيمتها، وهذه المبادئ هي: 1ـ الحرية الطبيعية
2ـ المساواة الليبرالية
3ـ المساواة الديمقراطية
ومن ثمة يعرّف نظام الحرية الطبيعية ما هو عدل بأنّه كلّ توزيع ناجم عن اقتصاد سوق فعّال تسود فيه مساواةٌ صورية (أي قانونية) في الفرص، تفتح المجال أمام أصحاب المواهب والمهارات المناسبة. ولكن هذا المبدأ يظل ناقصاً في تقدير رولز على اعتبار أنّه لا يتعدّى نسخةً للتوزيع الأصلي للمواهب والمهارات التّي كلّما كان حظ المرء منها كبيراً كلّما كان نصيبه من الخيرات والمنافع الاجتماعية كبيراً أيضاً، والعكس بالعكس، فعندما يكون التّوزيع مجرد نسخ للتوزيع الأصلي، لا يمكن أن نعتبره عادلاً إلّا إذا سلمنا بعدالة التّوزيع الأصلي للمواهب والمهارات. غير أن هذا الافتراض لا يمكن إثبات هل أن «التّوزيع الأصلي للحيازات، كما يقول رولز، في أي فترة من الزمن يتأثر بشكل قوي بالعوارض الطبيعية والاجتماعية»(8)، على نحو يجعله لا عادلاً ولا جائراً، بل اعتباطيا فقط. لكن مادام ليس هناك ما يضمن الحيازات الأصلية، فإن اتخاذ هذه الحيازات أساساً للعدالة، معناه ببساطة تحميل الطابع الاعتباطي للصدفة لأنّه «حدسيا، يكمن الطابع اللاعادل أكثر في نظام الحرية الطبيعية في كونه يسمح بإخضاع توزيع الأنصبة من غير وجه حق للعوامل الاعتباطية جدا من وجهة النظر الأخلاقيّة»(9).
وأمّا في ما يتعلّق بمبدأ المساواة الليبرالية، فهو يسعى إلى تعويض لعدالة الحرية الطبيعية بتجاوز المساواة الصورية للفرص، وتصحيح، متى أمكن ذلك، نتائج التفاوت الاجتماعي والثقافي، إذ أنّ الهدف من ذلك هو نوع من “الاستحقاق المنصف” الذي يسمح بتخفيف حالات التفاوت الاجتماعية والثقافية بفضل التساوي في فرص التعليم وبعض سياسات إعادة التّوزيع، وغير ذلك من الإصلاحات الاجتماعية. إن الهدف المنتظر من مبدأ المساواة الليبرالية هو تمكين الجميع من “المساواة في الانطلاق “حتى يتمكّن من لهم نفس المواهب والمهارات الفطرية، ونفس الإرادة في استغلال حيازاتهم هذه، من أن تكون لهم «فرص النجاح نفسها بقطع النظر عن مكانتهم الأصلية في النظام الاجتماعي، أي مهما كانت فئة الدخل التّي وُلدوا في حضنها، فمن المفترض أن يكون في جميع قطاعات المجتمع حد أدنى من التساوي في الفرص في مجال الثقافة والانجازات لكلّ من كانت لديهم نفس الإرادة والمؤهلات. وعليه، توقعات من لهم نفس القدرات والتطلّعات ينبغي أن لا تتأثر بالطبقة الاجتماعية التّي ينتمون إليها»(10).
على أنه، جدير بالملاحظة أن المساواة الليبرالية وإن كانت تمثّل تقدّماً مقارنةً مع نظام الحرية الطبيعية، فإنها تبقى “منقوصة حدسياً”، وذلك لأنّ توفير الفرص مهما بلغ يبقى أضعف من أن يتغلّب على مصادفة الحظ، وفي ذلك يقول رولز: «فحتى وإن استطعنا أن نقضي على تأثير العوارض الاجتماعية بشكل تام، فإن توزيع الثروة والدخل يظل دائماً محدداً بالتّوزيع الطبيعي للمواهب والمهارات. وفي حدود ما يسمح به السياق، يبقى توزيع الأنْصِبَة خاضعاً هو أيضاً للصدفة الطبيعية، وهذه الصدفة هي أمر اعتباطي من منظور الأخلاق. وهكذا، ليس هناك ما يؤكد أن توزيع الدخل والثروة يتم على أساس توزيع القدرات والمواهب الطبيعية عِوَضَ الحظوة التاريخية والاجتماعية»(11). وهكذا، ما أن نفهم أن توزيع الحيازات الأصلية يتم بصورة اعتباطية ويحدّد مسيرة حياتنا، حتى ندرك أننا متفاوتون نتيجة العوارض الطبيعية والاجتماعية والثقافية معاً. ومن الناحية الأخلاقيّة، كما يؤكد على ذلك رولز نفسه يعتبر أن «كلا النوعين من العوارض اعتباطيا»(12). وهذا الاستدلال هو الذي يقودنا إلى تفضيل فكرة “الاستحقاق المنصف” (كما هو في المساواة الليبرالية) على مساواة صورية بحتة في الفرص (كما هي في الحرية الطبيعية)، أي أنّه يقودنا إلى المضي قُدماً في البحث عمّا يسميه رولز (التصوّر الديمقراطي). لكن يبدو من الواضح أن هذا التصوّر الديمقراطي لا ينبغي الاكتفاء بفهمه كما لو كان مجرد امتداد لمبدأ الإنصاف في توفير الفرص. وآيةُ ذلك استحالةُ تمديدِ الفرص إلى الحدّ الذي يضمن القضاء على حالات التفاوت الناجمة عن الظروف الاجتماعية والثقافية نفسها، ذلك أنّ مؤسسة الأسرة ذاتها تجعل «من المستحيل، من الناحية العملية، ضمانَ تساوي الحظوظ في الإنجاز والثقافة لمن لهم الكفاءات نفسها»(13). فحتى لو استطاع التعليمُ منظوراً كآلية تعويضية، وغيرُه من الإصلاحات، تصحيحَ الحرمان الاجتماعي والثقافي إن بشكل كلّي أو حتى جزئي، فإنّه من الصعب جدّاً علينا أن نتصوّر نوع السياسات الاجتماعية الكفيلة بتصحيح حالات التفاوت الطبيعية العارضة بالقدر نفسه. وعليه، فما نحن في حاجة إليه هو تصوّرٌ يمحو آثار مثل تلك الحالات دون أن يدّعي القدرة على تجاوزها في الآن ذاته.
وحتى لا نذهب بعيداً عن مبدأ المساواة ـ الديمقراطية، يعتبر بعضُ معارضيه، أنّه خطوة تقود منطقياً إلى خطوة لاحقة تفترض الانتقال من التساوي في الفرص إلى التساوي في النتائج. فحسب هؤلاء كلُّ نظرية في العدالة ترفض التصوّر الاستحقاقي بسبب الطابع الأخلاقي الاعتباطي لنتائجه التوزيعية، يجب أن تكون بالضرورة متجهةً نحو نوع من مساواة التسوية يتطلّب تصحيحاً دائماً لتوزيع الأنصبة من أجل تعويض الاختلافات المستمرة في المهارات والمواهب الفطرية، غير أن المساواة في النتيجة ليست البديلَ الديمقراطي الوحيد للنظام القائم على الاستحقاق،
ولا المبدأ الذي يعتمده رولز. ثم إن مبدأ التباين الذي يقول به صاحب “نظرية العدالة”، ليس مرادفاً ولا يمكن أن يكون مرادفاً للمساواة في النتيجة لأنّه لا يتطلب أصلاً، تسوية جميع الاختلافات الموجودة بين الناس، فمبدأ المساواة الديمقراطية، إذن، لا يعني حسب رولز «وجوبَ محْو هذه الاختلافات، فثمة طريقةٌ أخرى للتعاطي معها»(14). وإن هذه الطّريقة لا تتمثل في القضاء على حالات التفاوت الفطري وإنما إيجاد آلية لا تعتبر عادلاً، من تلك الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية، إلا ما كان في صالح من هم أقل حظاً في المجتمع. فثمة إذن تناغم حقيقي بين مبدأ المساواة الديمقراطية ومبدأ الاختلاف.
ومن خلال ذلك نتبيّن كيف أنّ مبدأ التباين ليس مجرد صيغة مهذبة لمبدأ تكافؤ الفرص لأنّه يتعداها إلى تناول مسألة الاعتباط بصورة تكاد تكون مغايرة تماماً، إن لم تكن كذلك، فبدل تغيير الظروف التّي يمكن لي أن أستفيد فيها من استغلال مواهبي، يقضي مبدأ التباين بتغيير الأساس الأخلاقي الذي يتعيّن عليَّ الانطلاق منه في المطالبة بالمنافع المترتبة عن هذه المواهب، وبذلك لن أكون أنا المالك الوحيد لحيازاتي كما لن أكون الوحيد المستفيد من المنافع الناجمة عنها. وعلى هذا النّحو يمثّل مبدأ التباين كما يقول عنه رولز: «اتفاقاً على اعتبار توزع المواهب الطبيعية مورداً مشتركاً مع الاستفادة المشتركة من منافع هذا التوزع مهما تكن صيغته»(15). ويترتّب عن ذلك، طبعاً، الإقرار باعتباطية الحظ من خلال تأكيد عدم ملكية الشخص لمواهبه ومهاراته إلّا من حيث هو راع لها كحيازات حصلت له بحكم الصدفة، وعلى نحو لا يخوّله زعماً أخلاقياً خاصاً بشأن الثمار المترتبة عن استغلالها. ويضيف رولز في هذا الشأن فيقول: «إنّ مَنْ حَبَتْهم الطبيعةُ، مهما كانوا لا يمكنهم الاستفادة من وضعهم إلّا في اتجاه تحسين وضع من لم يكن لهم مثل هذا الحظ، فالمحظوظون بالطبيعة لا يمكنهم الانتفاع لمجرد أنّهم كذلك، بل فقط من أجل تغطية نفقات التكوين والتعليم واستعمال مواهبهم على النّحو الذي يتيح أيضاً مساعدة من هم أقل حظاً. لا أحد جدير بتفوق في قدراته الطبيعية ولا هو أكثر من غيره للموقع الذي ينطلق منه في المجتمع»(16).
إنّ مبدأ التباين إذن، لا سيما فيما يتعلّق بفكرة المهارات كحيازات مشتركة يصطدم بالتصوّرات التقليدية للاستحقاق الفردي، حتى أنّ رولز يقول في هذا الصدد: «هناك نزوع طبيعي نحو الاعتراض مفادُه أنّ من هم أحسن حظاً يستحقون انتفاعاً أكبر، سواء كان ذلك في صالح الآخرين أو لم يكن»(17)، ويؤكد رولز أنّ مثل هذا الموقف خاطئ كما تكشف عن ذلك الحجةُ القائمة على فكرة الاعتباط التّي تفيد «أن لا أحد يستحق نصيبه من توزع المواهب الفطرية، مثلما لا يستحق المكانة الأولى التّي تعود إليه في المجتمع»(18). إنّ القول بأن المرء أهل لما ينجزه بفضل ما يبذله من جهده الخاص هو أكثر استساغة من الناحية الحدسيّة، غير أنّ الإرادة في بذل هذا الجهد الواعي هي ذاتها يمكن أن تكون محددة بالظروف الاجتماعية والطبيعية، فالقول «إنّ المرء أهل لذلك الفضل الذي يجعله يبذل الجهد في سبيل استغلال قدراته، يطرح أيضاً إشكالاً، ذلك أنّ هذا الفضل مرهون كثيراً بيسر عائلة المرء والظروف الاجتماعية التّي لا يمكنه ادعاء أيّ فضل له فيها. وهكذا تبدو فكرة الاستحقاق غير قابلة للتطبيق في هذه الحالات»(19). غير أن ذلك لا يعني أن رولز ينكر تماماً أيّ دور للاستحقاق الذي يمكن للفرد أن يدّعيه لنفسه. وهذا معناه أنّ هناك حالات تنسجم مع مبدأ التباين، على أن نميّز هنا بين الاستحقاق والتوقعات المشروعة. وهكذا لما كان بإمكاني استغلال بعض مواهبي وقدراتي من أجل الصالح العام بدل أن أتركها معطلة، فالمجتمع حسن التنظيم يسمح لي بهذا الاستغلال ويشجعني عليه، وبالتّالي من الطبيعي أن يكون لي الحقّ في نصيبي من المنافع الحاصلة عندما أكون جديراً بها وفق شروط محددة. ولكن ما يجب تأكيده هنا هو أن ما أطالب به لا يعدو أن يكون وفاء لتوقعات مشروعة خلقتْها المؤسّسات التّي جاءت لتوفر لي فرصة بذل الجهد، وليس حقاً أساسياً أو مطلباً مستحقاً بحكم مؤهلات هي لي. فالأمر، برمّته، رهن بمسألة العدالة وحسن تدبير المجتمع من حيث هو نظام عادل للتعاون، وهو ما يؤكد عليه رولز عندما يقول: «أنّه لَصحيحٌ تماماً، في حالة وجود نظام عادل للتعاون كآلية من القواعد العمومية والتوقعات المحددة بها، أن يصير كلّ من قاموا، في سبيل تحسين وضعهم، بما يعلن هذا النظام أنّه يجزي عليهم، أهلاً للمنافع التّي يتوقعونها على هذا الأساس. وبهذا المعنى، يكون من قام بجهد أكبر أحق بأن يكون وضعه أحسن، وتكون مطالبته عبارة عن توقعات مشروعة وضعتها المؤسّسات الاجتماعية، الأمر الذي يجعل الجماعة مجبرة على تلبيتها. غير أن الاستحقاق بهذا المعنى يفترض وجود آلية مسبقة للتعاون، ولا تهم مسألة ما إذا كان وضع هذه الآلية قائما منذ البداية على أساس مبدأ التباين أو أيّ معيار آخر»(20). فحتى وإن كنت مخوّلاً بالمنافع المستجيبة لتوقعاتي المشروعة، فإنني لا أستحقها وذلك لسببين؛ أولاً، إنّ افتراض الحيازات المشتركة لا تجعلني أحوز فعلاً الصفات التّي تنشأ عنها المنافع، ذلك أنّ حيازتي لها هي بالمعنى الضعيف والعارض لا بالمعنى القوي التكويني والسابق على المؤسّسات. وثانياً، حينما أكون مخوّلاً بنصيبي العادل بحكم القوانين، فأنا لست مخوّلاً باشتراط أن تكون هذه القوانين المجزية هي المطبقة وليس سواها. وهذان السببان هما اللذان يجعلان صاحب المواهب «لا يستطيع القول أنّه يستحق ثواباً ما، ومن ثمة له الحقّ في وجود آلية تعاون تسمح له بالحصول على منافع على نحو لا يفترض الإسهام في رفاه الآخرين، فمثل هذا المطلب لا يجد له ما يسوّغه أصلاً»(21).
2ـ مبدأ التباين ضدّ مبدأ الاستحقاق
i. التوقعات المشروعة والأهلية والاستحقاق
يتعلّق الأمر هنا بالنظر في الاختلافات الجوهرية بين مبدأ التباين ومبدأ الاستحقاق، ضمن مسوغات نقد رولز للمنفعيّة حيث الامتداد الحقيقي لنظريته في العدالة بما هي إنصاف في إطار محيطها الثقافي والسياسي، من جهة، والاجتماعي والاقتصادي، من جهة أخرى. ولعلّ أعظم اختلاف بين المبدأين يكمن في الدّور الذي يمكن أن يضطلع به الاستحقاق الفردي من حيث هو حقّ مركزي في التصوّر الليبرالي للمساواة (الليبرتارينية)، وحقّ يكاد يكون غائباً تماماً أو أنّ حضوره ضعيف جدًّاً في العدالة بما هي إنصاف، في نظام استحقاقي منصف، أي نظام يسمح بتجاوز أشكال التمييز والانتماء الطبقي. وبمعنى أدقّ في مجتمع قوامه تبادل المنافع وفق قاعدة التعاون الاجتماعي بحيث يحصل التّوزيع وفقاً لمطالب مشروعة وأهلية مكتسبة بما تقتضيه التوقّعات والأهليات من قواعد عامة يفرضها نظام التعاون الاجتماعي، ويضرب رولز على ذلك مثلا فيقول: «لنفترض أن هذه القواعد تشتمل على حالات تختص بالاتفاقات حول الأجور والرواتب، أو بتعويضات العمال المبنية على مؤشر أداء الشركة في السّوق، كما هي الحال في اقتصاد الأنصبة، عندئذ يكون للذين يحترمون هذه الاتفاقات، ومن وجهة نظر تعريف الحالة، توقع مشروع لتلقي المبالغ المتفق عليها في المواعيد المتفق عليها (فهم يستأهلون هذه المبالغ). وما يفعله الأفراد يعتمد على ما تنص عليه القواعد والاتفاقات لجهة ما يستحقون، وما يستحقه الأفراد يعتمد على ما يفعلون»(22).ومن ثمة يبدو أنّه لا يوجد أي معيار للتوقع المشروع بمعزل عن القواعد العامة التّي تضبط نظام التعاون، ذلك أنّ التوقع المشروع والأهلية في العدالة بما هي إنصاف يتأسسان دائماً وأبداً على تلك القواعد بما هي قواعد متسقة تماماً مع مبدأيْ العدالة، فلا شيء يخرج عن ذلك في تصوّر رولز. وعليه، فإن أي توزيع لا يكون عادلاً مهما يكن شكله إلا إذا كانت تلك المبادئ متحققة في البنية الأساسية للمجتمع وكانت جميع التوقعات والأهليات محترمة بشكل متبادل. وبالمثل يبدو أنّه ـ حسب رولز ـ «لا توجد بمعزل عن المؤسّسات القائمة فكرة قبْلية ومستقلة عما يمكن أن نتوقعه بصورة مشروعة، ولا عمّا نستأهله، وإنّ البنية الأساسية صمّمت لتحقيق كلّ ذلك، فكلّ هذه المطالب تنشأ داخل النظام الخلفي للتعاون الاجتماعي المنصف، وهي مبنية على قواعده العامة وعلى ما يقوم به الأفراد والجمعيات في ضوء هذه القواعد»(23).
وفي هذا السيّاق يتحدّث رولز عن “استحقاق أخلاقي” منفصل عن المفهوم السياسي للعدالة وذلك بالنظر إلى وجود تعددية معقولة بحيث يكون للأشخاص مفاهيم متباينة بشأن الخير ولا يتفقون على تصوّر شامل حول تعيين فكرة الاستحقاق الأخلاقي لأهداف سياسية. وبهذا
لا يمكن أن تكون الجدارة الأخلاقيّة عملية إطلاقاً كمعيار عندما تطبق على مسائل عدالة التّوزيع. وعليه كما يقول رولز بصريح العبارة «يجب أن نستبعد فكرة الاستحقاق الأخلاقي ونبحث عن بديل يختص بتصوّر سياسي معقول»(24).وهذا البديل يتمثل في “فكرة التوقع المشروع”، من حيث هي فكرة تنتمي إلى تصوّر سياسي للعدالة، بل إنّها صيغت خصيصاً من أجل أن تطبق على ذلك المجال. على أنّ رولز يستدرك بشأن شمولية انطباق هذا التصوّر السياسي فيقول في ذلك: «ومع أنّ التصوّر السياسي للعدالة، من حيث هو كلّ، ينطبق على الأسرة باعتبارها مؤسسة تابعة للبنية الأساسية، لم يكن المقصود بمبادئه المتعدّدة أن تنطبق مباشرة على علاقات أفراد الأسرة، أو على العلاقات الشخصيّة بين الأفراد، ولا أن تنطبق على العلاقات بين الأفراد داخل الجماعات والجمعيات الصغيرة»(25)، من ذلك مثلاً أن التصوّر السياسي للعدالة
لا يفرض تطبيق مبدأ التباين على مستوى علاقة الآباء بالأبناء، أو على مستوى المعاملات بين الأصدقاء لأنّ هكذا حالات تقتضي معاييرها المميزة الخاصّة بها.
وينتهي الأمر بـ رولز بشأن شرح فكرة الاستحقاق كما يعينها نظام قواعد عامة إلى توسل لغة الألعاب بحيث «كما نقول إن الفريق الخاسر كان يستحق الفوز، دون أن يكون في ذلك أنّكار لحق الرابحين في الفوز والتكريم، بل المقصود هو أن الخاسرين قدموا عرضاً عالي المستوى للصفات والمهارات التّي وجدت اللعبة من أجل تشجيعها، وهو العرض الذي جعل اللعبة ممتعة من حيث الأداء كما من حيث المشاهدة. لكن الصدفة والحظ، وأحداث أخرى طارئة غير ملائمة أبعدت الخاسرين عمّا يستحقون. مثل هذا الاستعمال ينطبق على الحالة التّي تكون فيها المباراة قد لُعبت بصورة جيدة، ونقول إن الفريقين كانا يستحقان الفوز، وفي حين يكون الفوز أفضل من التعادل، فإن الأسوأ أن يخسر أي واحد من الفريقين»(26).
إننا، إذن نقول أن الأشخاص صاروا مستحقين عندما تتوافق أفعالهم وأعمالهم مع القواعد العامة للترتيبات الاجتماعية وبضمير، على أنّه تجدر الإشارة، من خلال كلّ ذلك وهو أن الاستحقاق الأخلاقي ليس قاعدة كلّية أولية تعين الانطلاق منها بشأن الحكم على أفعال البشر والنتائج المترتبة عنها، ففي مجال الألعاب مثلاً، حيث يكون هناك متنافسون وحيث يكون نجاح الواحد منهم غير مؤكد مهما تكون المنافسة منصفة، فإن الترتيبات ذات التصميم الجيد لا يمكن لها دائماً أن تتجنب حالات التباين الواسع بين الاستحقاق والنجاح. فثمة إذن، «طرقاً عديدة لتعيين الاستحقاق تعتمد على القواعد العامة ومعها الغايات والأهداف المقصود خدمتها. ومع ذلك، ولا واحدة من تلك الطرق تعين فكرة عن الاستحقاق الأخلاقي مفهومة فهما صحيحا»(27).
ولما كان الشخص ليس ذاتاً له من السمك الجوهري، ما يؤهله لأنّ يكون له حقوق واستحقاقات سابقة على المؤسّسات التّي تحددها، فإنه لا يبقى لنا من بديل سوى اعتماد نظرية في العدالة قائمة على الحقّ في التوقعات المشروعة، مع استبعاد التصوّر المتصل بالاستحقاق كلّه. وهو ما اعتبره البعض قطعاً كاملاً مع التصوّر التقليدي الخاص بفكرة العدالة كإنصاف، في هذا السياق يمكن أن نستحضر مايكل صاندال الذي ناقش رولز في هذا الأمر حيث يقول: «إن نظرية في العدالة من دون استحقاق قد تبدو ضرباً من التخلّي المأساوي عن التصوّرات المعهودة في هذا السياق، ومن الصعب كثيراً على رولز أن يثبت أنّ الأمر ليس كذلك ففي الصفحات الأولى من كتابه [ويقصد: نظرية العدالة]، يعترف صاحب النّظريّة أن طريقته «قد لا تبدو متفقة مع ما عهدناه»، محاولاً إثبات العكس حيث يصرح (ويحيلنا صاندال على رولز) أنّ: «المعنى الذي يقصده أرسطو بالذات للعدالة، والذي تنهل منه أشهر التصوّرات المعروفة، هو الامتناع عما يسميه بـ pleonexia، أي الاستيلاء على ما للغير (من ملكية، مجازاة، حظوة… وما إلى ذلك)، أو بإنكار ما هو أهل له […]، غير أن تعريف أرسطو يفترض بكلّ وضوح تصوّراً لما يجعل شيئاً ما ملكاً للشخص وما هو أهل له. ومع ذلك، فإن مثل هذا الاستحقاق، في ما أرى، غالباً ما يستفاد من المؤسّسات الاجتماعية والتوقعات المشروعة التّي تُتِيحها. ليس هناك ما يسمح لنا بالاعتقاد أنّ أرسطو قد يعارض هذا الموقف، وما من شك أنّ له تصوّرات للعدالة الاجتماعية متصّلة بهذا السياق […]. وعليه، ليس هناك خلاف مع الفكرة التقليدية للعدالة»(28)، بينما «ما يقدمه من تعديلات على التصوّرات الكلاسيكية للعدالة يكشف عن قطيعة معها»(29).
إنّ اعتبار رولز أنّ لا أحد يمكن أن يقال عنه أنّه يستحق شيئاً ما حقيقة، وصلة هذا الاعتبار بفكرة الأنا من حيث هو “غير مثقل جوهرياً”، يتجلى في اعتراف رولز بأنّ رفض الاستحقاق في نظريته للعدالة كإنصاف يتعارض مع الحس المشترك حيث يقول: «هناك نزوع لدى الحسّ المشترك إلى اعتبار دخل المرء وثروته وغيرهما من الأمور المرغوبة في الحياة بصفة عامة. ينبغي أن يقع توزيعها وفق الاستحقاق الأخلاقي. إنّ العدالة هي السعادة من منظور الفضيلة، فحتى وإن كنا نقرّ باستحالة تحقيق هذا المثل أبداً، يبقى هذا التصوّر هو المناسب للعدالة التوزيعية ـ على الأقل من حيث المبدأ ـ وينبغي على المجتمع العمل على تحقيقه بقدر ما تسمح به الظروف. غير أنّ العدالة كإنصاف تعارض مثل هذا التصوّر الذي يفترض ألا يقع الاختيار عليه كمبدأ في الوضع البدئي، ذلك أنّه لا يبدو صالحاً في تحديد المقياس المطلوب في هذا الوضع»(30).
فإذا لم تكن هناك طريقة لتحديد مثل هذا المقياس المناسب لفضل الشخص أو لقيمته الأخلاقيّة في الوضع البدئي، فإنّ ذلك يعود إلى أنّ رولز لا يقول بنظرية جوهرية في الشخص سابقة على المؤسّسات الاجتماعية، فلكي يستطيع الاستحقاق الأخلاقي أن يمدنا بمعيار مستقل للعدالة، نحن في حاجة إلى نظرية جوهرية في الشخص أو لقيمة الأشخاص حتى يكون لهذا المعيار معنى. بيد أنّ قيمة الأشخاص بالنسبة لـ رولز تأتي بعد المؤسّسات دون أن تكون مستقلة عنها بحيث تظل مطالب الشخص الأخلاقيّة في انتظار حلولها. ويقود هذا المتطلب إلى التمييز بين الاستحقاق الأخلاقي والتوقعات المشروعة، لأنّه عندما يقوم الشخص بفعل ما، تشجعه عليه المؤسّسات، فإنّه يكتسب عندئذ بعض الحقوق، وليس قبل ذلك. وعلى هذا النّحو نكون مخوّلين الانتظار من المؤسّسات أن تفي بما التزمت مكافأة الناس عليه، دون أن يكون معنى ذلك أنّنا مخوّلون الانتظار من هذه المؤسّسات التزام المكافأة على أي نوع من معين من أنواع الأفعال على وجه الخصوص. «وعليه، لابدّ أن تكون هناك آلية قادرة على تحديد ما يمكن للبشر أن يكونوا مخوّلين إياه، ملبية بذلك توقعاتهم المشروعة من حيث هي قائمة على مؤسسات اجتماعية. لكن ما هم مخوّلون إياه ليس مناسباً طرداً أو مرهوناً بقيمهم الذاتية. إنّ مبادئ العدالة التّي تضبط البنية الأساسية للمجتمع وتحدّد واجبات الأشخاص والتزاماتهم لا تشير إلى الاستحقاق الأخلاقي وليس فيها ما يدعو إلى أن تكون الأنصبة موزعة على هذا الأساس»(31).
ii. المواهب الطبيعية منظورا إليها كنفع عام
وأمّا الاختلاف الثاني والذي لا يقلّ أهمية بين مبدأ التباين ومبدأ الاستحقاق، فيتعلق بالتمييز بين حالات التفوق الطبيعية والثقافية. وهذا التمييز، بالنسبة لـ رولز، لا صلة له بالعدالة تقريباً، وذلك خلافاً للافتراض الاستحقاقي الذي يراه مهما للغاية، إذ هو يفسّر النقاش الحاد بين أنصار المثل الاستحقاقية على حساب العوامل الطبيعية والثقافية في تحديد القدرات الذهنية ومصائر الناس في الحياة بصورة عامة، فإذا كانت عدالة الترتيبات التوزيعية يُنظر إليها على أنها قائمة على تكافؤ الفرص في صالح الجميع وعلى نحو متساو، من أجل المنافسة على جزاءات غير متساوية في النهاية، فإن تمييز المعوقات الطبيعية عن المعوقات الاجتماعية والثقافية يصبح أمراً مركزياً بالنسبة لكلّ آلية حكم، لأنّه كلّما كان سبب النجاح أقرب إلى العوامل الوراثية قلّت حالات التفاوت التّي يمكن للمؤسسات الاجتماعية أن تكون قادرة على تحسينها وتقليص ذلك الجهد الفردي الذي يُنظر إليه كأساس للاستحقاق، وفي هذا السياق يقول دانيال بل: «مبدأ الاستحقاق، حسب التصوّر التقليدي، يقضي بأن ما هو مركزي في الحكم على قدرات الشخص هي العلاقة المفترضة بين الإنجاز والذكاء وبين ذكاء الشخص وقياسه بحسب سُلَّم حاصل الذكاء. وعليه، يتعلّق الأمر أولاً بما يحدد الذكاء. كلّ ذلك يجعل مسألة العلاقة بين الذكاء والوراثة مسألة حساسة للغاية، فهل الذكاء وراثي في معظمه؟ وهل للمرء أن يرفع من مستوى ذكائه عن طريق التنشئة؟ كيف يمكن للفرد أن يفصل القدرة الطبيعية أو الغريزية عما هو مكتسب بحكم التنشئة؟»(32). وهذه الأسئلة، في الواقع لم تربك نظرية رولز في العدالة بما هي إنصاف. فبالنسبة لـ رولز يبدو أن النقاش الدائر بشأن الذكاء والأدبيات العلمية الوفيرة التّي أفضى إليها قد أخطأت هدفها. بمجرد أن نرفض فكرتي الاستحقاق الفردي وتكافؤ الفرص كأول قاعدة في توزيع الأنصبة، يفقد التمييز بين المعوقات الوراثية ومعوقات النجاح الثقافية كثيراً من قيمته الأخلاقيّة، كما أنّه بمجرد أن نتفق على اعتبار توزع المواهب الطبيعية حيازات مشتركة، تصبح معرفة السبب الذي جعل بعض هذه المواهب لديك وأخرى لدي غير مهمة.
وقد صاغ رولز مشكل المواهب الطبيعية على النّحو التالي: لا أحد يستحق موقعه (بمعنى الاستحقاق الأخلاقي) في توزيع المواهب الطبيعة، بما يمثله هذا الأمر من بداهة خلقية لا تجد أساسها في نظرية العدالة كإنصاف باعتبارها لا تشتمل على فكرة الاستحقاق الأخلاقي بالمعنى المقصود. كما أنها ليست سليلة أي عقيدة فلسفية شاملة أو أخلاقية شاملة خاصة، وإنما ـ كما جاء على لسان رولز نفسه في هامش يشرح فيه معنى أن «لا أحد يستحق موقعه في توزيع المواهب الطبيعية كحقيقة أخلاقية بديهية […] إني أفترض أن كلّ مثل من هذه النظريات المعقولة يصادق على هذه الملاحظة ويعتقد أن الاستحقاق الأخلاقي يشتمل دائما على جهد وجداني للإرادة، أو على شيء تم القيام به بقصد أو بإرادة، وكلّ هذا لا ينطبق على موقعنا في توزيع المواهب الطبيعية، أو على أصل طبقتنا الاجتماعية»(33). ويعتقد رولز أن هذه الحقيقة هي من الرسوخ بحيث لا يمكن إنكارها. فيأتي المشكل عندئذ: «هل يفكر الناس حقا أنهم يستحقون (أخلاقيا) أن يولدوا بمواهب أكثر مما للآخرين؟ وهل يعتقدون أنهم يستحقون (أخلاقيا) أن يُولدوا ذكوراً، لا إناثاً، والعكس بالعكس؟ وهل يرون أنهم يستحقون أن يولدوا في أسرة أعنى لا في أسرة أفقر؟ لا»(34). وإذا كان مبدأ الاستحقاق يقرّ بأفكار يُنظر إليها عادة في حياتنا اليومية على أنها أفكار تختص بالاستحقاق الأخلاق من قبيل الجدارة الأخلاقيّة لخُلق الشخص ككلّ وللفضائل المتعددة له كما تفيد بذلك العقيدة الأخلاقيّة الشاملة، فضلاًً عن القيمة الخلقية التّي نعطيها لأفعال معينة، أو التوقعات المشروعة، أو أيضاً، النظر إلى فكرة الاستحقاق ذاتها كفكرة يعينها نظام من القواعد العامة مصمم من أجل تحقيق أهداف معينة، فإنّ فكرتيه الأولى والثانية لا تنظران في ما إذا كنا نستحق أخلاقياً موقعنا في توزيع المعطيات الطبيعية. وعليه، لا بديل لنا، في هذه الحالة، عن مبدأ التباين بما تقتضيه البنية الأساسية للمجتمع من تدبير وتنظيم يضمن للمجتمع الاستقرار والتماسك، وهو ما نعثر عليه في مستوى خطاب رولز في هذا الشأن على نحو صريح عندما يقول: «إن البنية الأساسية التّي تُطبق مبدأ التباين تكافئ الأشخاص على تدريبهم وتربيتهم لمواهبهم، ولوضعهم إياها في العمل بغية الإسهام في خير الآخرين كما في خيرهم، وليس على مواقعهم في التّوزيع. وعندما يفعل الناس بهذه الطّريقة يكونون مستحقين كما تقتضي فكرة التوقعات المشروعة»(35).
إنّ ما ينبغي اعتباره، إذن، نافعاً وعاماً في ذات الوقت هو توزيع المعطيات الطبيعية، وليس مواهبنا الطبيعية في حدّ ذاتها، أي ما هو جوهري بالنسبة للعدالة كإنصاف هي الاختلافات بين الأشخاص، ذلك أنّ هذه الاختلافات لا توجد فقط في مستوى المواهب من النوع ذاته (كالاختلاف في القوة والخيال وما شابه ذلك)، بل تتعداها إلى مستوى الاختلاف في المواهب من أنواع مختلفة. وجه النفع والعمومية في هذا التنوع في المواهب هو أنّه يفترض وجود حالات تكامل عديدة ممكنة بينها عندما تنظّم بطريقة ملائمة بحيث تقع الاستفادة من تلك الاختلافات بدل القضاء عليها. وفي هذا السياق يستشهد رولز بكيفية تنظيم الألعاب والحفلات الموسيقية وترتيبها فيقول: «لننظر كيف تنظّم هذه المواهب ويتم تنسيقها في الألعاب وحفلات المؤلفات الموسيقية. على سبيل المثال، لنفكر بمجموعة من الموسيقيين كان بإمكان كلّ واحد منهم أن يعزف على أي آلة موسيقية في الأوركسترا بمهارة عالية مثل كلّ واحد آخر، غير أنّ كلّ واحد منهم، وبنوع من الاتفاق الضمني، شَرَعَ في تحسين مهارته بالتدريب على آلة واختاروها كلّهم لإظهار قوى الجميع في أدائهم المشترك»(36). ويضيف في نفس الفقرة مؤكداً أهمية تنوع المواهب وتكاملها فيقول: «فإن تنوّع المواهب من النوع ذاته (كما في درجات القوة والاحتمال) يسمح أيضاً لحالات من التكاملية المنفعيّة المشتركة، مثل الذي عرفه الاقتصاديون من مدة طويلة وصاغوه في مبدأ المنفعة المقارنة». ومن ثمة فإن المشكل برمته قائم في صلب الترتيبات الاجتماعية حيث ينبغي على المجتمع ومؤسساته أن يعمل من أجل سوية الاختلافات بين الناس في صالح من هم أقل حظا حتى يكونوا قادرين على المنافسة على أساس أكثر إنصافاً. وعليه، لم تعد مسألة العدالة متعلّقة إلاّ بالكيفية التّي يتم من خلالها تمكين الأشخاص من المساهمة في هذا الغرض وجني ثماره. غير أن مثل هذا الغرض قد يبدو وكأنّه لا يكون أولياً إلّا إذا كان ذلك على حساب اللاعدالة الاجتماعية، بمعنى آخر يبدو أن المسألة لا تتعلّق فقط بنجاح المجتمع أو إخفاقه في تمكين أفراده من أفضل الوسائل المتاحة لتحقيق الغرض المشترك، بقدر ما يتعلّق كذلك بطبيعة هذا الغرض المرسوم من خلال مؤسساته، ومن ثمة بالخصال التّي يقوم على أساسها توزيع الأنصبة، وفي ذلك يقول رولز في مقطع بليغ من “نظرية العدالة”: «قد نرفض الموقف الذي يفيد بأن تنظيم المؤسّسات يبقى عاجزاً في جميع الأحوال، ذلك أنّ توزيع المواهب الطبيعية والطابع العرضي للظروف الاجتماعية هما دائماً، غير عادلين. وهذا اللّاعدل لا بدّ أن ينعكس في الترتيبات البشرية. وتقدم هذه الحجة أحياناً كذريعة لتجاهل اللاعدالة كما لو كان رفضنا الإقرار بها شبيهاً برفضنا الإقرار بالموت. إن توزع القدرات الطبيعية لا هو عادل ولا هو غير عادل. كما لا يمكننا أن نعتبر من غير العدل أن يولد الناس في المجتمع كلّ في وضع معين. فهذه الأمور كلّها وقائع طبيعية، وما هو عدل أو لاعدل هو الكيفية التّي تتعامل بها المؤسّسات مع هذه الوقائع»(37).
وهذا ما يفضي بنا إلى اختلاف ثالث بين التصوّر الاستحقاقي والتصوّر الديمقراطي، يخصّ العلاقة بين قيمة مختلف الحيازات والصفات من ناحية، والمؤسّسات التّي تثمنها وتجزي عليها من جهة أخرى، ففي التصوّر الاستحقاقي، نجد أن المؤسّسات الاجتماعية مجبورة على مجازاة بعض الصفات دون غيرها، وبالتّالي تصبح قيمة الخصال التّي تدعو إليها المؤسّسات سابقة على القيمة التّي تمنحها لها هذه الأخيرة مما يجعل منه كما لو كانت اختباراً للمؤسسات ذاتها من حيث عدالتها. وعلى هذا النّحو تعد الترتيبات المؤسّساتية التّي تعتبر بعض الخصال خصالاً نبيلة، أكثر شأناً، وذلك بصرف النظر عن اعتبارات أخرى يمكن أن تكون على صلة بالعدالة من قبيل طبيعة الغرض المنشود وما إلى ذلك. وخلافاً لذلك، يؤكد رولز أن هذا التصوّر يجعل المؤسّسات غير مقيدة مادامت الفضائل التّي يُفترض أن تقيدها ينبغي لها أن تنتظر التعريف الذي تمنحه إياها هذه المؤسّسات، على اعتبار أن «مفهوم الجدارة الأخلاقيّة لا ينتج مبدأ أول للعدالة التوزيعية، لأنّه من غير المكن أن نأخذه في الحسبان إلا بعد أن تصبح مبادئ العدالة بحوزتنا»(38). ولأنّه لا يمكن أن توجد أي خصلة تتمتع بوضع خلقي سابق على المؤسّسات، فإن الغرض من هذه الأخيرة هو أن تبقى منفتحة على خصال أخرى يمكن تثمينها والمجازاة عليها. فلا يمكن، إذن للقيمة الذاتية التّي يبرزها المجتمع ويجازي عليها أن تزودنا بمعيار للحكم بشأن عدالتها مادامت تلك القيمة لا تظهر إلاّ في ظل الترتيبات المؤسّساتية بالدرجة الأولى. وعليه، فإن رفض رولز للأفكار السابقة على المؤسّسات في مجال الخصال يعكس أولية الحقّ على الخير، كما يعكس رفض الاختيار المسبق ما بين تصوّرات الخير المتنافسة. من ذلك مثلاً مجازاة مجتمع يعيش على الصيد لخصلة خفة الحركة عوض خصلة البيان (كما هي مفضلة في المجتمعات التّي تسود فيها النزاعات)، ليست أقل عدلاً أو قيمة من حيث هي كذلك في ظل غياب أحكام سابقة كانت تعتبر خفة الرّجلين أكثر شأناً، أو أقله من خفة اللسان. إن أولوية المؤسّسات العادلة فيما يتعلّق بالقيمة والفضيلة الأخلاقيّة تثبت لنا لماذا لا نستطيع أن نعتبر أنفسنا أهلاً للمنافع الناجمة عن صفاتنا الطبيعية، فحتى أستفيد من “تفوقي” في الذكاء مثلاً، فمن الضروري بالنسبة لي أن أكون في ذات الوقت حائزاً لذكائي بمعنى ما غير الاعتباطي للحيازة)، ومتمتعاً بحقي (المعني القوي للحق والسابق على المؤسّسات) في تثمين المجتمع للذكاء وليس شيئاً آخر، لكن بالنسبة لـ رولز لا هذا صحيح ولا ذاك، لأنّ الحجة التّي تستند إلى الطابع الاعتباطي للحيازات للوصول لطابعها المشترك تبطل المبدأ الأوّل بينما تبطل أسبقية المؤسّسات المبدأ الثاني.
وهذا ما حدا بـ رولز إلى اعتبار توزع المواهب الطبيعية “حيازة مشتركة” أو “جماعية” بحيث ينبغي تقاسمها بين أفراد المجتمع، ويقول في هذا الصدد: «في الواقع يمثل مبدأ التباين اتفاقاً على اعتبار توزع المواهب الطبيعية مورداً مشتركاً ينبغي تقاسم منافعه، وذلك بصرف النظر عن شكل هذا التّوزيع»(39). وعلى هذا النّحو يصبح مبدأي العدالة «بمثابة الالتزام باعتبار المواهب الطبيعية مورداً جماعياً لا يستفيد منه الأكثر حظاً إلا بالقدر الذي يسمح بمساعدة الأقل حظا»(40). ولأجل ذلك اعتقد رولز أن فكرة الحيازات المشتركة ـ كما هي معلنة في مبدأ التباين ـ تعبير عن الاحترام المتبادل بين الناس باعتباره مثلاً تتوخى الليبرالية الآدابية إثباته، وهو ما يتجلّى في العبارة التالية: «إنّ تنظيم أشكال عدم المساواة على نحو يجعلها ذات منفعة متبادلة والامتناع عن استغلال عوارض الظروف الطبيعية والاجتماعية ضمن إطار من الحرية المتساوية، إنما هو الوسيلة التّي يعبّر بها الأشخاص عن احترام بعضهم البعض داخل المجتمع […] وبعبارة أخرى، فإن مبدأيْ العدالة يبرزان من خلال البنية الأساسية للمجتمع، ورغبة الناس في أن يعامل بعضهم البعض،
لا بوصفهم مجرد وسائل، بل غايات في حدّ ذاتهم»(41).
أمّا نوتزك فيرى عكس ذلك، إذ يعتقد أنّ اعتبار حيازات الأشخاص الطبيعيّة ملكية مشتركة ينقض كل ما تؤكدّه الليبيرالية الآدابية في إصرارها على حرمة الفرد والتمييّز بين الأشخاص، وعن هذا الأمر يقول: «سيظلّ الناس مختلفين حول الكيفية التّي نعتبر من خلالها المواهب الطبيعية حيازات مشتركة. وقد يردّ البعض منهم ـ أسوة بردّ رولز على أنصار المذهب المنفعيّ ـ أنّ هذه الكيفيّة “لا تولي أهميّة جادّة لتمايز الأشخاص”، كما قد يتساءل بعضهم عن صحّة كل إعادة بناء لنظريّة كانط التّي تعتبر قدرات الشخص ومواهبه مِلكًا للغير. “مبدآ الحرية […] يستبعدان حتى محاولة اعتبار الناس وسائل لخير بعضهم بعضا”، اللّهم إلّا إذا ذهبنا بعيداً في التمييز بين الأشخاص ومواهبهم، حيازاتهم، قدراتهم وميزاتهم الخاصة»(42)، غير أنّ اعتبار المواهب الطبيعية حيازات مشتركة لا يتعارض مع الاختلاف بين الأشخاص، أو يتّخذ من بعضهم أدوات من أجل تحقيق منفعة البعض الآخر مادام ما هو مُستَغل في هذا الغرض ليس الأشخاص بل مواصفاتهم، فالقول إنّ حرمتي انتُهكت أو استُغِّلت، بشكل ما، عندما يُستعمل ذكائي أو حتى جهدي من أجل الصالح العام، إنّما هو خلط تام بين الذات ومواصفاتها العرضيّة (التّي ليست جوهرية بالنسبة لي لكي أكون أنا هذا الشخص). وبناء على ذلك، يقول مايكل صاندال: «لا تستطيع إلّا نظرية في الشخص تعتبر تلك الحيازات مكونات جوهرية عوض صفات عرضيّة أن تعتبر تقاسم الحيازات استغلالاً لأناي كأداة لتحقيق غايات غيري. لكن، تعدّ، حسب تحليل رولز، جميع الحيازات الذاتيّة عرضيّة، ومن ثمة قابلة مبدئيّاً لفصلها عن الأنا القادر دائماً على التراجع أمام دوّامة الظروف. تلك هي السّمة التّي تحفظ له هويّته وتضمن له المنعة من التغير بفعل التّجربة»(43).
3ـ إشكالية أساس الاستحقاق وما تثيره من احراجات.
بيَّـنَ، إذن، أن رولز يرفض مبدأي الحرية الطبيعية والمساواة الحرة، لا لشيء إلا لأنّهما يكافئان على قدرات ومميزات لا يستطيع الناس، من وجهة نظر الأخلاقيّة، أن يكونوا حقيقة أهلاً لها بسبب طابعها الاعتباطي. وذلك خلافاً لـ نوتزك الذي يعتقد أنّ الطابع الاعتباطي لا يُبطل الاستحقاق، بل إنّه يذهب إلى أبعد من ذلك ليقر أنّه حتى ولو أبطله فستكون النتيجة صيغة ما للحرية الطبيعية، لا لمبدأ الاختلاف. ومن وجهة نظر الحيازة، ينطلق رولز في اعتراضه على مبدأي الحرية والمساواة الحرة من اعتقاده أنهما يفرضان ـ ظلماً ـ باستفادة الأشخاص (أو حرمانهم) بحكم حيازات طبيعية وأخرى اجتماعية هي ليست لهم بأتم معنى الكلمة، على الأقل ليس بالمعنى القوي والتكويني للحيازة، فمن الواضح أنّ مختلف الحيازات الطبيعة التّي أولد بها قد يقال عنها إنها لي، بالمعنى الضعيف والعارض، أي أنها موجودة في شخصي عرضاً، بيد أن الحيازة بهذا المعنى لا تدل على أن لي حقوقاً خاصة تخولني إياها هذه الحيازات أو ادعاءات في الاستحواذ على الثمار الناجمة عن استغلالها. وبهذا المعنى الضعيف للحيازة لا أكون أنا الحائز الحقيقي، وإنما أكون مجرد مؤتمن على طائفة من الحيازات والخصائص الموضوعة “هنا”. إن عدم الإقرار بالطابع الاعتباطي للحظ يؤدي بمبدأيْ الحرية الطبيعية والمساواة الحرة إلى الخطأ عندما يقضيان باعتبار هذه الحيازات حيازاتي أنا بالمعنى القوي والتكويني ليكون توزيع الأنصبة على هذا الأساس.
وأمّا من وجهة نظر الاستحقاق، ينطلق رولز في اعتراضه على مبدأيْ الحرية الطبيعية والمساواة الحرة من أنّهما يقضيان بمكافأة حيازات وخصائص لا يستطيع الأشخاص أن يدّعوا أنهم أهلاً لها حقيقة، وذلك حتى ولا ظن البعض أن المحظوظين أهل لما يسمح لهم بتحقيق منفعة أكبر، وهذه نظرة لا شك أنها خاطئة، وفي ذلك يقول رولز: «يبدو أن من بين المواقف الثابتة في أحكامنا اعتبار أن لا فضل لأحد في توزع الحيازات الطبيعية، تماماً مثلما لا فضل لأحد في وضعه الأوّل في المجتمع. إنّ القول إنّ شخصاً ما يستحق الطبع المتفوق الذي يمكنه من بذل الجهد لاستغلال قدراته هو أيضاً مثير للجدل مادام هذا الطبع مرهون، إلى حد بعيد، بحظوة أسرته والظروف الاجتماعية التّي لا يمكنه أن يدّعي أي فضل له فيها. وعليه، يبدو أنّ فكرة الاستحقاق لا تنطبق على هذه الحالات»(44). ولما كان لا أحد له الفضل في الحظ في “اليانصيب” الوراثي أو وضعي الأوّل في المجتمع، أو حتى في ذلك الطبع المتفوق الذي يجعله يستغل عن وعي قدراته، فإنّ لا أحد يستطيع القول أنّه يستحق المنافع الناجمة عن هذه الحيازات، وذلك في مقابل ما يدّعيه نوتزك عندما يقول: «لا يجوز القول إن أحداً ما له الحقّ في [س] (كالحقّ في الاحتفاظ بلوحة رسمها أو كإشادة به لأنّه ألّف نظرية في العدالة، وما إلى ذلك)، إلّا إذا كان ذلك جائزاً (أو استحق بشكل من الأشكال) لكلّ ما استعمله (بما في ذلك حيازاتها الطبيعية) من أجل الحصول على [س]. قد يحدث أن يكون للشخص أشياء يستعملها ـ دون أن تكون حيازته لهذه الأشياء غير مشروعة ـ لكن ذلك لا يعني أن الأسس التّي يقوم عليها الاستحقاق هي، في حدّ ذاتها، مستحقة تماماً»(45).
لكن ما حقيقة العلاقة بين الاستحقاق الفردي والعدالة؟ في الحقّيقة، يمكن الاستفادة في هذا المستوى من تحليلات قام بها جويل فاينبرغ* فيما يتعلق بهذه المسألة المثيرة للجدل في صلب الفلسفة السياسية التّي تحاول العدالة كإنصاف أن تلعب فيها دوراً توفيقياً بحيث يكون اشتمال مبدأ التباين على فكرة التبادل أمراً في غاية الأهمية وهو ما يعبّر عنه رولز بشكل صريح عندما يقول: «أفضل الممنوحين (نعني مَن موقعهم هو أكثر محظوظية في مجال توزيع المواهب الطبيعية ولا يستحقونه أخلاقياً) يحفَّزون ليكسبوا منافع إضافية، رغم أنهم سبق لهم أنم أن استفادوا من موقعهم المحظوظ في التّوزيع، لكن شرط أن يدُربوا مواهبهم الطبيعية ويستعملونها بطرق تسهم في خير ذوي المواهب الأقل (والذين هم أيضاً لا يستحقون أخلاقياً موقعهم الأقل محظوظية في مجال التّوزيع )، إن التبادل فكرة أخلاقية تتموضع بين فكرة عدم الانحياز الغيرية من جهة وفكرة المنفعة التبادلية من جهة أخرى»(46). وينطلق فاينبرغ من ملاحظة مفادها أن لا أحد يمكن له أن يستحق أي شيء ما لم يكن هناك أساس لهذا الاستحقاق، مبيّناً «أن الاستحقاق بدون أساس هو بكلّ بساطة ليس استحقاقاً». ولكن أي نوع من الأسس يكون ضرورياً؟ عن هذا السؤال يجيب فاينبرغ أنّه «لا يمكن أن نكتفي في ذلك بأيّ كان من الأسس المألوفة»، ويقرّ بأنّ الحيازة هي الحل حيث يقول: «إذا كان شخص ما أهلاً لنوع ما من المعاملة، يجب عليه بالضرورة أن يكون كذلك بحكم حيازته لخصائص ما أو نشاط سابق قام به»(47). وعن أهمية وجود أساس للاستحقاق يبرز في حيازة بعض الخصائص التّي يمكن للشخص أن يحوزها يقول: «لا يمكن أن تتشكل خاصية ما عندي أساساً للاستحقاق عندك إلا إذا برزت، أو عكست، بشكل ما خاصية عندك. وعلى العموم، فإنّ الخصائص التّي تمثّل الاستحقاق لذات ما يجب أن تكون خصائص لتلك الذات، فإذا استحق طالب ما، مثلاً، علامة جيدة في مادة ما، لا بدّ أن يكون استحقاقه ذاك بحكم خصائص معينة تميزه مثل أداء سابق أو قدراته الحالية […] من الضروري أن تكون للمرء بعض الخصائص تميّزه»(48).
ولكن رولز، إذ ينطلق من تصوّر للشخص يميّز فيه تمييزاً حاداً بين الأنا والغايات والخصائص التّي يحوزها يجعلها خالياً من أي سمة أو طبع جوهري يمكن اعتبارها أساساً للاستحقاق، فثمة مسافة بين الأنا والحيازة، فلا ينبغي للاستحقاق أن يفترض أي أساس سابق عليه. ولا يمكن للأنا أن تكون له خصائص معينة تجعله أهلاً للاستحقاق لأنّ ما أتصف به ليس لصيقاً بأناي وإنما له علاقة بها فقط، ويبقى على مسافة ما منها. وعليه فإن الطابع الاعتباطي للاستحقاق يبطل الاستحقاق ذاته وذلك ليس بطريقة مباشرة من خلال القول إنني لا يمكن لي أن أستحق ما هو لي بصورة اعتباطية، وإنما بطريقة غير مباشرة، مثلاً القول إنني لا أستطيع أن أحوز ما هو لي بصورة اعتباطية، أي أنّ الأنا من حيث هو ذات حائزة لا يمكن أن يحوز بالمعنى التكويني الذي يعد ضرورياً في توفير الأساس للاستحقاق، فأي شيء وقعت حيازته بطريقة اعتباطية لا يمكن اعتباره مكوناً جوهرياً من مكونات الأنا بل مجرد صفة عارضة لشخصي، أي أنّ الصفات هي لي وليست أنا، وإلا ظلّت هويتي معلقة بمجرد عرض بحيث تصبح استمراريتها مهدّدة دائماً بفعل التّجربة، وظل فضلاً عن ذلك وضعي باعتباري فاعلاً مستقلاً مرهوناً بشروط وجودي عوض أن يكون مضموناً أبستيمولوجياً. وعليه، حسب رولز، لا يصحّ القول عن أيّ شخص أنّه يستحق شيئاً ما، على الأقل بالمعنى القوي والتكويني للحيازة الذي هو ضروري لفكرة الاستحقاق. وغني عن التذكير بأن العدالة بما هي إنصاف كما يقول رولز: «تفيد أننا لا نستحق استحقاقاً أخلاقياً موقعنا البدئي في المجتمع أو موقعنا في مجال توزيع المواهب الطبيعية (وتلك أهم مزايا مبدأ التباين في مقابل مبدأ الاستحقاق)، إنها تنظر إلى ذلك كبديهية أخلاقية. وهي لا تقول أنّنا لا نستحق بطريقة ملائمة المركز الاجتماعي أو الوظائف التّي يمكن أن تقوم بها في الحياة في ما بعد، أو المهارات التّي يمكن أن نكون قد حققناها والقدرات التّي ربيناها بعد بلوغنا سن الرشد. وفي مجتمع حسن التنظيم نحن نستحق هذه الأشياء عادة ولا ريب في ذلك، وذلك عندما يُفهم الاستحقاق كأهلية مكتسبة في ظروف منصفة»(49). والحقيقة أنّ رولز لا يفصل فكرة الاستحقاق كأهلية عن تصوّره للعدالة كإنصاف بما هي نظرية سياسية بالأساس، حيث يضيف: «والعدالة كإنصاف تؤكد أن فكرة الاستحقاق كأهلية هي فكرة كافية بصورة كاملة لمفهوم سياسي للعدالة»(50).
إن مبدأيْ العدالة عند رولز لا يشيران إلى الاستحقاق الأخلاقي، لأنّه لا أحد يمكن أن يقال عنه أنّه أهل لشيء ما بالمعنى الدقيق للعبارة. فضلاً عن أن عدم تناسب استحقاق الناس مع قيمتهم الذاتية يعود، حسب رولز، إلى كون الناس ليس لهم قيمة ملازمة، أي ليس هناك قيمة ملازمة لهم تخصهم بصفة جوهرية، وتكون في ذات الوقت سابقة أو مستقلة على المؤسّسات العادلة التّي تقرها، وفي ذلك يقول رولز: «إن النقطة الأساسية هنا تفيد بأن مفهوم القيمة الأخلاقيّة لا يمكنّنا من مبدأ أولي للعدالة التوزيعية، وعلة ذلك أنّه لا يمكن إدراج هذا المفهوم إلا بعد إقرار مبادئ العدالة والواجب الطبيعي والالتزام الأخلاقي […] فمفهوم القيمة الأخلاقيّة هو إذن، مفهوم ثانوي مقارنة بمفهوم الحقّ والعدالة، كما أنّه لا يؤدي دور في التحديد الجوهري لتوزيع الأنصبة»(51). وفي الواقع، يبدو رولز متفقاً مع فاينبرغ في اعتبار الاستحقاق مفهوم أخلاقي، بمعنى أنّه سابق منطقياً ومستقل على المؤسّسات العمومية وقواعدها، على أنّه ينكر وجود أي معيار مسبق لتحديده. ومن ثمة، فأنّه يمكن أن يختلف مع فاينبرغ حين يؤكد على «أن أحد الأهداف في نظام الأهلية العمومي هو منح الناس ما هم أهل له»(52). معنى هذا أنّه بالنسبة لـ رولز، لا تهدف مبادئ العدالة إلى مجازاة الفضل ولا إلى منح الناس ما هم أهل له، وإنّما تهدف بالدرجة الأولى إلى منح القيمة لتلك الحيازات والمواهب الضرورية لخدمة الصالح العام، وفي ذلك يقول رولز: «لا يوجد أيّ مبدأ في العدالة يهدف إلى مجازاة الفضل. إن المنافع المُتحصل عليها من المواهب الطبيعة النادرة مثلاً، ينبغي أن تخصّص لتغطية تكاليف التدريب وتشجيع الجهود المبذولة في التعليم إضافة إلى توجيه القدرات نحو ما يحقق أكبر قدر من الصالح العام. وعليه، فإن الأنصبة الموزعة على هذا الأساس غير مرتبطة بالقيمة الأخلاقيّة»(53).
والحقّيقة، أنّ هذا الأمر، لا يخرج، في نهاية المطاف، عن سياق العلاقة بين العدالة التوزيعية والعدالة الجزائية، حيث يشيد رولز في هذا السياق بنظرية الاستحقاق التّي يقول بها فاينبرغ حتى أنّه يبدو مؤيداً لها (كما جاء في الإحالة على الهامش أعلاه)، غير أنّه جدير بالذكر أنّ فاينبرغ يمنح للاستحقاق دوراً جوهرياً في العدالة التوزيعية كما في العدالة الجزائية: تشير العدالة الجزائية إلى ما يسميه “الاستحقاق القطبي” (حيث يستحق المرء إما الخير أو الشر)، بينما تشير العدالة التوزيعية إلى ما يسميه “الاستحقاق غير القطبي” (حيث، مثلما هو الحال في المكافأة، البعض يستحق والبعض الآخر لا يستحق)، لكن في الحالتّين هناك استحقاق بالمعنى الأخلاقي ما قبل التأسيس…….

التتمة في العدد

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

الكلبية، رورتي صديق أفلاطون.  مدح الوقاحة: نحو ممارسة سياسية مضادة.
زهير اليعكوبي

I. الفلسفة محكمة الحقيقة
هكذا أرادها أفلاطون ـ سقراط راسماً بذلك مساراً لم تستطع الفلسفة الميتافيزيقية(3) الخروج عنه. أليست الفلسفة هي التي تفصل الماهوي عن العَرَضي؟ الحقيقي عن الزائف؟ الدائم عن المتغير؟ الفضيلة عن الرذيلة؟ الخير عن الشر؟ ـ الفصل بين الحقيقة والخير غير ممكن بالنسبة للفكر الأفلاطوني، وإن لم تكن كذلك ما عساها تكون؟ لا شيء، لأنها لا يمكن أن تكون إلا كذلك. هذه الحقيقة الأفلاطونية يتمّ القبض عليها عن طريق المحاورة، أي من خلال حوار بين أطراف لهم دعاوى متناقضة. والمحاورة الأفلاطونية محاورة برهانية استدلالية، فعلى كل طرف أن يستدل على دعواه ويستمع لأدلة الآخر حتى إذا أُفحم أحدهما اعترف للآخر بأحقيَّة دعواه. لهذا المحاورة الأفلاطونية مناظرة. تكشف المناظرة عن الحقيقة، الحقيقة المستقلة، المطلقة والأبدية. وإذا كانت الحقيقة تتجلى عبر وسيط المناظرة فلا يعني ذلك أنها حقيقة حوارية، لا تجد أساسها إلا من داخل المناظرة التي انبثقت عنها. لنقل، المحاورة/المناظرة وسيط بارد، حامل محايد، شاشة عرض لا تأثير لها فيما تعرضه؛ الحقيقة الأفلاطونية ما فوق حوارية إذ أن المحاورة تأتي بالحقيقة وتنيرها، لكن لا تبتكرها، فهي لا تعبّر إلا عما هو موجود بشكل مستقل ودائم. الحقيقة متعالية عن المحاورة وإن عرضت عبرها؛ لا مكان للوسيط المؤثِّر، لا مكان للوسيط الذي يصنع ما يتوسط له، لا مكان للناقل الذي يفعل فعله فيما ينقله؛ لا مكان للميديولوجيا عندما يتعلق الأمر بالحقيقة؛ «دوبري» عليك التزام الصمت(4).
لم يكتفِ أفلاطون بترسيخ الحقيقة المطلقة كمطلب أسمى للفكر الفلسفي الغربي، بل تعدّاه إلى توجيه الفكر الفلسفي الغربي نحو الاهتمام بالخطاب، أي التعبير عن الحقيقة بواسطة نسق(5) من القضايا، قضايا يشدُّ بعضها بعضاً كالبنيان المرصوص(6)، وهو ما سيترسخ بشكل حاد مع أرسطو ليؤثِّر على جزء غير يسير من تاريخ الميتافيزيقا الغربية. لقد شرع أفلاطون لفصل حاد: الفصل بين الخطاب والحياة، بين القول البرهاني والنظر العقلي والمعايشة الوجدانية والوجودية للفكر(7).
II. «رورتي» نقيض «أفلاطون».
الفلسفة لديه محاورة غير أفلاطونية، فهي حوار حر وليست مناظرةً. عموما يبرز التناقض بينهما من جهتين:
1ـ منهجياً
الاستدلال والمنطق والبرهان ليسوا منهج المحاورة، بل إنهم يمثلون المنهج الفاسد. المحاورة قول لشيء ما، محبة للحكمة، صداقة، فهم، اقتراب من الآخر، تهذيب لكنها ليست أبداً محبة الاستدلال، محبة النقد وإفحام المحاور، إذ أن ذلك يفترض شرطاً مستحيلاً، حسب رورتي، شرط وجود مكان محايد، أو لغة محايدة، يمكن التباري فوقه وعليه. كما أن في ذلك إقصاء للآخر وبناء أحادي الجانب للحقيقة. وهذا ما يحدث بشكل دائم في المحاورات الأفلاطونية: الآخر، السفسطائي، لا يحضر إلاّ ليغيب، لا يتكلم إلا لكي يُظهر سذاجته، لا يشارك في المعركة إلا ليكون انتصار أفلاطون مستحقاً، يتكلم كما يشاء من أجل التأكيد لمن مازال يعتريه شك أن السفسطائية عبث وخيانة للحقيقة والحق والخير، ومرض ينبغي معالجة الفكر منه بجرعات من التأمل الخالص من المصلحة. يحضر الآخر لدى أفلاطون لا ليؤكد ذاته وإنما لتأكيد تفوّق أفلاطون. يحدثنا التاريخ الرسمي للفلسفة على أن سقراط يولّد الأفكار من عمق محاوره، لكنه يسكت عن كون ذلك التوليد لا يتم إلاّ بعد عملية إجهاض بحق محاوره. أفلاطون ـ سقراط المحاور الفذ، ملك الجدل، قابلة الفكر ومجهض الرأي والدوكسا، محطم كل الأرقام القياسية في عدد الانتصارات الحوارية، ماذا لو أن كتاب «غينتس» بدأ تدوينه منذ العصر الإغريقي الكلاسيكي؛ لكتب اسم أفلاطون ـ سقراط بحروف من ذهب، كم جميل لو ترك لنا محاورة يكون المنهزم فيها.
2ـ طبيعة الحقيقة:
«الحقيقة» لدى رورتي حقيقة تاريخية، تابعة للمعجم الذي نستعمله ولنوع المحاورة التي ننخرط فيها  وهي، في جانبها العمومي، تضامن معرَّض للتفكك(8). عموماً لاوجود لحقيقة ما فوق تاريخية، ما فوق حوارية، كل حقيقة هي حقيقة محايثة في خدمة شيء ما.
من ها ينتقد رورتي مفهوم الخطاب الأفلاطوني والأرسطي مستبدلاً إيّاه بالريروطيقا التهكمية والكلام الحر والخلْق الذاتي، محاولاً إعادة ربط الحياة والفكر. فالتهكمي(9) مؤمن أشدَّ الأيمان بعرضية معجمه النهائي(10)، وعرضية ذاته وجماعته. عرضية لا تضعه في عجز ويأس وبؤس، وإنما تفتح له أبواب الحرية: حرية خلق الذات، خلق لغته الخاصة. وهذا يعني تشكيل حياته كقصيدة، أن يفعل بالماضي ما فعله الماضي به، أن يموت وهو شاعر(11).
يظل هذا الربط نسبياً، لأن الخلق الذاتي يتعلّق بالجانب الخصوصي من المعجم النهائي وحياة التهكمي، بمعنى أننا نعتقد أن التمييز بين متطلبات المجال الخصوصي والمجال العمومي باعتبارها متطلبات غير متقايسة، وإن كان موجهاً في جانب منه ضد الأفلاطونية، يعيد إنتاج الفصل بين الحياة والفكر؛ عموماً، اللقاء بين السعادة والعدالة مسألة تتطلب نقاشاً أكثر عمقاً لا يسمح به هذا العمل.

التتمة في العدد

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

فلسفة الالتزام وأدب العمل
زهير الخويلدي

إستهلال:
ما من شك أن التفلسف ليس مطلباً إستثنائياً أو موقفاً ظرفياً يُمارسه البعض من الصفوة في عزلة عن المجتمع وبعيداً عن الأضواء وعن عالم الحياة، وإنما هو مطلب ملازم للوضع الإنساني وعلى صلة حميمة بالوجود الاجتماعي وما تتخلله من تناقضات ونزاعات. وهو كذلك تجربة تفكير حاذقة يتوجه إليها الجميع، ويراهن عليها كلٌّ من يبحث عن تأصيل علاقته بنفسه وبالأغيار وبالمحيط الذي يحيا فيه.
كما أن الفيلسوف ليس ذلك الكائن الملائكي الذي ينعم بالصفاء والسمو، يحيا على هامش المجتمع والتاريخ، يعشق الثبات والأبدية والمطلق، يكتفي بالإقامة داخل تجربته التأملية ونسقه النظري المجرد مترفّعاً عن الأعمال المُضنية، ومتعفّفاً عن كل ضروب التغيّر والنسبية، وإنما هو ذلك المثقف العضوي الذي يمارس مهمة النقد والخلخلة لأشكال الاغتراب وطبقات الميراث، وهو تلك الشخصية المفهومية التي تعارض المألوف وتلتفت إلى مشاكل عصرها وتسعى إلى معالجتها وتهتم ببيئتها الفكرية وتطمح إلى تغييرها.
أضف إلى ذلك أن الفلسفة، كمعرفة حذرة وتساؤل جذري، ترتبط بحيرة وجودية تنتاب الفكر، وبقلق علمي يلازم الذات. وإنها لتنبع من الاستعصاء الذي يجده المرء أمام وضعيات قصوى، مثل الموت والحب والعنف، وتقتضي التسلّح بجرأة غير عادية على البديهيات، وببعض الوقاحة تجاه القيم التقليدية والمخاطرة.
الغني عن البيان أيضاً أن الفيلسوف لا يمكن وصفه بأنه ذلك الإنسان الذي يستطلع الوجود ككلّ، ويتأمل جميع الأزمنة. فقط طالما أن الغاية الأولى والنهائية من وجوده هو أن ينتصر على عمره الزمني لكي يتحوّل إلى موجود أبدي غير زمني يسرق النار من الآلهة ويترك آثاراً خالدة وبصمات في حياة الآخرين.
بيْد أن هذه المنزلة الرفيعة لن تتحقق له سوى بالالتزام والنقد والحرية والانتصار على كافة أشكال العنف والتعصب. وهذا الدور الرسالي لن يلعبه إلاّ عندما يُفرض منطق الحق والسلْم في الفضاء العمومي الذي ينتمي إليه، ويصدر عنه موقف طليعي يشهد به على عصره رغم المشاكل والتحدّيات التي يواجهها.
أليس التفلسف بالمعنى الحقيقي للكلمة هو فن التفكير في المبادئ الكلّية والأشياء الجوهرية، وذلك بتطبيق منهج عقلاني ومنطقي(1)، والبحث عن مسالك ووضعيات لممارسة هذه الأشياء والالتزام بهذه المبادئ؟ وهل نقول مع الفلاسفة إن من شأن الفلسفة هو أن تهتم بقضايا عصرها، وتتدخل في سياسة مصالح الناس، مادام هدف الفيلسوف هو أن ينخرط في دفاتر الحياة اليومية وأن يترك أثره على وجه التاريخ ويملك زمام المبادرة؟ فما المقصود بالالتزام؟ وما هي مصادره وينابيعه؟ كيف يتحوّل هذا المنهج العملي إلى تجربة فلسفية بالمعنى الحقيقي للكلمة؟ وما الذي يدعو الفلاسفة إلى الانخراط في مثل هكذا تجربة؟ وما هي العوائق والمخاطر التي تعترض الشخصية الملتزمة في طريقها نحو العلم بالحق والعمل به؟ ألا يمكن أن نتحدث عن مسالك وشروط يجب أن يتقيّد بها الفيلسوف لكي يعطي هذه المسلكية حقاً قدرها ويستوفي جميع مقوماتها؟ ثم ما هي الرهانات والمقاصد المرجوة من الالتزام الفلسفي؟ وهل الأمر يتعلق بمقاومة العبودية وسوء النية، أم أنه يتوقف على التدرّب على الصراحة والقناعة؟
ما السبيل إلى رفع اللُبْس عن التقاعس عن تجربة الالتزام من طرف العامة والخاصة على السواء؟ كيف نقدر على التفكير في الالتزام بطريقة حاذقة حتى لا نسقط في الأخلاقوية moralisme، ولكي نتفادى النشاطوية activisme؟ لكن ما هي الشروط التي يجب أن تتوفر في حياة المرء لكي يكون حكيماً ويمثل منارةً تضيء الدرب للآخرين؟ وكيف يمكن تطوير طُرُق في الحياة والتفكير والفعل تستجيب مع قيم الخير والحق والجمال؟ ألا يمتلك بعض الناس المؤثرين والناجحين فلسفة حياة أكثر تجسّداً وتجذّراً في التاريخ من تلك التي يتحدث عنها الفلاسفة بشكل نظري ويدفنوها بين طيّات الكتب؟ ثم كيف نستطيع أن نتفلسف دون أن نخوض تجربة الالتزام؟ أليست الفلسفة دون فعل مثل الطريق الذي يؤدي إلى متاهة labyrinthe ؟ وهل تكون تجربة الالتزام ناتجة عن حظ سيء وتكليف خارجي أم عن تصميم داخلي وضرورة تاريخية؟
إن ما هو في ميزان الفكر وما يحتاج إلى تحقيق ميداني بالنسبة للعرب والمسلمين هو تفادي أن تُمارس فلسفة الالتزام وأدب العمل باسم مبادئ مقدسة ومطلقة، ومن أجل قضايا نموذجية وعادلة فحسب، وإنما يلزم أن تتمّ في الزمان والمكان وتطال جميع الناس من جميع الملل والنحل وفي كل الأحوال، وذلك في إطار من التسامح المتوازن واحترام حرية الآخرين والاعتراف بمشروعية قناعاتهم. لكن ألا يضعنا كل التزام في ورطة الأيديولوجيا وإحراجات الأخلاق وغبار السياسة ومآزق المجتمع؟
I. دواعي الالتزام
«إن الإنسان وقد حكم عليه أن يكون حراً يحمل على عاتقه ثقل العالم بأسره، فهو مسؤول عن العالم وعن نفسه بوصفه كيفية في الوجود».(2)
إن الأمر الأساسي الذي يمكن أن نتعلّمه من الفلسفة، وتثبته لنا الحياة اليومية بشكل ملموس: هو ضرورة تعلّم كيفية التعلّم، والسير في سُبل إنتاج العلم وتوصيله، وليس فقط الاكتفاء بحصول التعليم والتمتع بثمار العلم. والأمر الثاني: هو أن يكون رجال التعليم والعلم ملتزمين بما يعْلَمونه ويعلّمونه. وبالتالي أن يصيروا أوفياء للحقيقة ومخلصين لأفكارهم ومتمسكين بمبادئهم الكونية ومتحملين لمسؤولياتهم في كل حالة رغم المخاطر والتحديات.
اللافت للنظر أن تجويد تعليم الفلسفة في النظم التربوية يقتضي استثمارَ تجربة الالتزام في الدرس الفلسفي نفسه عبر توظيف عدة متون فلسفية وشخصيات نموذجية، والاشتغال على سِيَر ذاتية في هذا الشأن، وذلك بتوضيح مزاياها وإبراز رهاناتها وحاجة المجتمع إليها. ويستوجب أيضاً تمكين المتعلمين من الآداب والمسالك الإتيقية التي توفر لهم مناخاً ملائماً للإقبال على الأفكار الفلسفية والانخراط في المناخ الأنطولوجي والأبستيمولوجي الدقيقين دون إحساس بالغربة أو الضجر. غير أن السؤال الذي يُطرح ههنا هو: ما هي الدواعي والمبرّرات التي تدفع إلى تناول تجربة الالتزام من الناحية الفلسفية؟
1ـ مبرر أنثربولوجي:
الإنسان كائن علائقي قُذف به إلى العالم، ووُجد ضمن ثلاثة مستويات هي:    ـ علاقته بنفسه
ـ علاقته بالآخر
ـ علاقته بالكون
لذلك نراه يبحث عن البقاء بالمعنى البيولوجي ثم بالمعنى الاجتماعي وأيضاً بالمعنى الرمزي، ولذلك يُبدي نوعاً من الالتزام تجاه هذه الدوائر الثلاث، ويحاول على قدر طاقته تحمّل المسؤولية، ومن أجل ذلك نراه يطرح جُملة من الأسئلة. لكنه شخص له كرامة ينتمي بها إلى دائرة البشرية التي تميّزه عن بقية الكائنات، فإنه يبذل الجهد لإيجاد أجوبة وإضفاء المعنى على وجوده في العالم.
من هذا المنطلق: «الإنسان هو شخص، وبالنسبة إليّ الشخص هو كائن مسؤول وقادر على تقديم أجوبته»(3)، على الرغم من حالة الهشاشة fragilité والعطوبية vulnérabilité والجواز contingence والتناهيfinitude التي تسم طبيعته وتقذف به نحو الموت والعدم.
2ـ مبرر فلسفي:
لا يقتصر وضع حد جامع مانع للفلسفة على الجانب النظري والمعرفي، لأن ذلك يجعلها تقيم في عالم المجرّدات والأنساق، بل يستوجب الانفتاح على الآخر والإقامة في العالم والاغتناء من تجارب التاريخ وعِبَرِه، بالاهتمام بالممارسة وتدبير أمور الفعل البشري والنزول نحو عالم المعيش وأرض التطبيق. من هذا المنطلق حريٌّ بنا أن ننخلع عن الصورة النمطية للفيلسوف التي تجعله يسبح في عالم الملائكة ويعيش في السحاب، لا صلة له باليومي. ونحاول تبيان صورة مُهْمَلة ترسم الفيلسوف كشخص معنوي مثل بقية الناس ينتمي إلى الواقع والتاريخ ويحسّ بهموم مجتمعه ويعكس فكره تطلعات عصره.
3ـ مبرر تربوي منهجي:
حاجة محبّ الحكمة في مرحلة من مراحل نمو شخصيته إلى الاقتداء بنماذج إنسانية تاريخية، وإلى مُثُل عُليا تجسّدها تلك الشخصيات الملتزمة: مثال سقراط وابن رشد وسبينوزا وسارتر… عبْر تجربتها الفكرية والسياسية والعلمية، تحيله إلى مجموعة من القيم التي تساعده في بناء مواقف ورؤى، تُخرجه من مجال التلقائية والعفوية نحو حالة من الرشد أو النضج الذي لا ينفك يتبلور.
علاوة على أن تحقيق مطلب التجديد في المناهج والأساليب الملائمة لأفق انتظار دارسي الفكر الفلسفي، يمر ـ لا محالة ـ عبر التمرّس على فن قراءة السِيَر وتأويل التجارب الوجودية لبعض الشخصيات الفكرية، والتدرّب على استنتاج ملامح الفرادة والطرافة، وتتبّع كيفية تبلّور الأفكار والقيم والمعارف لدى هؤلاء المفكرين والعلماء بالنظر في التوازي بين حياتهم الشخصية ومسارهم الفكري، وما أفضى إليه من توقيعات وبصمات وآثار جعلت من تاريخ حياتهم منارة تهتدي بها الأجيال اللاحقة.
4ـ مبرر إتيقي:
إن الإرتقاء بالفلسفة إلى منزلة الرسالة الإنسانية الشاملة والتعامل معها بوصفها المنظومة القيمية يتوقف على استثمار الحياة العادية للناس، والعمل على الارتقاء بها من مستوى الرتابة والمحافظة وإكسابها درجة من الوعي والمعقولية. كما تتضمن جدلية بين التفكير والعمل، وتحدث مراوحة بين الشجاعة والحذر وبين الحرية والمسؤولية وبين مطلب الوفاء للحقيقة ومقتضى الاضطلاع بالحياة وباليومي.
لكن ماذا نقصد بمفهوم الالتزام الفلسفي؟ وماهي مختلف دلالاته؟

التتمة في العدد

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

الصورة الدلالية ـــ الاشكالية لابن رشد عند محمد المصباحي
عبـد النبـي الحـري

I. مدخل عام:
1ـ في المنهج الدلالي الإشكالي عند المصباحي
لعلّنا لن نبالغ إذا قلنا إن، المفكر المغربي محمد المصباحي، يُعد بحق أبرز مفكر عربي معاصر اعتنى بـ ابن رشد، قراءةً وكتابةً. تشهد على ذلك مؤلفاته العديدة، ابتداء من إشكالية العقل عند ابن رشد(1) إلى كتابيْ الوحدة والوجود عند ابن رشد(2)، ومن الوجود إلى الذات ـ بحث في فلسفة ابن رشد(3)، بالإضافة إلى مؤلفات أخرى تضم دراسات تتناول جوانب مختلفة من فلسفة أبي الوليد، وهي: تحولات في تاريخ الوجود والعقل(4)، دلالات وإشكالات(5)، والوجه الآخر لحداثة ابن رشد(6)، ومع ابن رشد(7)، وفلسفة ابن رشد(8)، هذا بالإضافة إلى عدد من الدراسات الرشدية الأخرى التي لم تضمها أية واحدة من كتبه السابقة.
كما أن للـ المصباحي مؤلفات أخرى؛ تناول في أحدها بالدراسة والتحليل نماذج بارزة من فلاسفة الإسلام، وفي ثانيها نماذج من الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وفي ثالثها دراسة عن ابن عربي، وفي رابعها دراسة مقارنة بين ابن رشد والشيرازي. يتعلّق الأمر بكتب: (من المعرفة إلى العقل)(9)، و(من أجل حداثة متعددة الأصوات)(10)، و(ابن عربي والفكر المتفتح)(11)، و(العقل الإسلامي بين قرطبة وأصفهان)(12). وبالرغم من عدم تضمن هذه المؤلفات الأخيرة لدراسة مستقلة عن فيلسوف قرطبة، فإنه يحضر فيهما سواء بشكل مباشر من خلال عدد من المقارنات بينه بين هذا الفيلسوف أو ذاك، في هذه النقطة أو تلك، أو يحضر بكيفية ضمنية وغير مباشرة عند المؤلف، وهذا النوع الثاني من “الحضور” هو الغالب.
ينطلق المصباحي في دراسته للتراث الرشدي من رؤية خاصة، ومنهج متميز، ينظر لـ ابن رشد كمنطلق مرجعي، باعتباره يمثل الموقف الفلسفي “الوسط العدل”، نظراً إلى ما عُرف عن أبي الوليد من شمولية النظرة، ونزاهة الموقف، وعدالة السيرة العلمية.(13)
لقد أكد المصباحي على هذه الصورة، صورة الموقف “الوسط العدل”، التي رسمها لـ ابن رشد، في العديد من محطات رحلته الطويلة، التي امتدت أكثر من ثلاثين سنة، في مختلف قارات المتن الرشدي الشاسعة والمترامية الأطراف، وهي رحلة محفوفة أسفارها بالصعاب والمخاطر، نظراً لما تتطلّبه من عتاد وعدة، ووسائل وإمكانات، إن على المستوى المنهجي أو على المستوى المعرفي.
لكن المصباحي، بنهجه العلمي المتزن وحسّه الفلسفي اليقظ، أَبَى إلّا أن يُنجح رحلته الصعبة والشاقة، اعتماداً على أدوات فلسفية تستمد مشروعيتها من كونها تنتمي لجنس الموضوع الفلسفي الذي تقوم بدراسته. فلم تكن غريبة عنه ولا متنافرة مع خصوصياته، الأمر الذي خوَّل لها خلق مجال للحوار مع نصوصه من داخل هذه النصوص نفسها، والدفع بالتحليل بها إلى أقصى الحدود لتبوح بمختلف أسرارها وإمكانياتها وتناقضاتها.
هكذا استمد المصباحي منهجيته ورؤيته للتراث الرشدي، من داخل الفلسفة، لا من خارجها، فكانت مقاربته لـ ابن رشد، ملتزمة بآليات التفكير الفلسفي الراسخ، فتميزت دراساته بحسن الإنصات إلى النصوص، سواء في لحظات صرخاتها القوية أو في حالات نبضاتها الخفيفة، كما أنه لم يكتف بالإنصات المباشر إلى أقوال فيلسوف قرطبة، بل اتسع صدره لمحاورة أبرز الذين كتبوا عن ابن رشد، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وخصوصاً “الرشديين” المغاربة المعاصرين.
قبل أن نقف عند صورة الموقف الفلسفي الرشدي “الوسط العدل” التي رسمها المصباحي لفيلسوف قرطبة، سنقف أولاً عند المنهج الذي سمح له بتشييد مختلف أبعاد هذه الصورة، وهو المنهج الذي سماه “المنهج الدلالي الإشكالي”، الذي مكّنه في الوقت نفسه من تقويم مشاريع قراءة التراث الفلسفي الإسلامي المعاصرة، خصوصاً المغربية منها. وهي النقطة التي سنقف عندها أيضاً في مرحلة لاحقة من هذا المدخل العام.
2ـ في منهج تاريخ الفلسفة
تتمثل أصالة المصباحي، كمفكر و كمؤرخ للفلسفة، في أنه يستمد منهجه، في دراسة التاريخ الفلسفي العام، وتاريخ الفلسفة الإسلامية “الخاص”(14) باعتباره «تاريخ اللقاء بين العقل والوجود»(15). هذا اللقاء الذي لا يتم مباشرة، «بل يجري عبر وسائط كاللغة والتاريخ والسلطة المعرفية»(16)، مما ينتج عنه تشتت اسميْ العقل والوجود في أسماء لا حصر لها وألقاب لا نهاية لها، فتتحول هذه الألقاب، وتلك الأسماء إلى دلالات مستقلة متعالية على العقل والوجود معاً. «هكذا تصبح للألفاظ، مثل: المقولة، الذات، الماهية، الجوهر، العرض، الوحدة، العقل..، أو مثل ألفاظ التناسب، التشكيك، التواطؤ، سلطة مستقلة ووجود متميز عما تمثله من أشياء وأفكار أو تشير إليه من موجودات، بسبب اكتنازها بالدلالة عبر تاريخها الطويل»(17).
غير أن ذلك لا يتم إلّا عندما تتخذ الدلالة طابع الالتباس، أي حينما يطلق نفس الاسم للتعبير عن حقيقتين متناظرتين أنطولوجياً. ولا يلبث هذا اللبس أن يتحوّل إلى إشكال، عندما تتدخل آليات التنظير، فيصاغ اللبس على نحو يتراوح فيه بين حلين كلاهما يؤدي إلى إلزامات أو محالات عسيرة الارتفاع.
وللخروج من الإشكال وبناء المذهب الفكري الخاص، يتم اللجوء من جديد إلى استعمال أداة دلالة الأسماء. «وهكذا كانت الدلالة هي علّة اللبس والإشكال، وستكون هي أيضاً أداة الخروج منهما»(18).
واضح إذن أن المصباحي لا ينظر إلى الغموض واللُبس الذي يكتنف اللغة الفلسفية باعتباره عائقاً يحول دون سيلان القول الفلسفي وانسيابه المتواصل، بل إنه ـ على خلاف ذلك ـ
يعتبره بمثابة “العائق المحرك” لتاريخ هذا القول الفلسفي.
إن إدراك دينامية هذا النمط من العوائق هو الذي يحدد أوجب واجبات مؤرخ الفلسفة، الذي عليه أولاً أن يقوم برصد لهذه الالتباسات في الأسماء والأشياء، وتتبع دقيق لكافة انعراجاتها وتلوناتها وتقلباتها، في هذا المتن الفلسفي أو ذاك. هكذا يَعتبر المصباحي أن كل محاولة لتبسيط المعاني الفلسفية والجزم بشأنها خروجاً عن مقتضيات الصناعة الفلسفية، وإخلالاً بأهم آليات اشتغالها وهي العودة الدائمة والمتجددة إلى النص الفلسفي، باعتباره نصاً «حياً على الدوام، ولا يحتاج لكي ينتج فينا دلالات جديدة سوى إلى قراءتنا نحن»(19).
بهذا المعنى يعتبر المصباحي أن تاريخ الفلسفة هو «تاريخ قراءة القراءة التي تجري للوجود. فالنظر في كتاب (الوجود) يتمّ بالنظر في الكتب التي كتبت عنه، أو قل إن كتاب (الوجود) لا ينفتح لنا في غالب الأحيان إلا بالكتب التي حاولت أن تنظر إليه»(20).
وبالتالي، فالمهمة الأولى لمؤرخ الفلسفة هي الاهتمام بالنص الفلسفي تحقيقاً وتحليلاً، باعتباره البيئة اللغوية والدلالية والإشكالية لميلاد الفلسفة، وذلك بتقليب مختلف أوجه النظر فيه، من أجل الوقوف على حركيته الداخلية وفعاليته الحيّة، واختبار مدى قدرته على الدفاع عن ذاته والتعبير عن قضاياه ومسائله، والتعبير عن تجربة كاتبه الخاصة. هكذا يعتبر المصباحي أن القصد الأول من تاريخ الفلسفة هو النص وليس سياقه. أما دلالة النص على وضع تاريخي أو إيديولجي أو اجتماعي، فذلك من مهمة علوم أخرى. كما أنه لا يغفل المفارقة التي تطبع تاريخ الفلسفة، وهي مفارقة الاتصال والانفصال، أي الاتصال الزمني مع الماضي الفلسفي للنص من جهة، والانفصال عن هذا الماضي طلباً للموضوعية في فهم حقيقة محتواه المعرفي من جهة ثانية.
إن المصباحي يميز بين زمنين في دراسة النص الفلسفي، زمن التعاقب التاريخي وزمن النظر الفلسفي(21)؛ فإذا كان الزمن الأول يتميز بكونه زمناً جزئياً ومتحركاً، فإن الزمن الثاني، أقصد الزمن الفلسفي، زمن كلي ومطلق(22)، زمن الإنسان بما هو إنسان، وليس هذا الإنسان المُشار إليه في ظروف تاريخية واجتماعية وإيديولوجية محددة في الزمان والمكان.
إن هذه المهمة التي تقتضي تحرير النص من زمانه العام، «وربما حتى من صاحبه»، أي أن تنظر إلى «النص بما هو نص»، لا بما هو قول «صادر عن فاعل منتم إلى عصر ما»(23)، هي التي يدعو المصباحي الباحثين في تاريخ الفلسفة، والفلسفة الإسلامية بشكل خاص، إلى اتباعها كي يعيدوا إلينا سلفنا الفلسفي في صورته الحقيقية الأصيلة.
3ـ في تاريخ الفلسفة الإسلامية
تعتبر رؤية المصباحي لتاريخنا الفلسفي، العربي الإسلامي، امتداداً لرؤيته لتاريخ الفلسفة العام، بل بإمكاننا أن نقول إن معاشرته الطويلة للنص الفلسفي الإسلامي الوسطوي، والنص الفلسفي الرشدي على وجه الخصوص، هي التي لعبت دوراً كبيراً في صياغة رؤية المصباحي ومنهاجه.
تقوم هذه الرؤية المصباحية للتراث على مقومين اثنين: المقوم الأول هو قراءة النص التراثي في نصيته، والمقوم الثاني قراءة النص التراثي في فلسفيته. وبعبارة أخرى، يتعين على قارئ المتن التراثي، أن يقوم بمهمة مزدوجة في الوقت ذاته، تقتضي، من جهة أولى، تتبع النص التراثي في إبداعيته اللغوية للأسماء والألقاب، والنظر إليه، من جهة أخرى، في إبداعيته للدلالات والأقوال.(24)
هذه الرؤية التي تقوم على “علاقة الدلالة بالإشكال”، والتي تنطوي على «علاقة المتصل بالمنفصل” هي التي يصطلح عليها بـ “المنهج الدلالي الإشكالي»(25).
هذا المنهج يقتضي تحليلاً دلالياً للأسماء، كما تمت الإشارة إلى ذلك أعلاه، وذلك برصد مختلف معانيها وطبيعة الفروق القائمة بينها، وهل تدخل هذه الفروق في “باب المتصل أم المنفصل”(26)، والهدف من هذا التحليل هو متابعة النتائج الفلسفية المترتبة عن هذا التبني الدلالي أو ذاك، طالما أن الدلالة الفلسفية تتميز بطابع التعدد والاختلاف المغني لجوهر الفلسفة.(27)
كما يتطلّب هذا المنهج تحليلاً إشكالياً للمفاهيم برصد ذلك التوتر الدائم بين الأسماء ومعانيها من جهة، وتتبع علاقة القول الفلسفي بـ «الأقوال المختلفة معه أو المضادة له»(28)، مما يفتح الباحث مباشرة على تاريخ الفلسفة. إنه يسعى «إلى متابعة عملية تحول الأسماء إلى مفاهيم، وتحول المفاهيم إلى إشكالات، وتحول الإشكالات إلى أقوال، وذلك عبر تبين دور الاختلاف الدلالي في نشأة الأقوال الفلسفية، ودور الصراع القولي في إضفاء الدلالات الجديدة على الأسماء»(29).
إن هذا المنهج، بفضل تحقيقه لمطلبين متضايفين: مطلب برهاني يمكن من النظر إلى الدلالات من حيث انتمائها لبناء هندسي متشابك، ومطلب جدلي ينظر إلى تلك الدلالات في حركيتها الإشكالية الدائمة، يمكن الباحث في تاريخ الفلسفة من الوقوف المباشر على الآلية التي تعتمد عليها الصناعة الفلسفية في إنشائها لأقوالها وتطويرها لها، وهو بالتالي يسمح بمعاشرة ما خلفه لنا السلف من متون فلسفية من داخلها وليس من خارجها، أي الاقتصار على البحث فيما قبلها وما بعدها، الأمر الذي لا يسمح إلا بالطواف حولها دون التمكن من سبر أغوارها واقتحام أعماقها.(30)
4ـ في نقد الدراسات المغربية للتراث الفلسفي
هكذا يعتقد المصباحي أن السبيل الوحيد والأوحد لكي تصير للفكر المغربي المعاصر القدرة على التفلسف وإنتاج قول فلسفي معاصر هو البداية من تاريخ الفلسفة باعتباره اللحظة التي تم فيها اللقاء المغربي المعاصر بالفلسفة، وباعتباره الوسيلة التي يمكن بها ردم الهوة السحيقة التي فصلتنا عن تراثنا الفلسفي القديم.(31)
لكن هذا السبيل لا يمكنه أن يمر إلا عبر ممارسة راسخة لتقاليد البحث العلمي ـ الفلسفي. والتي تقتضي الاحتكاك بالنص ابتداء .
في هذا الصدد يلاحظ المصباحي أن الدراسات التراثية المغربية لم تلج عالم النص الفلسفي التراثي، والنص الرشدي على وجه الخصوص، بل بقيت تطوف حوله، تبحث عما قبله وما بعده، مما وضعها خارج دائرة هذا النص الفلسفي، وبالتالي خارج دائرة القول الفلسفي، أي أنها لم ترق لأن تكون تأريخاً للفلسفة بل بقيت في مجال تاريخ الأفكار أو تاريخ الإيديولوجيات.(32)
من هذا المنطلق العام، ناقش المصباحي الباحثين المغربيين البارزين، في مجال الدراسات الرشدية، محمد عابد الجابري وجمال الدين العلوي، اللذين سجل عليهما مجموعة من الملاحظات فيما يخصّ نظرتهما لتقويم التراث وتصورهما للمشروع الرشدي.
II. تقويم المصباحي لصورة ابن رشد عند الجابري والعلوي
إن أي قارئ لمتن المصباحي لا يمكنه إلا أن يسجل لصاحبه عنايته المحمودة بالمحاورة الدائمة والمستمرة لمختلف رموز الفكر المغربي المعاصر، ومراجعاته النقدية لأعمالهم، على خلاف عادة أغلب المفكرين المغاربة، التي جرت بتجاهل بعضهم لإنتاج البعض الآخر. فهو لايتجاهل الدراسات المغربية السابقة عليه، ولا يستخف بها، كما فعل غيره، بل يحاور أصحابها ويعطيهم الكلمة ويناقشهم في عين المكان.
هكذا نجده قد قام بنظرة نقدية للحظة محمد عزيز الحبابي الفلسفية، التي دفعت به إلى البحث في تجربتين مغربيتين فريدتين سابقتين على اللحظة الحبابية وهما: تجربة “الانتشال والإغراق” لـ مولاي عبد السلام بن مشيش، وتجربة “المشاهدة والعمى” لـ سيدي عبد الرحمان المجذوب(33)، كما نجده قد حاور العروي في مناسبات متعددة(34)، ولم يتردد في العودة مجدداً لبعض نصوص محمد عزيز الحبابي وفاءً منه لما أسداه الأخير للفلسفة بالمغرب.(35)
لكننا في هذا البحث يهمنا الوقوف عند مراجعة المصباحي لأعمال مفكرين مغربيين آخرين اهتما بدراسة التراث العربي الإسلامي، نظراً لعلاقتهما المباشرة بموضوع ابن رشد، وهما محمد عابد الجابري وجمال الدين العلوي.
1ـ تقويم صورة المتن الرشدي عند العلوي
لنبتدئ بالدراسة التي خصّصها المصباحي لكتاب المتن الرشدي(36) لـ جمال الدين العلوي(37)، لقد حاول العلوي رسم صورة شاملة للمشروع الرشدي تتشكل عناصرها الأساسية من المشاهد التالية:
ـ حصر أشكال الكتابة الرشدية وتبويبها؛
ـ ضبط الحقب التي مر منها المشروع الرشدي؛
ـ محاولة للبحث عن كرونولوجيا شاملة لما بقي من المتن العربي لـ ابن رشد.
هذه الصورة هي التي حاول المصباحي تعميق النظر في مختلف أبعادها، انطلاقاً من مساءلته لمشروعية الأسس التي بنى عليها العلوي أطروحته حول وحدة المشروع الرشدي، كما حاول فحص مدى علمية فكرة تطور المشروع الرشدي كما تصورها صاحب كتاب (المتن الرشدي).
لقد رسم العلوي صورة وحدوية للمشروع الرشدي؛ فجميع كتاباته، سواء تعلقت بالفلسفة أو بالكلام أو بالطب أو الفقه… سواء كانت شروحات أو تلاخيص أو جوامع أو مقالات، فهي جميعها تنتظم داخل وحدة فكرية متناسقة ومنسجمة(38). وإذا كان المصباحي ينوّه بهذه الصورة الوحدوية فإنه يتساءل عن مدى قوة ووضوح وتماسك الأسس التي بنيت عليها.(39)
وفي مستهل مقاربته لهذا السؤال/الإشكال، سجَّل المصباحي أن العلوي يبني مفهوم الوحدة عند ابن رشد، سواء على صعيد المتن أو على صعيد المشروع الفكري، على ثلاثة مفاهيم أخرى هي الكلية والتصحيحية والبرهان.
إن جميع الكتابات الرشدية، في نظر العلوي، تنتمي لكلٍّ موحد، كما اضطلعت بمهمة موحدة، وهي التصحيح الفلسفي والديني والعلمي، انطلاقاً من معالجة متميزة بطابعها البرهاني.
وبعد تحليل لمختلف عناصر الوحدة هذه، يلاحظ المصباحي أن العلوي قد اكتفى باستخلاصها «من مجرد استقراء لديباجات» بعض كتابات ابن رشد، أو تصريحات للنيات مبثوثة في ثنايا بعضها الآخر. مما يعني أن وحدة المتن والمشروع الرشديين لم «تستخلص من بنية النصوص ذاتها ومما يحركها فعلاً أو يكون مشتركاً فيما بينها في واقعها»(40).
هكذا اعتقد المصباحي أن حماس العلوي المبالغ فيه لصالح وحدة المشروع الرشدي، قد ضيَّع عليه فرصة رسم صورة حقيقية لـ ابن رشد، تبرز معالم قوته كما توضح مواطن ضعفه. والسبب في ذلك أنه لم يخضع الأبعاد الثلاثية لهذه الصورة للتساؤل والنقد، سواء فيما يتعلق بدوافع البعد التصحيحي عند ابن رشد ورهاناته الحقيقية، أو فيما يتعلق بحدود برهانية القول الرشدي ومخاطر إلحاق علميين تجريبيين كالطب والفقه بتلك الوحدة البرهانية.(41)
هذا فيما يتعلق بمساءلة المصباحي لمشروعية الأسس التي بنى عليها العلوي أطروحته حول وحدة المشروع الرشدي، فماذا عن محاولة فحصه لمدى علمية فكرة تطور المشروع الرشدي كما تصورها صاحب المتن الرشدي؟ يلاحظ المصباحي أن العلوي بانطلاقه من مصادرة تطور التفكير الرشدي، قد وضع نفسه أمام مفارقة الاختلاف والوحدة. فهل استطاع نحت مفهوم لذلك الاختلاف يسمح له بالوجود داخل هذه الوحدة؟
لا يعتقد المصباحي بوجود تطور متوثب في فكر ابن رشد المحكوم بهواجسه التصحيحية والكلية والبرهانية، لأن هذه الهواجس/المقاصد تحضر في سائر الأعمال الرشدية بلا استثناء، مما يدل على وجود وحدة تنتظم الفكر الرشدي لا تحتمل أي قطيعة أو نقلة نوعية، و«لذلك كان لا بدّ من الاستمرار في فكر المتصل والمعلن عنه بقوة، أو التخفيف منه لتسهل عملية الانتقال إلى فكر المنفصل، وإلا فإن صياغة عبارات توفيقية مثل: “الوحدة المتطورة” أو “الوحدة في اختلاف والاختلاف في الوحدة” لن تشفع شيئاً»(42).
أما فيما يتعلق بمسألة تحقيب العلوي للإنتاج الرشدي وعلاقته بتطور فكره، فيذهب المصباحي إلى القول بأنه عمل اتسم بالخفة والتسرع، ما دمنا نفتقد عدداً من المعطيات الأساسية للقيام بعمل علمي من هذا القبيل، «فنحن مثلاً لا نعرف حتى الآن بيبليوغرافيا شاملة للرجل، وهي العنصر الضروري في معالجة مسألة التحقيب، إذ هي التي تُطلعنا على أساتذته وعلاقته بالمدارس الموجودة في عهده تحصيلاً وتدريساً، وعلى صلاته برجال العلم والدولة والسياسة في وقته، وتخبرنا بالجمهور الذي يوجه كتاباته إليه، وإلى أي حدّ كان هذا الجمهور منسجماً، أو تتخلله مراتب هي التي ضغطت عليه لتنويع شروحه ومؤلفاته، وهل كانت لديه مؤلفات مضنون بها على غير أهلها حقا أم لا»(43).
حاصل القول هو أن المصباحي قد ركز في مناقشته لكتاب (المتن الرشدي) على مفهومين أساسيين بنى عليهما العلوي أطروحته حول المتن الرشدي هما: الوحدة والتطور، حيث استنتج، بعد تحليل لأثرهما على الصورة التي رسمها العلوي لابن رشد إلى محدودية إجرائيتهما، وعدم قدرتهما على تقديم فكرة واضحة عن المشروع الرشدي. ومع ذلك يعترف المصباحي «أن عمل السيد العلوي يكون قد ساهم في إلقاء مزيد من الضوء على إشكال ابن رشد الحق/ابن رشد الزائف، أو ساهم في تبديده ولو بشكل ضمني»(44).
لكن إذا كانت محاولة العلوي لتحقيب الفكر الرشدي قد ساهمت في تسليط بعض الأضواء على حقيقته، فماذا عن قراءة الجابري لهذا المتن الذي خلفه فيلسوف قرطبة ومراكش؟
2ـ تقويم صورة ابن رشد عند الجابري
حاول المصباحي في أكثر من مناسبة، أن يخلق مجالاً للنقاش مع محمد عابد الجابري(45)، رغم اعترافه بصعوبة تحليل فكر الجابري ومنهجه، بسبب أن هذه المهمة تكفل الجابري نفسه بالقيام بها على نحو لم يترك للباحثين الآخرين القدرة على مجاراته.(46)
يقف المصباحي أولاً عند الطبيعة المزدوجة لإشكالية الجابري، التي تتبلور في تساؤلين اثنين: أولهما يتعلق بالحاضر وثانيهما يتعلق بالماضي. وإذا كان الجابري قد وظّف مفهوم الإيديولوجيا كمفتاح لمقاربة السؤال الأخير، فإنه اتخذ ابن رشد مفتاحاً لفهم الحاضر وتحليله.(47)
هكذا يقف المصباحي أمام “جملة من التوافقات” بين الجابري وابن رشد ليتساءل عن أسبابها وخلفياتها ومقاصدها وأهدافها، محاولاً الإجابة من خلال لحظتين أساسيتين من القراءة في المتن الجابري، لحظة رصد رؤية الجابري ومنهجه في دراسة التراث، ولحظة البحث في كيفية انعكاس هذا المنهج وتلك الرؤية على صورة ابن رشد عند صاحب “نحن والتراث”. يرى المصباحي أن إشكالية الجابري يمكن بلورتها في السؤال التالي: «كيف يمكن أن نثبت أصالة الفلسفة العربية الإسلامية بالنسبة إلى زمنها الخاص داخل المجتمع الإسلامي للقرون الوسطى، وحيويتها بالنسبة إلى زماننا هذا؟»(48).
يحلّل المصباحي المفهومين المركزيين في هذه الإشكالية وهما: الأصالة والحيوية، محاولاً رصد وضعهما الدلالي الملتبس باعتبارهما يحيلان على معنى واحد، بشكل يصعب معه وضع مسافة مفهومية واضحة بينهما. فأصالة الفلسفة الإسلامية بالنسبة لزمنها يعني حيويتها بالنسبة له، كما أن حيوية هذه الفلسفة بالنسبة لعصرنا وقدرتها على شحذ همتنا نحو التجديد والحداثة تدل على أصالتها بالنسبة لنا.(49)
هنا يشهر المصباحي سلاح السؤال النقدي في وجه الإشكالية الجابرية: كيف يمكن للأصالة أن تكون أصيلة، أو للحيوية أن تكون كذلك، بالنسبة لذاتين مختلفتين ولزمنين متباعدين، ذات القرون الوسيطة وزمنها الماضي، وذاتنا الحالية وزمنها الحديث والمعاصر؟(50)
في سياق مقاربته لهذا الإشكال، يرى المصباحي أن فهم الإشكالية الجابرية يتوقف على النظر إليها من زاوية تعدّد أبعادها، فهي من جهة رد على الأطروحات الاستشراقية حول الفلسفة الإسلامية، وهي من جهة ثانية مناقشة نقدية لاذعة لمختلف تيارات الدراسات العربية المعاصرة للتراث، السلفية والليبرالية والماركسية.
كما أن هذه الإشكالية الأم عند الجابري قد توزعت، بعد التحليل الدلالي ـ الإشكالي الذي قام به المصباحي لمختلف جوانبها، على «أربع إشكاليات: بيانية، وعرفانية، وبرهانية مشرقية (اندماجية)، وبرهانية مغربية ( انفصالية)»(51).
يواصل المصباحي تحليله الدلالي لقول الجابري في التراث الفلسفي الإسلامي العربي ليقف عند نظرته المزدوجة لمضمونه، التي تقسم الفلسفة الإسلامية إلى مضمونين أو موضوعين: أولهما معرفي وثانيهما إيديولوجي. فشلت في تطوير أولهما ونجحت في توظيف ثانيهما في «صراعها الأيديولوجي ومآربها التاريخية»(52).
وبالتالي فالمضمون الإيديولوجي أصدق في التعبير عن خصوصية الفلسفة الإسلامية وأصالتها، ما دامت النظرة إليها من خلال المادة المعرفية التي اشتغلت عليها ستحيلها إلى فلسفة من دون هوية واضحة أو ذات مستقلة. «باختصار، لقد فضَّل الجابري الأيديولوجيا على المعرفة، والوظيفة على الأداة، والغاية على البنية، والمعنى على الحقيقة»(53).
في هذه اللحظة بالذات من التحليل الدلالي ـ الإشكالي، أزفت ساعة تسجيل صاحب “إشكالية العقل عند ابن رشد” اعتراضاته، الواحدة تلو الأخرى، على صاحب مشروع “نقد العقل العربي”.
يتمثل أول اعتراض في رفض الصورة التي رسمها الجابري لدلالة المادة المعرفية للفلسفة الإسلامية بدعوى غربتها عن روح الثقافة العربية الإسلامية، وحجة المصباحي في هذا الاعتراض أن الجابري لم يُقَّدر التقدير العلمي الجاد واللازم، مدى قدرة اللغة الفلسفية العربية في التواصل مع النص الفلسفي اليوناني، وعلى تطويعه وتبيئته وابتكار مفاهيم جديدة وبناء تصورات فلسفية قادرة على تحريك تاريخ الفلسفة بشكل عام.(54)
الاعتراض الثاني هو رفض اعتبار جوهر الفلسفة الإسلامية هو التوفيق بين الشريعة والحكمة، لأن في ذلك رفض لما يعتقد المصباحي أنه «أهم مكسب لثقافتنا العربية، مكسب اتصالنا باليونان»(55). فأهمية الفلاسفة المسلمين تكمن في أنهم «تصدوا مباشرة للمغامرة في فضاء القول الفلسفي بعيداً عن ضغط القول الديني»(56)، على خلاف المتكلمين، المسلمين واليهود والنصارى. وبذلك كان أفقهم الميتافيزيقي مغايراً نوعياً للأفق الكلامي لعلماء الكلام في الملل الثلاث.
إن المصباحي يعتقد أن الدرس الرشدي، والدرس الفلسفي المعاصر، يعلماننا، أنه كلما اقتربنا من الإغريق كلما كنا أكثر قابلية «للإنصات لصوت الفلسفة والعلم»(57). وبذلك سنرسم صورة للفلسفة الإسلامية باعتبارها موجهة للإنسان الكوني بشكل عام وليست موجهة فقط لهذا الإنسان العربي الغارق في همومه وتناقضاته.
لم تكن الفلسفة العربية الإسلامية مجرد رجع صدى الفلسفة اليونانية بل إنها، في نظر المصباحي، قامت بالكثير من أجل مجاوزة إشكالية الإغريق الفلسفية، وبلورة إشكالات جديدة «وضعتها في طريق الانفصال عن الفلسفة اليونانية»(58).
إن فصل الجابري للفلسفة الإسلامية عن الفلسفة اليونانية معناه، في اعتقاد المصباحي، تجريدنا من حقنا في التراث الفلسفي الإغريقي، باعتباره إرثاً إنسانياً مشتركاً، ومعناه أن لهذا التراث وريثاً “شرعياً” وحيداً هو الغرب، وليس ورثة متعددون هم مختلف شعوب الأرض. ومعنى ذلك أيضاً تجريد الذات العربية من كل قدرة «على التفلسف، وعلى إنتاج المعرفة العلمية؛ أي على فصل الذات عن الموضوع من أجل إنتاج قول يتجاوز الانحيازات المكانية، والزمانية، والثقافية، والملّية، واللغوية»(59).
هكذا يلاحظ المصباحي أن ميل الجابري للتأويل والقراءة على حساب التحليل والفهم، جعله يرسم صورة جديدة للفلاسفة المسلمين مخالفة تماماً لصورتهم الحقيقية، وما ذلك إلا لأنه جعلهم جزءاً من ذاته بسبب منهجية التأويل الإيديولوجي التي اتبعها.(60)
وبذلك يكون الجابري قد «ذهب بعيداً في التضحية بالفلسفة وبالنص الفلسفي في سبيل الإيديولوجيا، ففقدت الفلسفة في منظوره استقلالها ومبادرتها، لتصير مجرد لاحق من لواحق الإيديولوجيا»(61).
من أجل ذلك يرفض المصباحي سجن الفلسفة في كهف الإيديولوجيا والسياسة والمدينة، ويرى ضرورة أن تبقى الفلسفة «على مسافة من المدينة، لا خشية على نفسها وعلى ممارسيها، كما كان الحال بالنسبة إلى ابن رشد، ولكن حرصاً على إنتاج قول مستقل، ومتميز، يعود الناس على أن يفكروا بأنفسهم، وأن يسائلوا أي شيء، وأية قيمة، وأي مبدأ. ولعلّ هذه هي الطريقة الفلسفية للتفكير في شؤون المدينة»(62).
يدعو المصباحي بصريح العبارة إلى تحرير الفلسفة الإسلامية من لغة الإيديولوجيا لتتكلم لغة مشتركة يفهمها كل البشر، لغة تخاطب الإنسان بما هو إنسان، وتمكّننا من الدفاع عن قضايانا العادلة، وتبليغ رسالتنا للغير(63). من هنا رفض المصباحي الصورة التي رسمها الجابري لابن رشد، ووجه لها سهاماً نقدية لاذعة ركزت على بعدين اثنين من هذه الصورة؛ بعد نقدي ـ هدمي، وبعد بنائي ـ إصلاحي.
يتمثل البعد النقدي ـ الهدمي في حرص الجابري على رفض كل التراكم الذي عرفته الدراسات الرشدية السابقة عليه، سواء العربية منها أو الغربية، ويقدم لذلك عدة مبررت نجملها فيما يلي:
(1) غموض هذه الدراسات، وعدم تمكنها من إعطاء صورة واضحة عن ابن رشد. وهي الصورة التي يدّعي الجابري لنفسه القدرة على إدراكها ورسمها بشكل واضح لا غموض ولا لبس فيه.(64)
(2) اعتبار بعض الدراسات الرشدية مجرد صدى للرشدية اللاتينية القائلة بازدواجية الحقيقة، الأمر الذي يخالف حقيقة الفكر الرشدي القائل بوحدة الحقيقة بين الحكمة والشريعة.(65)
(3) تغليب عدد من الدراسات الرشدية، الغربية والعربية، للجانب الأكاديمي على الجانب الإيديولوجي، الأمر الذي أعطى صورة جامدة راكدة لابن رشد تختلف عن صورته كما تخيلها الجابري.
(4) القول بعدم استيفاء السابقين للمعطيات العلمية فيما يتعلّق بالجانبيْن التوثيقي والتطوري الخاصين بالمتن الرشدي.
لا يقبل المصباحي هذه المبررات، إذ يستغرب إعطاء الجابري لنفسه الجزم بأن صورته التي رسمها لابن رشد هي الصورة الحقيقية والواضحة لفيلسوف قرطبة وما عداها صور زائفة غامضة، نظراً لتنافي ذلك مع تقاليد راسخة في البحث العلمي تقتضي الحيطة والحذر في إطلاق الأحكام والنسبية والتواضع في ادعاء المواقف والآراء.(66)
وبالقدر نفسه من الرفض يتصدى المصباحي لاستبعاد الجابري للقراءة الغربية لابن رشد بدعوى تغريبها لفيلسوف الغرب الإسلامي، ذلك أن الفلسفة عبارة عن خطاب كوني موجّه لكل الناس في كل مكان وفي كل زمان، ولا يمكن أن يكون ابن رشد حكراً على العرب دون غيرهم من البشر.(67)
أما عن نفور الجابري من تقاليد البحث الأكاديمي فمرده ـ في نظر المصباحي ـ إلى رغبة الجابري في رسم صورة خاصة به لابن رشد، صورة لا تعبر عن ابن رشد الحقيقي، بل صورة ابن رشد الذي يحقق أغراض الجابري الإيديولوجية ومقاصده السياسية.(68)
كما لاحظ المصباحي، بصدد تعددية أسماء شروح ابن رشد الصغرى، أن الجابري لم يقم بأي مجهود «تسهيلاً لمهمة القارئ في الإحاطة بمسألة تعدد ووحدة (المتن الرشدي)»(69)، وذلك بتقليص ألقابها وأسمائها، بل على العكس من ذلك سار في درب منتقديه بإضافة أسماء جديدة زادت الأمر غموضاً والتباساً.(70)
هذا عن الجانب الهدمي، أما فيما يتعلق بالجانب البنائي، فقد وقف المصباحي عند تلك الصورة الإيديولوجية التي رسمها الجابري لـ ابن رشد، باعتباره نموذج المثقف العربي المطلوب اليوم، والذي بدون اتباع عقلانيته البرهانية الواقعية، والتاريخية، لن يخطو الإنسان العربي المعاصر أي خطوة تقدمية نحو مدارج الأصالة والمعاصرة معاً.
هذه الصورة النموذجية لأبي الوليد تقوم على مجموعة من الخصال الإبداعية، يجملها المصباحي في ثلاث خصال رئيسية، وهي خصال إبداعية(71)، وخصال علمية(72)، وخصال عملية(73). هذه الخصال دمجها الجابري فيما بينها ليركب منها صورة يشبهها المصباحي بتلك التي “تنسجها أحلامنا”؛ بمعنى أن الطريقة الخطابية التي اتبعها الجابري في تقديم صورة ابن رشد لم يكن هدفها ابن رشد الحقيقي، بل ابن رشد الذي يطابق حلم الجابري المزدوج بالعقلانية: «حلم بالعقلانية في تاريخنا، وحلم بالعقلانية في مستقبلنا. أو قل إنه نوع من تفسير الحلم بحلم آخر»(74).
لم تكن قراءة الجابري إلا قراءة حالمة بغد عربي أفضل، كما لم تكن قراءة جمال الدين العلوي قراءة معمقة بما يكفي لاستخلاص حقيقة الفكر الرشدي، والسبب هو غياب المنهج الدلالي ـ الإشكالي.
اعتماداً على هذا المنهج سيحاول المصباحي أن يقدم لنا «قراءة ابن رشد بابن رشد ومن أجل ابن رشد»(75).
III. المبحث الأول:
ـ الحكمة الرشدية، أرض المصالحة بين الجدل والبرهان.
«عندما نبحث في جوهر البرهان الذي يدعو إليه ابن رشد، نجده يتخذ نوعاً من التوفيق بين الجدل والبرهان، أو ما أسميناه بالمنهج الدلالي الإشكالي، وهو المنهج الذي يراعي المنعرجات الدلالية للأسماء من أجل اتخاذ موقف عدل بين الأقوال المتعارضة»*
ـIـ
لقد تناول المصباحي إشكالية الفلسفة بين الجدل والبرهان عند ابن رشد ضمن إشكالية أعمّ، وهي إشكالية الوحدة وأنحائها(76)، باعتبار الفلسفة، هي العلم المختص بالنظر في أسماء الموجود والواحد، وأن تاريخها هو تاريخ ابتكار للأسماء والدلالات «التي تعود بأصلها إلى شيء واحد له وجهان، وجه وجودي ووجه وحدوي»(77)، فلا وجود للواحد أو للموجود إلا بتلك الأسماء والمقولات التي صنعها العقل الفلسفي.
هكذا نجده يمهد للحديث عن مسألة علاقة الجدلي بالبرهاني في الخطاب الفلسفي الرشدي، بنظرة إبيستيمولوجية إلى مفهوميْ الواحد والوحدة عند ابن رشد، وذلك من خلال مستويين اثنين، المستوى الأول يتعلق بدراسة أنواع الواحد ومعانيه(78)، ويخص المستوى الثاني النظر في الواحد من حيث هو مكيال للكثرة والموجود.(79)
ولعلّ الملاحظة التي لا تخطئها العين في هذه المقاربة، هي وفاء المصباحي لرؤيته ومنهجه، المتعلقين بنظرته لتاريخ الفلسفة، والتي تهدف إلى النظر إلى الفلسفة الرشدية من داخلها، والوقوف عند الدلالات والإشكالات الخاصة بنصوصها.
لقد تتبع في المستوى الأول أنواع الواحد ومعانيه، وما توزعت عليه من قسمات مختلفة، والعلاقات القائمة بين هذه الأنواع والقسمات، والصعوبات التي نتجت عن تلك الأنواع والمعاني والعلاقات، مستخلصاً منها الخصائص الأساسية لطبيعة الواحد، وهي: «البساطة، وعدم الانقسام، والأولية، والمبدئية، ثم الكلية ـ تؤمن للواحد، صفة أخرى هي المكيالية»(80).
وانطلاقاً من تحليل دقيق لأهم تفاصيل إشكالية مكيالية الواحد، خلص إلى أنه يمكن النظر إلى علاقة الواحد بالكثرة من جهتين:
1) من جهة التقابل، لأن الوحدة في حقيقتها مقابلة للكثرة، والعكس صحيح.
2) ومن جهة الإضافة، لأن تقابل الواحد والكثرة هو من الصنف الذي لا يفضي بالمتقابلين إلى التعاند والتنافي، بل يجعلهما يلتقيان ويتضايفان، لأنه لولا تعايش الواحد والكثير لما كان وجود ولا معرفة ولا قول.(81)
لقد سجّل المصباحي في متابعته لأنحاء الوحدة عند ابن رشد، الكيفية التي ظلّ بها أبو الوليد وفياً لـ «سلطة النص الأرسطي إلى حد التقديس»(82)، متخذاً منه موقفاً وسطاً عدلاً. ينوّه بـ أبي الوليد حينما يحالفه الصواب، ويعترف لخصومه بهذا الصواب حينما يكون بجانبهم. بعبارة أخرى، إن قراءة المصباحي للمتن الرشدي هي قراءة تحليلية ونقدية بامتياز، إذ وهو يتابع مختلف دلالات وإشكالات المتن الرشدي، لايترك ملكته النقدية في غيبوبة، كما نجد ذلك عند الجابري، بل إنه على العكس من ذلك، لا يتردد فينقد عدداً من المواقف والأطروحات الرشدية بصدد قضايا فلسفية مختلفة. هذه الوضعية النقدية التي يتخذها المصباحي أحياناً تجاه بعض الاختيارات الرشدية، هناك عدد من الشواهد والدلائل عليها مبثوثة في قراءته للمتن الرشدي. وبخصوص القضية التي نحن بصددها، فإن المصباحي في سياق تناوله لأنواع الواحد عند ابن رشد، سجَّل مجموعة من الملاحظات النقدية على توجهات ابن رشد بصدد بعض مسائلها.
ففي معرض تعليقه على موقف فيلسوف الأندلس من الثغرات التي تركها أرسطو في تقسيماته لأجناس الواحد، وإحصائه لمعانيه، وتجلياته في مقولات الموجود، يسجّل عليه نفوره من الاجتهاد وركونه للتقليد.(83)
وهنا يُشِيد المصباحي بما ذهب إليه بعض الفلاسفة المسلمين، ويلوم ابن رشد على عدم حذوه حذوهم. فهو يُشِيد باجتهاد الكندي في تنظيمه أجناس الواحد انطلاقاً من نظرة وجودية، على خلاف ابن رشد الذي لم يشأ القيام بأي خطوة من هذا القبيل. كما يُبدي إعجابه بجرأة الفارابي بتوسعه في إحصاء أجناس الواحد، وإعادة تصنيفها «تصنيفاً مستحدثاً وإخراجها مخرجاً جديداً، ولو اقتضى الأمر التشويش على أرسطو ذاته، وذلك في كتاب خاص أفرده لهذا الغرض هو (كتاب الواحد والوحدة)»(84).
وفي السياق ذاته يلاحظ المصباحي خشية “الشارح الأكبر” من أي تساؤلات فلسفية مؤرقة ومزعجة، الأمر الذي جعله يتجاهل توظيف منهج المقارنة، ويكتفي بمنهج التلخيص والتفسير على الحرف. و«بهذا المكيال يظهر لنا الفارابي وابن سينا أكثر جرأة ومجازفة من ابن رشد، وأكثر إقداماً على التساؤل الفلسفي منه»(85).
كما يسجل المصباحي أن عدم توظيف ابن رشد لمفهوم “النسخ” الإسلامي على النص الأرسطي جعله لا يرى هذا النص في حقيقته، من حيث هو إنتاج إنساني، له علامات قوته كما له علامات ضعفه؛ فنصوص أرسطو ينسخ بعضها الآخر، ومواقفه يخلف بعضها الآخر.كما أنه «لو استفاد من منهج أسباب النزول الذي طبقه المسلمون على الكتاب والسُنَّة، أن يتجاوز عقله الشارح، عقل العبارة والتأويل، إلى العقل التكويني، أو على الأقل إلى العقل النسقي»(86).
لقد كان غرض المصباحي من هذه النظرة الإبيستمولوجية للواحد، وضع مقدمة “أدواتية أصولية” لما سيأتي من حديث عن الفلسفة، سواء فيما يتعلق بإشكالية وحدتها وتعددها، أو بإشكالية العلاقة بين البرهاني والجدلي فيها، أو فيما يتعلق بمسألة وحدتها التشكيكية، سواء على المستوى الدلالي، أو المستوى القولي، أو المستوى المعرفي. وهي الأمور التي سيتم تناولها بالدراسة والتحليل فيما يلي من هذا الفصل.

التتمة في العدد

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

عرب ما قبل الدعوة/ تفنيد لتصوّر سائد

جمال ضاهر
عبد الكريم البرغوثي
نديم مسيس

يسلّط هذا البحث الضوء على كيفية تعامل التيار السائد من الباحثين العرب القدماء والمعاصرين، مع عرب ما قبل الدعوة الإسلامية، ليُظهر تأثير أفكارهم المسبقة على نتائج أبحاثهم، وعلى تكريس تصور سيسود في أدبيات عدة، مفاده أن العرب لم يكن لديهم فكر أو تجريد فلسفي. ولبيان مواضع التناقض بين الأطر النظرية المعتمدة في إجراء تلك الأبحاث، والتفسيرات المقدمة من قبلهم لما يرونه ويجدونه عند العرب كدلالة على حجم الإشكالات المتضمنة في مثل هذه الأبحاث، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، يقوم البحث بتبيان ما كان عند العرب من غنى لغوي (أهل اللغة العربية) لتكون أداة إبستمولوجية تعزز الدراية المعرفية، لا يتعلّق بالطبيعة وبضرورات الحياة في الصحراء فحسب، بل أيضاً فيما يتعلق بتأويل حياتهم الاجتماعية والثقافية على حدٍ سواء.
مقدمة
نقصد بالعرب هنا عرب ما قبل الدعوة الإسلامية، وإن كنا سنتناول بعض الآراء التي تتحدث عن العرب عامة، ما قبل الدعوة وما بعدها، في محاولة لتسليط الضوء على سلوك جل الباحثين عند اصطدامهم بمعطيات تاريخية تتنافى وما يحملون من أفكار ومعتقدات، وذلك من أجل التدليل على أن المعطيات التاريخية، مهما كانت، لم تبدل ولم تغير من أفكارهم المسبقة بأنه لم يكن «للعرب، في جاهليتها، من علم تفاخر به وتباري فيه سوى علم لسانها، وأحكام لغتها، ونظم الأشعار، وتأليف الخطب»(1)، التي يؤكدها الباحثون، ومن بينهم طرابيشي، بقوله: «رغم ورود أخبار عن كتب متداولة لدى العرب ما قبل الإسلام، ينبغي أن نستدرك ونقول إن النثر الوحيد الذي عرفه عرب الجاهلية هو نثر الأمثال والحكم وسجع الكهان القريب في بنيته إلى الشعر»(2)، فأتت الأبحاث، وكانت كذلك نتائجها متناغمة ومنسجمة مع هذه الأفكار. وللدقة نود الإشارة إلى أن الأفكار المسبقة التي يحملها هؤلاء الباحثون عن العرب، هي أحد العوامل الرئيسة، إن لم تكن العامل الوحيد، التي حددت في تعاملهم، من فهم وتحليل وتفسير لما بين أيديهم من معطيات تاريخية تتعلّق بالعرب، الأمر الذي رسَّخ أفكارهم المسبقة عن العرب، وهذا بدوره أكد الزعم بأن المصادر الفكرية للفلسفة العربية الإسلامية لا علاقة لها بالعرب، بل هي يونانية المنشأ والأصل.
وليس هذا التعامل خارجاً عن القاعدة(3). إلّا أن اللافت هنا هو خصوصية التعامل، من حيث الإصرار على إخراج العرب من دائرة التفسير النظري المُعتمد في تفسير الظواهر نفسها عند سائر الشعوب، حيث بالغ البعض فأخرجهم حتى من دائرة الشعوب. فقد قرر الشهرستاني، مثلاً، الذي عاش في القرن الخامس الهجري، بأن الله لم يمنح العرب شيئاً من علم الفلسفة، «ولا هيأ في طباعهم للعناية به»(4).
يمكننا أن نقرّر حقيقة أنه لولا شيوع الأفكار المسبقة عن العرب، لتكشفت خصائصهم منذ القدم، ولظهر ما كان بين أيديهم من معرفة وطرائق فكرية. قصدت القول إن الاحتكام للأفكار المسبقة في إصدار الأحكام، شكّل ومازال يشكّل، أحد أهم الأسباب لاستمرار الجهل بما كان عليه العرب، ولولا ذلك لسلّط الباحثون الضوء تنقيباً وتحليلاً على القرائن المتوفرة، الدالة على عمق الفكر واتساع الوعي وانتشار المعرفة عند عرب ما قبل الدعوة الإسلامية.
من هنا، سيقوم هذا البحث على افتراض نظري أساسي، مؤداه أن العرب مثلهم مثل سائر الشعوب، ينطبق عليهم ما ينطبق على غيرهم. ولا نقصد بهذا أن لا خصوصية للعرب أو لغيرهم، بل نقصد القول إن النظريات في انطباقاتها الممكنة على سائر الشعوب، تنطبق أيضاً على العرب. فإذا كان من الممكن أن نعتمد نظريات تربط بين الشروط الحياتية والنشاط الإنساني، لتفسير الظواهر ونشأتها عند الشعوب، يكون من الممكن أيضاً أن نعتمد النظرية ذاتها لتفسير الظواهر ونشأتها عند العرب. وإذا ارتبط نضج الفكر واتساع المعرفة مع نضج اللغة، يكون هذا صحيحاً أيضاً بالنسبة للعرب.
1ـ حدود الموقف
إن الاعتقاد بجهالة العرب من جهة، والتأكيد على سذاجة البدوي من جهة أخرى، تشكلان المنطلق الأساس، واليقين الراسخ لمعظم الباحثين، ومنهم العرب، وبشكل خاص عند تناول عرب ما قبل الدعوة. كأن الجهالة والسذاجة، صفتان للبداوة العربية، أو كأن جهالة العرب وسذاجتهم هما جهالة وسذاجة بدوية. وهكذا دواليك، فتارة يتم توظيف الجهالة والسذاجة، كصفتين للبداوة العربية، وتارة أخرى يتم اعتماد جهالة العرب وسذاجتهم البدوية، إما للتفسير، أو للحكم عليهم، أو حتى لمجرد إبداء ملاحظات عابرة. وقد وصل الأمر ببعض الباحثين الذين شاع بينهم الاعتقاد بسذاجة العرب البدوية واستحكم، أن يطلقوا حكماً بأن «السمات الثقافية العامة المميزة لما يمكن أن يسمَّى (العقلية العربية)، هي سمات مهما اختلفت حولها الأحكام والرؤى، تمتاز في نهاية الأمر بأنها: ثقافة عملية (برغماتية) لا تنزع إلى التفلسف النظري العميق، ولا تقبل فكرة الامتزاج والتداخل بين الآلهة والبشر»(5)، من دون أن يقرن حكمه هذا بتفسير يتناسق مع حجم الحكم وخطورته، وكأن الإشارة إلى “برغماتية” التفكير كافية لنفي القدرة على الخلق والإبداع،  أو على التفلسف النظري العميق عند أحد. [يقول إسرائيل ولفنسون على سبيل المثال: إن الكنعانيين، بسبب عقليتهم المادية والأرضية، اخترعوا ما اخترعوا وخلقوا ما خلقوا، فهم الذين «اخترعوا السفينة، واهتدوا إلى عمل الزجاج، ووضعوا نظام الحساب، وهم الذين اخترعوا أبجدية الكتابة المختزلة بالنسبة للخط المسماري والهيروغليفي، فلا غرو أن أصبح الخط الكنعاني أساساً لجميع خطوط العالم المتمدن في الشرق والغرب»(6)، بل وإلى الكنعانيين أصحاب العقلية المادية يُنسب أيضاً اختراع «اللون الأرجواني والنظريات الذرية»(7)]. أكثر من ذلك، إذا أخذنا برأي جلازر، حسب ما يورد ولفنسون، بأن [اللفظ "معين مصران" الذي ورد في «كتابات مصرية إنما يدل على بطون معينية وجدت في مصر وطردوا منها... وأن هذه القبائل المعينية هي بعينها القبائل السامية التي فتحت مصر وحكمتها قروناً كثيرة، وعرفت بعدئذ باسم الشاسو أو الهكسوس»(8)، تكون هذه القبائل، وهي من أعظم القبائل العربية «التي حكمت بعض البلاد في شمال الجزيرة زمناً طويلاً»(9)، هي التي أدخلت العجلة الحربية والسيف إلى مصر، وهي التي أدخلت الأبجدية إلى بلاد الإغريق، والذي يعتقد برنال بأن ذلك لا بد أن يكون قد تمَّ قبل عام 1400 ق.م.](10).
أما بالنسبة للإدّعاء القائل بعدم إيمانهم بـ/أو قبولهم لـ فكرة الامتزاج والتداخل بين الآلهة والبشر، من نوع ما يقوله المعرّي في رسالته: إن العرب لم تكن «في الجاهلية تقدمُ على هذه العظائم، والأمور غير النظائم، بل كانت عقولهم تجنح إلى رأي الحكماء، وما سلف من كتب القدماء. إذ كان أكثر الفلاسفة لا يقولون بنبي، وينظرون إلى من زعم ذلك بعين الغبي»(11)، أي أن عدم إيمان العرب بفكرة النبوة أو بفكرة الامتزاج والتداخل بين الآلهة والبشر، نابع من سخافة الفكرة عندهم، مثلهم في ذلك مثل الكثير من الوثنيين الذين بدت لهم المسيحية «عقيدة بربرية، وبدا الله المسيحي إلٓهاً ضاراً، أو بدائياً، يتدخل بأسلوب لاعقلاني في شؤون البشر، وليس فيه شيء مشترك مع إلٓه الفلاسفة الذي لا يعتريه التغيّر، والنائي، مثل إلٓه أرسطو»(12).
افتراض زيدان لجهل العرب وسذاجتهم ليس استثناء في المصادر العربية، ولا اعتقاده بأنه من الممكن أن يقوم بالحكم عليهم من دون أن يقف عند حكمه، حتى لو أشارت المصادر إلى خطأ الحكم، بل وحتى لو أشارت المصادر في موضوع بحثه بحد ذاته إلى غير موقفه واعتقاده، وكأن كل ما يخالف رأيه، وإن كانت معطيات تاريخية، ليس فقط لا قيمة له ولا حاجة للتعامل معه، بل وغير موجود أصلاً. مثال آخر هو عزة حسن، الذي يقول في تقديمه لكتاب (ابن الأجدابي)، من دون أي تعليق ومن دون أي محاولة لإسناد مقولته: إن «معرفة العرب في الجاهلية في موضوع الأزمنة والأنواء كانت معرفة عملية، قائمة على التجربة المستمرة خلال السنين والدهور، ومبنية على مجرد العيان، غير مستنبطة بالنظر العقلي والبحث العلمي، لجهلهم علوم الرياضيات والهندسة»(13).
يذكر الجاحظ، عن اليقطري، قصة تتحدث عن وصف أعرابي لـ «بعض أهل الحاضرة، نجوم الأنواء، ونجوم الاهتداء، ونجوم ساعات الليل والسعود والنحوس. فقال قائل لشيخ عبادي كان حاضراً: ‹أما ترى هذا الأعرابي يعرف من النجوم ما لا نعرف!›، قال: ‹ويل أمك، من لا يعرف أجداع بيته؟›»(14).
من أجل الوقوف على مدى سلامة وصف الشيخ العبادي لعلاقة العربي ومعرفته بالنجوم، علينا أن ننظر في سائر معارفه المرتبطة بحركة الطبيعة ومن ضمنها النجوم.
لم يتوقف العربي عند التمييز بين فصول السنة الأربعة، كأربع حالات تمر بها الطبيعة خلال دورتها. بل قسَّم كل فصل من الفصول الأربعة إلى فترات منسوبة إلى حال كل فترة وفترة في كل فصل وفصل من الفصول الأربعة، و«يسمى كل زمن باسم الغيث الواقع فيه. فأول أزمنة الشتاء الثلاثة الوَسْميّ، ثم الشتاء، ثم الربيع، وكلها شتاء. وأول أزمنة الصيف الثلاثة الصيّف، مشدد الياء، ثم الحميم، ثم الخريف، وكلها صيف»(15)، بل وميزوا بين حالات المطر ومميزاته، «بدءاً بترتيب المطر الضعيف، مروراً بجميع أنواع المطر»(16). وجاءت أشهر السنة لتشير إلى ما يميز الطبيعة في كل وقت من أوقات تلك الفترة من ذلك الفصل، ومن ثم قاموا بالتمييز بين عشرة أحوال كل شهر، أي أن تجزيء السنة إلى مركباتها كان تجزيئاً لأحوال الطبيعة في أزمنة.
من هنا، وفي سياق هذا النشاط اللغوي للعرب، علينا أن نتعامل، وأن نفهم ثبات الأشهر وعدم دورانها قبل الدعوة في السنة، حيث جاء النسيء للحفاظ على ثباتها ومواعيدها منسوباً لأحوال الطبيعة، فأخذت الأشهر عندهم أسماءها نسبة للمعطيات في كل شهر وشهر في السنة. كان «شتاؤهم أبداً في جمادي الأول وجمادي الآخرة، ويجمد الماء في هذين الشهرين؛ ولذلك سموهما بهذا الاسم»(17). وكان صيفهم أبداً في رمضان، وذلك لشدة الحر في تلك الفترة من السنة. بل إن العرب لم يكتفوا بتفصيل حالات الطبيعة، فبالإضافة لهذه الأسماء، [كان للشهور العربية أسماء أخرى، مثل المؤتمر والناجر وخوان، التي تشير إلى حال الحياة في حال الطبيعة من كل شهر؛ فـ «المؤتمر، معناه أن يأتمر بكل شيء مما تأتي به السنة من أقضيتها»(18)، ويسمون شهريْ الشتاء الخالص شهري قماح... وسُميا بذلك لأن الإبل ترفع رؤوسها عند الماء لشدة برده. والإبل القماح، التي ترفع رؤوسها... ويسمون شهريْ القيظ اللذين يخلص فيهما حرّه، شهريْ ناجر، وسُميا بذلك لأن الإبل تشرب، فلا تكاد تروى لشدة الحر. والنجر والبغر متقاربان، وهو أن تشرب فلا تروى](19).
وكان لكل ثلاث ليال منها اسم خاص بها، فـ «الثلاث الأولى: غرر، والثانية: نفل، لأن الغُرَرَ كانت أصلا وهذه زيادة عليها، والثالثة: بُهْرٌ، يغلب فيها ضوء القمر ضوء النجوم، والرابعة: زُهْرٌ، لبياضها، والخامسة: بيضٌ، لأن القمر يطلع فيها من أولها إلى آخرها، والسادسة: دُرَعٌ، لسواد أوائلها وبياض سائرها، والسابعة: ظلم، لغلبة السواد عليها، والثامنة: حَنادسُ، لشدة سوادهن، والتاسعة: مِحاقٌ، يَمَّحِقُ فيها الهلال، والعاشرة: الدّادءَ، والدّأدأة شدة الظلمة، وفيها يستسر القمر ليلة أو ليلتين، فلا يُرى غدوة ولا عشية، وتسمى ليلة الثامن والعشرين الدّعجاء، والتاسع والعشرين الدّهْماء، والثلاثين الليلاء، وهي الثلاث الدّادءُ»(20).
إن تجزيء السنة إلى مركباتها، وتصنيف حركة الطبيعة وأحوالها، والتمييز بين كل جزء في دورتها، هو أحد الوسائل التي استخدمها العرب للتعامل مع الصحراء من أجل التحكم بحياتهم، فمواسم العرب على سبيل المثال كـ «الحج والأسواق الكبرى، وهي وجه من وجوه الحضارة في عصر الجاهلية، لا يكفي أن تكون مواعيدها معروفة، وأيام قيامها وانقضائها معلومة، بل يجب أن تكون لها مواقيت ثابتة،
لا تدور في الزمن، دوران الشهور في السنة القمرية، تكون مرة في الشتاء، وأخرى في الصيف، تارة في الربيع وأخرى في الخريف…، ولذلك كان العرب في الجاهلية يقومون بفعل “الكبس”، تثبيتاً لمواسمهم في الأزمنة، ويسمونه: “النسيء” بمعنى التأخير»(21).
إن تصنيف أحوال الحياة وتمييزها بعلاقتها بأحوال الطبيعة وتسميتها، هو فعل تقريب وربط بين سلوك الطبيعة والسلوك الاجتماعي، وهو فعل إدخال للطبيعة إلى حيز الفضاء الاجتماعي ومزجها فيه لإحكام السيطرة على حياتهم فيها، والأداة هي اللغة، التي لم يكن من الممكن أن يتم توظيفها من دون أن تكون قد وصلت إلى مرحلة كافية من النضج.
إذا كانت اللغة، كما يقول جيرار جهامي، هي: «مبدأ فاعل يفرض على الفكر جملة من التمييزات المختلفة والقيم الذاتية، وهذا ما يحوّل نظام كل لغة إلى مستودع متنوّع من التجارب المتوارثة عن الأجيال المتلاحقة»(22). فإن التسمية، بوصفها جزءاً من النشاط اللغوي، هي جزء من هذا المستودع، وبوصفها كذلك، تشير إلى طبيعة التجربة المتوارثة عن الأجيال المتلاحقة، وإلى طبيعة علاقة مُنتج اللغة مع بيئته، بل إنها أيضاً نشاط دال على حدود معرفته ببيئته وطبيعتها. إذ إن فعل التسمية، كفعل تجريد، هو فعل تمييز لما يجعل من الشيء ما هو عليه ويفصله عن غيره، أي أنه فعل تصنيف للموجودات، كما للظواهر، بعد الإشارة إلى خصائصها للتمييز بينها، وهو بهذا فعل دال على طبيعة الإدراك ونوع المعرفة. وبهذا، نقول إنه كلما تعددت التجريدات وطالت التصنيفات عدداً من الظواهر والموجودات أكبر، كانت المعرفة بالطبيعة أنضج، وكلما تعددت التسميات للتمييز بين الحالات المختلفة للظواهر، مثل تعدد أسماء المطر، كانت المعرفة أعمق وأوضح. وتمييزاً بين التسمية والوصف؛ كلما طالت كثرة التسميات، كان تناقل المعلومات أسهل وأسرع. فنقل المعلومات يحتاج، ولو تقنيا، إلى عدد من الكلمات أكبر ومن الكلام أكثر. وكلما كان تناقل المعلومات أسهل، كانت إمكانية نشرها وتراكمها أكبر.
وبهذا، إذا أردنا أن نربط بين ما قبل الدعوة وما بعدها، من حيث الاشتغال باللغة، نقول: إن جذور هذا النوع من النشاط وأساسه بعد الدعوة، ممتدة في أرض عرب ما قبل الدعوة. والمقصود هنا، ليس المعنى الذي يقصده الفارابي في قوله: إن «العوام والجمهور هم أسبق في الزمان من الخواص، والمعارف المشتركة التي هي بادئ رأي الجميع هي أسبق في الزمان من الصنائع العملية ومن المعارف التي تخصّ صناعة منها، وهذه جميعها هي المعارف العامية»(23)، بل إن النشاط اللغوي بحد ذاته كان مشروع العرب وهاجسهم قبل الدعوة، وكذلك الأمر بالنسبة لنشاطهم المعرفي.

التتمة في العدد

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

دراسة الفلسفة العربيّة في القرن العشرين/ محاولة في إسطغرافيّة الفلسفة العربيّة
دمتـري غوتاس

تقديم
يُنظر إلى الفلسفة، والفلسفة العربيّة بشكل أخصّ، على أنّها موضوع غير منضبط، سواء في نظر مورّخي الفلسفة عموماً، أو دارسي الفلسفة العربيّة والإسلاميّة خصوصاً. وإن كنتُ طبعاً لا أوافق على هذا الرأي، فإنّه يبدو، مع ذلك، أنّ ثمّة مبرّرات قويّة لفرضه. في الحال الأوّل، إنّ مؤرّخ الفلسفة القديمة والوسيطة، في عقر داره باللغتين اليونانيّة واللاتينيّة، لا يجد شيئاً في تكوينه قد يساعده على التخفيف من الغربة التي يشعر بها حتماً أثناء مواجهته للغة العربيّة منظوراً إليها كحاجز غير قابل للاختراق، وللثقافة الإسلاميّة منظوراً إليها كغيريّة؛ وحين يحاول مقاربة الموضوع بواسطة أدب ثانويّ كتبه مورّخو الفلسفة المستعربون، فإنّه لا يعثر سوى على القليل ممّا يروي ظمأه، كما سأفسّر فيما يأتي. في حال دارس الفلسفة العربيّة والإسلاميّة، فقد علّمه التكوين التقليديّ أنّ الفلسفة في الحضارة الإسلاميّة كانت، في أحسن الأحوال، نشاطاً هامشيّاً انتهى بالضربة القاضية المزعومة التي سدّدها لها الغزالي في القرن الحادي عشر، كما يقال، وكانت غير مرحّب بها بأيّ حال من طرف أرثوذكسية مفترضة، ومن ثمّة صارت غير ذات أهمّية على العموم ـ وهو شعور ترسّخ أيضاً من خلال دراسة غير مباليّة لمتخصّصين غير مثيرين من الدرجة الثانية أشرت إليهم قبل قليل ـ وبالتالي فإنّه يمكن بكلّ ثقة تجاهلها.
يمكن في كلتا الحالتين تبرير (عدم) نفاذ البصيرة هذا، لكن الخطأ ليس في الفلسفة العربيّة*** ذاتها وإنّما في تلامذتها وشارحيها: لم يقُم مؤرّخو الفلسفة المستعربون أنفسهم بعملهم كما يجب وفشلوا، عموما، في تقديم نتائج أبحاثهم.
ـ أوّلاً، إلى مورّخي الفلسفة بشكل نسقيّ وعقلانيّ يكشف عن النقاط المشتركة في المرجع ومصدر المعلومات الخاصّة.
ـ ثانياً، إلى زملائهم في الدراسات العربيّة والإسلاميّة بطريقة تظهر صلة الفلسفة العربيّة الوثيقة بالحياة الفكريّة الإسلاميّة بشكل عامّ.
ليس كافياً، في منعطف هذه الألفية، مع الحساسيات الثقافيّة المتعدّدة للخطاب الأكاديميّ الغربيّ إلى حدّ بعيد، أن يكون مؤرّخ الفلسفة المدرسيّة الوسيطة والمتخصّص في الإسلاميّات، مهيّأً للاعتراف بالتأثير الكبير والحاسم الذي مارسته الفلسفة العربيّة على العالم المسيحي الوسيط وعلى الإسلام، على التوالي، فقط بسبب ثقل الحقيقة التاريخيّة التي لا تقبل الجدل****؛ من المفروض على مؤرّخ الفلسفة العربيّة، في الوقت نفسه، تقديم مادّته بطريقة تقنع جمهوره بأنّ دراسة الفلسفة العربيّة هي بالفعل ذات قيمة ويمكن أن تكون مفيدة لأعماله الخاصّة.
سأحاول الآن أن أقدّم مسألة كيف أنّنا نحن، أي مؤرّخو الفلسفة العربيّة ـ فشلنا في تقديم الموضوع لزملائنا، مع/أو من دون الدراسات الإسلاميّة، بشكل كان يمكن أن يجعلها مقبولة منذ زمن بعيد بوصفها جزءاً من مجال اهتمامنا ـ،
رغم كلّ شيء، ظلّت دراسة الفلسفة العربيّة ثابتة أكثر أو أقلّ منذ الكتاب المؤسّس للعصر الحديث ابن رشد والرشديّة
لـ إرنست رينان Ernest Renan، الذي ظهر قبل هذا التاريخ بقرن ونصف في عام 1852. إنّ إلقاء نظرة ولو سريعة على الكتاب المفيد جدّا مدخل إلى دراسة الفلسفة الوسيطة
لـ فرناند ڤان ستينبرغن(2) Fernand van Steenberghen، سوف تعلّمنا أنّ الدراسة الأكاديميّة للفلسفة اللاتينيّة والعربيّة الوسيطة لهما نفس العمر تقريباً، وكيف صارت مع ذلك الإنجازات التي تحقّقت في الحقليْن غير متساوية إلى حدّ كبير! من الواضح أنّه كان يمكن إنجاز عمل حقيقيّ أكبر في تاريخ الفلسفة العربيّة في القرن ونصف القرن الماضيين ممّا يجعل البحث عنها في عوامل أخرى، كانت تعوق تقدّمها، أمراً غير ضروريّ.
سوف أفحص مختلف أنواع الخطأ، المرتكبة أو الناتجة عن اللامبالاة، التي صاحبت دراسة الفلسفة العربيّة على مدار القرن الحالي. بتفادي هذه الأخطاء في المستقبل، سوف تحتلّ ربّما الفلسفة العربيّة، أخيراً، المكانة التي تستحقّها داخل الدراسات العربيّة والإسلاميّة معاً، وبشكل عامّ أكثر، داخل تاريخ الفلسفة الغربيّة.
لنُنشئ، أوّلاً، جملاً قليلة نبدّد من خلالها بعض التصوّرات الخاطئة التي أشرنا إليها. الفلسفة العربيّة لم تمُت بعد الغزالي [ت. 1111]، ولم تكن نشاطاً هامشيّاً غير مرحّب به من طرف ما يسمّى بـ”الأورثوذكسية”. لقد كانت حركة فكريّة نشيطة ومستقلّة على نحو واسع، استمرّت عشرة قرون كاملة ـ قد يقول البعض إنّها ما زالت حيّة في إيران ـ ولعبت دوراً أساسيّاً في تشكيل ثقافة عالية معاً قبل وبالخصوص بعد ابن سينا أكبر ممثّل لها. يرصد الجدول الملحق، بشكل مختصر بالضرورة، تطوّرها من القرن التاسع إلى القرن الثامن عشر.
المشكلة، باختصار، هي أنّ الفلسفة العربيّة دُرست بشكل متقطّع جدّاً، في بعض الفترات ومع بعض الشخصيّات التي حظيت بحصّة الأسد من الاهتمام دون غيرها، وهو أمر تعود أيضاً إليه بعض المسؤولية في فشل مؤرّخي الفلسفة العربيّة في تقديمها بشكل مناسب إلى العالم الخارجيّ. من الممكن، ومن السهل نسبيّاً، أن نعزوَ أسباب هذا التعامل غير المنتظم مع الفلسفة العربيّة، وعدم الاعتراف بها وفهمها من طرف متخصّصين آخرين في الدراسات الإسلاميّة والفلسفة على السواء، إلى ثلاث مقاربات كانت، بسبب هيمنتها، تحتكر فعلاً دراسة الفلسفة العربيّة في القرن العشرين. يمكن تحديد هذه المقاربات الثلاث بالتقريب كما يلي:
1) المقاربة الاستشراقيّة.
2) المقاربة الصوفيّة، (الإشراقيّة).
3) المقاربة السياسيّة.
سوف أحاول الآن تقديم هذه المقاربات بتفصيل أكثر وإعطاء بعض الأمثلة الدقيقة.
I. المقاربة الاستشراقيّة
المقاربة التي لها تاريخ طويل وتشعّبات واسعة، وقد نقول، تناسخات جديدة، هي المقاربة الاستشراقيّة. صار الاستشراق لفظاً مشحوناً في الدراسات العربيّة والإسلاميّة بحيث يثير الانفعالات بسهولة، لكنّي لا آمل الخوض هنا في الأدلّة النظريّة أو الجدليّة المؤيّدة أو المعارضة. كلّ ما أقصده بهذا اللفظ هو صورة ما عن سكان “الشرق” [وفي حالتنا، عن العرب الساميّين] حملها الغربيّون في القرن التاسع عشر: صورة صوفيّة، حسّية، غيبيّة، غير عقلانيّة واهتمام شديد بالدين ـ لهم فيه، تماماً مثل أبناء عمومتهم اليهود، موهبة كبيرة مزعومة ـ يعيشون في مجتمعات استبداديّة ولهم طرق عيش وأنظمة فكر غير قابلة للتغيّر.(3)
قد لا يبدو هذا التصوير الكاريكاتوريّ اليوم أكثر من كونه كذلك، وربّما لا أحد قال به أبداً في كلّيته، لكنّه يمثّل بوضوح ما كان الأوروبيّون في القرن التاسع عشر مستعدّين لاعتقاده عن سكان يعيشون في المجتمعات الإسلاميّة، وعن “الشرقيّين”*. هذا الاستعداد الثقافيّ يحدّد، ليس فقط ما قد يعتقدونه عن الشرقيّين، وإنّما أيضاً طبيعة الأسئلة التي قد يطرحونها عنهم وعن مجتمعاتهم؛ إنّه يحدّد، بعبارة أخرى، أجندة البحث الأوروبيّ. وهذا، في نظري، أحد الأسباب الأساسيّة للمسارات المعيّنة التي اتّخذتها المعرفة الغربيّة عن العالم الإسلاميّ إلى اليوم الراهن. إنّه أيضاً إحدى آثار الاستشراق السلبيّة، وهي نتائج، رغم كلّ توكيداتنا المعاصرة وتعلّقنا بالتعدّد الثقافيّ، ما زالت حاضرة بيننا بقوّة اليوم. في دراسة الفلسفة العربيّة، كشفت السلبيّة الذي أشرتُ إليها عن نفسها في طرق شتّى، وأعتقد أنّ لي الوقت للحديث عن أربعة منها. وهي، النظر إلى الفلسفة العربيّة ؛
ـ بوصفها فلسفة صوفيّة.
ـ وصفها وسيطاً فحسب بين الفلسفة اليونانيّة والفلسفة الوسيطة اللاتينيّة.
ـ بوصفها اهتمّت فقط بعلاقة الدين بالفلسفة.
ـ بوصفها انتهت مع ابن رشد، عندما انتقلت الشعلة إلى الغرب.
أ. النظر إلى الفلسفة العربيّة بوصفها فلسفة صوفيّة
الاستعداد للنظر إلى الفلسفة العربيّة بوصفها فلسفة صوفيّة كشفه بشكل دراميّ منشور لمستشرق من كوبنهاغن، أ. ف. مِهرن A.F. Mehren  الذي عمل بشكل متين إلى حدّ بعيد على ابن سينا في نهاية القرن التاسع عشر. إنّها قصّة طويلة سبق لي أن حكيتها، لكنّها مفيدة وممتعة، وأعتقد أنّها تستحق الإعادة.
في مقدّمة عمله الرئيسيّ (الشفاء)، يذكر ابن سينا [ت.1037]، أنّه كتب كتابين أساسيّين يشملان كلّ الفلسفة. كتاب الشفاء؛ الذي هو في متناول القارئ. والثاني أطلق عليه كتاب المشرقيّين. التمييز الذي يقيمه ابن سينا بين الكتابين هو تمييز أسلوبيّ: يقول عن كتاب الشفاء إنّه وصفيّ وتحليليّ، ويحتوي على مناقشات لجميع المواقف الرئيسة لمختلف الفلاسفة عبر تاريخ الفلسفة المشّائيّة. في المقابل، يقول عن كتاب المشرقيّين إنّه عمل مذهبي: يقدّم فقط تلك النظريات الفلسفيّة التي يرى أنّها صحيحة، ولا يعتني قطّ بردّ الآراء الأخرى. كان ابن سينا، في آخر المطاف، يعني بـ “المشرقيّين” الفلاسفة الذين يشتغلون بالمشرق، بمنطقة خراسان التقليديّة، أي هو نفسه وتلامذته الذين عنهم عقد الأمل في مواصلة تعاليمه.
فُقِدَ جزئيّاً الكتاب الثانيّ (المشرقيّين)، كما شاء الحظّ، مباشرة بعد كتابته وتداوله في أوساط محدودة جدّاً. لا نملك حتى اليوم سوى النصف تقريباً من مجمل الكتاب: جزء في المنطق والفيزياء(4). في المقابل، احتفظ بكتاب (الشفاء) كاملاً وفي نسخ كثيرة وانتشر بشكل واسع حتّى وصل إلى إسبانيا الإسلاميّة. وكما نعلم جميعاً، تمّت ترجمته جزئيّاً إلى اللاتينيّة. في إسبانبا، أثار بالطبع اهتمام معلّم ابن رشد، ابن طفيل [ت.1186]، الذي أحال عليه في مقدّمة قصّته الفلسفيّة المشهورة، حيّ بن يقظان ـ المعروفة بالفلسفة العصاميّة ـ التي تحمل عنواناً فرعيّاً مثيراً، “في أسرار الحكمة المشرقيّة”. غير أنّ ابن طفيل، لأسباب خاصّة به ـ لا تهمّنا هنا، أساء عرض التمييز الأسلوبيّ بين كتابي الشفاء والمشرقيّين الذي أثاره في مقدّمته بوصفه تمييزاً جوهرياً. زاعماً، في الواقع، أنّ ثمّة اختلافاً في المذهب بين الكتابين، يقول: إنّ (الشفاء) يحتوي على المذهب المشّائيّ فحسب، بينما يتضمّن (المشرقيّين) الأسرار الصوفيّة للفلسفة المشرقيّة، وهي الأسرار التي كانت وراء تأليف كتابه الخاصّ، حيّ بن يقظان.(5)
لا يبدو أنّ ابن طفيل كان ناجحاً تماماً في إقناع معاصريه بصحّة ودقّة عرضه؛ من المؤكّد أنّ ابن رشد، على سبيل المثال، الذي قرأ مقدّمة (الشفاء) ذاتها التي كانت في يد ابن طفيل، لا يشارك معلّمه فهمه لها في المواضع القليلة التي يذكرها. غير أنّ رواية ابن طفيل وجدت جمهوراً جاهزاً، ولقيت نجاحاً عظيماً في العصور الحديثة بين المستشرقين الذين كانوا متلهّفين ومستعدّين إلى حدّ كبير لاعتناق المعاني التي أعطاها للشرق بوصفه شرقاً صوفيّاً وحالماً. وهنا يحضر أ. ف. مِهرن A.F. Mehren . بدأ بعرض ابن طفيل لفلسفة ابن سينا “المشرقيّة” وأخذها على أنّها حقيقة لا ريب فيها، ثمّ راح يبحث حواليه عن نصوصٍ لابن سينا قد تتضمّن تلك الفلسفة “المشرقيّة”. غير أنّه لم يعثر على شيء، لأنّ ما احتُفظ به من كتاب (المشرقيّين) لابن سينا، كما سبق أن ذكرت، قليل جدّاً ويوجد في شكل شذرات ترد في مخطوطات قليلة لم يكن مِهرن على معرفة بها. ولأنّ المادّة تنقصه، كان مِهرن مستعدّاً لإعمال مخيّلته. وجد بعض القصص الرمزيّة الموجزة لابن سينا، فعمد إلى جمعها؛ وأضاف إليها الفصول الثلاثة الأخيرة من كتاب ابن سينا الرئيسيّ الأخير (الإشارات والتنبيهات)، وهي فصول تتناول الإبستيمولوجيا الفلسفيّة، أي اتّصال الإنسان بالعقل الفعال، مستعملاً بين الفينة والأخرى مصطلحات اتّفاقية من علم الكلام والتصوّف بدل المشّائيّة المعياريّة. نشر مِهرن بعد ذلك كلّ المجموعة في أربع كرّاسات بعنوانين، أحدهما بالعربيّة والآخر بالفرنسيّة. العنوان العربيّ الذي استعاره مباشرة من عنوان ابن طفيل الفرعيّ: “رسائل … ابن سينا في أسرار الحكمة المشرقيّة”، رغم أنّ لا واحدة من الرسائل التي نشرها مِهرن بالفعل في هذه الكرّاسات ليس فقط لا تحمل عنواناً من هذا القبيل، أي “الفلسفة المشرقيّة”، سواء كلفظ أو كمفهوم، وإنّما لم يُذكر ولو مرّة واحدة في أيّ منها! غير أنّ ما هو أسوأ هو عنوان مِهرن الفرنسي للمجموعة بأسرها، الذي قام بالربط المشؤوم، إن لم نقل لا أساس له تماماً، بين الفلسفة المشرقيّة لابن سينا والتصوّف: رسائل صوفيّة … لـ ابن سينا
(ليدن 1889-1999).
من دون ريب، سبق أن اعترض المستعرب الإيطاليّ الكبير كارلو ألفونسو نالينو، واحد من تلامذة الفلسفة العربّية الجدّيين القلائل، على هذا العنوان منذ عام 1925، قال إنّه: «”عنوان اتّفاقيّ تماماً”، ليس له أيّ أساس في المخطوطات، والذي صار سبباً لأخطاء لاحقة»(6). غير أنّ اعتراضاته كانت من دون طائل؛ إذ عادت أسطورة فلسفة ابن سينا الصوفيّة المشرقيّة أو “الشرقيّة”، عندما كسبت شرعيّة المطبوع من خلال كراسات مِهرن المنشورة، لتظهر منذ ذلك العهد في عدد من الأشكال التي ليس لها أيّ علاقة بالنصوص المشرقيّة المحتفظ بها ولا تناسب فكر ابن سينا. وإنّ المستعربين هنا (حتّى لا نورد سوى مثال واحد في هذا الباب) ضلّلوا اللاتين في اعتقادهم أنّ فلسفة ابن سينا “الشرقيّة” هي شيء مختلف عن فلسفته الأخرى؛ ظهرت قصّة ابن طفيل من جديد في عرض آلان دي ليبير اAlain de Libera  التأليفيّ الحديث للفلسفة الوسيطة.(7)
ب. الوساطة بين الفلسفتين اليونانيّة واللاتينيّة الوسيطة
موقف آخر شوّش على البحث المستقلّ في الفلسفة العربيّة بوصفها فلسفة ـ ومن ثمّ تقديمها بما هي كذلك إلى غير المستعربين ـ كان أحد المواقف التي اعتبرها غير ذات قيمة في ذاتها من الناحية الفلسفيّة بل اعتبرها أيضاً وسيطاً فقط بين الفلسفة اليونانيّة والسكولائيّة اللاتينيّة المتأخّرة لا غير. هذا الموقف عكسته بشكل جيّد أقوال أحد المؤلّفين الأوائل لمدخل عامّ إلى الفلسفة العربيّة، تاريخ الفلسفة في الإسلام
لـ ت.ج. دي بور T.J. De Boer، وهو كتاب نشر أوّلاً بالألمانية(8) عام 1901. منذ أن تُرجم إلى الإنجليزيّة بعد ذلك بقليل، وإلى أن نُشر تاريخ هنري كوربان H. Corbin عام 1964، (سأذكره لاحقا) ظلّ هو العرض الوحيد للفلسفة العربيّة المتاح أكثر. كان دي بور صريحاً جدّاً حول القيمة الفلسفيّة لموضوعه (9)؛ يقول (وأحيل على الترجمة الإنجليزيّة): «كانت الفلسفة الإسلاميّة دائماً انتقائيّة تعتمد على مخزون الأعمال المترجمة عن اليونانيّة. كان مسار تاريخها عملية استيعاب وليست عملية إنتاج. لم تميّز نفسها بإثارة مشاكل جديدة ولا بأيّة خصوصيّة في سعيها إلى حلّ المشاكل القديمة. وبالتالي ليس لها أيّ تقدّم مهمّ في الفكر يجدر ذكره». القيمة الوحيدة التي أمكن لِـ دي بور العثور عليها وتعزى للفلسفة العربيّة، تتجلّى في التاريخ الاجتماعيّ للأفكار. يستطرد قائلاً: «الآن تاريخ الفلسفة في الإسلام له قيمة فقط لأنّها تشكّل المحاولة الأولى لتملّك نتائج التفكير اليونانيّ بشموليّة وحرّية أوسع من العقديات المسيحيّة الباكرة. إنّ اطّلاعاً على الظروف التي جعلت هذه المحاولة ممكنة، سوف تسمح لنا بالحصول على نتائج بطرق الاستدلال التمثيليّ […] كما بالنسبة لاستقبال العلم اليونانيّ ـ العربيّ في العصور الوسطى المسيحيّة. وسوف تعلّمنا ربّما الشيء القليل عن الظروف التي نشأت في ظلّها الفلسفة بشكل عامّ.
من المستحيل أن نتصوّر كيف أنّ أقوالاً من هذا القبيل يمكن أن تصدر عن أناس متعلّمين كان يجب أن يكونوا واعين بالمادّة الهائلة التي لم تدرس بعد في الفلسفة العربيّة. وعليه، بما أنّ هذه الأقوال التعميميّة لم تكن مبنيّة على تقييم لكلّ الشواهد المناسبة، فإنّ النتيجة التي لا مفرّ منها هي أنّ مثل هذا الموقف سيبدو أنّه بُني على افتراض أنّه حتّى وإن قرأنا كلّ أعمال الفلسفة العربيّة فسوف لن نجد مع ذلك في المستقبل كما في الماضي أيّ تقدّم أصيل أو مهمّ في الفكر، وهو افتراض انبنى بوضوح على رأي ـ قد نسمّيه اليوم رأيا عنصريّاً ـ مفاده أنّ الساميّين (وهم العرب في هذه الحالة) غير قادرين على الفكر النقديّ العقلانيّ، بقدر ما أنّ لهم ميل إلى الدين والفكر الصوفيّ بشكل خاصّ. إنّ بعض هذه الافتراضات، ربّما غير الواعيّة، التي كانت فعّالة يمكن إدراكها من اعتبار ما يلي:
قدّم سيمون فان دِن بِرغ Simon van den Bergh  مساهمة مهمّة في دراسة هذا الموضوع من خلال ترجمته المعروفة جدّاً لردّ ابن رشد على نقد الغزالي للفلاسفة، كتاب (تهافت التهافت) المشهور. نشر عمله في مجلّدين، يحتوي الأوّل على الترجمة بالخصوص والثاني على هوامش كثيرة تكشف المسائل الفلسفيّة وتقدّم إحالات على الفلسفة اليونانيّة(10). قد نعتقد أنّ الاهتمام، خلال المهمّة الشاقّة للترجمة ووضع الحواشي، بأدلّة الغزالي وردّ ابن رشد القاسي ذي التقنية العالية قد يكون أقنعه أنّ هنا، على الأقلّ، يمكن لنا أن نرى التفكير الفلسفيّ في أحسن أحواله. ومع ذلك، اختار فان دِن بِرغ الاقتباسين التاليّين، صدّر بهما ترجمته؛ أحدهما، لـ أبيقور: “وحدهم اليونان يتفلسفون”، مع ما يتضمّنه ذلك صراحة من أنّ كلّ ما ضمّنه مجلّديه هو لا شيء سوى أنّه مستمدّ من الفلسفة اليونانيّة(11)؛ وثانيهما، قولٌ من كتاب (دلالة الحائرين)، حيث يقول ابن ميمون(12): «واعلم أنّ كلّ ما قالته [فِرَق] الإسلام في تلك المعاني، المعتزلة منهم والأشعريّة هي كلّها آراء مبنيّة على مقدّمات، تلك المقدّمات مأخوذة من كتب اليونانيّين والسريانيّين الذين راموا مخالفة آراء الفلاسفة ودحض أقاويلهم».
هكذا، إذا كان المستعربون يقدّمون الفلسفة العربيّة بوصفها ثانويّة ولا قيمة فلسفيّة لها، فإنّه من السهل أن نرى كيف سيكون مؤرّخو الفلسفة الآخرين معذورين في تبنّيهم هذا الرأي نفسه.
ج. علاقة الفلسفة بالدين
موضوعي الثالث مرتبط جدّاً بالموضوعين السابقين، وهو الرأي الذي مفاده أنّ أكبر مساهمة للفلسفة العربيّة في عالم الفكر هي تحليلها للعلاقة بين الفلسفة والدين. من السهل ومن الصعب معاً تمييز أصل هذا الرأي. من جهة، ثمّة بالتأكيد رأي القرن التاسع عشر القائل إنّ الساميّين لهم ميول دينيّة، لذا من الطبيعيّ أن ننتظر منهم مساهمة في هذه المسألة حين يتعلّق الأمر بالفلسفة. لكن، ما هو أهمّ هو أنّ الباحثين الغربيّين أنفسهم انشغلوا كثيراً بهذه المسألة بسبب السِجال اللاتينيّ الوسيطيّ حول هذا الموضوع بالضبط، وبالخصوص حول نظرية الحقيقة المزدوجة المنسوبة خطأ لابن رشد. من كتاب إرنست رينان الأصليّ (ابن رشد والرشدية) الذي نشر عام 1852، إلى كتاب يحمل العنوان نفسه ألّفه ألان دي ليبيرا وموريس ـ روبين هايون Maurice-Ruben Hayoun، نُشر عام 1991.
هناك لائحة طويلة من الكتب تزعم تقديم تاريخ الفلسفة العربيّة التي لا تقوم سوى بمناقشة الأوجه الكثيرة لهذه المسألة(13). أوليفر ليمان Oliver Leaman، الذي نشر عام 1985 كتابا بعنوان (مدخل إلى الفلسفة الإسلاميّة في العصر الوسيط) هو المذنب أكثر، على نحو بيّن، في هذا الصدد(14). باستثناء الفصل السادس والأخير من الكتاب، الذي يتناول السؤال المنهجيّ «كيف نقرأ الفلسفة الإسلاميّة»(15)، تحتوي الفصول الثلاثة الأولى على تحليل المسائل الثلاث التي على أساسها اتّهم الغزالي الفلاسفة بالكفر، مع ردود ابن رشد؛ يناقش الفصل الرابع الأخلاق من وجهات النظر المتعارضة للدين والفلسفة؛ والخامس يقدّم أيضاً مراجعة أخرى لما يُسمّى الفلسفة السياسيّة عند الفارابي وابن رشد، التي نُوقشت هي ذاتها بلغة الدين ضدّ الفلسفة. الانطباع الذي أثاره الكتاب برمّته هو بالضبط أنّ الفلسفة العربيّة الوسيطة كانت بالفعل لا شيء سوى شجار مستمرّ عبر قرون طويلة حول القيم الحقيقيّة النسبيّة للدين والفلسفة، وهو فهم خاطئ يتّهم به ليمان نفسه، في فصله الأخير، أولئك الذين تبنّوا الرؤية السياسيّة في تفسير الفلسفة العربيّة (أنصار ليو ستراوس Leo Strauss، وسنرى المزيد عنهم لاحقاً). إنّ أصل هذا الفهم الخاطئ، كما يقول ليمان في المقالة الأصليّة، مرتبط جزئيّاً بواقعة أنّ تحقيق وترجمة الأعمال العربيّة الفلسفيّة من طرف الغربيّين تركّزت غالباً على مثل هذه الموضوعات. لكن، هذا ليس أكثر من إسقاط اهتمام الغربيّين بهذا الموضوع على الثقافة الإسلاميّة الوسيطة، وسيكون من الخطأ، بالتالي، أن نستنتج من هذا الاهتمام للغربيّين «أنّ موضوعاً من هذا القبيل كان هو أكبر مشكل اهتمّ به المفكّرون [الإسلاميّون]. بل إنّ الأعمال التي انصبّت على موضوع الدين ضدّ الفلسفة اختيرت بعناية [من طرف الغربيّين] لأنّهم اعتقدوا أنّها مركزيّة، الأمر الذي يؤدّي إلى نبوّة تتحقّق بذاتها».(16)
هذه الحلقة المفرغة في المقاربات الاستشراقيّة للفلسفة العربيّة هي بالفعل ما قد يميّز بحدّة أكثر مثل هذه التأويلات. يبدو أنّنا نبدأ دائماً من تصوّر ما مسبّق لما يجب أن تقوله الفلسفة العربيّة، ومن ثمّ نركّز فقط على تلك المقاطع التي يبدو أنّها تحتمل مثل هذا الاتّجاه، وبذلك تظهر وكأنّها تؤيّد هذا التصوّر المسبّق على أساس النصوص ذاتها. لكن، إذا كنّا نبحث في الفلسفة العربيّة بشكل نزيه وموضوعيّ حقّاً، سوف يتّضح لنا في الحين أنّ مسألة الدين ضدّ الفلسفة لم تكن سوى موضوعاً صغيراً للبحث، وكان فقط في فترات ما وأمكنةٍ ما. لقد كانت إسبانيا المسلمة في زمن ابن رشد هي مثل هذا المكان، لكن هذا أبعد من أن يمثّل العالم الإسلاميّ بأسره خلال القرون العشرة من الفلسفة العربيّة التي تكلّمت عنها في البداية. من غير المسموح لنا أن نعمّم مثالاً واحداً على الكلّ، خاصّة إزاء دليل متناقض، الذي هو دليل ساحق في هذه الحالة. لكن، رغم دحضه للفلسفة، وتهمته للفلاسفة بالكفر، ورغم الدعم المؤسّساتيّ الذي حظيت به أطروحاته من طرف زملائه وخلفائه في مختلف كلّيات المدرسة النظاميّة، فإنّ الفلسفة استمرّت في الازدهار في الشرق مع نشاط مستأنف خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر.*
أكثر من ذلك، إنّه لأمر مضلّل تماماً، في سياق الحضارة الإسلاميّة الوسيطة، أن نثير المشكلة وكأنّ السؤال المطروح فعلاً هو مدى صحّة الدين أو الفلسفة؛ جميع الفلاسفة العرب، ربّما باستثناء الرازي، اعتقدوا أنّ الدين ـ أيّ دين كان هو الإسلام، أو النصرانيّة، أو اليهوديّة، أو الزرادشتيّة، أو حتّى الوثنيّة، في حال الصابئة ـ كان صحيحاً وانشغالهم لم يكن بنفي صحّته. الطريقة التي صِيغت بها مسألة الدين من طرف أولئك الفلاسفة الذين ناقشوها كانت بلغة علم النبوّة، وركّزوا مناقشتهم في مجالين، في الإبستيمولوجيا وفي منطق القضايا. السؤال الذي كان مطروحاً، في حال الإبستيمولوجيا، هو كيف أنّ النبيّ، من دون أن يكون له تكوين فلسفيّ، يعلم المعقولات والحقائق الأزليّة القائمة في عقول الأجرام السماويّة وبالتالي في واجب الوجود؛ يستند الجواب في هذه الحالة بشكل ثابت على تحليل النفس الإنسانية وقواها العقليّة والخياليّة. بعبارة أخرى، يكون الجواب في سياق إشكالية كتاب أرسطو في النفس(17). في حال منطق القضايا، فإنّ السؤال الذي كان مطروحاً هو: كيف ومن يبلّغ معرفة المعقولات؟ بعبارة أخرى، ما إذا كان يستعمل القضايا البرهانيّة، الجدليّة، السوفسطائيّة، الخطابيّة، أو الشعريّة. وبالطبع فالجواب نُوقش في سياق أورغانون أرسطو، خاصّة كتابي الجدل والخطابة مع وجود خيال نظر إليه بوصفه الملكة الملازمة لهذه العملية.(18)
هكذا، فأن تنصّ على أنّ مسألة الدين ضدّ الفلسفة كانت محوريّة في الفلسفة العربيّة لَهو تحريف غير مناسب بنتائج وخيمة. في الواقع، أولئك المسؤولون عن هذا التحريف لم يقرأوا بشكل صحيح حتّى صاحبهم ابن رشد، أحد المؤلّفين الذي تركّز حوله النقاش الغربيّ. كَتَبَ ابن رشد، كما هو معروف جدّا،ً مقالة ناقش فيها هذه المسألة الجزئيّة، بعنوان (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتّصال). نشر وترجم ودرس هذه المقالة عدد من الباحثين منذ نشرته الأولى، في بداية دراسة الفلسفة العربيّة في الغرب، من طرف م. ج. موللر M.J. Müller  عام 1859 في كتابه الذي يحمل عنوان (الفلسفة والتيولوجيا عند ابن رشد) ـ ميونيخ. وهو أمر يبيّن بذاته أنّ مسألة الدين ضدّ الفلسفة هي شأن غربيّ خالص ولا علاقة لها بالفلسفة العربيّة في ذاتها. يفتتح ابن رشد مقالته كما يلي: «فإنّ الغرض من هذا القول أن نفحص، على جهة النظر الشرعيّ، هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع، أم محظور، أم مأمور به إمّا على جهة الندب وإمّا على جهة الوجوب».(19)
من الواضح، إذن، من عبارات ابن رشد نفسه التي شدّدتُ عليها هنا، أنّ هذا نصّ فقهيّ، كُتب ردّاً بالأساس على نصّ فقهيّ آخر للغزالي، ليس هو (تهافت الفلاسفة)، الذي كان الجواب الفلسفيّ عليه هو كتاب (تهافت التهافت) لـ ابن رشد. هذا النقاش، ومعه أجوبة أخرى قليلة جدّاً على سؤال مدى جواز دراسة المنطق والفلسفة في الإسلام، ينتمي، من وجهة نظر طبيعة مضامينه، إلى الفقه الإسلاميّ وليس إلى الفلسفة العربيّة؛ لا يجب أن ننسى أنّ كلاً من الغزالي وابن رشد كانا فقيهين بدرجة أولى وكانا أيضاً معروفين ـ ومحترمين على نحو واسع ـ في جماعتيهما على التوالي. ثمّة، تبعاً لذلك، سوء فهم مزدوج هنا في الدراسات الغربيّة للفلسفة العربيّة؛ ليس هو فقط ما كان في الواقع نقاشا فقهيّا حُسب سجالاً فلسفيّاً ـ مع نتيجة غير مناسبة هي الحطّ من قدر المضامين الحقيقيّة للفلسفة العربيّة عبر النظر إلى الفكر الدوغمائيّ والسوفسطائيّ الذي هو ميزة التدليل الفقهيّ بوصفه يمثّل التحليل والتأمّل الفلسفيّ ـ، وإنّما أيضاً أخذ موضوع ذلك النقاش الفقهيّ ليمثل كلّ الفلسفة العربيّة وانشغالها الأساسيّ.
د. الفلسفة العربيّة تنتهي مع ابن رشد
وأخيراً، فإنّ العائق الرابع الذي نتج عن التصوّرات المسبّقة الاستشراقيّة التي وصفتها قبل قليل، كان هو التصوّر السائد إلى زمن قريب نِسبيّاً هو أنّ الفلسفة العربيّة تنتهي مع ابن رشد. هذه هي النتيجة الطبيعيّة إذا كنّا ننظر إلى الفلسفة العربيّة تماماً كواسطة بين الفترة اليونانيّة المتأخّرة والسكولائيّة الوسيطة الرفيعة، وإذا نظرنا إليها من أفق المركزيّة الأوروبيّة الذي كانت فيه الرشدية بالفعل النظريّة الكبيرة الأخيرة من العالم الإسلاميّ التي أثّرت في الفكر الغربيّ الوسيط. قبل اليوم بزمان، بيّن المستشرق الفرنسي هنري كوربان، ذو الفضل الخالد، خطأ هذا الرأي في كتابه الذي صار اليوم قديماً: (تاريخ الفلسفة الإسلاميّة) ـ بالفرنسية عام 1964، كتاب تُرجم أيضاً إلى الإنجليزيّة عام 1993. في مقاطع كثيرة يسجّل بشكل مناسب جدّاً بهذا الصدد: «لقد […] تأسّفنا لكونه تكرّر مراراً أنّ ابن رشد كان أكبر اسم وأعظم ممثّل بارز لما سمّي بـ”الفلسفة العربيّة”، وأنّ معه بلغت هذه الفلسفة قمّتها وغايتها. على هذا النحو غاب عن نظرنا ما كان يحدث في الشرق، حيث مرّ عمل ابن رشد في الواقع كما لو أنّه غير لافت للنظر. لا نصير الطوسي ولا ميرداماد، ولا مُلاّ صدرا، ولا هادي سبزواري كان لهم أيّ فكرة عن الدور والأهمّية التي تعزوها كتبنا الدراسيّة للسجال الذي دار بين ابن رشد والغزالي. لو كان قد فُسّر لهم لذهلوا كما ذهل أخلافهم اليوم».(20)
ومع ذلك، بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة عن الصدور الأوّل لعمل كوربان، يظلّ أكثر من 90 في المائة من جميع منشورات الغربيّين، من كتب ومقالات عن الفلسفة العربيّة تتناول، فقط أو بالأساس، الفترة الممتدّة من الكندي إلى ابن رشد، رغم أنّ ثمّة عملاً أساسيّاً وأصيلاً يجب القيام به عن جميع الفلاسفة الذين جاءوا بعد ابن رشد.
دعوني أقدّم لكم فكرة موجزة عن كيف أنّه أساسيّ وأصيل من خلال مثالين: رغم أنّه الآن من المعترف عالمياً بهيمنة ابن سينا، فإنّنا لا نكاد نعرف شيئاً عن مدرسته وخلفائه المباشرين الذين كانوا، رغم كلّ شيء، مسؤولين بقدر كبير عن انتشار ودراسة أعماله في النصف الثانيّ من القرن الحادي عشر وبداية الثاني عشر. ليس ثمّة دراسات عن أيّ جانب من هذا الموضوع، وعن انتقال نصّ أعمال ابن سينا بين تلامذته، إلى تأويلهم لفلسفته.(21)
ثانياً، هناك مثال أثير الدين الأبهري، فيلسوف من الموصل في شمال العراق توفّي عام 1264. كتب مؤلّفاً تعليميّاً في المنطق، عالج فيه بشكل موجز كلّ أجزاء الأورغانون الأرسطيّ، حتّى أنّه أطلق عليه الاسم اليونانيّ إيساغوجي، (المدخل إلى المنطق). تمّ اقتباس العنوان بشكل واع من فورفوريوس ـ من اليونان، لا أقلّ ـ لكنّ موضوع الكتاب هو كلّ الأورغانون، وليس فقط كتاب (الألفاظ الخمسة) لـ فورفوريوس. حظي هذا الكتاب بشعبيّة مذهلة في الفلسفة العربيّة اللاحقة، شرحه ثلّة من العلماء عبر القرون، وظلّ يُدرّس في المدارس الإسلاميّة التقليديّة في الإمبراطوريّة العثمانيّة إلى بداية هذا القرن. حلّ محلّ حتّى إنتاج ابن سينا الضئيل في المنطق إلى درجة كبيرة. كتب الأبهري أيضاً كتاباً آخر انتشر بشكل واسع، وهو عبارة عن خلاصة فلسفيّة بعنوان: (هداية الحكمة)، وفيه تناول المنطق، الفيزياء، والميتافيزيقا، متّبعاً النموذج الذي وضعه أوّلاً وبشكل نهائيّ ابن سينا. كان هذا الكتاب أيضاً موضوع شروح وشروح على الشروح كثيرة جدّاً. غير أنّنا نعرف الشيء القليل جدّاً عن كلا هذين العملين اللذين كانا لهما تأثير قويّ جدّاً؛ لا عن محتوياتهما الدقيقة، ولا عن تحليل لهما، ولا عن علاقتهما بفلسفة ابن سينا، ولا عن التطوّرات، أخيرا، التي أتت بها الشروح عليهما.
ما زال الموقف نفسه عن الفلسفة بعد ابن رشد مهيمناً أيضاً في كتاب: (تاريخ الفلسفة الإسلاميّة) لـ ماجد فخري الذي ظهر في عام 1970(22). بالنسبة لموضوع الفلسفة العربيّة بعد ابن رشد، خصصّ فخري قسماً قصيراً فقط للتقليد الإشراقيّ وتطوّراته الصفديّة، على غرار كوربان، لكنّه لا يذكر شيئاً عن القرون السبعة من التقليد السينويّ الطويل في البلاد العربيّة وفي الإمبراطورية العثمانيّة. هذا التأثير غير المناسب نفسه هو صحيح أيضاً بالنسبة للمجلّدين الحديثين، لكن المخيّبين جدّاً، بعنوان: (تاريخ الفلسفة الإسلاميّة) لـ سيد حسين نصر وأوليڤر ليمان.(23)
هذه الأوجه الأربعة للمقاربة الاستشراقيّة في دراسة الفلسفة العربيّة طبعت تأويلها خلال القرن ونصف القرن الماضيين، وليس غريباً أنّه عندما يقرأ مؤرّخو الفلسفة غير المستعربين مثل هذه الملاحظات المشوِّهة للفلسفة العربيّة فإنّهم لا يتأثّرون، ولا يدفعون إلاّ نادراً، إلى دراستها عبر تعلّم العربيّة. في العقود الأخيرة، تراجع نفوذ المقاربة الاستشراقيّة إلى درجة كبيرة، ولو أنّها بالتأكيد لم تنته بعد. لكن، أيضاً ما هو أكثر إزعاجاًً من التصوّرات الخاطئة التي خلقتها المقاربة الاستشراقيّة هو كونها أنتجت طريقين بديلين لدراسة الفلسفة العربيّة هما حالياً قويّان ومؤثّران إلى حدّ ما. أحدهما هو التأويل الإشراقيّ لـ كوربان، والآخر هو التأويل السياسيّ السرّي لـ ليو ستراوس.

التتمة في العدد

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

أفلاطون وفكر الاختلاف

نـزهـة الحلـوانـي

إن الانتصار للمفكرين المعاصرين باعتبارهم مبتكري فكر الاختلاف الوحيدين، يحجب حقيقة تاريخية وهي أنهم ورثة تاريخ إشكالي يمتد إلى الفلسفة الأفلاطونية، ولعلّ فهم الأفلاطونية بأنها الفلسفة التي تميِّز بين عالم الماهيات وعالم المحسوسات يغيّب أصالة فلسفة ربّما تكون أقل عمقاً من فكر الماقبل سقراطيين وأقل شجاعة من مواقف الخطباء السفسطائيين، ولكنها توصلت إلى الكشف عن السؤال الأصيل للفلسفة؛ وهو: سؤال الفلسفة عن إمكاناتها من خلال تفكّرها في طبيعتها وفي المفاهيم والمناهج التي تحددها. وقد نبّهت ديكسو إلى ضرورة التخلّي عن استصدار أحكام متسرعة والتوجه عوضاً عن ذلك نحو اقتفاء وتيرة الفكر الأفلاطوني الذي إذا كان دشّن بالفعل سؤال الفلسفة الأصيل فلأنه أقامه على مبدأ يعترف بضرورة الكثرة والاختلاف، حيث نجح أفلاطون في شدّ كل المتناقضات والجمع بينها جمعاً لا يحتمل الفرق والفصل لكن دون صهر ودون إذابة لما بينها من فروق.
بصفة أخرى وكما يقول جامبي: «لا يجب أن نبحث عند أفلاطون عن حقيقة ايجابية»(1). حضور السلب عند أفلاطون تَـمَثَّل في صراع الأضداد، فعندما طرح أفلاطون سؤال الكينونة فإنه واجهه بمبحث اللاكينونة، كما أن البرْهَنَة على عالم المُثُل تطلّبت الاعتراف بضرورة مشاركته للعالم المحسوس. أما في المجال الأبستيمولوجي، فإن الاختلاف هو شرط كلّ معرفة ممكنة حيث يقول أفلاطون في التيتاوس  (209 A) :
«la raison, c’est l’expression de la différenciation».
«إن اللوغوس هو التعبير عن التفرقة»، لقد استعمل اللسان الإغريقي hermereia للدلالة على expression كما استعمل diaphoratetos للدلالة على differenciation، وتحتوي لفظة diaphoro على جزئين البادئة dia التي إذا ما دخلت على لفظ إصابته بمعاني الفصل والتمييز، والجذر phora وهو من فعل phernein ويدل على الواسطة، ومن معاني ديافورا اليونانية الاختلاف ومنه التباين والتنوع والتكثر والتغاير، ومن اللافت للانتباه إن أفلاطون يماثل بين الغيرية Alterité/heterotes والاختلاف، وقد تكثف حضور مفهوم الديافورا خاصة في محاورات السياسي والسفسطائي والتيتاوس. فإن طرح الإشكال الأبستيمولوجي متعالق مع فعل إدراك الاختلاف ذاته. إذ أن مجال اللوغوس هو مجال العلاقات والكثرة والاختلاف، لذلك فإن المأزق النظري الذي واجهته الأفلاطونية عند محاولة البرهنة على الوحدة الخالصة تمثل في عجز اللوغوس عن معرفة الواحد رغم أنه انطولوجياً يعبّر عن أصالة وحقيقة الكينونة، إلا أن الوحدة الخالصة من كلّ غيرية والمنعزلة عن بقية الأشياء لا يمكن أن تنقل إلى مستوى الخطاب الفلسفي، كما أن اللوغوس يعجز عن معرفتها إذ أنه «لا يمكن للأسماء أن تنتمي إليه ولا التحليلات (اللوغوس) أو العلوم (الأبستماي) أو الإدراك…، فلا يمكن إذن لأي كان أن يعرفه»(2).
إن حمل اللوغوس على ضرورة إدراك الاختلاف والكثرة في الفكر الأفلاطوني كان محرجاً لفيلسوفٍ أبدى الكثير من الارتياب تجاه المحسوس في بحثه عن الاشياء في ذاتها، ولكن التمشيات الفلسفية الأفلاطونية تضمنت عناصر نقدها الذاتي عندما جعلت من اقتضاءات الجدل داخل المحاورات هو التعريف، والتعريف (définition) عبّر عنه اللسان الإغريقي بـ (horismos)، أي الاعتراف بالحد (horoi) الذي يفصل بين الاشياء للإقرار بتمايزها، فلا غرو أن يكون في اختلاف مواضيع الجدل أساس فعل التفلسف ذاته. وعلى هذا النحو موضع أفلاطون الكثرة في صميم الحوارية بحيث لا فكاك بين طبيعة الخطاب والإختلاف.
إن اعتراف الأفلاطونية بالمختلف تطلّب تمرداً على الأب بارمنيدس وقتله. ولكن دخول الفلسفة الأفلاطونية في مجال العلاقات، زعزع الهمّ الأفلاطوني الباحث عن الثبات والاستقرار. فمجال العلاقات يتسم بالحركية والديناميكية ويفضح الانشطارات والتحولات داخل المواقع التي اعتبرت مواقع الانسجام والوحدة ليغدو تمجيد الاتصال والوحدة تمجيداً للصيرورة، خاصة وأن الفكر الأفلاطوني يعجز في كثير من الأحيان عن إحكام قبضته على هذه المتناقضات، فتنقلب الأدوار ويصبح المتخيل أو اللاكينونة، الأسطورة أو الحسي، الرغبة والانفعالات، أساساً للتفكير الفلسفي.
إذن، قد لا يسع هذا العمل الوجيز الوقوف عند كلّ اللحظات التي حاورت فيها الأفلاطونية المغاير والمختلف، لذلك سنركز على جانب من أنطولوجيا أفلاطون حيث بدى لنا من السديد الكشف عن اعتراف أفلاطون بالمغاير والمختلف عند البحث عن ماهية الكينونة. لنخلص الى المنزلة الفعلية للسيمولاكر (simulacre) في فلسفة استشعرت مخاطر صراع بات محتوماW بين المتناقضات.
I. الكينونة والغيرية
إن التطرق لأنطولوجيا أفلاطون في محاورة السفسطائي يحتم علينا النظر في مقولة الأجناس الخمسة التي انتقل أفلاطون من خلالها إلى فحص طبيعة مشاركة الأجناس فيما بينها. فبعد اعتراف أفلاطون باللاكينونة، كان لا بدّ من توضيح طبيعة مشاركتها للكينونة. وقد أدرك أفلاطون ضرورة إعادة بناء السياق الفلسفي لهذه الأنطولوجيا التي أصبحت مكونة من خمسة عناصر أساسية؛ وهي الحركة والسكون والكينونة والهو هو والغيرية، إذ يقول الغريب:
ـ «…لأننا اتفقنا أن هناك خمسة أنواع وفي المجال الذي اقترحنا أن نصنع التحقيق عنه».(3)
لقد جذرت الفلسفة الأفلاطونية الاختلاف في سؤال الكينونة خاصة بعد يتم الأفلاطونية أثر “موت الأب”، وقد كان هذا اليُتْم حافزاً للفكر الأفلاطوني حتى يدخل في صراع العمالقة بين “أصدقاء المُـثُل” و”أبناء الأرض”، ولكن معاني الكينونة لا يمكن أن تُختزل في الوحدة أو الكثرة ولا في الثبات أو الحركة، كما أنها ليست “الكل” الذي يجمع الأضداد، إذن : ما الكينونة؟
لقد اعتبرت ديكسو أن: «سؤال الكينونة من زاوية ما يمكن أن تغيبه يمثل الصيغة الوحيدة المقبولة لهذه المسألة، ولكن هذا السؤال ليس أنطولوجياً ولا منطقياً، انه سؤال الفلسفة»(4). فعندما طرحت الأنطولوجيا سؤال الكينونة في الكتاب الخامس من الجمهورية قدمت تصنيفاً وترتيباً لأنماط الكائنات، ولكن هذا الترتيب لا تتخلله وسائط بين مختلف أنماطه، فقد أغفل هذا التصنيف الأسلوب الخاص للكائنات التي تتضمن في تنوعها واختلافها، التغاير كما التقابل الذي يكسب الاختلاف معنىً ايجابياً وقد تفطنت محاورة السفسطائي إلى هذه الدلالات بحيث لم تعد الكينونة مبدأ للتصنيف والترتيب وفق درجات أنطولوجية، لأن هذا المبدأ يقوم على سوء فهم لمعاني اللاكينونة التي لا تقل وجوداً عن الكينونة، بل يجب أن تُفهم اللاكينونة على أنها “غير”، وعلى هذا الأساس يجب فهم العلاقة بين المعقول والمحسوس أيضاً، فالمعقول والمحسوس لا يختلفان من حيث منزلتهما الأنطولوجية؛ المحسوس لا يقل وجوداً عن المعقول الذي يتميز عن المحسوس باعتباره خاضعاً لمبادئ اللوغوس، وقد أكدت ديكسو ذلك بقولها: «إن أفلاطون ـ وكما فهمه أفلوطين جيداً ـ لم يماه بين الكينونة والقيمة، ولكنه ـ وهنا أساء أفلوطين فهمه ـ لم يماه بين الكينونة والعالم المعقول«(5).
فالكينونة باعتبارها جنساً ضمن بقية الأجناس هي غير، ولا تتميز عنها لا من حيث المرتبة أو الشرف. وقد ورد على لسان الغريب في محاورة السفسطائي قوله(6): «الغريب:
ـ ويمكن أن يقال إن الكينونة نفسها تكون غيراً من الأنواع الأخرى [...]، يمكننا أن نستنتج أن الكينونة لا تكون إذن، فيما يخص أشياء أخرى عديدة كما يكون وجودها، لأن اللاكينونة لهذه تكون هي نفسها واحداً، ولا تكون الأشياء الأخرى التي هي غير محدودة في العدد».
وقد نعثر على امتياز للكينونة في محاورة السفسطائي يتمثل في أن الكل يشارك في الكينونة، ولكن هذا الامتياز يعود على “الغيرية” وعلى “الهو هو” اللذين يشارك الكل فيهما أيضاً. أما فيما يخصّ الحركة والسكون فإن علاقتهما بالكينونة مختلفة عن بقية الأجناس، فالحركة توجد مثلما السكون يوجد، ولا يمكننا القول بأن الحركة هي السكون ولا يمكننا القول كذلك بأن الكينونة هي الحركة والسكون وذلك لأن الكينونة خارجة عن هذه الأميّة . فالكينونة هي إذن غير الحركة وغير السكون وهي الجنس الثالث، ولأنها خارجة عن الحركة والسكون فالكينونة لا يمكنها أن تتحد لا بالحركة ولا بالسكون لأنها لا تتماهى مع الحركة والسكون، فإذا ما تماهت مع أحدهما فإن الحركة والسكون يصبحان شيئاً واحداً في حين أنهما متقابلان بإطلاق.
إذن، وكما يقول ريكور: «الكينونة هي ما يسيطر على ذلك التقابل بين الحركة والسكون، ففي لغة أفلاطون هذان مثالان متنافرن ولكن الكينونة “تتدخل” (se mêle) فيهما، فالحركة والسكون يشاركان في الكينونة»(7).
فلسفات الحركة والثبات لم تتفكر بعد في الكينونة لأنها بقيت في حدود الكائن الأنطيقي ولم تستطع الارتقاء نحو المسائل الأنطولوجية. لذلك، فإن هذه الفلسفات سرعان ما تتهاوى أمام أول خصومة أنطولوجية تواجهها.
ولكن من أين ينشأ الجنس الرابع والخامس، أي عين الذات والغير؟ إنهما ينشآن بلا منازع من خلال علاقة الأجناس الثلاثة السابقة، فكل من الحركة والسكون والكينونة هو عين ذاته وهو غير بالنسبة إلى الآخرين. إذ أن التفكّر في الأجناس الثلاثة السابقة لا يتم إلا من خلال الهوية والغيرية اللذين ـ على عكس الحركة والسكون ـ يمكن أن يتشاركا فيما بينهما، ويمكن للكينونة أن تشاركهما معاً دون الوقوع في التناقض كقولنا: الكينونة هي عين ذاتها وهي غير. فهذه القضية صادقة باعتبار أن الكينونة هي عين ذاتها لأنها مطابقة لذاتها حتى تحافظ على هويتها وهي غير مقارنة بالأجناس الأخرى.
وما ينبغي أن ننبه إليه وقد تفطن إليه ريكور هو: «… إن للغير امتيازاً على الكينونة كما هو الشأن منذ قليل في علاقة الكينونة بالحركة والسكون. فللغير خصوصية متميزة مكنته من أن يكون المقولة التي تنعكس على علاقة كل المقولات»(8).
فالكينونة هي الجنس الثالث بشرط أن يكون هنالك جنس خامس، الكينونة مشروطة بالغيرية أي أن كينونة شيء ما مشروطة بلا كينونتها، فأن يكون شيء ما مطابقاً لذاته يستلزم ذلك أن يكون مغايراً للأشياء الأخرى، فالعلاقة التلازمية بين الكينونة واللاكينونة دعمها القول الأفلاطوني في محاورة السفسطائي؛ «الغريب:
ـ لا تدع أي شخص يقول إذن، إن اللاكينونة التي جازفنا لنؤكد وجودها الحقيقي أنها تكون مضادة للكينونة، لأنه مثل ما إذا وجد تضاد للكينونة، فلقد قلنا وداعاً لذلك التساؤل منذ زمن ـ يمكنها أو لا يمكنها أن تكون قادرة على أن تعرف. لكن فيما يتعلّق بحسابنا الحاضر عن اللاكينونة، دع إنساناً يقنعنا بالخطأ، وإذا لم يستطع، فيجب عليه أن يقول أيضا كما كنا قائلين، إن هناك مشاركة للأنواع وأن الكينونة والفرق والغير يعبر ويخترق كل الأشياء بشكل متبادل. هكذا كي يشارك الغير في الكينونة وبسبب هذه المشاركة فهي تكون، ومع ذلك فهي لا تكون في ذلك الذي تشارك، بل غيراً من الكينونة، فإنه لمن الضروري أنها لا كينونة بوضوح وتصبح الكينونة مرة ثانية من خلال مشاركتها في الغير، يصبح نوعاً غيراً من الأنواع الباقية، وكونه غيراً منها جميعاً، لا تكون كل واحد منها، ولا يكون كل الباقي»(9).
على هذا النحو فإن طبيعة العلاقة بين الأجناس الخمسة تمكّننا من فهم حركة المعقولات أو المُـثُل التي تقتفي أثر حركة الديالكتيكا في عملية القسمة والتجميع، مما يولّد حركة وتغيراً للمُثُل، تصبح بمقتضاها مختلفة عن عين ذاتها. ولكن غيريَّتها لا تعني أنها أصبحت أقل مرتبة أنطولوجية، بل هي دليل على أن المثل تحمل طاقة متجددة من المعاني والدلالات. فالغيرية أو اللاكينونة والكينونة متلازمان حتى تتمكن الفلسفة من التفكّر في الأنطولوجيا، وقد اعتبرت ديكسو:«حتى تكون مثل هذه الحركة ممكنة وحتى تتمكن الديالكتيكا باعتبارها نشاطاً للفكر وحياة للمعقولات، يجب أن تكون الكينونة والغير مبثوثتان في كل مكان»(10).
إجمالاً، إن أنطولوجيا أفلاطون لا تخلو من خصومات وفواصل وعثرات، أما تفكرها في الكينونة فقد اشترط حضور اللاكينونة أو الغير ليصبح الاختلاف هو ما يشد وحدة الأنطولوجيا ضمن حركة الانفصال والتصدع. ولكن أفلاطون فَهِمَ هذا الاختلاف ـ رغم ضرورته ـ على أنّه حركة نحو التوحيد والاتصال ويهدف للحفاظ على مفهوم منسجم ومتناغم للأنطولوجيا، والإبقاء على اللوغوس كدوام واستمرار واتصال ضمن حركة الجدل.

التتمة في العدد

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

العقل المنغلق في الثقافة العربية (ابن قتيبة)/ إلغاء الاختلاف وتكريس «سلطة النصوص»

مصطفـى الغرافــي

تضطلع الخلفية الإبستمولوجية بدور هام في توجيه البناء النظري لمختلف التشييدات الرمزية. ومن هنا أخذ الباحثون بعين الاعتبار الأنساق المعرفية والمرجعيات الفكرية عند فحص المنظومات الثقافية والبلاغية المختلفة. فتمّ فحص (مشروع الجرجاني) باعتبار المنطلقات الفكرية التي صدر عنها، وهي منطلقات ذات أصول كلامية تستمد مشروعيتها التنظيرية من الخطاب الأشعري. كذلك تمّ النظر في (مشروع الجاحظ) في ضوء الجهاز النظري الذي حكم فكر وخطاب الاعتزال. وفي هذا السياق يمكن إدراج بحثنا هذا الذي ينصرف إلى فحص ملامح العقل المنغلق في الثقافة العربية انطلاقاً من فكر ابن قتيبة المستند بدوره إلى أصول دينية وعقدية، تستمد مشروعيتها التنظيرية من تصورات ومقررات الفكر السني المحافظ.
احتمالية المعرفة ومشروعية الاختلاف
يكتسب الاختلاف مشروعيته من انفلات المعرفة الإنسانية من صرامة البداهة واندراجها في  دائرة الممكن والمحتمل؛ ومن هنا كان الشخص الذي يخوض نقاشاً حول قضية خلافية لا يقصد، بالضرورة، إلى “الحقيقة المطلقة” وإنما قصده منصرف إلى “الحقيقة النسبية” التي يعتقد فيها(1). إذ مجال النقاش، في المحصلة، “الرأي” وليس “الحقيقة”. وهو ما تنبّه إليه علماء الحِجاج من أفلاطون إلى بيرمان .فقد قرّر أفلاطون أن القضايا التي تشكل موضوع الحِجاج هي تلك التي لا يمكن الحسم فيها نهائياً باعتماد معاير موضوعية
لا يرقى إليها شك أو طعن. «جاء في (محاورة أوطيفرون)(2):
ـ سقراط:أي ضرب من الخلاف يولّد العداوة والغضب؟ افرض مثلاً يا صديقي العزيز أنك اختلفت وإياي على عدد. هل هذا النوع من الخلاف يعادي بيننا ويفرّق أحدنا عن الآخر؟ ألسنا نلجأ من فورنا إلى الحساب ونفض ما بيننا من خلاف بعملية حسابية.
ـ أوطيفرون: هذا حق.
ـ سقراط: أو هبنا اختلفنا على أطوال، ألسنا نُسارع إلى القياس لنفضَّ الخلاف.
ـ أوطيفرون: هذا جدّ صحيح.
ـ سقراط: كما نمحو ما بيننا من تضاد حول الثقيل والخفيف بأن نلجأ إلى آلة وازنة.
ـ أوطيفرون:لا ريب في هذا.
ـ سقراط: ولكن أي نوع من أنواع الخلاف لا يمكن تسويتها على هذا النحو؟ وأيها، إذن، يثير فينا الغضب ويوقفنا موقف العداوة أحدنا من الآخر؟
أظن أن الجواب لا يحضرك الآن. وعلى ذلك فأنا أبسّط رأيي بأن هذه العداوة إنما تنشأ حينما يكون موضوع الخلاف هو العادل والظالم، والخير والشرير، والوضيع والشريف… أليست هذه نقط الخلاف بين الناس والتي نتشاجر بسببها؟ إذ نتشاجر أنا وأنت وكلنا جميعاً حينما نعجز عن تسوية أوجه الخلاف تسوية مرضية.»»
إن موضوع الاختلاف، كما تظهر هذه المحاورة، هو مجال القيم. فنحن لا نختلف، حسب تدقيقات سقراط، إلا إذا تعلّق الأمر بالعدل والظلم والخير والشر.. وهو مجال فسيح للخلاف. والحسم في القضايا الخلافية غير ممكن لاتصالها بـ “الممكن الإنساني” بما هو اختيارات مفتوحة ولانهائية. ومن هنا كان كل اتفاق بين النظار، إن حدث، اتفاق احتمال لا اتفاق ضرورة. إذ لا يمكن في المناظرة ـ بحال ـ حمل الخصم على الاعتقاد في رأي أو إرغامه على التخلي عن الاعتقاد فيه، كما يحصل عادة في الحِجاج المنطقي، حيث الاستدلالات فيها ملزمة. أما الحجاج البلاغي فكل شيء فيه، يمكن أن يكون محل طعن لتفلّته من الصرامة البرهانية المعتمدة على البداهة، ومن ثم يخضع  لمعاودة الفحص والنظر وإن كان التسليم به قد تمّ سلفاً. فالتسليم، في الحجاج البلاغي، واقعة متعلقة بظروف تحققها وليس مبدأ مطرداً. إذ الأمر غير متعلق، في هذا المقام، بحقائق يقينية لا يرقى إليها الطعن، ولكنه متصل بقضايا احتمالية الاختلاف حولها قائم، واستئناف القول فيها وارد على الدوام. وتلك خصيصة بادية في مناظرات المتكلمين رصدها ابن قتيبة فكتب ««مندداً ومحرّضاً:
ـ وكيف يطمح في تخلص الحق من بينهم؟ وهم، مع تطاول الأيام بهم ومر الدهور على المقايسات والمناظرات، لا يزدادون إلا اختلافا.(3)
ـ وكنت أسمعهم [أصحاب الكلام] يقولون إن الحق يدرك بالمقايسات والنظر ويلزم من لزمته الحجة أن ينقاد لها، ثم رأيتهم في طول تناظرهم وإلزامهم بعضهم بعضا الحجة في كل مجلس مرات لا يزولون عنها ولا ينتقلون»».(4)
إن الوقوف على القضايا التي شكّلت موضوعاً للتناظر والحجاج في التراث العربي يكشف بجلاء الحرية الفكرية التي كانت تنعم بها العقول في تلك الفترة. وبخاصة في زمن المأمون. وهو ما سجّله الجاحظ في عبارات صريحة دالة: «وما يمنع الناصر للحق من القيام بما يلزمه، وقد أمكن القول وصلح الدهر، وخبا نجم التقية وهبت ريح العلماء، وكسد العي والجهل وقامت سوق البيان والعلم».(5)
يكشف هذا النص الذي أورده الجاحظ مدى الاتساع الذي عرفه سقف الحرية في خلافة المأمون. وقد امتدت هذه الحرية لتشمل المجال الديني نفسه. إذ كان المأمون يضمن ـ فيما يبدو ـ للناس حرية الاعتقاد مهما أظهروا من زيغ ومروق عن تعاليم الإسلام. ويبدو أنه كان مشغوفاً بالمناظرات الدينية يعقدها للمتناظرين(6)، وقد يسهم فيها بنفسه. إذ أثبت ابن قتيبة في (عيون الأخبار) بعض المناظرات كان المأمون طرفاً فيها. من ذلك مناظرته لـ ثنوي:«« قال المأمون لثنوي يناظر عنده
ـ أسألك عن حرفين، خبرني هل ندم مسيء قط على إساءته؟
ـ قال: بلى.
ـ قال: فالندم على الإساءة إساءة أو إحسان؟
ـ قال: فالذي ندم هو الذي أساء أو غيره؟
ـ قال: بل هو الذي أساء.
ـ قال: فأرى صاحب الخير هو صاحب الشر. وقد بطل قولكم. إن الذي ينظر نظر الوعيد هو الذي ينظر نظر الرحمة.
ـ قال: فإني أزعم أن الذي أساء غير الذي ندم.
ـ قال: فندم على شيء كان من غيره أو على شيء كان منه؟ فأسكته»»(7).
كما ناظر مرتداً إلى النصرانية فأفحمه، فلم يملك في نهاية المناظرة إلا أن يقرّ: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن المسيح عبد وأن محمداً صادق، وأنك أمير المؤمنين حقاً».(8)
ويبدو أن غرض المأمون من المناظرات التي كان يدعو إليها أو يشارك فيها أحياناً، أن يقرّب وجهات النظر بين الطوائف والفِرَق المتناحرة باعتماد الحوار. فقد نقل عنه قوله: «غلبة الحجة أحبُّ إليَّ من غلبة القدرة».(9)
معضلة الاختلاف
نص واحد و”قراءات” متعددة
إذا اعتمدنا الخلاصة التي يقدمها ابن خلدون حول مسألة الاختلاف في دار الإسلام، أمكننا التقرير أن الاختلاف في (مقالات الإسلاميين) واقع لا محالة. وهو أمر مرتد، كما نص على ذلك صاحب (المقدمة)، إلى كون النصوص المقدسة، قرآن وسنَّة، إنما تحملها “لغة”، وهذا في حد ذاته سبب كاف لظهور الاختلاف بين الفرقاء في التلقي والتأويل. يقول صاحب (المقدمة): «وكان السلف يستخرجونها [الأحكام الشرعية] من تلك الأدلة [الكتاب والسنَّة في ذلك الوقت] على اختلاف بينهم، وكان لا بد من وقوعه [الاختلاف] ضرورة، لأن الأدلة غالبها من النصوص، وهي بلغة العرب، وفي اقتضاءات ألفاظها لكثير من معانيها، اختلاف بينهم معروف، وأيضاً فالسنَّة مختلفة الطرق في الثبوت، وتتعارض في أكثر أحكامها فيحتاج الترجيح وهو مختلف أيضاً».(10)
إذن، فالاختلاف بين الفرقاء في دار الإسلام كان ضرورة، باصطلاح خلدوني، لأن النص مهما كان مقدساً فقد حملته لغةٌ جرى على سمتها في تبليغ أحكامه وبيان مقاصده، وهو اعتبار جعل النص الديني قابلاً للتعدد في المعنى والانفتاح في الدلالة، بما فتح المجال وسيعاً أمام اصطراع المنهجيات المستندة إلى موجهات في الفهم والتفسير متباينة. يقول الماوردي: «كلام كل كتاب، وأخبار كل نبي، لا يخلو من احتمال تأويلات مختلفة، لأن ذلك موجود في الكلام بنفس طباعه […] ولا كلام أولى بهذه الصفات من كلام الله جل ذكره، إذ كان أفصح الكلام وأوجزه، وأكثره رموزاً وأجمعه للمعاني الكثيرة […]، ولا بدّ في الدين من وقوع الحوادث التي يحتاج إلى النظر فيها، والنوازل التي لا يستغني العلماء عن استخراجها، وعن خبر يشكل معناه، وأثر تختلف التأويلات في فحواه على مر الأيام، فإذا دفعوا إليه اختلفت الآراء في المسائل، وتفرقت الأهواء في النوازل، وصار لكل رأي تبع ومشرعون، وأئمة ومؤتمون، وكان سبباً لاختلاف الأمم وانشقاق عصاها».(11)
إن الاختلاف ـ حسب هذا الشاهد ـ الذي لا يخلو من عمق، واقع لا محالة متى وجدت محاجة تأويلية دينية، تصطنع من آليات الفهم والتفسير ما تراه مسعفاً في تطويع  النص والخبر المقدسين لمقاصد المؤولين، فقد يحدث أن يترتب عن تلقي أحد المراجع الدينية لآي التنزيل قراءة أو فهم خاص يرتهن، بالضرورة، إلى الكفايات التأويلية التي حصل المؤول وشغل، ثم ما يلبث أن ينتصب على رأس كل قراءة إمام يتحلّق حوله أتباع، فيكون ذلك باعثاً خصيباً على نشأة المذاهب والطوائف. يقول ابن قتيبة: «ليس منهم واحد إلا وله مذهب في الدين، يدان برأيه وله عليه تبع».(12)
يرتد الخلاف بين متلقي القرآن العظيم من الإسلاميين إلى الصراع حول ملكية النص الديني: من يتملك شرعية تعيين المعنى المقصود من التنزيل، الذي اكتمن مفارقة بلاغية؛ فهو من طرف كتاب هدى وبلاغ للناس فيفترض فيه، لذلك، انتهاج المباشرة في توصيل الأوامر الدينية وتفصيل الشرائع الإلٓهية. لكن التنزيل يعْدل عن هذه السبيل فيقدم مضامينه، بدلا من ذلك،  بطريقة هي قمة في تشغيل العتاد البلاغي من مجازات واستعارات وكنايات(13). وهو ما أحوج الفِرَق الإسلامية إلى إعمال الذهن من أجل تعيين معنى، أي التنزيل بطريق التأويل، فكان بديهياً، والحال هذه،  أن يختلف زعماء الفرق في تأول الآيات، خاصة المتشابهة منها. فقد راح كل فريق ينتحل لنفسه صفة الراسخين في العلم، في الآية الكريمة: ﴿هو الذي أنزل إليك الكتاب فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾(14) [آل عمران، آية:7].
لقد وجدت الفرق الإسلامية على اختلاف مشاربها وتنوع مرجعياتها في “مجاز القرآن”(15) مدخلاً دينياً وشرعياً، فتح المجال أمامهم واسعاً لتشغيل التأويل آلية ذهنية وبلاغية، ساعدتهم في كثير من الأحيان على تأويل ما تشابه من آيات القرآن بما يتوافق والمقاصد التي قرروها أصولاً لمذهبهم، فما وافق أصلاً من أصول المذهب عد عند أصحابه محكماً يدل بظاهره ويمتنع عن التأويل، وما خالف أصول المذهب اعتبر متشابهاً، فيتأول بما يرده إلى موافقة المذهب. ذلك ما لحظه نصر حامد أبو زيد وقرره بالقول: «إن المعتزلة اعتبروا كل ما يدعم وجهة نظرهم محكماً يدل بظاهره، وكل ما يخالف هذه الوجهة اعتبروه متشابهاً يجوز بل يحق لهم تأويله […] وكان من الطبيعي أن يلجأ خصوم المعتزلة لنفس السلاح، فيعتبروا ما يدعم وجهة نظر المعتزلة متشابهاً».(16)
وقد انتهى الأمر أن أصبح القرآن مجالاً للخصومة بين المتنازعين سياسياً ومذهبياً، كل يجد فيه ما يدعم رأيه، ويعضد فهمه وتصوره تبعاً لـ أهوائه في السياسة والاعتقاد. يقول ابن قتيبة عن خصومه إنهم «فسروا القرآن بأعجب تفسير يريدون أن يردوه إلى مذاهبهم، ويحملوا التأويل على نحلهم».(17)
وقد ردّ الجاحظ هذا الاتهام بالقول: «فأنتم [أصحاب الحديث] أملياء بالخرافات، أقوياء على رد الصحيح وتصحيح السقيم، ورد التنزيل والحديث المشهور إلى أهوائكم وقد عارضناكم وقابلناكم وقارضناكم».(18)
ولما كانت مصالح الطوائف والجماعات الإسلامية متعارضة، فقد ترتب عن ذلك تعارضات إيديولوجية شكل المذهب الكلامي والموقع من هرم السلطة أساس إنتاجها وبالتالي تعارضها. فقد كانت المجتمعات الإسلامية، كما يمكن أن نستبين من كتب (الملل والأهواء والنحل)، تعج بالمذاهب والمعتقدات، لكن هذه التعددية لم يكن معترفاً بها على مستوى الخطاب العام، إذ كان هناك دائماً تطلع من كل من اعتقد في مذهب أو نحلة إلى فرض خطابه، على المستوى الإيديولوجي، بوصفه الخطاب الحق. ومن ناحية مقابلة كانت هناك دائماً سلطة قائمة تسعى إلى توحيد الجميع تحت مذهب واحد رسمي، يمثل توجهات السلطة ويحفظ لها وجودها ومصالحها. إن هذه الكثرة في المذاهب والمعتقدات ستفتح المجال وسيعاً لتلبّس العقدي بـ الإيديولوجي. وهو تلبّس يحدث عندما يتطلع المعتقدون في المذاهب المختلفة إلى تثبيت خطاب وحيد يدعي ملكية الحقيقة، وينتحل لنفسه صفة الفرقة الناجية، لأنه إذا كانت هناك كثرة في المذاهب والمعتقدات فمن المحقق أن الحق مع واحد كما يقرر مؤرخو الفرق والمذاهب.(19)
ابن قتيبة
الجبهة المحافظة في الثقافة العربية
لم تعتصم فرقة بالنصوص اعتصام أهل السنَّة. وقد قرر ابن قتيبة هذه الحقيقة في (تأويل مختلف الحديث) وفخر بها: « […] على أن من اعتصم بكتاب الله عز وجل وتمسّك بسنّة رسول الله ﷺ، فقد استضاء بالنور واستفتح باب الرشد وطلب الحق من مظانه. وليس يدفع أصحاب الحديث عن ذلك إلا ظالم، لأنهم لا يردون شيئاً من أمر الدين إلى استحسان ولا قياس ونظر، ولا إلى كتب الفلاسفة المتقدمين ولا إلى أصحاب الكلام المتأخرين»(20). فكانوا لذلك ـ بحق ـ
أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث والأثر. يتمسكون بالكتاب والسنة يسلمون لهما ولا يبغون عنهما بديلاً. وهو صريح كلام ابن قتيبة إذ يقول: «ونحن نسلم للحديث ونحمل الكتاب على ظاهره».(21)
يمثل ابن قتيبة الذي يرفع شعار «التقليد أربح لك»(22)، الجبهة المحافظة في الثقافة العربية، فهو أحسن مثال وأشهر ممثل للحركة الرجعية عند أهل السنَّة(23). لكل ذلك لم يكن مستغرباً أن تجيء مواقفه، في أغلبها، دائرة في فلك المحافظة والتقليد. لقد بذل ابن قتيبة من الجهد الفكري العنيف ما يطيق وما لا يطيق، من أجل المحافظة على المستقر والثابت في الثقافة العربية، مكرّساً بذلك، عن وعي أو غير وعي، سلطة الماضي وقداسة الأسلاف. وهو ما جعلنا تعتبر ابن قتيبة حلقة هامة في سلسلة المفكرين الذين صاغوا العقل العربي الإسلامي صياغة تعتمد على سلطة النصوص.
لقد عني ابن قتيبة بالحديث حفظاً وتصنيفاً، فوضع كتباً في (غريب الحديث)، وفي (مشكله)، كما صنّف في (تأويل مختلفه) وإن كان اشتغاله بالحديث تميز، خلافاً لمنهج المحدثين، بالطابع الجدلي والسجالي. وقد دفعه إعجابه بأستاذه وثقته في الأحاديث التي يروي إلى الدفاع عنها والمحاجة دونها، فكانت تلك أهم خصيصة ميًّزت نشاطه العقلي، كما يظهر من كتابه (تأويل مختلف الحديث)، الكتاب الذي أفرده ابن قتيبة للتوفيق بين الأحاديث التي نبذها أصحاب الكلام، وطعنوا عليها بالتعارض والتناقض. وقد أ ظهر ابن قتيبة حماساً منقطع النظير في المحاماة عن الحديث وأهله، فوقف من خصومهما موقفاً معادياً تطرف فيه تطرفاً شديداً، كما يظهر من النعوت التي كان يلصقها بأعداء الحديث من أصحاب الكلام وأهل الرأي (أتباع أبي حنيفة) الذين كان يعتبرهم، بتأثير من أستاذه إسحاق، «أعداء الحديث»(24)، فقد ذكر في (تأويل مختلف الحديث) أنه لا يعرف أحدا هاجم مذهب أصحاب الرأي ونبّه على أقوالهم الشائنة كما فعل إسحاق: «ولم أر أحدا ألهج بذكر أصحاب الرأي وتنقصهم والبعث على قبيح أقاويلهم والتنبيه عليها من إسحاق بن ابراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وكان يقول: نبذوا كتاب الله تعالى وسنن رسول الله ﷺ، ولزموا القياس وكان يعدد من ذلك أشياء»(25). وقد تنبّه مترجموه إلى هذا النسب العلمي الذي جمع ابن قتيبة بأستاذه إسحاق رأس مدرسة الحديث(26)، فنسبوه إلى مدرسته وعدوه من أصحابه. يقول شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية: «وابن قتيبة هو من المنتسبين إلى أحمد وإسحاق والمنتصرين لمذاهب السنة المشهورة، وله في ذلك مصنفات متعددة».(27)
لقد نَصَبَ ابن قتيبة من نفسه خطيباً يذوذ عن آراء ومقالات أهل السنة، ويدب عن مقرراتهم، فانتدب  للدفاع مصنفات عديدة، رصدها للمحاماة عنهم ورد مطاعن شانئيهم والزارين عليهم، محتسباً عند الله جهده. يقول في مقدمة كتابه (الاختلاف في اللفظ): «ولما رأيت إعراض أهل النظر عن النظر في هذا الشأن منذ وقع، وتركهم توقيه بالدواء حين بدا، ويكشف عنه القناع حين نجم إلى أن استحكم أساسه، وبسق رأسه، وجرى على اعتياد الخطأ فيه الكهل، ونشأ عليه الطفل، وعسر على المداوين أن يخرجوا من القلوب ما استحكم بالإلف، ونبت على شراه اللحم، لم أر لنفسي عذراً في ترك ما أوجب الله علي بما وهب من فضل المعرفة في أمر استفحل بأن قصر مقصر، فتكلفت بمبلغ علمي ومقدار طاقتي ما رجوت أن يقضي بعض الحق عني، لعل الله ينفع به، فإنه بما شاء نفع وليس على من أراد الله بقوله أن يسأله الناس، بل عليه التبصير وعلى الله التيسير».(28)
وقد عرف الناس لـ ابن قتيبة مواقفه المجيدة إلى جانب السنة، فقدروا بلاءه في الدفاع عنهم ضد منتقصيهم والطاعنين عليهم، فكانوا يقصدونه، كما يظهر من مقدمة (تأويل مختلف الحديث)، طالبين إليه الصدع بالرأي رفعاً للحيرة وحسماً للخلاف: «[…] هذا ما حكيت من طعنهم على أصحاب الحديث وشكوت تطاول الأمر على ذلك من غير أن ينضح عنهم ناضح، ويحتج لهذه الأحاديث محتج […]، وتذكر أنك وجدت في كتابي المؤلف في (غريب الحديث) باباً ذكرت فيه شيئاً من المتناقض عندهم وتأولته، فأملت بذلك أن تجد عندي في جميعه مثل الذي وجدته في تلك من الحجج، وسألت أن أتكلف ذلك محتسباً للثواب، فتكلفته بمبلغ علمي ومقدار طاقتي».(29)

التتمة في العدد

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

سؤال العقلانية الدينية الحداثية: بين تجميد الفهم وتجديد التأويل!

إدواري العياشـي

مقدمة:
إذا صحَّ أن الحداثة ـ لغةً واصطلاحاً، مفهوماً وتداولاً ـ
هي الانتقال من وضع أقل تطوراً إلى آخر أكثر تحضراً؛ أي التدرج صعداً نحو الأرقى والأفضل. وإذا صحَّ أيضاً، أن الدين هو جملة توجيهات ربّانية رسولية، متمثلة تحديداً، كتجلٍ أول، وظهور أصل في النص الديني المركز (القرآن الكريم) والأحاديث النبوية (وتعاليم المعصومين عند الشيعة)، يقتضي معرفتها، بالنسبة للمتدين، أولاً ثم العمل بها ثانياً؛ أي نقلها من الإدراك المعرفي والتمثل العلمي إلى التحقق التطبيقي، صح معه كذلك أن الأصل في “الحداثة الدينية” هو العقل، أي الانتقال بالمعرفة المرتبطة بالدين من وضعها الحالي إلى وضع أفضل، على سبيل التأويل وإعادة القراءة والفهم. وتبعاً لهذا لن تكون الآلية المسعفة في ذلك والمساعدة عليه إلا الممارسة العقلانية بما تحمله من دلالات التوظيف العقلي والاشتغال النقدي على فهم الدين ومقاربة نصوصه فحصاً وتدقيقاً وضبطاً.
وفق هذا الاقتناع، تحاول هذه الدراسة الإجابة عن الإشكال العام الآتي: ما المدخل إلى الحداثة الدينية، وما خصائص العقلانية الدينية الحداثية؟ وذلك وفق خمسة دفوع أساسية؛    ـ أولها، تشخيص نقائص العقل المتماهي المقلد.
ـ ثانيها، إبراز مركزية العقل في الدين الإسلامي وضرورة تفعيله.
ـ ثالثها، التوقف عند بعض منطلقات الحداثة الدينية.
ـ رابعها، تبيان ضرورة صياغة الجواب الإسلامي الحداثي.
ـ خامسها، الدعوة إلى التعاطي مع المسألة الدينية “بعقل تأويلي” باعتباره بديلاً ملائماً.
ونختم ـ أخيراً ـ بأهم الخلاصات المتوصل إليها مع أبرز المقترحات المتعلقة بالموضوع.
I. آفات عقلانية التماهي والتطابق
ـ الجمود العقلي والنكوص النقدي
غير خافٍ أن واحدة من أمهات المشاكل الموصولة بفئة عريضة من المسلمين اليوم هي تجمدهم لحركة العقل ونكوصهم عن الاشتغال بآليات الممارسة النقدية الحقة، بدعوى أن ما في الكتاب المنَّزل (القرآن الكريم) ونصوص السنة النبوية الشريفة ما يغني عن العقل الإنساني، ويسد مسد النقد، [= من حيث هو تمظهر للقراءة المنتجة المؤسسة على آليات علمية للتحليل ومناهج دقيقة للوصول إلى المعرفة واستنطاق النصوص]، بل ـ كما هو راسخ في حيز اعتقاد البعض خطأ ـ أن ما أنتجه السلف شرحاً وفهماً وتأويلاً للنصيْن المذكورين هو من الغنى والإحاطة والإطلاقية بما ينزله منزلة الحق الذي لا يمكن أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومن ثمة ـ ليس «في الإمكان أبدع مما كان»، ولا في المستطاع «تحصيل أفضل مما حصل!» الأمر الذي أنتج على مستوى الواقع كائنات بشرية عماد التفكير عندها الحرفية النصية أولاً، والارتداد إلى بدايات تاريخ تشكّل الفكر الديني ثانياً؛ نسخاً وتقليداً.
إن أمراً كهذا إذن، كفيل لتجميد عقل الإنسان وجعله عديم الفعل والإنجاز، تابعاً مقلداً، ميَّالاً إلى احتقار الذات والإقرار بعجزها المستديم على سبيل نفي الذاتية المتجددة، وتعمد إسكات صوت العقل وكبت روح الإبداع والتطوير فيه، و«الحقيقة التي يغفلها هؤلاء هي أن القرآن لم يأت بديلاً عن العقل بقدر ما جاء هادياً له ومرشداً […] وهذا يعني أن العقل والنص يتكاملان من أجل خدمة الإنسان. لذا فالتخلي عن أحدهما هو تخل عنهما معاً».(1)
ـ التماهي مع النص والابتعاد عن الواقع:
لربما يبدو أن مشكلة النصيين المقلدين في هذا الزمان أكثر خطورةً وتعقيداً من تلك التي كان يعيشها النصيون السابقون، بحكم قربهم من النص وتعاطيهم المباشر معه. أما هؤلاء فالوضع مختلف، لذا فهم مجرد تابعين للنصيين الأوائل ومقلدين لهم. بيْد أن غياب القراءة العقلانية والعلمية للنص وإلغاء أية أبعاد اجتماعية أو تاريخية أو سياسية في فهمه، كل ذلك يبقى القاسم المشترك، ومركز التقاطع بينهم جميعاً، وإن اختلفت الظروف وتباعدت الأزمنة.
وإلغاء ما ذُكِرَ، ليس إلا تقويضاً لفاعلية العقل/أو خاصية التعقل التي بها يكون الإنسان إنساناً، على اعتبار أن «العقل ليس جوهراً مفارقاً مستقلاً، وإنما هو أصلاً فاعلية. وحق الفاعلية أن تتغير على الدوام، نظراً لأن مقتضى الفعل أن يفعل، وكل ما يفعل يوجد بوجوده وينتفي بانتفائه. وليس العقل فاعلية فحسب، بل إنه أسمى الفاعليات الإنسانية وأقواها. وحق الفاعلية الأسمى والأقوى أن تتغير على مقتضى الزيادة، أو أن تبقى على هذه الزيادة ما بقي الفعل. ومتى ما بقي العقل مرتحلاً لا يقيم على حال، متقلباً بلا انقطاع، متسامياً على ما عداه، استحق أن يكون عقلاً [إنسانياً] متكوثراً»(2)، ناقلاً صاحبه من طور إلى طور أفضل، تطويراً وتحديثاً، محققاً له أقصى ما يمكن من النفع، دافعاً عنه أدنى ما يتحمل من الضرر، وعياً وإدراكاً، علماً وعملاً، سلوكاً واستقامة، وتلك أسمى صور الحداثة الإنسانية، وأعلى مراتب العقلانية الدينية.
II. مركزية العقل في الدين الإسلامي؛ بين مقتضيات التفعيل وموانع التعطيل
ـ في ضرورة التفعيل
إذا كان لكل شريعة ما يميزها عن غيرها، ولكل دين ما يوصف به أكثر من سواه، فإن ما يميز الشريعة والدين الإسلاميين إلحاحهما الشديد على استخدام العقل، والإكثار من التفكّر في مجمل ومفصل ما يحيط بالإنسان مادةً ومعنى، تحقيقاً وتجريداً. ولا أدل على ذلك من انتهاء عديد من الآيات القرآنية بـ [أفلا تعقلون. أفلا تبصرون.أفلا يتفكرون. أفلا تذكرون. أفلا تنظرون...]، من حيث هي تجليات مختلفة على سبيل البحث والتأكيد لممارسات عقلانية يبقى الإنسان (كائناً من كان) معنياً ـ بل ملزماً ـ بالانخراط فيها، والقيام بها، كجزء من التكاليف التي جاء بها النص القرآني. وإذا أضيف إلى ذلك نهي الله تعالى، تصريحاً أو كناية، عن مظاهر التقليد وتعطيل العقل، إرضاء لذهنية اجتماعية ثابتة، أو إشباعاً لنزوة عرضية كما في الآيات الكريمة: ﴿بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾[الزخرف:22]، و﴿إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون﴾[لشعراء: 74]،
و﴿أفمن اتخذ إلٓهه هواه فأضله﴾[الجاثية:23]، وغيرها كثير.  إذاً حصل ذلك جاز القول إن مرتكز الخطاب القرآني مرتكز عقلاني مقصده الأسمى تحرير الإنسان من الإنسان ـ تقديساً وتمجيداً ـ وتوجيهه إلى عبادة الخالق وحده، وذلك بواسطة منهاجه الذي يتبوأ فيه العقل مرتبة الحكم في الاختلاف.
والملاحظ أن القرآن الكريم وإن خاطب كل فعاليات العقل(3) لم يستعمل لفظ العقل، وإنما خاطب في الإنسان قدراته العقلية المتعددة وهي: النظر والتفكّر والتدبر والفهم والفقه…، أي كل القدرات العقلية التي تنفذ بالفكر من الظاهر إلى الباطن، ومن المباني إلى المعاني، ومن الأعراض إلى الجواهر. لذا فالمرء مطالب بمقتضى آيات القرآن الكريم بتحري الحق في جميع مظانه، وبالابتعاد عن التقليد بشتى صوره ووجوهه، وبالاعتماد على الحجة والبرهان فيما يتلقاه أو يدعو إليه. وعليه «ليس هناك مهانة يصاب بها المرء أشد وقعاً وتأثيراً على حياته من تعطيل عقله، إما اتباعاً لرأي شائع أو تقليداً لعرف ذائع، أو حرصاً على مصلحة ظرفية»(4)، وتلكم هي الموانع الغالبة التي تعرض للناس فتبعد عقولهم عن الحق، وتصرف منافذ الفكر والحواس عندهم عن التماسه، فينزلون إلى درجة البهيمة أو ما دونها. يقول تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولائك كالأنعام بل هم أضل، أولائك هم الغافلون﴾[الأعراف:176].
ـ في وجوب درء التعطيل
القرآن الكريم عندما يأبى على الإنسان أن يعنو بعقله لأي سطوة أو سلطة، فإنما يحفزه على اكتشاف الحق من خلال ظواهره، ودفع الباطل في كل مظاهره، وإذا توفرت للعقل هذه المؤهلات، وتمكن من أن يتبصّر ويتمثّل الحقائق متحرراً من الوهم والتقليد والتبعية، يكون قد أصبح قادراً على استكمال المعارف وتثبيت كرامة الإنسان والارتقاء بها الارتقاء المحمود وفق مسالك الدين والعقل على حد سواء. وبالنظر إلى أن شمول الدين لكل زمان وعمومه لكل مكان لا يصحان إلا إذا كانت أحكام الدين معقولة في الأهداف والمقاصد، ومنطقية في المرامي والغايات، قابلة للتطور والتجدد مع المتغيرات الحضارية والمتطلبات الإنسانية، فإن الوضعيْن اللذين وصف القرآن الإسلام بهما وهما: عموم خطابه للبشرية، وختمه للرسالات السماوية، يستلزمان تحكيم العقل في خطابه واقترانه به اقتراناً مستديماً.
ولهذا يرى البعض أن «ختم النبوة قد انطوى على تحميل العقل مسؤوليته في الإسلام، كي يواصل في ضوء الوحي رسالة الإصلاح وإعمار الأرض»(5). وطبيعي أن العقل المقصود ههنا ليس العقل الذي يكتفي بظاهر الأشياء، ويقف عند منطوق النصوص نقلاً وتقليداً، أو تقديساً وتمجيداً، وإنما العقل المحاور المجادل، المفكك المؤول استناداً إلى منطق تحويلي ونظر انتقادي تفاعلي باحث عن الدلالات الجديدة والحقائق المستورة بقصد تحوير ما يمكن أن يحور، أو إضافة ما يبدو قابلاً للإضافة على سبيل الإغناء والإخصاب، والتطوير والتجديد كبدائل للتحنيط والتجميد، والاجترار والترديد.
بيْد أن الممارسة العقلانية المعنية في هذا السياق ليست صورة لعقل مجرد منفلت عن الضوابط الشرعية، خارج عن الحدود الدينية وإنما هو «عقل عملي أو أخلاقي»(6)، مثبتة ركائزه في مجال الشرع ومضمار الدين؛ منطلق منه، متكامل معه. فمعلوم«أن العقل [العملي/الأخلاقي] لا يهدي إلا بالشرع، والشرع لا يتبين إلا بالعقل. فالعقل كالأُس والشرع كالبناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن له أُس»(7). وقد لخَّص الشيخ محمد عبده هذا التكامل في عبارته المشهورة: «والذي علينا اعتقاده أن الدين الإسلامي دين توحيد في العقائد لا دين تفريق في القواعد، فالعقل من أشد أعوانه والنقل من أقوى أركانه، وما وراء ذلك فنزغات شياطين أو شهوات سلاطين»(8). وقبل هذا وذاك ألَّف ابن رشد، فيلسوف قرطبة مؤلفه المشهور (فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال) في القرن السادس الهجري، مبرهناً على مدى التكامل والتوافق القائم بين الدين والعقل، أو الشريعة السماوية والحكمة الفلسفية مقرراً أن بالدين قدراً من العقل كما أن بالعقل نصيباً من الدين!
III. بعض منطلقات الحداثة الدينية
ـ من الفكر إلى الواقع
لا يعني مفهوم الحداثة الدينية  ـ غير المنفصل عن التحديث الديني ـ كتابة قرآن آخر، أو الإتيان بأحاديث نبوية جديدة أو الدعوة إلى نبوة مغايرة؛ بما هي سلوكات عقلانية/معرفية أساسها التمرّد على الدين واستبعاد الوحي، ومن ثمة قطع الصلة بهما جملةً وتفصيلا كشروط أساسية للباس زي الحداثة والاصطباغ بلونها كما يدعو بعض المتعلمنين المعاصرين(9). كلا ليس المقصود بذلك التحلّل من الدين من حيث هو موروث محيل على فترات من الزمن انقضت وولت، وبالتالي حتمية اتباع النموذج الغربي ـ بوصفه نموذجاً للحداثة والعقلانية ـ وسلوك مسالكه في كل شيء مادياً كان أو معنوياً، دينياً أو دنيوياً، فكرياً أو سلوكياً.
وتبعاً لهذا وذاك، فإن التحديث الديني في صورته الأولى، قتْل للعقلانية وخروج عن طور من أطوارها، بما هي تعامل مع الدين من منطلق غير عقلاني، والتعاطي معه بمنطق إقصائي استبعادي. وغير خافٍ أنه لا اللاعقلانية سمة من سمات الإنسان الحداثي، ولا الإقصاء وصف من أوصافه. أما التحديث في صورته الثانية فشكل من أشكال التقليد، ووجه من وجوه التبعية. وليس خافياً كذلك، ألا حداثة في ظل تقليد، ولا تحديثاً تحقق مع تبعية، كما أنهما ـ كما مرّ بنا في فقرة: مركزية العقل في الدين الإسلامي ـ من أمهات الآفات اللاتي جاء الدين الإسلامي محارباً لها، ناسفاً أركانها، واضعاً بذلك أساس التفكير الحرّ، والفهم العقلاني والمساءلة النقدية للأشياء والقضايا والظواهر، كآليات تتوافق مع مبدأ حفظ إنسانية الإنسان، وضمانات لاستمرار فاعليته العقلية التي تنسجم مع ماهيته الآدمية من حيث كونه كائناً عاقلاً.
ـ من النصوص الهامشية إلى النص الأصل
وما دام النص القرآني والحديث النبوي ثابتان مركزيان من ثوابت الاعتقاد والتفكير الموصولين بالفرد المسلم تخصيصاً والأمة الإسلامية تعميماً؛ وأصلين من أصول الدين وكمال الإيمان، ما دام ذلك كذلك فتحقيق حداثة دينية لن يتم إلا بإعادة قراءة هذا النص الأصل/القرآني والحديثي، من حيث هو نص ينطوي على مقومات تحديث أهله وطبعهم بالطابع العصري المناسب لكل زمان من الأزمنة وعصر من الأعصر، واستخراج ما يفيد في التطوير والتجديد، بمنأى عن التقليد المطلق للسلف والتقوقع المفرط داخل متاهات التاريخ، من جهة. وبعيداً عن الوقوع في عمى التبعية الكلية للغرب والسير على خطاه في مسيرتة الحداثية، من جهة أخرى. «فالحداثة ليست حكراً على الغرب أو الشرق. موقف الحداثة قد يوجد في كل عصر، ولدى كل الشعوب. والنزعة الدينية ليست حكراً على أوروبا والغرب كما حاول أن يوهمنا الاستشراق»(10). ثم إن الحداثة كما يقول طه عبد الرحمن: «عبارة عن نهوض الأمة، كائنة ما كانت بواحد من أزمنة التاريخ الإنساني بما يجعلها تختص بهذا الزمن من دون غيرها. وتتحمل مسؤولية المضي به إلى غايته في تكميل الإنسانية»(11). وفائدة هذا التصوّر كامنة في رفعه التهويل عن الحداثة جاعلاً منها فعلاً حضارياً تتداول عليه بالسوية الأمم المختلفة، ومن ثمة يبطل إبطالاً تاماً، زعم من يرى أن الحداثة فعل حضاري يخصّ مكاناً معيناً وزماناً محدداً. وإذا تحقق هذا، تحقق معه أيضاً أن التفكير والإبداع والقدرة على تعقل الأشياء والظواهر والقضايا؛ كممارسات ذهنية دالة على ارتقاء الإنسان من طور حضاري إلى طور، ومن وضع معرفي إلى وضع، أمور تنسحب على مختلف الأمم من حيث هي كذلك ومطلق الثقافات بما هي ما هي. وعليه فلا حاجة لتقديس ما عند الغير ـ كائناً من كان ـ ولا فائدة من تحقير ما عند الذات ـ كائنة من كانت ـ لأن آلة التطوير والتجديد (العقل) مأصولة في هذه الذات، كما في ذلك الغير، وطاقات القدرة على توظيف الفعل والخلق مبثوثات فيه كما هي.

التتمة في العدد

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

مدرسة فرانكفورت والنظرية النقدية النسائية؛ «سيلا بنحبيب» نموذجاً
عـزيـز الهلالـي

إن فعل التأسيس والبناء والحوار النقدي، حلقات متصلة تضفي على السيرورة المعرفية جدَّتها وخصوبتها. وما يميز التراكم النظري وانعطافاته، هو الاستعادة النقدية للإشكالات والإحراجات النظرية. وهذه الاستعادة تتجاوز الحدود السيادية والسياقية والتاريخية. سنحاول في هذا العمل أن نرصد سيرورة مدرسة فرانكفورت عبر ثلاث مراحل:
ـ مرحلة البناء؛ وهي لحظة تأسيسية دشنها الجيل الأول.
ـ مرحلة إعادة البناء؛ وهي لحظة تشكل انعطافاً في المسار، خصوصاً مع الجيل الثاني.
ـ مرحلة إعادة البناء؛ والتي تشكل النظرية النقدية النسائية محركها الأساسي.
ويمكن القول أنها لحظة استدماج أصوات مهزومة تاريخياً. وعبر هذه المحطات ترافقنا الأسئلة المركزية التالية:
ـ ما طبيعة الخيط الناظم الذي يأسر مدرسة فرانكفورت في إطار وحدة نظامية وخطابية؟
ـ كيف نقرأ حركة الانتقال من الذات إلى فعل التواصل؟
ـ على أية أرضية ستقوم النظرية النقدية النسائية وما طبيعة رهاناتها؟
ـ هل يمكن الحديث عن مدرسة فرانكفورت** النقدية بصيغة الوحدة أم بصيغة التعدد؟
ـ ما هي المعايير النقدية التي يجب اعتمادها للانتساب إلى المدرسة؟
ـ على أي أساس يمكن الاستناد للحكم على انتهاء مرحلة زمنية وبداية أخرى جديدة؟
تضعنا المتابعة النقدية والتاريخية لرصد هوية مدرسة فرانكفورت أمام أزمة الماهية وسؤال التعريف. خصوصاً وأن المدرسة، بقدر انفتاحها على عوالم معرفية متعددة، بنفس القدر تتشكل داخل سياقات فردية وجماعية، ترتسم كصور تجمع بين الإشكال (المدرسة بوصفها سؤال إشكالي)، والتعدد (تعدد نظرياتها النقدية)، والاغتراب (ترحال بعض مؤسسي المدرسة خارج سيادة الحدود). وأمام هذا  اللبس المنهجي على مستوى التحديد، يمكن القول بأن «مدرسة فرانكفورت ليست بمدرسة فلسفية، ولا بخطاب سوسيولوجي، ولا بحركة سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة»(1).
وبما أن المدرسة لا تنتظم في إطار ضوابط معيارية متناغمة تضفي على التصنيف التاريخي جدّته، فلماذا إذن أطلق عليها اسم مدرسة؟ أليست المدرسة، بألف لام التعريف، وحدة متماسكة على مستوى التوجهات المذهبية والمنهجية والإستراتيجية؟
تطالعنا مجموعة من القراءات كإجابة عن هذا السؤال، فالمؤرخ مارتين جوي Martin Joy يرى بأن المدرسة لم تتبلور بشكل خاص إلا «بعد إرغام مؤسسي المدرسة على مغادرة فرانكفورت»(2). أما تلميذ هابرماس فريديريك فاندينبرغFrédéric Vandenberghe، فهو يرى بأن الحديث عن المدرسة قول يكتنفه غموض كثير، بالنظر إلى انعدام «نظرية نقدية أو بالأحرى مدرسة. ثمة، فقط مجموعات نظريات نقدية»(3). أما جاي برنشتاين Jay Bernstein، فيعتبر من جهته أن «النظرية النقدية ليست نظرية في المجتمع، ولا مدرسة متجانسة من المفكرين، وليست بمنهج»(4).
على هذا الأساس نتساءل، ما طبيعة العناصر التي شكلت وحدة تجميع أعضاء مدرسة فرانكفورت؟ بمعنى آخر، ما البؤرة المركزية التي التف حولها رواد المدرسة؟
تأسست المدرسة في سياق تجاذبات سياسية قوية أفرزت صعود الفكر النازي وفق خطاب إيديولوجي متعصب ساهم في بناء إمبراطوية الشر. كما أن امتداد الفكر الوضعي نزع سؤال التحرر من فضاء عالم المعيش…، عوامل استدعت العودة إلى الماركسية في صورها الخالصة لاستيعاب التحولات الجديدة. وفي هذا السياق نفهم كم كان ضرورياً لرسم خريطة الطريق المؤسسة لتنظيم الأسبوع الأول من العمل الماركسي خلال صيف 1922 حيث ساهم فيه كل من لوكاتش، كورش وبولوك…
منهجياً، كان لابد من نقد الأسس الفلسفية للنظرية الماركسية والانفتاح على حقول معرفية متعددة تسعف في تقديم قراءات جديدة للماركسية: ماركوزه (الفلسفة الاجتماعية)، إيريك فروم (علم النفس الاجتماعي)، فريديريك بولوك (الاقتصاد)، ليو لوفينتال (سوسيولوجيا الثقافة والآداب)، فرانز نيومان (الاقتصاد ـ سوسيولوجيا السياسية)،أوطو كيرشهايمر (سوسيولوجيا القانون)، والتر بنجامين (الفلسفة ـ النقد الأدبي)…
أما استراتيجياً، فإن التوجه العام ينحو نحو تغيير بنية النظام الشمولي، أي الإجهاز على الإرادة العمياء للعالم بلغة شوبنهاور، خصوصاً وأن روزا لوكسمبورك تتوقع أن بنية النظام الرأسمالي آيلة إلى السقوط.
وهكذا، تكون النظرية الماركسية قد اخترقتها نظم معرفية جديدة للدفع بالنظرية إلى حدودها القصوى، ضداً على قراءات إيديولوجية مغرضة أجهزت على روحها العلمية. هل نفهم من خلال هذه الشروط المتضافرة، أن العودة المتجددة للماركسية هو ما شكل أرضية تجميع الجيل الأول لـ مدرسة فرانكفورت؟
لقد حدد هوركهايمر المنطلقات الأساسية للمدرسة من خلال عمله (النظرية التقليدية والنظرية النقدية)، لعله بذلك يرسم معالم قطيعة بين النظريتين، منتقداً الأسس الابستمولوجية للنظرية النقدية في صيغتها الديكارتية، وبناء نظرية نقدية على أنقاضها تمثل موقفاً سياسياً صحيحاً(5). كما أنها تمثل التحرر كأمر أخلاقي(6). تسترشد النظرية النقدية، كما حدد أفقها هوركهايمر بفلسفة البراكسيس، ويصعب الخروج من هذا الأفق النظري، بحيث نلمس نوعاً من الانفعال الاستبدادي لما رفض هوركهايمر الإشراف على أطروحة التأهيل لـ هابرماس حول موضوع الفضاء العمومي البورجوازي، لكونه تجاهل الخلفية الماركسية. وقبل ذلك نلمس التوجهات الفعلية للمدرسة، من خلال الرئاسة التي حظي بها غرامبورغ للمؤسسة من سنة 1923 إلى 1930، بحيث كان يتولى نشر أرشيف تاريخ الاشتراكية والحركة العمالية، بتنسيق مع الدوائر الاشتراكية، خصوصاً المؤسسة الماركسية ـ انجلزية (نسبة إلى انجلز) بموسكو، ومؤسسة البحث الاجتماعي. ويعتبر جرامبورغ أن «الماركسية كمنهج للبحث العلمي وكنسق فلسفي»(7) تكمن قدرتها في «تغيير أشكال الحياة الاقتصادية»(8).
هل يمكن أن نركن إلى هذه الخلاصة، لنطمئن أن  أعضاء مدرسة فرانكفورت ينتظمون في إطار اهتمام مشترك يقوم على إعادة بناء الماركسية؟
إن جدلية النشأة والمسار للفكر الفلسفي لأعضاء الجيل الأول قد عرف تحولات، بل منعطفات لم تستقر عند حدود معينة. فإشكالية الحداثة في جوانبها الأكثر إشراقاً تأسست على أنقاض الأسطورة والفكر الغيبي والإيمان الروحي والتسليم بالقدر. لكن العقل من خلال مساراته المعقدة أخضع نظام الأشياء إلى عدد كمي وقياسي. وانتهى العقل ـ بعد إبعاده للدين ـ إلى بناء كون متناسق، لكنه ثابت سكوني متكرر، شأنه شأن الأسطورة. لقد انغلق العقل في نسقه وانتظم في ذاته وأعاد ترتيب الكلمات والأشياء ـ بلغة فوكو ـ، وفق اختلال توازني مرعب بين الذات والعالم، حيث ظل الإنسان سجين مخططات وبرامج مجهولة تنجز داخل وحدات قياس زمنية أفقدت الإنسان صلته بذاته وبالآخر. لقد انصهر الإنسان في علاقات كمية حولته إلى قيمة تبادلية قادفة به خارج وجود عالم الحياة نحو الإغتراب والتشيؤ. وتمّ الزج به نحو نفق مظلم حيث مخالب الوضعية وبربرية النازية.
وأمام تجديد الأنساق الفرعية للنظام الرأسمالي، انبعثت من داخله أسباب عودته وانتعاشته من جديد. لقد أدرك الاقتصادي فريديريك بولوك من خلال نظرية رأسمالية الدولة أن «أزمات النسق الرأسمالي لا تؤدي تلقائياً إلى الرأسمالية، لكن بالأحرى إلى الفاشية»(9). بالفعل، تمكن النظام الرأسمالي الجديد من تجاوز تناقضاته الداخلية ونجح في ضمان الاستقرار، وبهذا تكون الفاشية قد حققت حلم الشيوعية.
في هذا السياق، حدثت قطيعة مع الماركسية (مرحلة التفاؤل)، وانعطف فكر هوركهايمر نحو الدين (مرحلة التشاؤم). وظل المأمول الفلسفي المتعلّق بإنقاذ التنوير، رهين منعطفات فكرية وفلسفية للجيل الاول.
أعلن هوركهايمر خلال المنعطف الديني عن فك الارتباط بالماركسية، وأعلن فشله في صد زحف أسطورة العقل، كما حدد مواقف ضد الشيوعية لفائدة الليبرالية، واعتبر «شوبنهاور أكثر راهنية من ماركس»(10). كما أن الحياة من منظور هوركهايمر فقدت معناها، وانتهى دور العقل باعتباره استضاءة لأفق مظلم للإنسانية. لم يعد العقل قادراً على أن يتعقل ذاته، وفي غياب رباطة جأش العقل لم يعد من خيار سوى «الدين الذي يمكن لوحده أن يمنح للحياة معنى»(11).
فالعودة إلى الدين معناه العودة إلى قيم مفقودة  ضاعت في ثنايا وهم العقل، ولذلك فسؤال الانكشاف لهذه القيم رهين بقدرة «الله (باعتباره) الضامن الوحيد للحقيقة والعدالة»(12). وبذلك انعطفت النظرية النقدية من نقد الشمولية، والسلطة، والعقل، والتشيؤ، والاغتراب..، إلى نظرية الخلاص والمحبة والتضامن والركون إلى صوت الإيمان الروحي.
من خلال مرحلة النقد الصوري الأداتي* (1941ـ1950) قام هوركهايمر بعمل مشترك مع أدورنو تحت عنوان (جدلية التنوير)، الكتاب وظف البناء الملحمي للأسطورة. ذلك أن البطل أوَليس شخصية مقاومة ومصارعة تتوق إلى الانتصار على قوى أسطورية، يوظف أساليب الخداع والحيل والمكر لتجسيد إرادة الذات وسلطتها، ولهذا فإن «الحيل هي الوسيلة التي تستخدمها الذات المغامرة لتضيع ولتحافظ على ذاتها بشكل أفضل»(13). وهذه الوسيلة ليست شيئاً آخر سوى نمط من العقلانية الأداتية الممتدة في التاريخ البدائي للذات تجسدت في إطار العقلانية الرأسمالية المتوحشة المتماهية مع الأسطورة. أسطورة أوَليس تحقيق لنشوة انتصار الذات التي دمرت سيرورة التنوير ونزعت من أسسه القيم الأخلاقية والمعيارية، حيث لم يعد التنوير سوى جهاز للتحكم وسلب إرادة الاستقلال.
أمام هذا الارتداد في سلم القيم الأنوارية، ما الإشكالية التي ينطلق منها هوركهايمر وأدورنو لتغيير هذا الواقع وجعله أكثر إنسانية؟
في سياق انتشال الإنسان من اغترابه، وظف أدورنو مفهوم السلب بوصفه فعل التفكير يروم تجاوز الحاضر. إن التفكير الفلسفي هو سلب المفهوم والأنساق الفلسفية الجاهزة والعقلانية التي تقترن بالتكنولوجيا والحداثة التي ترتبط بالزمن المعاصر دون أن تتجاوزه…، مفهوم السلب لدى أدورنو هو بمثابة نقد جذري للعقلانية المعاصرة، كما أن السلب آلية منهجية تحدد موقفاً إيجابياً من العالم، بهذا المعنى يستمد السلب شرعيته إزاء سلب ماهية الحاضر وإعادة إنتاجه بما يضمن فك أسر الإنسان وتحريره فكرياً وسياسياً واجتماعياً.
تستهدف استراتيجية السلب لدى أدورنو الأنساق الفلسفية الكبرى، وتسلب التجزئ الكانطي الذي يعكس تقسيماً للعمل الاجتماعي، والترابط المنطقي الهيغيلي الذي يقوم على مبدأ الشمولية والوحدة بين الذات والموضوع، الكلية والحقيقة، والخاص والعام.
أن نوظف السلب معناه أن نحصل على استقلالية الذات، لكونها تتمتع بماهيتها الخاصة، كما أن الذات في سلب مستمر لأفكارها وتصوراتها ومفاهيمها، وبنفس القدر تسلب عن الموضوع تصوراته. فتحديد خصائص الذات من جهة والموضوع من جهة أخرى، هو بمثابة تعزيز استقلالية وتمايز كل مكون على حدة.
يمكن التساؤل في هذا الإطار العام لفلسفة السلب حول طبيعة المنعطف الفكري في فلسفة أدورنو. إذ كيف نستوعب طبيعة الانتقال من جدل السلب إلى جدل الجمال؟ هل يمكن لجم انفلات العقل الأداتي الأسطوري بالزج به داخل فضاء الجمال؟ أليس فضاء الجمال فضاء للتصالح مع الذات؟ ألا تشكل قيم الجمال مأمناً أنطولوجياً للإنسان؟ هل يملك العقل الجمالي قدرة سلب عقل المؤسسة القمعية وكبت الحريات؟
يعتبر الفن في نظر أدورنو بمثابة الخلاص من قبضة النظام الاجتماعي والسياسي، وانفلاتاً من المقموع والمكبوت لنفيه عبر المخيال الجمالي الذي يعيد بناء الأزمنة والفضاءات بمقايس جمالية تضفي عليها التناغم والانسجام. إن الزمن الفني على عكس الزمن الواقعي الخاضع لنظام الآلة، حيث تنعدم الهرمية الاجتماعية وسلطة المؤسسة القمعية وتتوهج المشاعر الإنسانية الصادقة. إن القيم الاستيطيقية ليست سوى الملجأ الأخير لعودة الإنسان إلى ذاته.
حقيقة، تصطدم فلسفة هوركهايمر وأدورنو بمسارات تنويرية صماء، لقد تواطأ مكر التاريخ مع إمبراطورية الشر ومعاقل التعذيب وانتفاء إرادة الخير. لقد انبعث النظام الرأسمالي من مرقد أزمته ليعيد ترتيب نظام الأسطورة والعقل. فأمام هذا الزحف المثقل باللامعنى واللامعقول واللاعقل، تراجعت النظرية النقدية ومعها آلية السلب ليتسرب الخطاب الديني والصوفي والميتافيزيقي والكوسمولوجي والجمالي، إلى ثنايا نصوص تلفظ أنفاس جولييت المدافعة عن قيم التحرر والحاملة لمشروع إنقاذ جدل التنوير.
إن المعالجات النظرية والفلسفية التى اقترحتها النظرية النقدية اصطدمت بمفارقات أمام حداثة تمارس عنفاً رمزياً ومادياً في الأنساق الكلية، في المعرفة والإيمان، في الأنا واللأنا، في المتناهي واللامتناهي…، ذلك أن فك الارتباط الذي اقترحه ماركوزه بين العلم في بعده الاستبدادي والعلم في مظهره التحرري أغفل أن ماهية التقنية ـ كما أشار هيدغر ـ هي كيفية من كيفيات الوجود وتجل من تجلياته، لها منطقها وسيادتها الخاصة. إنها نمط تأويل العالم، بل يمكن القول ـ مع هابرماس ـ بأن العلوم والتقنية لا «تستطيعان الانسلاخ من أدوارهما في السيطرة الاجتماعية وجعلهما في خدمة التحرر الإنساني»(14).
هكذا انتهى مسار الجيل الأول لـ مدرسة فرانكفورت إلى مأزق حقيقي، مما جعل مسارهم الفلسفي يعرف تقلبات عديدة انتهت بهم إلى منعطف التشاؤم والسوداوية، والنظر إلى التاريخ بوصفه كارثة.
لقد اعتبر هابرماس، ممثل الجيل الثاني* لـ مدرسة فرانكفورت، أن كتاب (جدلية العقل) لـ هوركهايمر وأدورنو «أكثر سوداوية»(15). كما أن «تحليلاتهما لم تترك لهما أي أمل لتحرير قوة المفهوم»(16). وبهذا يكون هابرماس يشبه المأزق النظري الذي وقع فيه كل من أدورنو وهوركهايمر بمأزق نيتشه، حين جعل من نظرية السلطة إمكانية لتقسيم القوى الاجتماعية بين قوى الشر والخير، بين الحضيض والسمو، بين الشعبوية والتميز…، ومن خلال هذه التصنيفات الثنائية يكون نيتشه في قلب عالم الوهم، لأن الإشكالية الأخلاقية للسلطة تتمظهر كصراع أسطوري بين القيم والقوة في إطار اختلال المعايير ووفق هرمية اجتماعية. إن إصرار هوركهايمر وأدورنو على تبنّي استراتيجية النقد الايديولوجي وممارسة السلب وهدم «كل المعايير العقلية الفاسدة»(17)، في وجه بنية رأسمالية تعرف كيف تتجاوز أزماتها، وأمام أفول أطروحة الوعي الطبقي والتغيير الاجتماعي، وتخلي البورجوازية عن ممارسة النقد المحايث.
«أمام كل هذا، فإن هوركهايمر وأدورنو قد تخلوا عن بذل أي جهد لمراجعة نظريتهم من وجهة نظر سوسيولوجية»(18)، أو على الأقل الحفاظ على معيار واحد سليم يسعفهم في تخطي الحرج النظري.
لقد تم استنزاف النظرية النقدية ولم تعد تستجيب لتغييرات الحاضر الحداثي، بمعنى أن امكانية نسج علاقة حوارية مع التنوير، أمر انعدم مفعوله بسبب عجز هوركهايمر وأدورنو عن «إرساء أسس معيارية للنظرية النقدية للمجتمع»(19).
وفي الواقع، إن النقطة الأرخميدية التي تجمع مدرسة فرانكفورت، النقدية تتعلق بأزمة المخرج النظري وإشكالية التحرير، يعني إيجاد سبل لتحرير عالم الحياة من سيطرة العقل الأداتي. وهو إشكال واجه الجيل الأول في بداية الأربعينات من القرن الماضي. فكان أن سقط هوركهايمر في نزعة تشاؤمية، وارتمى أدورنو في نزعة رومانتيكية، ووقع ماركوزه في نزعة ميكانيكية.
هل انتفت وظيفة المدرسة النقدية لتلج ميثولوجيا الفن كعودة لتعاليم ديونيزوس؟ أم أن اللحظة التي نعتقد فيها بحدوث سقطة الفلسفة، هي نفس اللحظة التي تنبعث من جديد كطائر الفنيق لتؤسس منعطفاً جديداً؟ أليس المنعطف اللغوي بمثابة براديغم ينتشل الفلسفة من صور اللاعقل والعقل الأداتي والاسترتيجي ومختلف التقسيمات التي تميز عصر الحداثة وتكشف عن مظاهره التحريضية ضد الطبيعة وعالم المعيش؟ وهل العقل في بعده التواصلي والتفاعلي سينتصر للفلسفة في استعادة وظيفتها أم أنه سيقع في قبضة حداثة ينتج على هامشها سلطة الذات في صورها المتعالية؟
وفي هذا السياق، يعتبر هابرماس أن علاقة السلطة بالعقل لا يمكن إيجاد مخارج لها من خلال حمل تصورات خالصة. فتشكيل القناعات وتقاسمها ينطلق من فضاءات خطابية لاخالصة: العالم الموضوعي (العلم)، والعالم الاجتماعي (الأخلاق)، والعلم الذاتي (الفن). هذا الاختلاف على مستوى تعدد الفضاءات هو نتيجة «التطور الاجتماعي […] الذي يقتضي إيجاد مبادئ جديدة للتوافق»(20). حيث تتفاعل العلاقات التبادلية والفعل التواصلي عبر وسيط لغوي متحرر من سلطة عقلانية غائية تقوم على صناعة التوافق.
تلك الأطروحة المركزية الهابرماسية التي كثف حولها رؤيته الفلسفية الاجتماعية وعدته المفاهيمية، كما أنه فتح مسالك الحوار البيْنذاتي لإعادة الاندماج الاجتماعي وفق معايير ودعاوي الصلاحية. إن صيغة أفضل حجة بمثابة أعدل قسمة بين الأطراف المتحاورة على مستوى تدبير الاختلاف وخلق صيغ خطابية مثالية تروم احترام المقاصد والشعور والأحاسيس والفرص المتكافئة للفعل والتداول الخطابي.
إن المنعطف التداولي الهابرماسي مخرجاً لتقويض سلطة تضخم فلسفة الذات والانفتاح على فضاءات عمومية وتشاورية لتقاطع القيم والمعايير الأخلاقية الكونية إزاء قضايا مشتركة. ومن هنا نفهم أن تجاوز هابرماس لمأزق الجيل الأول يقع بالضبط في نقطة مركزية تتعلق بإعادة قراءة الحداثة باعتبارها مشروعاً غير مكتمل. لم تعد الأنوار أسطورة، أوَليس التائه مسترشداً بالحيل الأداتية والغائية، بل أسطورة أخلاقية تواصلية متحللة من مركزية براديغم النسق كعائق أمام بلورة نشاط  لغوي تواصلي.
الجيل الثالث ورهانات النظرية النقدية
ليس هناك ما يجمع بين أعلام الجيل الثالث للنظرية النقدية إذ «لا يتوحدون في إطار روابط وطنية وجغرافية أو حتى لسانية. ولا يتقاسمون بالضرورة الالتزام السياسي الجذري الذي اتسمت به النظرية النقدية للجيل الأول»(21). لقد امتد الجيل الثالث في أوروبا وشمال أمريكا وانشغل بالأسئلة الكبرى التي تمس العولمة، التعدد الثقافي، التنمية، الديمقراطية…، ويأتي هذا الاهتمام في سياق تحولات سياسية كبرى عرفها العالم. لقد تشكلت تجربة الجيل الثالث*، واغتنت في خضم أحداث الحركة الطلابية بفرنسا 1968، كما واكب صعود حركات اجتماعية جديدة 1970، المناهضة لكل أشكال القهر الاجتماعي: قضايا المرأة، مشكلة البيئة، انتشار الأسلحة النووية، الفقر والمجاعة، المد العنصري والعرقي…، كما أنه عايش أحداث سقوط جدار برلين…، وفي هذا السياق كانت المقاربة السياسية والفلسفية والاجتماعية للجيل الثالث تهم «تطور الأشكال الجديدة للاندماج الاجتماعي»(22)، يخص الكونية الأخلاقية، العدالة الاجتماعية، اندماج الهويات الثقافية، التضامن الاجتماعي، نقد أساسيات الدستور، الديمقراطية الكونية، فلسفة الاعتراف…
وهذا المنحى الجديد للجيل الثالث يتميز عن الجيل الأول والثاني، بالرغم من حضور خيوط ناظمة تجمع الأجيال الثلاثة في إطار مشترك نظري يخص رفض المقاربات الفلسفية التقليدية الأخلاقية، ونقد الميتافيزيقا التقليدية. ولهذا فإن إحدى الرهانات الأساسية للنظرية النقدية من خلال الأجيال الثلاثة هو «تصفية ممكن القول نسف أسس  النظرية النقدية التقليدية داخل النظرية ذاتها»(23).
إن سؤال المجتمع وتحرير الإنسان ونقد الماهيات الديمقراطية والبحث عن مخارج كونية أخلاقية…، عناصر تتجمع وتنصهر كإشكالات في إطار السيرورة المتعاقبة والمشتركة لمدرسة فرانكفورت. وعلى هذه الجبهة انتصبت «مواجهة مقصودة بشكل كبير مع الجذور والمهام والإنجازات التي تخص التقليد ذاته»(24).
لكن بالنظر إلى مستوى الاختلاف بين الجيل الأول والثاني، نلمس تمفصلات كثيرة إزاء «التبرير المعياري للنقد الاجتماعي»(25). ذلك أن المنعطف اللغوي أفرز معايير نقدية إجرائية لمد جسور التواصل، في الوقت الذي أجهز الجيل الأول على كل المعايير النقدية.
أما عناصر التقاطع بين الجيل الثاني والثالث، فإنها تمتد إلى أكثر من مستوى، خصوصاً وأن براديغم أخلاقيات التواصل شكل إطاراً ملائماً للمعالجة الفلسفية والسياسية للقضايا الاجتماعية بالنسبة للجيل الثالث، سواء على مستوى التصور التاريخي والاجتماعي الذي يقوم على الصراع من أجل الاعتراف بين المجموعات الاجتماعية
ـ أكسيل هونت، أو على مستوى بناء نظرية نقدية نسائية
ـ سيلا بنحبيب.لكن، ما يميز النظرية النقدية للجيل الثالث هو المكانة التي باتت تحتلها  النظرية النسائية كإرث تاريخي فلسفي يشكل إضافة نوعية للمدرسة. وتعتبر سيلا بنحبيب أحد أعلام  هذا الاتجاه*. والسبب يرجع إلى جعل  إشكالية المرأة بؤرة اهتماماتها في النظرية النقدية وفي هذا الصدد «تدافع بنحبيب عن نزعة نسائية متجذرة في النظرية النقدية تقوم على تصورات الاستقلالية،النقد والطوباوية»(26). مقابل  نزعة نسائية تمثل تيار ما بعد الحداثة، تقوم أطروحتها حول موت الإنسان والتاريخ والميتافيزيقا. ويعتبر تيار ما بعد الحداثة أن هذه الأطروحة توافق بشكل أكثر انسجاماً وتعبيراً عن مشاغل المرأة.
في مقالها تحت عنوان: (النزعة النسائية وسؤال ما بعد الحداثة)، تعتبر بنحبيب أن الأطروحات المركزية لما بعد الحداثة تشكل حالة اللانسجام ومفارقة عميقة مع الانشغالات النسائية، إذ ساجلت يوديت باتلر Judith Butler ويان فلاكس Jane Flax…، للكشف عن الصيغتين القوية والضعيفة Strong Version & Weak Version لأطروحات ما بعد البنيوية.
ترى بنحبيب أن الصيغة  القوية لموت الإنسان والتاريخ والميتافيزيقا، بمثابة تقويض للاستقلالية الذاتية ولإمكانية النقد الجذري ولمبدأ تحرر المرأة. لقد أعجبت النزعة النسائية بأطروحة ليوتار حول مفهوم (نهاية ابيستيمية التمثلات). وذلك لأن الفلسفة الغربية من ديكارت مروراً بـ كانط، وصولاً إلى هيغل تتمسك «بحكاية موضوع العقل الذكور»(27). ولهذا فموت الإنسان لا يعدو لدى النزعة النسائية لما بعد الحداثة سوى أفول بطولة العقل الوهمي الذكوري وسلطته الشمولية، إذ أن «معظم فلاسفة التاريخ الذين هيمنوا منذ عصر الأنوار، أرغموا السرد التاريخي على الوحدة والتجانس»(28). هذه الوحدة تزج بالمرأة خارج التاريخ لكونها تفتقر إلى تاريخ خاص بها.
هذا التحالف بين النزعة النسائية وما بعد الحداثة، يفضي إلى إدراك الإنسان في إطار «شبكة من المعاني الخيالية، وسلسلة من الدلالات، حيث أن الذات هي فقط وظيفة أخرى في اللغة»(29). إن الكوجيتو الذي انتظم كسلطة في ذاته تدرج في مراتب السمو إلى إرادة تشريعية وإلى دين عقلي ليتوّج مساره بوصفه قدرة شمولية تعرف كيف تجمع في توليفة تركيبية ووحدوية بين الذات والموضوع. هذه الذات المتعالية سينتهي مصيرها إلى التحلل والذوبان في المعاني والدلالات والعلامات. ومن ثمة، تذوب معها الاستقلالية والقصدية والمسؤولية والأفعال أي ما يمكن أن نطلق عليه تتلاشى هوية الذات.
ترى يوديت باتلر أن الاشكالية النسائية تقع خارج ثنائية جنس مقابل النوع الاجتماعي، ذلك أنه يجب النظر إلى الإشكالية باعتبارها سلسلة من الإنجازات، انجازات بدون ذات، أي الذات وقد تلاشت في الخطاب من حيث أنه نسق من الدلالات والرموز. ففي هذا السياق تتخلى يوديت باتلر عن مقولة وراء كل فعل فاعل لتتبنى مقولة الأفعال بدون فاعل. لقد توارت بفعل تحالف قوي، جمع بين نزعة ما بعد حداثية ونزعة نسائية، فلسفة الحضور التي كانت تنظر إلى الإنسان باعتباره نومين أو كائن متعالي.
تعتبر بنحبيب أن أطروحة موت الإنسان أطروحة قوية لا تتناسب مع مطالب المرأة وحركاتها الاحتجاجية التي تقوم على الصراع من أجل التحرّر. إن الإفصاح عن هوية الذات لا تتم بقتل معايير نظرية سياسية نسائية، على اعتبار أن الذات تتحول إلى مؤلف لحكايتها  قصد التفاعل مع التاريخ والثقافة. ليست سيرة المؤلف وحكايته خطاباً متعالياً لميتافيزيقا الذات. لا تتموقع الذات المتكلمة بمعزل عن الآخر، إنها ذات تسعى إلى التواصل وإنتاج المعنى. ينتج المؤلف رسالة تفترض متلقياً لفهم مقاصده وأهدافه ومعانيه.إذ كيف نفهم ضمير المنفصل “أنا” بوصفه تشكيلة خطابية إذا لم تقابلها شرعية الاعتراف الجماعي.
وإذا كانت الأطروحة القوية تتناقض مع توجهات المرأة وقضاياها، فإن بنحبيب* تنتصر للأطروحة الضعيفة، باعتبارها تعمل على «موضعة الذات في سياق الممارسات الاجتماعية واللغوية والخطابية»(30). فالذات المتكلمة والمنتجة للمعنى تتفاعل في إطار شبكة تضامنية من العلاقات التواصلية عبر مرجعية لغوية حاملة للمعايير والمسؤولية الأخلاقية. كما لا تعني الأطروحة الضعيفة على المستوى النظري سوى نهاية السرديات الكبرى ـ الثقافة الذكورية. أما سياسياً فتعني نهاية القوى التاريخية التي تؤمن بسيادة القوة ـ الأنظمة الشمولية.

التتمة في العدد

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

مجلة الفكر العربي المعاصر العدد 156-157

فجاءة الفلسفة
مطاع صفدي

إذا استعملنا المصطلح التقليدي الآن، نقول أن الوجود existence ليس دخيلاً بين الفكر والكينونة، بحيث يُضطّر العقل إلى اختلاق المعيارية، كمعادل نقيض للوجود، أو كمنبر اعتراض متماد على جوازه ـ انحطاطه، ونسبيته ومادّويّته ـ، فتارة نلجأ إلى الاستعلاء فوقه، مع مفارقة المثل الأفلاطونية، أو مع التجسيد اللاهوتي المفارق، أو مع لاهوتية التكنولوجيا، تارة أخيرة. بل إن الوجود هو كائن العالم الذي ليس للفكر، أو للكينونة، سبيل من حضورهما معاً، أو غيابهما معاً، إلا عبر دروبه ومنفاه معاً. إن كائن العالم، ليس مناسبتهما، ولا مسرحاً عرضياً لعروضهما، اختلافياً توافقياً، بل إنه ما به وحده تتأكد لهما ثمة إِنِّـيَّةُ(*)، محايثة لإنيّته عينها. إنهما، أي الكينونة والفكر، السكان الأصليون الذين يعمرون ذلك الحيّز من كائن العالم، الذي يمثل قِدَمَه، وأقدميته، شرط أن يُفهم القِدَمُ هنا، ليس فحسب كواحد من أبعاد الزمن، كما هو مستمر في ماضويته القصوى، بل كحدوث مستمر كذلك؛ لأن كائن العالم في النهاية، هو حدثهُ، هو المايحدث له وفيه، دائماً. والحدثي هو محضُ زمانٍ غير زمني، غير توقيتي أو تحقيبي. لكنه مع ذلك محتاجٌ حاجةً وجودية مطلقة، إلى عقارب كل الساعات، كيما تمنحه أشد الأرقام تجريداً، وترميزاً دقيقاً، في آن معاً.
لقد احتاج هيدغر إلى أن يضع نفسه خارج المشروع الغربي، كيما يتاح له أن يبرهن له بالذات أن تاريخانيته ليست من حدث التاريخ عينه. وأن مضمونه انقسامي بالنسبة لشكلانيته الرافعة للواء العقلانية. احتاج هيدغر إلى إشادة صرحه الفلسفي الشامخ، كيما ينبه إلى إعادة العالم إلى عالميته بالذات. واضطر إلى تأكيد الكائن ـ في ـ العالم، كمدخل أنطولوجي إلى مقاربة العالم. ولكن هذه الصيغة لم تستطع أن تتخلص من علاقة التضمين، وكون أحدهما محتوياً في الآخر. وتجيء الصيغة الأخرى: كائن العالم، لتنزع أولاً الصورة  التوزيعية بين قطبين، وتركز التمعين في ترابط تضايفي، عضوي وداخلوي. مع ذلك لم يتم التحرر تماماً من انقسامية الحدَّين، مهما بلغت درجة توزيعهما حدَّ الاندماج الكامل بينهما. كما لو كان لفظ (الكائن) هو الحيز الذي يشتغل عليه قطب (الفكر) في صيغة (الفكر والكينونة)، وكان لفظ (العالم) هو الحيّز الذي يملأه تصورُ تجسيمٍ للعالم، لا يُخفّف من مادويّته إلا اقترانُه ذاك بالكائن، باعتباره مدخلَ التمعين وموضوعه معاً.
غير أن صورة الحاوي وما يحتويه ما زالت تفرض نفسها على البصيرة كما البصر، عند كل مقارنة فلسفية للكائن ـ في ـ العالم، أو لكائن العالم. ومنذ أن أبدع ليبنتز نوعاً من تصور مواقعي للمونادات بالنسبة لبعضها، وللعالم الذي يحويها، فإن الفلسفي لم يستطع أن يتقدم كثيراً، أو بعيداً عن ثنائية الفكر والامتداد التي ابتكرها ديكارت، واضعاً بذلك حداً لسفسطة قروسطية، ومفتتحاً حلاً ذرائعياً، نحو تأسيس المواجهة بين الذات والموضوع التي سيشتغل عليها العلمُ الحديث، متحزّباً إلى الموضوع (المادة)، فارضاً على الفلسفي بالمقابل، القبولَ بهذه الانقسامية والانحياز إلى جانب الذاتية؛ بحيث أن الفلسفة لم تتخلص من نُواة ثوابتها تلك أبداً.
إن مفكراً ذا انتماء هيدغري نسبياً، جان ـ لوك نانسي، لم يستطع الاستعانة بالمواقعية الموناندية، من أجل تكرار شرعيتها من ناحية، وإبراز اختلافه عنها، أو تقدّمه الخاص بالنسبة للحظتها المعرفية، من ناحية أخرى.إذ بينما يقوم تصور ليبنيتز على انعكاس الواحد إنسجامياً دائماً، في المتعدد ـ وهو هنا الإلٓه، الذي هو الموناد الأكبر، مشكلاً بذلك النظام الذي يعكس علاقات أفراد الموناد ببعضها، كما يعكس كلُّ واحد منها نظام الكل ـ فإن (نانسي) يقلب المعادلة، حين يؤكد الانطلاق من اختلافية التعددي ـ أي المونادات في ذاتها وبالنسبة لبعضها ـ وصولاً إلى اختلافية العالم، من حيث المبدأ. كل موناد، تقوم منحرفةً أساساً، وتعكس سواها من المونادات والعالم بطريقة تباينية عن كل ما هو سواها. فالفرد الجمعي Le singulier pluriel، يقدم المفهوم الآخر عن العالم وعلاقته بعناصره أو أقانيمه، «بحيث أن التباين من حيث المبدأ لا يقوم فحسب بين المونادات، بل في كل موناد، وفي موناد المونادات، الذي هو العالم: أي الكلية المؤلفة من الأجزاء الكلية Les parstotalitaires، غير القابلة للكَلْينة»(*).
ومع ذلك تظل الصيغة البديئة التي تقدمها قصيدة «الخلق» عند بارميند، حول حضور العالم، ومداهمته، و«ظهوره» اللامتناهي عبر كل متناه في مداه وفي تخومه، هذه الصيغة لم تستنفذ بعْدُ كلّ دلالتها، حتى عندما تعرّضت للكشف الهيدغري، الذي أعاد تأويلها، ولم يُغلقْه بنصوصه فحسب، بل دَوَّن لحظةَ انفتاحها، لِيَغْرُفَ منها كلُّ من يتصل بانفتاحها ذاك، وفْق طريقته. ولقد لفت العنفُ انتباهَ هيدغر. العنف الذي يفرض فيه العالمُ نفسَه كظهور أولاً. ولهذا كان له اسم آخر هو الكينونة. وكان السؤال الأول الفلسفي، رداً على هذا الظهور الذي أصبح له اسم الوجود، الكينونة؛ ذاك، الذي يفرض على الوعي الفجري أن يصوغ تسآله كما يلي: لماذا كان وجود، ولم يكن بالأحرى عدمٌ. فالمهيمن المسيطر الطاغي، ما هو، ولماذا هو، وليس شيئاً آخر. لماذا لم يكن البدء مثلاً من اللاوجود، من العدم. ذلك أن طابع الظهور مؤسِّسٌ أول لفكرة الوجود. ولولا أن حامل هذا الظهور هو العالم نفسه، لما أمكن التفكر في الوجود باعتباره دليلَ كينونة. ولما أمكن للفلسفة الإغريقية فيما بعد، الانتقالُ منه إلى السؤال عن مبدأ الوجود. لكأن الظهور المطلق يتطلب البحث عن مبدأ الظهور، أي عما يجعل الظهور ظهوراً. بكلمة أخرى فكأن الظاهر دفع إلى التفكر في اللاظاهر. فالسؤال السقراطي، في عفويته الأولى، كان يحوم حول هذا التفكر عينه.
لكن ألم يكن بالحسبان كذلك أن يظل التفكر في الظهور، ظهورياً. بمعنى، ألا يُفكّر في الكينونة إلا كينونياً، وذلك بدلاً من الانسحاب من العالم إلى مبدئه المتصوّر في كينونة أشمل منه، وتتجاوزه. وقد لا تتسع للعالم وحده، أو لعالم الظهور فحسب، بل تشمله هو وسواه كذلك؛ بدلاً من ذلك ألم يكن بالمستطاع التوقف عند ما هو البديء في هذه المشهدية بالذات؟ قد يكون السبب، حسب تفسير أنتربولوجي/تاريخي، هو أنه لم يكن بالإمكان إلا التفكير تقنوياً منذ البدء. بمعنى أن اليد الصناع التي يلحظها المرء في جسده وذاته، هي عينها التي تفرض أن ينبلج الفكر من خلية وحيدة هي السؤال عن العلّة. لأن العلة هي التي تصنع. ومن وظيفة اليد والجسد يمكن الانتقال إلى حدوث ـ الظهور. فلا بد من البحث عما يصنع ـ هذا! إن تأمل الظهور كمصنوع، والبحث عن أداته، ومحلّ هذه الأداة، و (العقل) الذي وراءها، كل ذلك يقدم ترسيمة لنشأة العقل باعتبارها نشأة العقل التقني عينه، مجرداً إلى مبدأ العلة والمعلول: الصانع والمصنوع.
ألهذا ما أمكن تأملُ الظهور ظهورياً فحسب. ألهذا تأخر انبثاق العالم كمفهوم، عن سيطرة مفهوم للوجود باحث دائماً عن (أو) ما ـ أوجده، أكثر مما هو باحث في ـ وجوده ـ بالذات. ذلك أن غلبة (العقل) على (الفكر)، اقترنت بسيطرة علاقة تقنوية منذ البداية، بين وساعة للوجود لا تنتهي، وعالم متناه. فالوجود يسع كل شيء، (وهو على كل شيء قديرٍ)، وبين العبارتين نقلة تقنوية بسيطة. لكنها حاسمة. هذه النقلة تَكَفَّلَ بسؤالها العقلُ: من حيث إنه لم يكن هو فاعلِ التدبير، فإنه على الأقل هو كاشفُ فاعل التدبير، وما يدبّره، أو هو الباحث عنه أبداً. فالعالم كمصنوع أبعد العقلُ عنه سؤالَ صناعته، ليذهب إلى الصانع وحده. ومع أن أرسطو لم يعط ثمّة أهمية لاستمرارية المحرك الأول، إلا من حيث أنه قام بالحركة الأولى، غير أن العقل بعده انصرف كلياً إلى الاستقرار في لَدُن الصانع، وتناسي المصنوع. وعلى كل حال، فإنه سواء كان انصراف العقل في مقاربة إشكالية العالم/الكينونة، نحو سؤال الصانع أو المصنوع، فإنه لا يخرج عن الضرورة التقنية التي يبدو أنها كانت الأسرعَ في الردّ على الموقف البديء. فقد أتت بوسيلة النجاة الأولى من هيمنة المهيمن المسيطر، من عنف الظهور المطلق الذي يغطي/يُبْرِز كل ظاهرة فيه. كما لو كانت الوسيلة الوحيدة للتحرر من عبء المهيمن، هي في الخروج كلياً من دائرته، والانشغال بكل (الفراغ) الآخر حوله. إنه نوع من إعدام الظهور في (تصور) عدم ظهوره. ذلك أن الفراع، أو اللاشيء ليس موجوداً ما دام العقل مقيماً في كنف المهيمن المسيطر، من هذا العنفِ/الظهورِ، الذي يمكن التعبير عنه بلفظة أحدث وهي: الوجود المليء بوجوده. فلا يبقى إلا التصور وحده سبيلاً إلى (اختراع) الفراغ. لكن الأفلاطونية خوفاً من مواجهة مصير الخروج من الوجود، فقد عمدت إلى تقسيم الوجود عينه إلى مراتب. مهدت بذلك إلى مفصلٍ مفهوميٍّ بين العالم والكينونة، بين المادة والمثال. وقد أصبح هذا الفصلُ أساساً لإشكالية أبدية حول الفكر والكينونة، والتي صارت بدورها المدخلَ الوحيد لكل إشكالية فلسفية أو حضارية، في مستقبل الثقافة القادمة.
غير أن تقدم (فكرة) العالم إلى واجهة المسرح كان مطلباً خفياً لتاريخٍ فكريٍ للفكر، مكبوت، مقموع تحت تاريخانية التحقيب المعرفي، النموذجي حسب المثال الغربي. فالعالم يصير وجودَ الكينونة بدلاً من أن يكون: من ـ تدبيرها. العالم هو المحلّ الوحيد الذي يتيح بحثاً مجدياً عن الكينونة، ولا محلَّ لها سواه على الإطلاق. ليس هذا فحسب، بل العالم هو المحلّ الوحيد لكل من يتمتع أصلاً بـ ـ محلٍّ. حتى عندما بلغ العقل، تكوينياً ـ أي جينالوجياً/أركيولوجياً ـ مرحلةَ الوعي بالتصور واستقلالية التصور، فإنه لم يستطع أن يخترع له محلاً إلا داخل إمكانية التصور عينه. ولذلك لم تستطع الأفلاطونية أن تمنع تطورها الذاتي من الانتهاء إلى العقائد التجسيدية، أي الدين. فقد اضطر العقل، إنسجاماً مع هذه العقائد، إلى تعليق معقوليته الخاصة، في حيّزٍ خارجٍ عنه، حيث لا شيء، لا معقولية البتّة. لكن (اللاشيء) لأمرٍ ما يصير حيّزاً لتجسيد المعقولية الكاملة. ولم يكن ثمّة من طريقة للتعامل معه، أو للتعرف إليه إلا باعطائه أفضليةَ التجسيد هذه، مقابلَ كل المفاهيم أو الأقانيم المتصورة الأخرى. إنه اسم: الصانع، وليس المحرك فحسب. واكتسب (الصانع) بذلك الأولوية، منطقياً وأنطولوجياً، على المصنوع.
رغم هيمنة دلالة التقنية (الصانع/المصنوع) على تاريخ الميتافيزيقا، دون إعلانٍ صريح عن التقنية حتى لا تتحد بالمصطلح الرائج عن التكنولوجيا المعاصرة، فإن الانشغال بسؤال عما صَنَعَ ويصنع (يدير) العالم، قد طغى على فهم العالم نفسه، الذي وحدَه يؤلف الموضوع الموجود. وعندما سادت طريقةُ التفكير بالعالم من داخله فحسب، لم يعد يمكن تصورُ علاقة الأشياء والكائنات به، إلا على أساس من مفهوم الاحتواء. صار العالم كيساً فضفاضاً يحتوي على كل شيء. ولقد تبرع العلم، في نشأته الأولى، بأن يأخذ على عاتقه فَرْز هذه الأشياء وتصنيفها، إخراجها من التراكم أو التبعثر، وإضفاء شبكية علاقات (تصورية) عليها، تبقى مُلزمةً بادّعاء موازاتها مع تواجد الأشياء الأصلي؛ فيستطيع (التصور) أن يصطنع لذاته هنا، في هذا المفصل المعرفي الحاسم، دورَه المطلوب منه باستمرار؛ وهو إنشاء العالم (المعرفي) الموازي للعالم الخام. وبالتالي يستطيع العقل أن يخرج باطمئنان وهدوء، من لَدُن صاحبه وحامله الأزلي: الذات، يخرج منها إلى عالم أليف، فاقد لفُجاءته أبداً، كأنه الذات عينها، وقد اتسعت لتشمل (كل الامتداد) الديكارتي، أمامَها وحولها. هكذا، فالعالم التصوري الموازي يغدو ذاتاً شمولية، لا تحتاج إلى إحالةٍ إلى غير عينها. العالم التصوري يمكنه الاستغناء عن العالم الخام، ويمكن أن يوفر لذاته وسكّانه، العيشَ الملائم بدون أي قلق، قد ينجم عن استشعار بالمُخْفيّ المَقْصيّ؛ كيف يتأتَّى استشعارٌ ما، مما لا حضورَ له البتة، لا بالأصالة عن نفسه ولا بالوكالة. فليس من المبالغة بشيء القول أن مَنْ وُلد بميلاد العلم الغربي الحديث ليس هو عالم الموضوع، بقدر ما هو مولد الذاتية الشمولية، التي لاتقبل بتوزبع نفسها حسب دورين لها، متقابلين، من ذاتٍ عارفة، وموضوع للمعرفة، إلاّ تصورياً فحسب. وكذلك يمكن تصحيحُ الصفة التي تطلق على نوع هذا الامتداد داخل الذات عينها، بدلاً من امتداد الذات فيه؛ فليس صحيحاً أن الذات تنشئ عالماً موازياً للعالم الخام، بل تبني السدّ الحاجز للعالم الخام، والحاجب للذات عينها، حسب حجمها الفعلي.
وفي هذه اللحظة المعرفية ـ الموصوفة بامتيازها الخارق هذا ـ يرتاح العقل دفعة واحدة، من مشكلة ← الآخر. فالعقل مَلِكُ على مدينته، سائح في جميع أروقتها وأزقتها التي يعرفها كلها، لأنه مُهندسُها ومنفّذها في آن. كذلك فإن القول أن الوجود لا يوجد إلا فيما هو محل الوجود، وأن العالم، وبالتالي ما يحويه من وجود، هو دليل الكينونة التي (لا تشمل) إلا ما يوجد، وهو بالطبع العالم، كل هذا القول ـ الهيدغري كذلك، بعد پارميند ـ لا يستطيع أن يتجاوز صيغة علاقة الاحتواء. وهو قول تقني، ويدخل تحت إدارة ← التقنية، ولا يرفضها، لأنه لايمكنه أن يمكث في حدود العقل، ويقفز إلى تخوم الفكر في آن واحد. ذلك إن كل اللغة الجديدة، المختلفة تماماً، التي جاء بها القول الفلسفي الهيدغري، ليتم تحررَه من تراث التفكير الخاص بإدارة العالم الموازي، لم تسمح له إلا نادراً بإحداث الاختراقات الموعودة في مرآوية العالم الموازي، نحو العالم الخام، الذي لم يبلغُه أيُّ تصور بعْدُ، لينشئ عنه أيةَ أنظمة.. مرآوية، كذلك.
إن صيغة الكائن ـ في ـ العالم، التي أسست الفلسفي الهيدغري، تلخِّص المأزق الهيدغري، الذي هو نفسه آخر محاولات المأزق الغربي، في اختراق حواجزه التي صنعها، هو وليس غيره، وطوّق ذاته بها، منذ انحراف الأفلاطونية عن البدئيّ في قصيدة الخلْق (بارميند). ذلك أن تلك الصيغة رغم جِدّتها وطرافتها، فإنها لم تبرح علاقة الاحتواء، بالرغم من كل هالات «الانسحاب»، التي أعادت إحياء مجيء الكينونة إلى العالم، مشروطةً بانسحابها دائماً. صحيح أن الصيغة الهيدغرية قلبت المدماك الأساسي لمصطلح الميتافيزيقا التقليدي الذي يتحدث عن شيء إسمه: كينونة العالم. لكن المسألة، ما بعد هيدغر، ليست في معرفة من يحتوي من: مرةً الكينونة، مرةً العالم. ذلك أن هذه العليّة، حتى لو ارتقت إلى أعلى نماذج الاستخدام الميتافيزيقي، حتى عندما يصوغها هيدغر من خلال عبارته العبقرية: مجيء الكينونة إلى العالم انسحابياً، فإن شبح التسلط العلّي، يظل له تطبيقه، بطريقة أو بأخرى.
بعد المصطلح الهيدغري لم تعد الكينونة تأتي ـ من أين؟ من لا مكان! ـ إلى العالم. لتبقى مع ذلك، وبعد تاريخ كثيف من عديد الإطلالات والانكفاءات، منسحبةً وانسحابية. بل غدا المصطلح، غير الاصطلاحي حقاً، بعد هيدغر وإبتداءً من حضور نصه دائماً وبالذات، غدا ترميزاً لنوع من القول المفتوح، الذي يشكل بَدْأَه الخاص، على النحو الآتي:
ما دام لا يمكن البحث في دلالة الكينونة عما هو سوى العالم، كمضمون لغوي/وكائن، ناهض بها ولها، فلم يعد يصحُّ تلفّظُ الكينونة مطلقةً، حرّةً من أي ضمير أو انتماء؛ ذلك أنها هي: كينونة العالم، كينونتـ ـ ـه. لكن شرْطَ أن يتم قلبُ جهة الارتجاع في الضمير: ـه. ذلك أن الكينونة لا ترجع إلى العالم، إلا بقدر ما يكون العالم هو اسْمُها الآخر. فالكينونة هي التلفّظ الوحيد في اللغة، الذي هو اسمُه وضميرُه في آن؛ في حين أن كل التلفظات الأخرى، لا تقوم لها قائمة، إلا إذا كانت هي عينها أسماءَ ضمائرها، التي ترتجع إلى الكينونة؛ وذلك قبل أن تشرع في إنشاء أية شبكية، فيما بينها كتلفظات، من ممارسات الصرف والنحوْ، عبر ضمائر وتضايفات، لغوية واقعية معاً.
لقد ظلّ هاجس الفصل بين الكينونة والعالم مسيطراً حتى على النص الهيدغري. ولذلك انشغل النص في مفاضلة هذه الانقسامية. وكأن كتاباته كلها ليست سوى طُرُقٍ متعددة نحو الغابة الواحدة نفسها، لعلّ ذلك (التيه) العبقري يوفر أهمّ وأعمق التقاطعات بين الأقنومين صلةً بهما معاً، مع الإيحاء دائماً بعدم التطابق التام بينهما.
وحتى يمكن الإعتقادُ أن عودة الكينونة في النص الهيدغري، لم تتخلص تماماً من خطيئة الانحراف عن البديء في قصيدة الخلق. لم تستطع أن ترى تماماً في العالم ذاتِه، سببَ قِدمه بالذات، سببَ قِدم العالم عينه. وقد بقيت هذه العودة مهمومة بانقسامية الفكر والكينونة؛ حتى أنها دعمت من جديد، الانقساميةَ الضمنية لصيغة الكائن ـ في ـ العالم. فلم تتخلّص الصيغةُ من رابطة حرف الجر التي تفيد احتواء الحدّ الأول في الثاني. ولا شك تقع الصيغةُ الهيدغرية تحت طائلة (التصور الامتدادي) الذي لا يتحرر كثيراً من الانطباع الأول الكمّوي، كما تقدّمه صورةُ الوساعة المادية للعالم. فهي الصورة الملازمة لأية مشهدية، تَرِدُ الحسَّ من الخارج. وتفرض الانطباع المسيطر، عن وجود بلا حدود؛ تنتصب بعض معالمه، فيما يتعدَّى معظمُه إمكانيةَ الحس، ثم الوعيَ، ثم تكنولوجيا التدبير، بكل تعقدها وتطورها الحديثين. ولقد عبّرت قصيدة الخلْق (پارمنيد) عن إطلاقية الوجود، إنطلاقاً من لاتناهي الظهور لكل ما يحيط بضآلة الكائن الإنساني، الذي مع ذلك، هو وحدَه، المنوطُ به، من دون بقية كائنات الظهور الأخرى، إدراكُ هذه الواقعة الأولى، التي تؤسّس البديء، وعليها أن تتكرّر وتتأسّس، في كل ما يتبعه. فهي قد تنقضي كأولى، لكنها الدائمة كبديء. ذلك ما يمكن اعتباره بمثابة: تحدي البدئي. بمعنى استمرار البديء في كل ما سيأتي بعده، بما يجعل من تكراره، غيرَ التكراري أبداً، يجيء فُجائياً عند نفسه. ذلك ما يشق الظهور المهيمن الطاغي، ما يصيبه بالصدوع التي تجلب الاختلاف. فإن عنفَ الظهور لا يُخفِّف من وطأته إلا تكوّنُ البديء، كحادثته الأولى المستمرة، (تكراره)، أو باعتباره لحظةَ تقاطع الظهور مع الحدوث؛ لحظةٌ تتكرر لتبني إمكان التمعين؛ كأنما ينتج ذاتَه اختلافيةً عبْر فَرْدنة الدلالات؛ فلا يمكن للحظة البديء أن تتكرر إلا إختلافيةً، لأن ثمة فَرْدَنَة دلالةٍ، لا يتم تمعينُها أبداً، ترتدّ إلى مُعاودة تسآل الظهور عمّا يظهره؛ وبالتالي لا شيء يكسر عنف المهيمن الطاغي، كظهور مطلق لا فكاك منه، إلا حادثةُ فَرْدَنَتِه، التي يُناط بها أن تترجم الكينونة إلى عالم؛ وعندئذ لاتعني تلك الترجمة استباقاً بالوقت أو بالمفهوم، للكينونة، على العالم. لكن باعتبار أن العالم هو الحيّز الذي يمكن فيه للمتناهي أن يتكلم لغة اللامتناهي، دون أن يفقد تناهيه، فإنه بذلك قد يقدّم الطريقةَ الاستثنائية التي تتيح للكينونة أن تشرع في الوجود، كما لو كانت هي الآخر، هي آخر ـ ها.
فتدخل زمنَ الوجود، دون أن تفقد لازمنيتها؛ وتُحْدثَ حدوثَ التاريخ، دون أن تنقطع عن لاتاريخانيتها. كأنما يغدو العالم كينونياً، ما دام العالم هو الطريقة الوحيدة لِتَفَكّر الكينونة. ومع ذلك: كيف يغدو العالم كينونياً؟ ألاّ يقع هذا، إلا عندما (يحدث) أن يكون العالم هو ذاتـ ـ ـه، وهو آخر ـ هُ، في آن!
أليست هي الطريقة، المتاحة وحدها، في تشكيل ثمة تمعين ما عن (قِدَم) العالم، من خلال (حدوثه) المستمر. ليس هذا أسلوباً جديداً في تبني منهج الجدل. فإن قِدَمَ العالم ليس مفهوماً تجريدياً موغلاً في تجريديته، بقدر ما هو مقاربةُ لـ إِنِّيته. فالقِدَمُ ليس إمعاناً في الجهة الأولى المقابلة لجهة الأبدية. لكنه، أي القِدم، نوع من استحالة استحضار للازمنية العالم خارج حضوره المباشر، راهنيته، أو فوريته. والحدوث المستمر هو الذي يجعل من العالم مستقبلَ قِدمه، بحيث لا يمكن أن يأتي هذا المستقبل اختلافياً كلياً عن ماضيه. ذاك هو (معنى) تكرار البدئيّ، فيما لا يرجع هو نفسه مرتين أبداً. فالبديء هو ما لايسبقه أحد. وذلك هو قِـدَمُه، واستغراقه في القدم، حسب جِهَوِيّةٍ أخرى، مقابِلةٍ لجهوية مستقبله، إن كان له مستقبل غير تكرار ماضيه.
تلك هي مشهدية العالم التي وصفتها قصيدة الخلْق، ولم تخطئ أبداً عندما جاء هذا الوصف بالمهيمن الطاغي. فما يُقلق الإنسان هو هذه المشهدية بكليَّتها، وليس بسبب تفصيلٍ من تفاصيلها. فالمطلق لم يُطرح على الإنسان كمستوى عال من التجريد. بل كان ينهال المطلقُ كمشهدية لا محدودة، تجذب وتمتصّ كل نظر جسدي. وجسدنا ناظر، يريد أن يلم بالكلّ، ويختزنه في بؤرة، من فكر، أو فعل، تكثّف اللامتناهي؛ وهو ليس سوى جسد فانٍ، طاف في خضم المجهول. وهنا لا بد من تحقيق أفهومٍ للإنيّة يأخذ بالاعتبار المبدئي هذه الفوريةَ التي لا تفصل بين جسدٍ للوعي هو الإنسان، والعالم كجسد آخر، مداهم وشيّق ومرعب. إنها الإنيّة التي يأتي كلٌّ من العالم، والكائن بصفة عامة، والكائن الإنساني بخاصة، لاكعناصر مؤسِّسة لها بالمعنى الميتافيزيقي، ولا حتى بالقصد الفينوميتولوجي، بل تجيء كتجسيدات للإنّية عينها. ذلك أن أفضل مقارنة تعريفية للإنّية، هي تلك التي تعمل ـ على ـ استحضارها، وليس على تمثيلها. إنها الإنّية التي حاول إصطلاح هيدغر الأساسي: الدزاين Dasein أن (يَتَرمَّزها)، بصورة تتيح له تحرراً حقيقياً من علاقة الإحتواء التي تأسر صيغته التقليدية الأولى: الكائن ـ في ـ العالم. لكن المحاولة ليست ناجحة دائماً.
لقد قال البعض أن الدزاين هو تقاطع الكينونة مع الوجود Être/existence. لكن التقاطع يفترض انفصالية الحدّين قبل تلاقيهما. هذه الانفصالية تَعْطفُنا مجدداً على الإشكالية الانقسامية المعهودة ـ في تاريخ الفلسفة ـ، مع أن الدزاين يحقق خطوة نوعية فيما يتجاوز هذه الإنقسامية. إذ أنه فضلاً عن كون الدزاين يخلّف وراءه بعيداً، كلَّ ذلك النقاش المدرسي القروسطي، المتمادي حتى عمق النهضة وما بعدها، فإنه يمهّد لقيام ما نحاول أن نصطلح عليه هنا بالإنّية. لأن الإنّية لا تفترض فحسب إنقضائيةَ ذلك النقاش فحسب، بل تعتبر أنه منطلق الميتافيزيقا، وليس منتهاها. إن الإنّية، ليست ما يُستدلّ عليها (الإنية)، بسواها، ومن سواها، بقدر ما هو كل نص، شرعي عند ذاته، لايكون كذلك إلا إذا جاء تناصاً فاتحاً عليها بطريقة أوبأخرى؛ إلا إذا نَطَقَ بجنس كلامها عينه. ذلك أن الإنّية، كالكينونة، ضمير ضمني، يؤسس للآخر، بقدر ما يؤسّس لواحدية ذاته.
***

…… التتمة في العدد

مفهوم الحرية في فلسفة كانط:
من الإمكان المنطقي إلى الإثبات العملي
محمد منادي إدريسي

مقدمــة
للحرية مكانة مركزية في الفلسفة النقدية لـ كانط. إنها عماد هذه الفلسفة في المستويين التأملي والعملي، ولذلك يقول عنها كانط إنها: «تمثّل حجر الزاوية (la clef de voûte) في بنيان نسق العقل الخالص بكامله، بما في ذلك العقل التأملي»(1). عبارة(la clef de voûte) الموظفة هنا تدل في ميدان المعمار على الحجر المركزي والأعلى لقبّة على شكل قوس دائرة. وفقاً لهذه الاستعارة، الحرية هي النقطة الأساس التي يلتقي عندها الإستعمالان التأملي والعملي للعقل الخالص، وهي كذلك «المفتاح» الذي يسمح بعبور الحاجز المضروب حول المعرفة (إقتصارها على التجربة الممكنة)، إلى أفق العالم المعقول. في المستوى النظري يُترك مكانها فارغاً، وفي المستوى العملي يتم تعميره، وهذا ما يسمح للفلسفة الترنسندنتالية أن تمدّ نطاقها من المجال التأملي إلى المجال العملي. الحرية هي «المفتاح» الذي يقدمه العقل الخالص العملي لحلّ المشاكل التي اصطدم بها هو نفسه من حيث هو عقل تأملي. ذلك ما يجعلها تشغل وضعاً استراتيجياً مزدوجاً في بنيان العقل الخالص، واستعارة «المفتاح» تبيّن هذه الوظيفة المزدوجة:
ـ وظيفة التأسيس المتمثلة في توحيد المجالين النظري والعملي.
ـ وظيفة الانفتاح على العملي الخالص.
ما نسعى إليه في هذه المقالة هو تسليط الضوء على هذه الكيفية التي بها «يفتح» مفهوم الحرية أفقاً جديداً للتفلسف خارج الإطار التأملي، وهي الكيفية التي يمكن تلخيصها في القول الآتي : يسلك العقل الطريق التأملي في محاولته بناء معرفة بالمبادئ الأولى (=اللامشروط)، وبهذا يحرّر مفاهيم مَلَكَة الفهم من كل عقال يشدّها إلى الواقع الفيزيائي، فيبني دعاوى ميتافيزيقية غير مشروعة. إنه يسلك هذا الطريق متسلّحاً بمفاهيم العلم وآلياته، ولكنه يصطدم بحاجز لا يمكن لمعرفتنا أن تتخطاه، وهو حدود التجربة الممكنة. فالمجال المتعالي على الحس ممتنع على الطريق التأملي، لكن في المجال العملي يكتشف العقل في نفسه معطيات تمكّنه من فتح كوة في الجدار السميك لهذا المجال المتعالي على الحسّ.
هذه هي الترسيمة العامة التي تبرز فرادة المقاربة الكانطية للميتافيزيقا بصفة عامة، وللحرية بصفة خاصة. تبين هذه المقاربة أن المبدأ الذي ينصّ على أن ظواهر الطبيعة بأكملها تخضع لعلاقات سببية صارمة هو أحد شروط إمكان العلم. إن له في هذا الإطار صلاحية كونية لا مكان فيها للإستثناء. هذا المبدأ ينطبق على الإنسان نفسه، وكل حديث عن حريته في هذا الإطار يبقى طرحاً ليس له ما يسنده نظرياً. إن القول بحرية الإنسان في النطاق النظري (العلمي) إنما هو اعتقاد واهم مردّه إلى الجهل بالأسباب، كما قال سبينوزا. وحتى حينما نحاول مدّ العلاقة بين السبب والأثر إلى حدّها الأقصى من جهة الأسباب، متجاوزين بذلك نطاق التجربة الممكنة، فلن نحصل إلاّ على فكرة (idée) عن سبب غير مشروط. هذه الفكرة وإن كانت غير متناقضة منطقياً، لا تقدم لنا من الناحية النظرية سنداً لأن ندَّعي بأن للإنسان قدرة على أن يفعل باستقلال عن الأسباب الطبيعية التي تؤثر عليه. وهكذا فمبدأ الضرورة الكوني يهدّد بإلغاء أي محاولة تسعى إلى تعقيل الممارسة أو الفاعلية الإنسانية اعتماداً على مفهوم الحرية، وبتحويل الأخلاق إلى «إيثولوجيا» تقتصر على تقديم وصف محايد وغير معياري للسلوكات.
لكن النقد نفسه يبيّن أن الصلاحية الكونية لمبدأ الضرورة تطال الظواهر فقط، والإنسان بوصفه ظاهرة يخضع لهذا المبدأ، وبناء على ذلك فإن تطبيق الآليات العلمية عليه من هذه الزاوية أمر مشروع، ومن شأنه أن يؤدي إلى تفسير سلوكاته وفاعلياته تفسيراً علمياً. غير أن الإنسان ليس كائناً حسياً فقط، بل له طبيعة معقولة أيضاً، يبيّن النقد تلقائيتها المطلقة واستقلالها عن التجربة حتى على المستوى المعرفي. إنها لا تقدم معرفة جديدة، وما تصل إليه في النطاق التأملي ما هو إلا أفكار لها قيمة تنظيمية فحسب، ولكنها تكشف عن دورها التكويني(2)، وعن فاعليتها في مجال آخر هو المجال العملي. في هذا المجال فقط يمكن للعقل أن يكون مشرّعاً، وهو الوحيد من بين ملكات المعرفة (مَلَكَة الفهم مَلَكَة الحكم) الذي يمكن أن يشرّع في هذا المجال، وخارج هذا المجال لا يمكنه أن ينتج أية ضرورة ولا أن يحدد أيّ شيء قبلياً، أي أنه لا يمكن أن ينتج أي ضرورة خارج التحديد القبلي للإرادة. إن «واقعة العقل» تبيّن أن للإنسان بما هو كائن عاقل قدرة على أن يكون سبباً لا مشروطاً لسلسلة من الأفعال، وهو من وجهة النظر هذه كائن حرّ. إن فكرة السبب اللامشروط الكوسمولوجية التي ظلّت في المستوى التأملي مشكلاً، تجد في هذه الواقعة أساساً إبستمولوجيا تنتقل بموجبه من مستوى الإمكان المنطقي إلى مستوى الواقع الموضوعي (العملي)، فتكون بذلك هي الشرط الأنطولوجي لتلك الواقعة.
هذه هي الترسيمة التي نريد في هذه المقالة تفصيل القول فيها عبْر الإجابة عن التساؤلين الآتيين:
1) كيف تتولّد فكرة الحرية من حضن مقولة السببية؟ وهل هناك إمكانية للقول بالحرية في نطاق العلم النظري دون تعارض مع مبادئ العلم نفسه؟
2) ما هو الأساس العملي الذي يمكن اتخاذه نقطةَ ارتكازٍ لإثبات أن للترنسندنتالي دوراً تكوينياً ومحدداً في نطاق العالم المحسوس؟ وأية وضعية ودلالة تكتسبها الحرية في نطاق العمل؟
I. الحرية فكرة ترنسندنتالية(3)
الحرية فكرة من أفكار العقل الكوسمولوجية، وهي تتشكّل في العقل الخالص عندما يستعمل مقولة السببية (وهي مقولة لمَلَكَة الفهم، استعمالُها المشروع محصور في حدود التجربة) استعمالاً ترنسندنتالياً، فيحاول أن يعين في سلسلة الشروط والمشروطات (أي سلسلة الأسباب والآثار) بداية أولى مطلقة تشكل سبباً غير مشروط بأي سبب متقدم عليه في الزمان. إنها أولاً فكرة، وهي ثانياً فكرة كوسمولوجية (أي متعلّقة بفكرة العالم)، وهي ثالثاً فكرة تحرّر مفهوم السببية من قيود التجربة الممكنة، وتوسعه إلى ما وراء حدودها، وهي رابعاً فكرة تبدو مناقضة لمبدأ السببية الطبيعي، إلاّ أن النقد يبين أن هذا التناقض ظاهري وليس حقيقيا. تلك قضايا أربع تحتاج إلى تحليل مفصل كي تتضح.
أ. فكرة العقل
يحتل العقل في تراتب ملكات المعرفة المرتبة العليا. ذلك أن «معرفتنا بأكملها تبدأ مع الحواس، ومنها تمرّ إلى مَلَكَة الفهم، وتنتهي في العقل، الذي لا يوجد فينا أي شيء أعلى منه لمعالجة مادة الحدس وردّها إلى الوحدة العليا للفكر»(4). تتمثل المعرفة في رد المتنوع إلى الوحدة، والعقل إنما يقع على رأس ملكات المعرفة لأنه يردّ المتنوع إلى أعلى وحدة للفكر. إن العقل والفهم ملكتان تنتجان الوحدة، ولكن الأشياء التي تردّ إلى الوحدة ليست هي نفسها فيهما. ذلك أن لمَلَكَة الفهم علاقة بالتجربة وبالموضوعات المعطاة في الحدس الحسّي، وتعمل على ردّ الظواهر إلى الوحدة بواسطة قواعد. أما العقل فليس له صلة مباشرة بالتجربة أو بالموضوعات، بل يرتبط بمَلَكَة الفهم، فيضفي على معارفها المتنوعة وحدة قبْلية من خلال مفاهيم، ومن دون أي استناد إلى التجربة(5). ولذلك ليست هناك استمرارية أنطولوجية للموضوعات تحت التراتب المعرفي للملكات(6). فما ترده مفاهيم مَلَكَة الفهم إلى الوحدة هو ظواهر الحدس، أما ما تردّه مبادئ العقل إلى الوحدة فهو مفاهيم مَلَكَة الفهم. ولذلك يمكن لمَلَكَة الفهم أن تخبرنا عن الطبيعة وتقول لنا شيئا عنها. أما العقل فيقتصر على تنظيم معارف مَلَكَة الفهم وتوحيدها في نسق، ولا يدلنا على أي شيء بخصوص الطبيعة. فالوحدة النسقية التي يتطلّع إليها ليست ضرورية لمعرفة الموضوع وتحديده، بل هي نابعة من حاجة ذاتية فيه.
يعتمد العقل في قيامه بهذه المهمة على مبدأ ذاتي (maxime) «لا يفرض على الموضوعات أي قانون ولاينطوي على أساس إمكان المعرفة بها وتحديدها»(7). يقتصر هذا المبدأ على تدبير موارد مَلَكَة الفهم، ويسعى إلى إضفاء الانسجام على استعمالها، «وليس من المشروع مطالبة الموضوعات نفسها بمثل هذا الانسجام (الوحدة) [...] أو إضفاء صلاحية موضوعية على ذلك المبدأ الذاتي»(8). يمكن أن نسمّي هذا المبدأ بمبدأ العلة (principe de raison) أو مبدأ المعقولية الكافية(9)
(principe de raison suffisante). وهو ينصّ على أن لكل أثر (effet) سبباً، ولكل شيء علةً لوجوده. يتضمن هذا المبدأ في ذاته صيرورته الميتافيزيقية، ذلك أن البحث عن المعقولية الكافية لحدث ما يعني ضمنياً أننا نضع نصب أعيننا مَثَلاً أعلى (idéal) لتفسير كل ما هو كائن. فليس لمبدئنا هذا أي سبب معقول لكي يتوقف عن الاشتغال، إذ عندما نجد علّة وجود حدث ما، يحثنا هذا المبدأ من جديد على البحث عن علّة هذه العلّة، وهكذا دواليك إلى أن نجد ـ إن أمكن ـ علّة قصوى أو سبباً أبعد ليس بعده سبب(10).
ينتهي التشغيل المتكرّر وغير المحدود لهذه الآلية المنطقية إلى فكرة تعقيل تام للواقع، أي خضوع الواقع بأكمله خضوعاً تاماً لهذا المبدأ المنطقي. يتخذ هذا التعقيل صورةَ بحثٍ عن اللامشروط، ذلك أن البحث من دون توقف عن علّة العلّة وسبب السبب، إنما يعني البحث في نهاية المطاف عن سبب أقصى لا يكون هو ذاته مشروطاً بأي سبب سابق، أي البحث عن بداية غير مشروطة.فإذا وقفنا على السبب الأقصى، أمكننا حينئذ التعقيل التام للواقع بأكمله.
يجد تشغيل العقل لهذا المبدأ المنطقي ترجمته المنطقية في الاستدلالات أو الأقيسة، ففيها يسعى العقل إلى تأسيس معرفة الجزئي (نتيجة الاستدلال) على الكوني (المقدمة الكبرى)، وهكذا بحركة صاعدة «يبحث العقل عن الشرْط الكلّي لحكمه (القضية المستنتجة)»(11). وعليه، فإن «العقل ببنائه لاستدلالاته يسعى إلى ردّ التنوع الكبير في معارف مَلَكَة الفهم إلى أقل عدد ممكن من المبادئ [...] فينتج بذلك أعلى وحدة»(12)، وبهذا يوسع معارف الفهم توسيعاً، ما كان تحليل مَلَكَة الفهم وحده ليسمح به. فعبر طريق الأقيسة الصاعدة (prosyllogismes) يبحث العقل عن «لامشروط المعرفة المشروطة لمَلَكَة الفهم، ذلك اللامشروط الذي به تكتمل وحدتها»(13). وبعبارة أخرى إنه يبحث عبرها عن المبادئ الأولى، ولذلك كان العقل بامتياز مَلَكَة مبادئ(pouvoir des principes) (14).
ينتهي العقل في بحثه عن اللامشروط إلى تكوين مفاهيم مختلفة تماما عن مفاهيم مَلَكَة الفهم. فإذا كانت هذه تصلح لعملية الفهم (comprendre) فإن الأولى تصلح لعملية الجمع (rassembler)، ذلك أنها لا تهتم إلاّ «بالكلية المطلقة في تركيب الشروط، فلا تتوقف إلاّ عند ما هو لامشروط بإطلاق، أي من جميع الأوجه»(15). وبهذه المفاهيم يسعى العقل إلى إنجاز الوحدة النسقية لمعارف مَلَكَة الفهم. يسمي كانط هذه المفاهيم بالأفكار (les idées)، ويعرّف الفكرة قائلاً: «أعني بالفكرة مفهوماً ضرورياً للعقل، لا يمكن أن يعطى في الحواس موضوع يطابقه»(16). فمفاهيم العقل إذن أفكار ترنسندنتالية، لأنها تعتبر كل معرفة أمبريقية محددة بكلّية مطلقة للشروط (totalité absolue des conditions)، وهي ضرورية، لأنها لم تنشأ اعتباطاً، بل هي نابعة من طبيعة العقل نفسه وبحسب قوانينه، ولذلك ترتبط بالضرورة باستعمال مَلَكَة الفهم، ولا غناء عنها لإنجاز الوحدة النسقية لمعارفها.
لكي ينجز العقل الوحدة النسقية فإنه، ومن خلال مبدأ المعقولية الكافية، يدعو مَلَكَة الفهم إلى الانتقال من المشروط إلى سلسلة شروطه، إذ أن العلّة الكافية لظاهرة أو حدث ما لا تحصل تماماً إلاّ بافتراض جميع مكونات السلسلة من جهة الشروط، ولذلك لا يهتم العقل إلاّ بالتركيب التراجعي للسلسلة من جهة الشروط، وليس بتركيبها التقدمي إلى جهة النتائج، لأن جماع الشروط يفترض من أجل إمكان المشروط(17).
تقودنا الأفكار الترنسندنتالية إذن للصعود في سلسلة الشروط حتى اللامشروط، ولذلك فالرباط بين الفكرة واللامشروط لا ينفك: «ما المفهوم الترنسندنتالي للعقل إلاّ مفهوم كلية الشروط بالنسبة لمشروط ما. ولما كان اللامشروط هو وحده الذي يجعل كلية الشروط ممكناً، وكانت هذه الكلية نفسها غير مشروطة، فإنه يمكن تعريف المفهوم الخالص للعقل بصفة عامة، بواسطة مفهوم اللامشروط، من حيث أنه يتضمن أساس تركيب المشروط».(18)
هذا اللامشروط، الذي يبحث عنه العقل في تتبعه لتركيب الشروط في سلسلة تراجعية، لا يمكن أن يُعطى في أية تجربة، ولا يمكن لأية سلسلة تراجعية تحترم قوانين السير التجريبي أن تصل إليه. لأن معرفتنا محصورة في نطاق الظواهر. ولأن المشروط ظاهرة فحسب، «فإن تراجعاً في سلسلة كافة شروط هذا المشروط تُفرض علينا عبْر هذا السبيل بوصفها مهمةً tâche»(19)، أي يكون على مَلَكَة الفهم أن تبحث عنها وتركّبها في مسلسل تدريجي قائم في الزمان، بحيث يتمّ الانتقال من مشروط إلى شرطه، ومن هذا الأخير بصفته هو الآخر مشروطاً إلى شرطه، وهلم جرا… وما التركيب المكتمل اكتمالاً مطلقاً إلاّ فكرة، إذ في التراجع التجريبي لا يمكننا أن نبلغ إلاّ شرطاً يجب اعتباره مشروطاً من الناحية الأمبريقية. وعلى ذلك فإن العلم مسلسل لا يقف عند محطة نهائية في البحث عن المعرفة. وهكذا فإن أفكار العقل ـ إن حُصرت في الاستعمال التوجيهي والتنظيمي ـ لا تعرقل عمل مَلَكَة الفهم. إنها لاتوسع البتة معارفنا، إذ أن مَلَكَة الفهم لاتعرف من خلالها ـ عن موضوعها ـ أكثر مما تعرفه بواسطة مفاهيمها.
ب. فكرة العالم
يستنبط كانط كما رأينا الأفكار الترنسندنتالية من بنية الاستدلالات أو الأقيسة(20)، حينما يطبّق عليها مبدأ المعقولية الكافية ـ السبب الكافي. تنشأ فكرة العالم من الضرب الثاني من ضروب القياس غير المباشر، وهو القياس الشرطي. يتكون هذا القياس ـ كما هو الشأن في كل الأقيسة ـ من ثلاث لحظات :
1) مقدمة كبرى تعطي القاعدة العامة، وهي من وضع مَلَكَة الفهم
2) مقدمة صغرى تعين شرط تطبيق القاعدة، أي كيفية إدراج معرفة تحت شرط القاعدة، وهذا إجراء تقوم به مَلَكَة الحكم.
3) نتيجة تحدد المقدمة الصغرى بواسطة القاعدة. أي أنها تضيف إلى الجزئي المدرج تحت شرط القاعدة محمول هذه القاعدة، وهذا هو عمل العقل.(21)
يتجلّى الدور المخصوص للعقل ـ عند بناء القياس ـ في النتيجة، فهو بالأساس مَلَكَة استنتاج (faculté concluante)، إذ هو يسعى دوماً إلى تصور الخاص تحت العام، ولكنه بماهيته (المتمثلة في بحثه عن المعقولية الكافية) لا يجد أي مبرر للتوقف عند محطة معينة في ارتقائه في تسلسل العلل، ولذلك يعتبر المقدمة الكبرى للاستدلال الذي أقامه، خلاصةً ممكنة لاستدلال أعلى ينبغي عليه أن يبنيه. وهكذا يرتقي باستمرار، وعلى نحو متدرج، من الخاص إلى العام، ومن هذا العام إلى ما هو أعم منه، حتى يصل إلى الكوني المطلق، أي إلى المقدمة الكبرى لجميع المقدمات الكبرى، وهي اللامشروط.
يقتضي القياس الشرطي في عملية الصعود تلك افتراضاً لا افتراض فوقه، أو لنقل شرطاً لا يتوقف البتة على شرط أعلى منه. وبعبارة أخرى، إن العقل يبحث في القياس الشرطي الصاعد عن لا مشروط التركيب الشرطي لمكونات سلسلة ما(22). والفكرة التي تتشكّل في نهاية مسار الصعود تتضمن الوحدة المطلقة لسلسلة شروط الظاهرة(23)، أو لنقل فكرة السلسلة الكاملة للشروط، وباختصار، فكرة العالم.
يبيّن هذا التحليل أن فكرة الكلية (totalité) التي تشمل كافة الظواهر، تنشأ في العقل على نحو طبيعي، وبموجب قوانينه الذاتية. إنها مجرد فكرة، أي أنها مفهوم ضروري للعقل، ولكن موضوعها لا يمكن أن يُعطَى في أية تجربة، وكل ما يمكن أن يُقال عنها لا يمكن إثباته أو إبطاله بالتجربة. ومع ذلك فهي فكرة مفيدة إذا حصرت في نطاق الاستعمال التنظيمي والتوجيهي لمعارف مَلَكَة الفهم، إذ أن العقل حينها سيحث بواسطتها مَلَكَة الفهم على مواصلة البحث وتوسيعه، سعياً إلى الإمساك بالسلسلة التامة للشروط في خطٍ صاعد.
تكمن المشكلة في أن العقل لا يستعمل هذه الفكرة ـ وكذلك الأفكار الأخرى ـ لتحقيق رغبته الأصلية المتمثّلة في إضفاء الوحدة النسقية على معارف مَلَكَة الفهم فقط، بل يتجه ـ بموجب ميل طبيعي فيه ـ إلى الاعتقاد في موضوعيتها، ولأن التجربة لا يمكن أن تقدم لنا هذا الموضوع في الحدس، فإن العقل ينسب لها وجودا قائما خارج حدود التجربة. «ما يرمي إليه العقل (= اللامشروط) لا يمكن أن يُشبع تماماً بالاستعمال المحدود للتجربة الذي تبقى مَلَكَة الفهم الخالصة منحصرة فيه. فكل تجربة فردية ما هي إلاّ جزء من النطاق التام لمجالها. غير أن الكلية المطلقة لكل تجربة ممكنة ليست هي نفسها تجربةً [...] إن مفاهيم العقل تنطبق على التمامية، أي على الوحدة التامة لكلّ تجربة ممكنة، وبذلك تتخطى كل تجربة معطاة، فتصير متعالية»(24)، إن رغبة العقل الذاتية تقوده إلى السقوط في الوهم (l’apparence)، حينما يستعمل الأفكار ـ ومنها فكرة العالم ـ خارجَ وظيفتها الأصلية (= التنظيم والتوجيه)، وبذلك تكون ادّعاءات ليس لها أيةُ مشروعية.
لنقارن بين عمل مَلَكَة الفهم وعمل العقل لكي يتضح الأمر:
إن لمَلَكَة الفهم قواعد (règles)، وهذه القواعد فارغة، تقتصر على رسم إطار تنتظم فيه معطيات الحدس، وبناء على ذلك لا تذهب من العام إلى الخاص عبر المفهوم. وبعبارة أخرى، إن قواعد مَلَكَة الفهم لا يمكن أن تربط الظواهر من دون العودة إلى التجربة وإلى الحدس، أي أنها لا تستنبط ما هو خاص (جزئي ـ عيني) من العام، أو قل لاتستنبط الوجود من الفكر(25). وبالمقابل فإن العقل يسعى إلى الانتقال من العام إلى الخاص، ومن الفكر إلى الوجود، بقوة الاستدلال فقط، على نحو قبْلي خالص، أي من دون عودة إلى التجربة(26). إنه ينجز هذه النقلة اعتماداً على «المفهوم» فقط، وليس من خلال الحدس، كما تفعل مفاهيم مَلَكَة الفهم. إن بنيته المنطقية تدفعه، على نحو لايُقاوم، إلى أن يتخطّى نفسه نحو الأنطولوجيا، فينتقل من المنطق الصوري إلى الوجود الفعلي. والسند الذي يعتمد عليه لإنجاز هذه النقلة، عبارة عن مبدأ تركيبي يقول: «إذا كان المشروط معطى، فإن سلسلة الشروط التابعة لبعضها البعض ـ والتي هي نفسها غير مشروطة ـ معطاة كذلك»(27).
بموجب هذه النقلة تفقد فكرة العالم وضعية كونها فكرة، أي مطلبا ذاتيا ـ ولكنه ضروري ـ للعقل البشري، وتتحول إلى موضوع ينشئ العقل بصدده ـ معتمدا على المبدأ المذكور أعلاه ـ قضايا تركيبية مختلفة، بل ومتناقضة، لا تستطيع مَلَكَة الفهم أن تحسم فيها بأي شيء إنْ تصديقاً أو تكذيباً. وعندئذ لا تبقى فكرة العالم صالحة لإكمال الاستعمال التجريبي لمَلَكَة الفهم، بل يصطنع العقل من خلالها موضوعاً، مادتُه ليست مستمدّة من التجربة، وواقعه الموضوعي لا يستند إلى إكمال السلسلة التجريبية، بل إلى مفهوم قبْلي خالص. وهكذا تصبح هذه الفكرة مبدأ مكوِّناً (principe constitutif) لمعرفة ترنسندنتالية، وليس مبدءاً منظماً لها، أي فكرة في خدمة العلم. على هذا النحو يسقط العقل في الوهم الترنسندنتالي فيعتبر موضوعاً للمعرفة ما يجب أن يكون مجرد حافز لمَلَكَة الفهم وموجّه لبحثها.
ج. السببية حرية
إن العقل إذ ينشئ فكرة ويجعل منها صَنَماً، يشغّل بصددها مقولات مَلَكَة الفهم تشغيلاً به يحرّرها من قيود التجربة الممكنة ويوسع استعمالها إلى ما وراء حدودها. فهو يطالب ـ بخصوص مشروط مُعطى ـ بالكلية المطلقة (totalité absolue) من جهة الشروط. «وعلى هذا النحو يجعل من المقولة فكرة ترنسندنتالية لكي يضفي التمامية المطلقة (complétude absolue) على التركيب الأمبريقي، وذلك بمواصلة هذا التركيب حتى اللامشروط، (الذي لايتم بلوغه إلاّ في الفكرة فقط، وليس في التجربة أبداً)»(28). فاللامشروط دائماً هو ما يبحث عنه العقل في تتبعه لتركيب الشروط في سلسلة تراجعية.
يمكن تصور هذا اللامشروط بطريقتين :
1ـ إما أنه يوجد فقط في السلسلة بأتمها، والتي ستكون جميع مكوناتها ـ بلا استثناء ـ مشروطة، واللامشروط عندئذ سيكون هو كلية السلسلة. في هذه الحالة لن يكون للتراجع نهاية.
2ـ وإما أن يكون مجرد جزء من السلسلة، فتكون المكونات الأخرى لهذه السلسلة تابعة له، ولكنه هو نفسه لا يخضع لأي شرط آخر، وفي هذه الحالة هناك حدّ أول للسلسلة يقف عنده التراجع.(29)
إن مقولة السببية وحدها ـ من بين مقولات العلاقة الفعلية بين الظواهر ـ تناسب الفكرة الترنسندنتالية، أي فيها وحدها يجد العقل حافزاً لمواصلة السير تراجعياً نحو الشروط، ذلك أنها «تزود أثراً مُعطى (effet donné) بسلسلة أسباب، بحيث يمكننا أن نصعد من هذا الأثر، باعتباره مشروطاً، إلى أسبابه باعتبارها شروطاً»(30)، والعقل إذ يمدّ هذه السلسلة إلى طرفها الأقصى ينتج فكرة سببية غير مشروطة، تُسمَّى تلقائية مطلقة، أي حرية.
تُسمَّى الأفكار المتعلقة بفكرة العالم ـ ومنها فكرة الحرية ـ أفكاراً كوسمولوجية لاعتبارين:
1ـ لأننا نعني بالعالم المجموع الشامل لكافة الظواهر، ولأن هذه الأفكار لا تَتَغَيَّا اللامشروط إلاّ بين الظواهر.
2ـ ولأن العالم بالمعنى الترنسندنتالي يدل على الجماع المطلق لكافة الأشياء الموجودة، ولأن ما نسعى إليه عبر الأفكار هو تمام التركيب بالتراجع نحو الشروط(31).
على أن اللامشروط الذي ترمي إليه مقولة السببية في التراجع ليس هو اللامشروط الرياضي المتعلق بمقدار العالم، بل هو اللامشروط الدينامي المتعلق بوجود الظواهر. إن فكرة الحرية إذن كوسمولوجية، لأنها ـ إلى جانب أفكار أخرى ـ تجد موضوعها في العالم المحسوس، وهي من هذه الناحية محايثة وليست متعالية، إلا أنها من ناحية أخرى توسع العلاقة بين المشروط وشرطه (علاقة الأثر بالسبب) إلى حد يتجاوز التجربة، وهنا تصير فكرة لا يمكن لموضوعها أن يعطى على نحو مطابق في أية تجربة(32). إن العقل إذن في تتبعه لتسلسل مقولة السببية في الظواهر، يرتقي في سلسلة الأسباب إلى أن يصل إلى حد أول. وهذا الحد:  إما أن يكون هو كلية السلسلة. وإما أن يكون حدّاً ليس من نفس نوع مكونات السلسلة بكاملها.
في هذا الشكل من الاستدلال الجدلي تتخذ المقدمة الكبرى للقياس الشرطي الصورة الآتية:
«إذا كانت (أ) إذن (ب)» حيث (أ) تمثل المشروط الذي يعطى لنا في التجربة، و(ب) تمثل اللامشروط الذي يرمي إليه العقل، وهذا اللامشروط إما أن يكون هو الحدّ الأول في سلسلة الشروط، وهذا ما تنصّ عليه الأطروحة (la thèse)، وإما أن يكون هو السلسلة التامة، وهذا ما تنصّ عليه الأطروحة النقيض (l’antithèse)(33). إن استدلال العقل هنا يفسح المجال لنزاع (هو الثالث) بين أطروحة لا أمل لنا في أن نجد ما يؤكدها في التجربة، ولاخشية عليها من الإبطال، فهي خالية من التناقض، بل هي تجد في طبيعة العقل ضرورتها، ولكنه في الآن نفسه يتيح المجال كذلك لقضية أخرى معارضة للأولى، وتستند هي الأخرى إلى أدلة تتمتع بالصلاحية والضرورة(34).
على أن التناقض بين هاتين القضيتين ليس مردّه إلى صورة الاستدلال الشرطي مباشرة، بل إلى البرهان الذي يكون في الحالتين برهاناً بالردّ إلى المحال (par absurde). فالموضوعة (القائلة بالحرية) تفترض الأطروحة النقيض (القائلة بأن الكل طبيعة) وتبين أنها تفضي إلى المحال (l’absurdité)، لكي تثبت صدقها، ونفس الأمر تفعله الأطروحة النقيضة.
لنوضح الأمر من خلال البرهان على الأطروحة. تنصّ الأطروحة في هذا النزاع الثالث على أنه: «ليست السببية التي تفعل فعلها بمقتضى قوانين الطبيعة هي الوحيدة التي منها يمكن اشتقاق ظواهر العالم منظوراً إليها في كليتها، ومن الضروري أيضاً أن نسلّم بسببيةِ حريةٍ بغرض تفسيرها»(35).
يقوم برهان الأطروحة على إثبات أن الأطروحة النقيضة تناقض نفسها، فالأولى تكتسب قوتها من إثبات تهافت الثانية، إذ لو لم يكن هناك سببية أخرى غير تلك التي تفعل فعلها بمقتضى قوانين الطبيعة، لَـمَا كان هناك مبرر للتوقف في سلسلة الأسباب المفسرة لحدثٍ ما، ولَـمَا كانت هناك أبداً بدايةٌ أولى، بل فقط بداية ثانوية (commencement subalterne)، وبذلك لن يكون هناك عموماً أي تمام للسلسلة من جهة الأسباب المتولّدة عن بعضها البعض. والحال أن قانون الطبيعة نفسه ينصّ على أنه «لا شيء يحدث من دون سبب محدد قبْلياً تحديداً كافياً»، وعليه، فإن القضية القائلة بأن كل سببية لن تكون ممكنة إلا بمقتضى قوانين الطبيعة، تناقض نفسها بنفسها إن اعتبرت كونية. ولذلك لا يمكن التسليم بها بوصفها السببية الوحيدة. «بناء على ذلك يلزم التسليم بسببية بواسطتها يحدث شيء ما، دون أن يكون السبب المحدد بدوره بسبب سابق بمقتضى القوانين الضرورية، أي يلزم التسليم بتلقائية مطلقة للأسباب، تتمثل في أن يبدأ (السبب) من تلقاء ذاته سلسلةَ ظواهر تجري بمقتضى قوانين الطبيعة، وتبعا لذلك بحرية ترنسندنتالية من دونها لا يكون التعاقب المتسلسل للظواهر تاماً من جهة الأسباب حتى في مجرى الطبيعة»(36).
إن سؤال، هل الحرية ممكنة، سؤال كوسمولوجي، أي سؤال يضعه العقل بخصوص فكرة العالم، أي فكرة الكلية اللامشروطة بإطلاق لتركيب الظواهر، وميزة الأسئلة الكوسمولوجية تتمثل في أنها تتعلّق بموضوع لايمكن أن يُعطى إلاّ في أفكارنا (وليس في أية تجربة ممكنة)، ولذلك علينا أن نبحث عن حل لها في فكرتنا نفسها وليس خارجها (أي فكرة العالم). يضعنا ذلك السؤال أمام نزاع تجسّده قضيتان متعارضتان. ذلك أن العقل إذ يرتد في سلسلة الأسباب إلى سبب غير مشروط يشكل فكرة عن تلقائية مطلقة بواسطتها يتصور أنه يبدأ بداية مطلقة سلسلةَ شروطٍ ماثلة في الظاهرة، من خلال ما هو غير مشروط حسّياً. وهذا ما يوقعه في تناقض مع قوانينه الخاصة التي يفرضها على الاستعمال الأمبريقي لمَلَكَة الفهم. والسؤال الذي يفرض نفسه عندئذ هو: هل القول بسببية بحرية يتناقض فعلياً مع السببية وفقاً للطبيعة؟ وبعبارة أخرى، هل يمكن للحرية أن توجد في آن واحد مع قانون السببية الطبيعي الذي هو قانون كوني؟
د. رفع التناقض
قلنا إن حَل هذا النزاع يجب البحث عنه في الفكرة نفسها وليس خارجها. يتعلق الأمر في القضيتين المتنازعتين المذكورتين بادعاءين متعارضين لا يمكن لأية تجربة
ـ بالغاً ما بلغ امتدادها ـ أن تكشف لنا عن صواب أحدهما وعدم دقة الآخر، فإحداهما تثبت، والأخرى تنفي، ومدار الإثبات والنفي عبارة عن كلية مطلقة (كلية الظواهر) لا يمكن أن يُعطى لنا في أية تجربة، أي عبارة عن فكرة (فكرة العالم).إنهما معا يفترضان شيئاً محالاً، وهو: وجود الظواهر (موضوعات العالم المحسوس) بوصفها أشياء في ذاتها. والحال أن الظواهر وجميع موضوعات التجربة الممكنة بالنسبة لنا ما هي إلاّ تمثلات ليس لها خارج تصوراتنا أيّ وجود في ذاته. وبناءً على ذلك، فإن حل النزاع المذكور لا يتوقف على اختيار يتخذ صيغة «إما… وإما… » دون وجود طريق ثالث (طبقاً لمبدأ الثالث المرفوع) بحيث يكون لزاماً علينا أن نختار واحدة من القضيتين، بل الحل يكمن في رفع التناقض.
إننا في هذا النزاع أمام نقيضة دينامية(37)، ورفع التناقض هنا ينبني على التمييز بين الظواهر والأشياء في ذاتها، إذ يمكن للدعوى أن تثبت اللامشروط باعتباره شيئاً في ذاته خارج سلسلة الظواهر (الحرية)، والأطروحة النقيضة من جهتها يمكنها أن تنفي اللامشروط لكي تثبت الضرورة في سلسلة الأسباب الطبيعية بأكملها. وهكذا فالتمييز بين الظاهرة والشيء في ذاته يسمح بالاحتفاظ بالقضيتين معاً، لأن التناقض بينهما ظاهري فحسب، فخطأ الافتراض الذي يستند إليه النزاع يتمثل في أن: «ما هو متوافق يتمّ تمثّله على أنه متناقض»(38).
تحيل الصفة «دينامي» على وجود الأشياء التي لايمكن عرضُ الارتباط بينها قبْلياً في الحدس. ولما كانت الأطروحة (في النقيضة الثالثة) تربط ما هو غير متجانس في مقولة السببية، فإن ذلك هو ما يسمح لها بربط أثر معطى في واقعة الظاهرة (effet phénoménal) بسببٍ لا يمكن أن يعطى في الحدس، أي بشيء في ذاته ينتمي إلى عالم آخر هو العالم المعقول. أي أن «التسلسل الدينامي للشروط الحسّية يسمح بشرط غير متجانس لا يكون هو نفسه جزءاً من السلسلة، بل يقع، بما هو شرط معقول على نحو خالص، خارج السلسلة»(39). على هذا النحو يمكن وضع اللامشروط على رأس الظواهر، فيحصل العقل على الرضى، دون إحداث قطيعة في التسلسل على نحو يناقض مبادئ مَلَكَة الفهم.
يتمثل الحل النقدي إذن في بيان أن الأطروحة والأطروحة النقيضة ليستا «متناقضتين»، بل «داخلتين تحت التضاد»، إذ يمكن أن نثبت مع الأطروحة النقيضة أن الآلية صالحة صلاحية تامة في العالم المحسوس من حيث هو ظاهرة، في حين أن الحرية التي تقول بها الأطروحة يمكن التفكير فيها من دون تناقض، في العالم المعقول من حيث هو نومين (noumène). إن هذا الحل يعني في نهاية المطاف التمسك بالعقلانية
(= إمكانية العلم) وبالحرية (=إمكانية الأخلاقية) في آن واحد(40). كما أنه هام جداً بالنسبة للفلسفة العملية، ولهذا نجد الكِتاب العمدة لهذه الفلسفة وهو (نقد العقل العملي) يُحيل عليه، لأنه حافظ من الناحية النظرية على إمكان عالم معقول، انطلاقاً منه يمكن للكائن العاقل أن يمارس سببية حرّة تحدث آثاراً في العالم المحسوس(41).
لقد فرغنا الآن من تحليل القضايا الأربع التي تَحدثنا عنها في بداية هذا الفصل، وبقيت قضية خامسة بها نختتمه، وهي تنصّ على أن البُعْد الخلقي حاضر في حل النقيضة الثالثة.
هـ. الطابع المزدوج للإنسان
يتجلّى البُعْد الخلقي لحل النقيضة الثالثة في القول بالطابع المزدوج للإنسان: «طابع معقول» و«طابع أمبريقي». قبل عرض هذه النظرية من اللازم أن نشير إلى أن الأمر يتعلّق في النقيضة الثالثة بمشكل سبب الظواهر في العالم، وليس بسبب العالم (= موضوع النقيضة الرابعة). للحرية في هذا النطاق معنى كوسمولوجي، إذ هي تعني «قدرة (تستطيع) بالاستناد إلى ذاتها أن تبدأ حالة سببيتها لا تخضع بدورها ـ وفقا لقانون الطبيعة ـ إلى سبب آخر يحدّدها في الزمان»(42). الحرية بهذا المعنى فكرة خالصة ترنسندنتالية، لأنها لا تنطوي على أي شيء مستمد من التجربة، ولأن موضوعها لا يمكن أن يُعطى على نحو محدّد في أية تجربة. إن العقل يخلق بنفسه فكرة عن تلقائية (spontanéité) قادرة على أن تبدأ من ذاتها فعلاً، دون الحاجة إلى سبب آخر سابق عليها ليدفعها للفعل وفقاً لقانون الارتباط السببي. تجيز لنا هذه الفكرة «أن نجعل سلاسل مختلفة تبدأ من تلقاء ذاتها، من وجهة نظر السببية في وسط مجرى العالم، وأن نعزو إلى جواهرها قدرة على الفعل بحرية»(43). فالبداية الأولى بإطلاق يجب أن لا تفهم بالنظر إلى الزمان، بل بالنظر إلى السببية. وبناء على هذا الفهم يمكننا أن نقول إن فعلاً ما (النهوض عن الكرسي مثلاً) يتم الإقدام عليه دون تدخّل الأسباب الطبيعية، وأنه مع هذا الفعل تبدأ سلسلة جديدة بداية مطلقة، رغم أن هذا الفعل ما هو، بالنظر إلى الزمان، إلاّ امتداد لسلسلة سابقة(44).
لا تناقض إذن بين الآلية والحرية. تستند الأولى إلى مبدأ «يثبت الارتباط الشامل بين جميع أحداث العالم المحسوس بحسب القوانين الثابتة للطبيعة»(45)، وهذا مبدأ برهنت عليه التحليلات الترنسندنتالية بَرْهَنة لم يبقَ فيها مجال للشك. أما الثانية فهي فكرة ترنسندنتالية قابلة للتفكير (=ممكنة منطقياً)، وليست موضوعاً للمعرفة، إنها قانون لعالم آخر هو العالم المعقول، عالم الأشياء في ذاتها. لكن هل يعني هذا أنه ليس للحرية أي تأثير أو فعل في العالم المحسوس؟ ألا يمكن للحرية والآلية أن يلتقيا في الحدث نفسه وفي الآن نفسه؟
إن الحل النقدي للنقيضة الثالثة، والذي انتهى إلى إثبات الإمكان المنطقي للحرية الترنسندنتالية(46)، هام جداً بالنسبة للأخلاق. إذ لو كانت تلك مستحيلة لما كانت هناك حرية عملية(47)، ولما كانت مسؤولية الناس عن أفعالهم مفهومة ولا مقبولة. إن الإنسان ليس مجرّد حيوان، صحيح أن القدرة على الاختيار عنده حسّية (arbitrium sensitivum). لكن الحساسية لا تجعل فعله ضرورياً، فهو يتوفر على قدرة تمكّنه من أن يحدّد نفسه بنفسه باستقلال عن الإكراه الذي تمارسه عليه الميول الحسّية.
يسهل علينا تصوّر هذا الأمر إذا استحضرنا في أذهاننا أن الظواهر المحكومة بقوانين الطبيعة ليست أشياء في ذاتها، وأن أساسها الذي يحددها بوصفها مجرد تمثلات عبارة عن موضوع ترنسندنتالي، وبناء على ذلك «ليس هناك ما يمنع من أن ننسب إلى هذا الموضوع، بالإضافة إلى الخاصية التي بفضلها يظهر (se phénoménalise)، سببية ليست عبارة عن ظاهرة، وإن كان أثرها مع ذلك يوجد في الظاهرة»(48).
على هذا الأساس يمكن أن ننسب للإنسان بما هو ذات توجد في العالم المحسوس (sujet du monde sensible) سببيةً مزدوجة:
1ـ سببية محسوسة، بمقتضاها ستكون أفعاله، من حيث هي ظواهر، مترابطة مع ظواهر أخرى بحسب القوانين الطبيعية، بحيث يمكن استنباط أفعاله تلك من هذه الظواهر باعتبارها شروطاً لها، وفي ارتباطها بهذه الظواهر تشكل سلسلة وحيدة في نظام الطبيعة. يُسمّي كانط هذه السببية بالطابع الأمبريقي.
2ـ سببية معقولة، بموجبها يبدأ ـ من حيث هو عضو في عالم معقول ـ فعله من ذاته، فيكون بذلك هو المسبب لأفعاله باعتبارها ظواهر، ولكنه هو نفسه ليس خاضعاً لأي شرط حسّي. يُسمّي كانط هذه السببية بالطابع المعقول(49).
تضع نظرية الطابع المزدوج بين أيدينا أساسا به ننظر إلى الذات الفاعلة من وجهتي نظر مختلفتين للذات الفاعلة:
1ـ بحسب طابعها الأمبريقي ستكون الذات ـ بما هي ظاهرة ـ
خاضعة لجميع قوانين الاقتران السببي. إنها من وجهة النظر هذه جزء من العالم المحسوس الذي تخضع جميع الآثار والظواهر فيه للضرورة الطبيعية، وتبعاً لذلك ستمارس الظواهر الخارجية تأثيرها عليها؛ وطابعها الأمبريقي هذا يمكن أن يعرف بالتجربة، كما أن كافة أفعالها يمكن أن تُفسَّر بحسب قوانين الطبيعة(50).
2ـ بحسب طابعها المعقول يمكن أن يُقال عن هذه الذات أنها غير خاضعة لأي شرْط زمني، إذ الزمان شرْط للظواهر فقط، بينما هي شيء في ذاته، ولذلك لن يحدث فيها أو يفنى أي فعل أو أي تغير يقتضي تحديداً دينامياً زمنياً. ستكون الذات من هذه الزاوية مستقلّة في أفعالها ومتحرّرة من الضرورة الطبيعية، وسيصحّ أن يُقال عنها إنها تبدأ من تلقاء ذاتها آثاراً في العالم المحسوس من دون أن يبدأ الفعل فيها.(51)
وهكذا يمكن أن نخلص إلى أن «الحرية والطبيعة، كل منهما بدلالتها التامة، سيتواجدان في الآن نفسه، ومن دون تناقض، في الأفعال نفسها»(52). على أن هذه «الطريقة في القول»(53) لا تدل أبداً على أننا نعرف هذه السببية المعقولة أو أننا أثبتنا وجودها أو حتى إمكانها الفعلي. إن العقل يفكر فيها فقط، وهو يكون فكرة عنها لأنه بالضبط مَلَكَة تلقائية متميزة عن الملكات المشروطة أمبريقياً، فهو «لا يتبع نظام الأشياء كما تمثل في الظاهرة، بل يخلق بنفسه، وبتلقائية تامة، نظاماً خاصاً به، وفقاً لأفكار يعمل على كل الشروط الأمبريقية موافقة لها، وبناء على هذه الأفكار يذهب إلى حدّ اعتبار أفعال لم تحدث، وقد لا تحدث، أفعالاً ضروريةً»(54).
نخلص في ختام هذا الجزء الأول إلى أن ما يدفع العقل إلى تخطي حدود التجربة والظواهر، إنما هو اللامشروط، فهو نزّاعٌ بطبيعته إلى إيجاد موطئ قدم ثابت وراء حدود التجربة، ومسعاه هذا مسعى مشروع وليس معيباً في حد ذاته. إنه يتخطى التجربة لأنه مَلَكَة تلقائية لا صلة لها مباشرة بموضوعات التجربة، بل له صلة بمعارف مَلَكَة الفهم؛ وغَرَضُه من تتبع سلسلة الشروط صعوداً حتى اللامشروط هو تنظيم تلك المعارف في نسق. لكنه يضفي على قواعده الذاتية (maximes) صلاحية موضوعية، فيحوّل أفكاره إلى موضوعات وينسب لها وجوداً خارج إطار التجربة، أي يحولها من مبادئ منظِّمة (régulateurs) إلى مبادئ مكوِّنة (constitutifs). يبيّن النقد أن العقل ليس له قدرة على معرفة اللامشروط، ولكنه يقرّ بمشروعية التفكير فيه (أيّ تصوره دون سقوط في التناقض). إن مجازفة العقل التأملي بتخطي حدود التجربة لا تفضي إلى توسيع استعمال العقل، بل إلى تضييقه. إذ أن هذا التخطي يهدّد الاستعمال الخالص العملي للعقل ويعرّضه لخطر الإلغاء(55). بهذا يصدُّ النقدُ العقلَ التأملي عن معالجة مسائل تنتمي إلى مجال الحرية بآليات صلاحيتها مقصورة على مجال الطبيعة. وعلى هذا النحو يكون نقد الادّعاءات اللامشروعة للميتافيزيقا تمهيداً وتوطيداً للأرض المخصّصة لاستقبال بنيان الأخلاق الجليل(56).
II. الحرية أساساً عملياً
لم يُفْض الطريق التأملي الذي سلكه العقل إلى إثبات واقعية الحرية، بل هو لم يُفْض إلى إثبات إمكانها الواقعي حتى، فاكتفى بتقرير إمكانها المنطقي (أي عدم تناقضها). لذلك يجب البحث عن نقطة ارتكاز في مجال آخر، اعتماداً عليها يمكن نقل الحرية من نطاق الإمكان المنطقي إلى نطاق الواقع الموضوعي. فهل توجد نقطة الارتكاز هذه في المجال العملي؟ لا تقدم لنا نصوص كانط جواباً واحداً عن هذا السؤال، بل أربعة أجوبة نجد فيها تصورات مختلفة للحرية، ولكنها جميعاً تندرج تحت مُسمَّى الحرية العملية. سنحاول في هذا الفصل تبيان الفروق بين هذه التصورات متسائلين بذلك عن وحدة المفهوم.
أ. حرية الاختيار (Libre arbitre)
قدمت النقيضة الثالثة تصوراً عاماً للتمييز بين الحرية العملية والحرية الترنسندنتالية. في نصّ «”قانون” العقل الخالص» (Canon de la raison pure) نجد هذا التمييز مفصّلاً. إن العقل كما رأينا نزاع بطبيعته إلى تجاوز استعماله الأمبريقي، وهذا النزوع الجدلي الطبيعي هو ما يجرّه إلى السقوط في النقائض والأوهام. وراء هذا النزوع مصلحة عملية وليس مصلحة تأملية. فالهدف الأخير الذي يصل إليه تأمل العقل في استعماله الترنسندنتالي هو الموضوعات المتعالية التالية: حرية الإرادة وخلود النفس ووجود الله. تكاد المصلحة النظرية لهذه الموضوعات تكون منعدمة، إذ يستحيل أن نستعملها استعمالا يثبت فائدتها في دراسة الطبيعة(57).
للاستعمال التأملي للعقل قاعدة تلزمنا بأن «لا نهمل الأسباب الطبيعية، وألا نتخلّى عما يمكن أن تعلمنا إياه التجربة، لكي نشتق شيئاً نعرفه مما يتخطى تماماً معرفتنا بأكملها»(58)، وبناء على هذه القاعدة نحن ملزمون فيما يتعلق بالظواهر التي هي تعبيرات عن فعل الإرادة (vouloir)، بأن لا نفسرها تفسيراً يخالف تفسيرنا لظواهر الطبيعة الأخرى(59).
ليس للحرية الترنسندنتالية إذن أي استعمال محايث، أي ليس لها أي استعمال مفيد بالنسبة لموضوعات التجربة، إذ لا يمكن افتراضها أمبريقياً لتفسير الظواهر، فهي تقتضي «استقلال العقل نفسه (من حيث قدرته على أن يبدأ سببياً سلسلة من الظواهر) عن جميع الأسباب المحددة في العالم المحسوس، وهي من هذا الجانب تبدو مناقضة لقانون الطبيعة، وتبعاً لذلك لكل تجربة ممكنة، ولذلك فهي تظلّ مشكلة. لكن هذا المشكل لايعني العقل في استعماله العملي [...] إن السؤال المتعلّق بالحرية الترنسندنتالية لا يخصّ إلا المعرفة التأملية savoir spéculatif(*)، ويمكننا أن نتركه جانباً بوصفه عديم الأهمية عندما يتعلّق الأمر بالعمل»(60).
إن أهمية تلك الموضوعات الثلاث ـ ومنها الحرية ـ تهمُّ المجال العملي تخصيصاً. ففائدة الحرية إذن تتجلّى في العمل، إذ هي تصلح سنداً للحرية العملية. يعرّف كانط ما هو عملي (le pratique) بأنه «كل ما هو ممكن بواسطة الحرية»(61)، والحرية بالمعنى العملي هي «استقلال القدرة على الاختيار (l’arbitre) عن الإكراه الذي تمارسه ميول الحساسية»(62). للحرية والعملي هنا معنى واسع يشمل التجربة السيكولوجية لحرية الاختيار ويطال الأفعال البرغماتية والخلقية. يقول كانط: «إن كانت شروط ممارسة حرية اختيارنا (notre libre arbitre) أمبريقية، فإن العقل لا يمكن أن يستعملها إلا استعمالاً منظماً (usage régulateur)،  فلا يستخدمها إلا لتحقيق وحدة القوانين الأمبريقية، وهكذا مثلاً في مذهب الفطنة (la doctrine de la prudence) يتمثل عمل العقل بأكمله في توحيد جميع الغايات التي ترمي إليها ميولنا في غاية واحدة، وهي السعادة، وكذا تأليف الوسائل الكفيلة ببلوغها . لا يمكن للعقل أن يقدم بخصوص هذه الوجهة (destination) إلا قوانينَ برغماتية للسلوك الحر، بغرض الوصول إلى الغايات المطلوبة من قبل الحواس، وليس قوانين خالصة محددة قبليا بالكامل»(63).

……… التتمة في العدد

الظروف الموضوعية لظهور المواطنة في أوروپا
بلخضر مزوار 

كان انتصار التوجّه الليبرالي للمجتمع القائم على مبدأ تأكيد وجود الفرد، أي استقلاليته المشروعة تجاه المجموعة، بلا شك من بين أهم التحولات التي طبعت المجتمع الأوروبي منذ عصر النهضة. سنتتبَّع في هذا النص مسار فَرْدَنَة (individualisation) الإنسان الأوروبي كشرْط موضوعي لظهور فكرة المواطنة باعتبارها إعادة تعريف لعلاقة الفرد بالجماعة، وكذا علاقة المدني بالسياسي.
يعرض المجتمع الأوروبي القروسطي صورة غير تلك الصورة الحديثة التي نعرفها حالياً. فكما يكتب عالم القروسطيات: غوريفيتش (A. I. Gurvitch): «لم يكن ينظر الإنسان إلى نفسه كشخصية مستقلة، كان ينتمي إلى مجموعة عليه أن يؤدي فيها وظيفته. كانت الأدوار الاجتماعية في المجتمع الإقطاعي دقيقة وتستغرق الفرد كلية. كانت تُُعتبر قدرَه. إنها قوة عليا كانت تستدعي الإنسان للإستجابة لها وتحقيقه في كليته. كانت تعبّئ قدراته الذاتية لأفضل تحقيق ممكن لمصيره الاجتماعي»(1).
اتخذ تحديث الرابط الاجتماعي في أوروبا مساراً طويلاً بدأ مع النهضة وامتد لعدّة قرون. والنهضة نفسها امتدت فترة طويلة، بدأت من نهاية القرن الرابع عشر إلى غاية القرن السادس عشر تقريباً. غير أن المؤرخين يفضلون تحديدها في القرن السادس عشر. لماذا بالضبط هذا القرن؟
لأن هذا القرن شهد الإنتقال من أوروبا التقليدية إلى أوروبا الحديثة، أو من الإقطاعية إلى الرأسمالية كما يتفق عليه أغلب الدارسين. باختصار كان القرن السادس عشر قرنُ الإنتقال التدريجي من المجتمع التقليدي، من الجماعة (communauté)، نحو المجتمع الحديث من جهة، وانتقال الإنسان الأوروبي من الشخص المحدد مراتبياً إلى الفرد الحرّ، من جهة أخرى. كان هذا التحوّل متعدد الأبعاد، ولكن قبل عرض الأشكال التي اتخذتها عملية التحديث في أوروبا، يجب أولاً الحديث عن ماهية الحداثة.
تعبر الحداثةُ عن تصور جديد للعالم يفترض إعادة تعريف القيم التي اعتقدنا أنها راسخة ونهائية. وما دامت الحداثة مرتبطة تاريخياً بعصر الأنوار، يمكن التعرّف على طبيعتها بالرجوع إلى هذا المفهوم. يعرّف الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الأنوار (Aufklärung) كخروج للإنسان من قصوره أو عجزه حيث يقول: «ما هي الأنوار؟ هي خروج الإنسان من قصوره، الذي يعتبر مسئولا عنه. القصور، أي عدم قدرته على استعمال ذهنه دون توجيه من الغير [...] بما أن سبب ذلك ليس عيبا في الذهن، بل في افتقاد القرار والشجاعة لاستعماله دون توجيه من الغير. فلتكن لك الشجاعة لاستعمال ذهنك! هذا هو شعار الأنوار»(2). (Sapere aude!).
بهذا القول أدان الفيلسوف عدم قدرة الإنسان على استغلال إمكاناته الخاصة، ولم يقبل كانط رؤية الإنسان باعتباره مسيّراً، ومضطراً، فهو يدعوه للعمل على تحرير مصيره الشخصي والسيطرة عليه.
أما ماكس ڤيبر، فقد استعاد ورسّخ تعبير ماكس شيللر عندما كتب أن الحداثة تتمثّل في نزع القداسة عن العالم (désenchantement du monde)، أي تجريده من غموضه وسحره بواسطة العقلنة المتزايدة للحياة الاجتماعية وإضفاء الطابع البيروقراطي عليها. إذ بدأت المجتمعات، تحت تأثير العلوم،  تفقد معنى السرّ الغيبي والقناعات الأخلاقية التقليدية. لا يقوم هذا التوصيف الڤيبري سوى باستعادة مبدأ ديكارت الذي يعتبر أن مشروع الحداثة يتمثل في «سيطرة الإنسان على الطبيعة»، باعتبار أن الله بالنسبة له قد خَلَقَ العالم فعلاً ولكن ترك للإنسان إستقلاليته. إنها الفكرة الديكارتية الشهيرة عن حركة اليد(3) (pichenette) المنتقدة بشدة، كما نعلم، من طرف باسكال الجنسيني(4) (janséniste).
نعتقد أن نظرة بانورامية سريعة حول تاريخ أوروبا تسمح لنا بالإحاطة بظاهرة الحداثة، وتحديد مداها، يعني محاولة تقديم ما يسميه الفلاسفة تعريفاً بالامتداد.
لقد تمَّ انتقال أوروبا إلى الحداثة على مدى فترة زمنية طويلة وعلى عدة مستويات. تحقيباً، حدث هذا التحوّل على المستوى الديني أولاً، بداية من القرن السادس عشر. ثم عرفت أوروبا ثورة على المستوى الفكري بعد ذلك. بينما عرف المستوى السياسي تحولاً راديكاليا في القرن الثامن عشر، تزامناً مع الثورة الفرنسية، وتبعتها التحولات القانونية نتيجة لذلك. في الأخير، يختم المستوى الاقتصادي في القرن التاسع عشر انتقالَ أوروبا إلى الحداثة. تُوِّجت كلُّ هذه التحولات بظهور المجتمع الجديد القائم على المواطنة في القرن العشرين.
من أجل رؤية كل هذا عن قرب، سنحاول تحقيب التحولات التي عرفتها أوروبا، وكذلك مفهمةَ تجليات الرابط الاجتماعي. نقوم بالتمييز بين الفترات والمستويات بصفة واضحة لغرض تعليمي وتحليلي، وليس أبداً لتجسيد سيرورتها التاريخية الملموسة. على العكس، في الواقع تتقاطع هذه التحولات ولا تتمايز مادامت الواحدة متداخلة مع الأخرى وتشكل سبباً أو نتيجة لها.
المستوى الديني
كان القرن السادس عشر العصرَ الوسيط الأدنى، وعُرف بعصر النهضة. أما النقلة الأكثر أهمية التي ستعرفها أوروبا خلال هذه الفترة فهي بلا شك تلك المتعلقة بالمجال الديني. في الواقع، ستعرف أوروبا أول انقسام للديانة المسيحية. إذا استثنينا الانقسام الأقدم (1054) بين مسيحيي الشرق و مسيحيي الغرب، الذي جعل من الأوائل أورثوذكسا ومن الأخيرين كاثوليكاً، إنه أول انقسام جدي في المسيحية بما أنه سيفجر احتكار تسيير الخلاص الذي كان بيد الكنيسة الرومانية. كانت الكنيسة ـ الموجودة في كل مكان طيلة العصر الوسيط ـ تُسيّر بشكل شبه عسكري الناسَ، الضمائرَ والأرواح. هكذا، و بإكراه، لم يكن للإنسان الأوروبي من خيار سوى إتباع الدين كما تحدده الكنيسة.
انطلاقاً من فلسفة الكمون (Immanence)، تعتبر الكنيسة أن الله والناس من طبيعة واحدة، وأنهما متشابهان في كل الأحوال، فكل مخلوق يساهم في الكائن الأعلى أي الخالق، مع فارق وحيد هو أن هذا الأخير يقع في أعلى السلم. ينتج عن ذلك أن المسيحي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالله، مشيمياً (توضيح هذا المصطلح في الهامش) إذا جاز التعبير. بعبارة أخرى، هناك بين الله و الناس استمرارية، مماثلة، أفضل من ذلك هناك نسب أبوي؛ وهو أمر طبيعي بما أن الله هو الأب. ضمن هذا المنظور، أعطت الكنيسة لنفسها مهمة السهر على تثبيت هذا النسب، بواسطة التسجيل الإجباري للإنسان المسيحي وبخاصة المزارع، في كنيسة الخورنية (paroisse) منذ ميلاده إلى غاية وفاته. أكثر من ذلك، اجتهدت الكنيسة في ضمان تدعيم هذا النسب بالإكراه والقمع إذا اقتضى الأمر. وقد استعملت بالفعل القمع بشكل واسع ضد الهراطقة، والمنحرفين وغيرهم. نتذكر هنا محاكم التفتيش ومحاكمات العصر الوسيط، في منطقة اللورين الفرنسية وحدها، أرسلت الكنيسة في الفترة من 1576 إلى 1612، ثلاثة آلاف ضحية إلى المحرقة، أي بمعدل 100 ضحية في السنة. وكاد العالم غاليلي نفسه أن يعرف نفس المصير بعد جيوردانو.
باختصار، عرفت الكنيسة على طريقتها الصراط المستقيم وأعلنت نفسها حارسة له، وبذلك تأسست كأداة ضرورية وحصرية للخلاص الأبدي. إنها لم تتورع خلال مَجْمَع لاتران (Concile de Latran) سنة 1215 عن تأكيد مبدأ «لا خلاص خارج الكنيسة» (Extra ecclesian nulla salus). لقد كانت وصاية الكنيسة على المجتمع الأوروبي كلية وشاملة.
لكن رغم ذلك قوبلت هذه الوضعية في القرن السادس عشر بالاستنكار والرفض، إذ برز راهب ألماني ثائر، هو المصلح مارتن لوثر متأثراً بأفكار الفيلسوف أفلاطون، منادياً بفكرة الكمون وتبنَّى فلسفة التعالي (Transcendance) بدءاً بتعالي الله. كانت نظرة من أكثر النظرات ثورية لأنها تناقض بقوة الدعاوى الكهنوتية في مجال اللاهوت.
في الحقيقة، تعني فكرة التعالي أن الله والناس ليسا من نفس الطبيعة وغير متشابهين على الإطلاق. بعبارة أخرى، لا يوجد بين الله والناس استمرارية، تماثل وأكثر من ذلك نسب. على العكس من ذلك هناك اختلاف، مسافة وغيرية. الله موجود في السماوات والناس موجودون على الأرض، هناك مدينة سماوية ومدينة أرضية. هكذا أُعيد إلى الله قدسيته وتعاليه بينما أرجع الإنسان إلى دنيويته وإنسانيته؛ كما اعتبرت هذه الفترة قرْنَ النزعة الإنسانية (Humanisme) حيث أصبح الإنسان أخيراً موضع اعتبار، وأُعطيت له قيمة.
في الواقع، حقق هذا الموقف نتيجة على غاية الأهمية، فإذا انعدم النسب بين الله والناس فلا داعي لوجود من يضمنها. أصبح حارس المعبد غير ضروري، كما أضحت وظيفته زائدة، وبالتالي فالكنيسة غير لازمة من أجل الخلاص في الآخرة. يتبع ذلك أيضاً أن المسيحيين مستقلون، ويدخلون في علاقة مع الله بصفتهم شركاء أحراراً ومسئولين. إنه تأكيد على الاختيار الحر لكل فرد في قراءته وفهمه الخاص للإنجيل: إنه الإصلاح، إنها البروتستانتية. منذ ذلك التاريخ أصبح للمسيحي حرية وإمكانية أن يكون كاثوليكياً أو بروتستانتياً. في هذا السياق، اعترف البروتستانت بالسلطة المدنية بديلاً عن سلطة الكنيسة، كما تبنّوا زواج رجال الدين الذين أصبحوا قساوسة.
ارتبط مَجْمَع الثلاثين (Concile de Trente) بالإصلاح المضاد وفيما بعد بمحاكم التفتيش واضطهاد البروتستانت، لكن كل ذلك لم يغير في الأمر شيئاً. كانت حرية التمحيص (في الإنجيل واللاهوت) سابقةً معلِنةً لحرية الوعي التي ترسّخت من طرف الثورة الفرنسية في 1789. كان ڤولتير، وجان جاك روسو والفلاسفة الموسوعيون ينتقدون الدين. في الحقيقة، كانوا ينتقدون الكنيسة إذ يرونها خاضعة للتراث الأعمى وليس للعقل المستنير. أثَّر هذا الموقف في الثوار الذين ضمَّنوا «إعلان حقوق الإنسان والمواطن»، في مادته العاشرة فكرةً مهمة جداً هي: «لا يجب أن يُتابع أحدٌ بسبب آرائه، حتى الدينية منها، ما لم يكن تجلّيها يخلّ بالنظام العام القائم على القانون». منذ ذلك التاريخ صار التوجّه الديني الشخصي محترماً بصرامة، والحريةُ الدينية راسخةً. هذا ما دفع مارسيل غوشيه إلى الكتابة في مؤلفه (ثورة حقوق الإنسان) (1992): «لم تعد العلاقة مع إله من طبيعة أخرى تتطلب المرور على وسيط؛ إنها على العكس إيماناً ووعياً مستقلين. لقد انتقلت الشرعية الدينية ناحية المؤمن الفردي محرّرة بذلك إمكانية انقلاب هائلة امتدت آثارها أبعد كثيراً من الإصلاح ذاته، بل وأبعد من ارتداداته السياسية أيضاً»(5).
هكذا أتيح للإنسان الأوروبي طَيْفٌ من الاتجاهات الدينية: لقد أصبح له مذ ذاك الاختيارُ بين أن يكون مؤمناً أو غير مؤمن، مرورا بأشكال وسيطة للإيمان بالله، بالألوهة المنتشرة، اللاأدرية، الإلحاد، العلمانية… إلخ.
توصّلت أوروبا إذن إلى شخصنة الإيمان. لقد انتهت العلمانية الزاحفة إلى حشر الديني في المجال الخاص، ولم يعد الرابط الاجتماعي قائماً على العلاقات الدينية. لقد طُرِدَ الدينُ خارجَ الفضاء العمومي وهذا هو التحديث على المستوى الديني. مع التأسيس التدريجي والنهائي للعلمانية كمصدر منافس للسلطة والمشروعية، اضطر الدين للانسحاب. لم يعد الانتماء الديني أمراً اجتماعياً ملزماً، بل صار اختياراً فردياً إرادياً. كما انخفض أكثر فأكثر عدد قطاعات الحياة التي كانت تحت سلطة الدين؛ لقد نحا الدين منحى «الخوصصة».
المستوى الفكري
قرناً بعد ذلك، أي في القرن السابع عشر، ستمسّ الحداثة مجالي الفكر والعقل. لقد كان الفكر في العصر الوسيط قائماً على التراث، والكتابات المقدسة للديانة المسيحية ؛ وهو بهذا المعنى كان غيرَ عقلاني وسكولاستيكي (يحاول التوفيق بين الدين والفلسفة). ويرجع الفضل إلى علماء القرن السابع عشر في فك الحصار عن العقل وتحريره.
لقد ثابر كل من جيوردانو، غاليلي، ديكارت وآخرون بأعمالهم من أجل إقامة الفكر العلمي والعقلاني ضد التراث القروسطي. غير أن ديكارت يستحق مكانة مميزة لسببين: أولاً، لفكرته القائلة بالتخلي العقلاني عن الله ـ حسب فكرته الشهيرة عن حركة اليد الإلٓهية ـ يعتقد ديكارت بأن الله قد خلق العالم، (صنعه)، لكن لم يضع له غاية محددة ومعينة مسبقا، فالعالم إذن يستقيم بموارده  وقوانينه الخاصة، وهي القوانين التي على الإنسان اكتشافها. ثانياً، إنه يعارض الفكر الجمعي القروسطي بتأسيس استقلالية الفاعل المعرفي. في الواقع، بوضعه عبارته الشهيرة: «أنا أفكر إذن أنا موجود في قلعة روحي» cogito egro sum in arcem meum. يبيّن بأن لا فكرَ إلا ما كان فردياً، مشيراً بوضوح وللمرة الأولى إلى تكوين الفرد في بداية الحداثة(6). هذا التقديم لاستقلالية الأنا يرفع الشخص إلى فرد، إلى فاعل معرفي له مهمةُ إخضاع الطبيعة وخاصة استغلالِـها.
تميز فرانسيس باكون (F. Bacon) هو الآخر عن الفكر السكولاستيكي في قانونه العلمي الجديد (scientiarum Novum organum) (1620)، حيث لم يتردّد في التصريح بأنه يجب انتزاع الحقيقة من التشكيلات الإيديولوجية السابقة عن العلمية. هذه الثورة الفكرية استبقت أو حضرت، على مستوى التفكير السياسي، بالأفكار الأصيلة لكل من مكياڤيلي وبارتلومي دي لاس كازاس (Bartholomé de Las Casas) متبوعة بأفكار لا تقل جدة عنها قدمها هوبز وآخرون.
منذ ذلك الحين والعقل في مكانة رفيعة بما أنه يعترض على طموح الدين للتحكم في مشاريع المعرفة. لقد شجع التطور التدريجي للمسافة النقدية اتجاه المرجعيات القائمة ذات الاستلهام الديني و/أو السياسي، وفتح الطريق، وإلى غير رجعة، لروح عقلانية وعلمية. إنه استيقاظ الروح الحرة.
بدوره، لاحظ أوغست كونت، بعد سان سيمون، في نظريته حول الحالات الثلاث أن الإنسانية قد انتقلت من الحالة الحربية التي يوافقها «الفكر اللاهوتي» إلى المرحلة المدنية التي يميزها «الفكر الوضعي»، أي العلمي الذي دشن القرن التاسع عشر الأوروبي، بعد الانتقال عبر هذا النمط من «الأعراف» الممثلة في الحالة القانونية التي يوافقها «الفكر الميتافيزيقي». لقد وصل كونت في نهاية المطاف إلى تصور رابط اجتماعي وأخلاقي، بل أكثر من ذلك إلى ديانة مستخلصة من علم الوقائع الاجتماعية. لقد طبع كل من الفرد والمجتمع بتصور فتوحاتي وبروميثي للتاريخ والعالم(7). طبعا كان انتزاع استقلالية العلم طويلاً وعسيراً؛ وكانت محاكمة غاليلي ذات دلالة في هذا المجال. يمكن أن نذكر أيضاً إصدار الكنيسة فهرس الكتب المحرمة (Index) (1559)، وللائحة الأباطيل التي تعاكس تطور المجتمع(8) (Syllabus).
باختصار، إنها الحداثة الفكرية، أو الانتقال من فكر ذي مركزية إلٓهية، يتمحور حول الله وصفاته، إلى فكر ذي مركزية إنسانية، يتمحور بالأحرى حول الإنسان ككائن تاريخي واجتماعي. أضف إلى ذلك أنه تبعاً لانتشار هذا الاهتمام وجدت العلومُ الإنسانية مكانها في المعرفة. ما جعل بعضهم يعتقد أن لفظة أنثروبولوجيا (علم الإنسان) ظهرت سنوات 1800، «فالأنثروبولوجيا التي ظهرت في بداياتها كنظرة جديدة للعالم، تقترح وصف وتنظير تطور الإنسان، شكّلت مقاربة مختلفة عن اللاهوت وعلم الكونيات»(9). أما بالنسبة لكلمة إثنولوجيا (علم الأقوام)، فيبدو أنها كانت أسبق قليلاً حيث نُحِتَتْ سنةَ 1787، في مقال منشور للسويسري سيزار دي شافان(10) (A. César de Chavannes).
تاريخيا، أخذت العلوم الإنسانية مكان الأخلاق والديانات القديمة، وقد سمحت تحديداً بإزالة الشرعية عن تلك المجتمعات التراتبية، أو المجتمعات التمييزية للنظام القديم بنقدها. لقد تطورت العلوم الإنسانية باتجاه عَلْمنة المعرفة المنتجة حول المجتمع والتكوين التدريجي لفضاءات معرفية مستقلة عن المجال الديني.
باختصار، يتمّ التوجّه نحو معرفة تتجاوب مع نموذج الموضوعانية (objectivation)، مستبدلة عالماً مليئاً بالأرواح وقوى فوق طبيعية خفية ومعتقدات دينية بل وهرطقية، بكون تسيره قوانين مستقرّة، أو على الأقل بانتظامات قابلة للقراءة من طرف كل فكر عقلاني وعلمي سواء بالملاحظة أو بالتجربة، هكذا ظهر الفرد المفكّر.
المستوى السياسي
بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية، عرفت أوروبا خلال تاريخها عدة أشكال من السلطة أرجعها مؤرخو المؤسسات الأوروبية(11) إلى ثلاث: سلطة الكنيسة، سلطة الملك والسلطة المختلطة.
ـ السلطة الكنسية:
في الواقع هي سلطة الحبر الأعظم، أي سلطة البابا. إذ رغم أنه يطمح للحكم باسم الله وفي سبيل الله، إلا أنه يحيط نفسه بطائفة دينية. وأساس هذه السلطة الوحي، إنها إذن سلطة روحية.
ـ السلطة الملكية:
هي سلطة الملك الذي يحكم ولكن بعد المباركة البابوية، مادام البابا لا يتنازل عن صلاحياته، بل يفوِّضها فقط. في الواقع، وحسب نظرية السيفين الشهيرة، فإن السلطتين (السلطة الروحية والسلطة الزمنية) ملك للبابا وحده الذي يفوض السلطة الزمنية فقط للملك.
ـ السلطة المختلطة:
هي تركيب للسلطة الروحية والسلطة الزمنية، إنها الوحدة بين الكنيسة والدولة، التي تعطي ما يسمَّى بالقيصر ـ بابوية، كحالة السلطة الممارسة من طرف شارلمان في القرن التاسع الذي أصبح إمبراطور الغرب.
القاسم المشترك بين هذه الأشكال الثلاثة للسلطة هو الحكم المطلق، هو احتكار السلطة من طرف الأقلّية (سواء كانت كنسية أو ملكية) وإقصاء الأغلبية. يرجع الناس المكونون لهذه الأغلبية إلى عدة انتماءات وولاءات تراتبية انطلاقاً من السلطات المحلية القروية، من سلطة النبلاء مروراً بالسلطة الملكية وانتهاءً بالسلطة البابوية.
كما هو واضح، هناك في تلك الفترة كثير من القيود في عنق الإنسان الأوروبي وكثير من السلطات التي يخضع لها. أي أنه ليس ملك نفسه، بل مكبّل، ولا يتحكّم في مصيره. تقع عليه واجبات عديدة دون أن تكون له حقوق، وأكثر من ذلك لا سلطة له على نفسه ومصيره. باختصار، لم يكن الإنسان الأوروبي مواطناً، بل رعيَّة خاضعة، أو مستعبدة. ألا يُقال عنه رعيَّة جلالته؟
سيتعرّض هذا التنظيم السياسي القمعي للعصر الوسيط الذي يتلخص مبدؤه في عبارة القديس بولس: «لا سلطة إلا لله» Nulla potestas nisi a Deo، المرددة من طرف المفكرين القروسطيين، إلى انتقاد شديد.
سيتم انتقاده من طرف العديد من مفكري نهاية عصر النهضة، خاصة ميكياڤيلي. وسيكون مصير تلك العبارة أن تتمزق أشلاء متطايرة مع أواخر القرن الثامن عشر.
في الواقع ، أطلقت الثورة الفرنسية نداء الحرية، ولم تعد السلطة السياسية تعتبر سلطة فوق طبيعية مصدرها الحق الإلٓهي، بل تجد شرعيتها في النظام الإنساني. أفضل من ذلك، صارت السلطة تعبيراً عن الإرادة الجمعية، كما يقول روسو، متبوعاً في ذلك من طرف الثوار.
ضمن هذا السياق كتب توكڤيل في مؤلفه (النظام القديم والثورة)، بأن الدولة: «سلطة مركزية هائلة جذبت وابتلعت في وحدتها كل أجزاء السلطة والتأثيرات التي كانت موزعة سابقا في عدد من السلطات الثانوية للتنظيمات، والطبقات، والمهن، والعائلات…»(12).
مع مؤسسة الدولة ومركزية السلطة، تم بالتدريج إقامة نظام الانتخاب الخاص بدافعي الضرائب، ثم الانتخاب العام بعد ذلك وصولاً إلى مشاركة المحكومين في المؤسسات، في صياغة القوانين وفي اتخاذ القرارات. هكذا ترسخت الدولة كتنظيم إنساني ذي مؤسسات غير شخصية مضبوطة بعلاقات المواطنية. وتعرّف هذه الأخيرة بالاستناد إلى دولة سياسية خاصيتها الرئيسية مشاركة المواطنين في ممارسة السلطة السياسية. منذ ذلك التاريخ أصبح الإنسان الأوروبي ناخباً ومنتخباً، حاكماً ومحكوماً، متمتعاً بالحريات الفردية وفيما بعد بالديمقراطية. أشار إلى ذلك دوركايم في نص يرجع لسنة 1899 حيث يقول:«الحقيقة هي أن الدولة كانت محررة للفرد. إن الدولة، بقدر ما اكتسبت من قوة، هي من حرر الفرد من الجماعات الخاصة والمحلية كالعائلة والمدينة والجماعة المهنية التي تنحو لابتلاعه.. إلخ. لقد تطورت النزعة الفردية خطوة بخطوة مع النزعة الدولتية»(13).
في المحصلة، ولد الفرد السياسي؛ إنه المواطن، مواطن الجمهورية؛ وتلك هي الفردانية السياسية.

…………. التتمة في العدد


في الاقتدار(1)، في القيمة، في الكرامة، 
في الشرف، في الجدارة.*
توماس هوبز /ترجمة وتعليق محمد كراي العويشاوي

نعني باقتدار شخص ما (إذا اعتبرنا اللفظ في معناه الكوني) وساءله الراهنة للحصول على خير ما ظاهر في المستقبل. وهو إمّا أصلي(2) أو وسائلي(3).
يتمثل الاقتدار الطبيعي في تفوق(4) استثنائي لمَلَكَات الجسم أو الفكر، كالقوة، الجمال، الحكمة، الفنون، الخطابة، التحرّر، النُبْل… أما الاقتدارات الوسائلية ـ وهي التي حصلت بفضل الاقتدارات الطبيعية، أو عن طريق الصدفة ـ فهي جملة الوسائل والأدوات التي بها يمكن أن نكتسب منها أكثر مما هو حاصل لدينا، كالثروات، السمعة، الأصدقاء، وهذا السر الإلٓهي الذي يسميّه البشر الحظ السعيد. والسبب في ذلك أن الاقتدار، مثله في هذا المجال مثل السمعة، من طبيعته أن يشتدّ كلما تقدم، أو هو مثل حركة الأجسام الثقيلة التي تزداد حدّةُ سرعتها كلما تقدمت أكثر.
إن أعظم الاقتدارات الإنسانية هي التي تتكوّن من اقتدارات أكبر عدد ممكن من البشر اتحدوا عبْر الاتفاق في شخصية واحدة طبيعية أو مدنية، تملك استعمال كل اقتداراتهم وفق إرادتها مثلما هو الأمر في الجمهورية(5)، أو ما يتوقف على إرادة فرد بعينه مثلما هو الأمر عندما يتعلّق بعُصْبة، أو مختلف عُصبات متحالفة. بناء عليه، أن يكون لك خدم فذلك يعد اقتداراً، أن يكون لك أصدقاء فذلك بدوره اقتدار لأنها قوى متحدة. وبدورها فإن الثروة إذا اقترنت بالسخاء هي اقتدار باعتبارها تجلب لصاحبها الأصدقاء والخدم، وبدون سخاء لا يكون الأمر كذلك اذ في هذه الحالة عوض أن يحميه يجعله[السخاء] عرضة للطمع مثل الفريسة.
ـ سمعة الاقتدار(6) هي اقتدار لأنها تجلب لصاحبها تبعية كل من هم في حاجة للحماية(7).
ـ بدورها فإن سمعة حب الوطن (وهو ما يعرف بامتلاك شعبية)(8)، هي اقتدار وذلك للسبب آنف الذكر. وكذا نفس الأمر بالنسبة لمن يمتلك خاصية تجعله محبوباً بين الناس، أو مرهوباً منهم، أو مشهور بأنه يمتلك هذه الخاصيات، فإن ذلك بدوره يُعَد اقتداراً لأنه سبيل لتلقّي المساعدة من الآخرين وخدماتهم.
ـ النجاح الجيد اقتدار، لأنه يهب صاحبه سمعة الحكمة أو كذلك الحظ الوافر وهو ما يحمل البشر على خشيته أو التعويل عليه.
ـ حُسْنُ المعاشرة لدى شخص مقتدر يعزز بدوره اقتداره لأن ذلك يجلب له المحبة أكثر.
ـ سمعةُ حُسْن التدبير أثناء التصرف في شؤون الحرب والسلم هو اقتدار لأننا نميل إلى تسليم شؤون حكمنا إرادياً إلى الأكثر حكمة من الآخرين.
ـ النُبْل اقتدار لكن ليس في كل الأمكنة وإنما فقط في الجمهوريات التي يكون فيها للنبل امتيازات، ففي هذه الامتيازات يكمن اقتدار [النبل].
ـ الخطابة اقتدار لأنها توهم بامتلاك الحكمة.
ـ الجمال اقتدار لأنه إذ يَعِدُ بخيْر ما فإنه ما به يُحظى البشرُ بالقبول لدى النساء والغرباء.
ـ العلوم هي اقتدار ضعيف(9) ذلك أنها غير موجودة بدرجة بارزة لدى كل الناس وبالتالي فهي لا تحظى باعترافهم بل إنها ليست موجودة البتة إلا عند قًلة لاتحكم بدورها إلا بعض المواضيع منها. فالعلم من طبيعة خاصة بحيث لا يتفطن لوجوده إلا من تملّك ناصيته بالقدر الكافي.
ـ الصنائع(10) ذات الاستعمالات العامة مثل التحصين وصنع الآلات ومختلف وسائل الحرب هي اقتدار لأنها تساهم في الدفاع (عن النفس) والانتصار (في المعركة). ورغم أن العلم هو الأب الحقيقي لهذه الصنائع لاسيما الرياضيات ومع ذلك ولأنها لا ترى النور إلا على يدي المهندس(11) يذهب في الظن انه مبتكرها مثلما تعتقد العامة أن القابلة هي الأم الحقيقية (للمولود).
مثله مثل الأشياء الأخرى فإن قيمة أو جدارة شخص ما(12)، هو ثمنه أي بعبارة أخرى ما ندفعه من ثمن من أجل الفوز بالخدمات التي يوفرها اقتداره. إلا أن ثمنه غير مطلق وإنما يتوقف على حاجة وحكم الآخر. فالقائد العسكري الفذ ذو قيمة عظيمة زمن الحرب إن كانت معلنة أو هي على الأبواب، إلا أن الأمر ليس كذلك زمن السِلْم. كما قد يكون قاض نزيه ومتعلم ذو منفعة عظيمة زمن السِلْم، إلا أن الأمر ليس كذلك زمن الحرب. وككل الأشياء الأخرى، عندما يتعلّق الأمر (بقيمة) الإنسان فان المشتري هو الذي يحدّد الثمن وليس البائع. يمكن لأي إنسان (مثلما يفعل كل البشر) أن يرفع من قيمته كما يشاء إلا أن قيمته الحقيقية لا يمكنها أن تتجاوز ما يقدّره الآخرون.
إظهار القيمة التي نضفيها على بعضنا البعض هو ما يسمَّى عامة التشريف(13) أو التحقير. أن نضفي على شخص ما ثمناً رفيعاً، يعني أننا شرّفناه. أما إذا أضفينا عليه ثمناً أدنى، فذلك يعني أننا حقّرناه. إلا أنه في هذه الحالة لا بُدَّ أن يُفهم الأرفع والأدنى عبر مقارنة الثمن الذي يضفيه كل شخص على ذاته.
الجدارة العمومية لشخص ما، وهي التي تسندها له الجمهورية، هي التي يسميها البشر عامة الكرامة. وهذه القيمة التي تضفيها عليه الجمهورية تدرك من خلال وظائف القيادة والقضاء والوظائف العامة أو كذلك تكون ظاهرة عبر أوسمة وألقاب تمَّ اعتمادها للتمييز بين مختلف هذه القيم.
ـ أن نلتمس من الآخر عوناً ما مهما كان، يعني إن نشرّفه، لأن ذلك هو علامة على أن لنا اعتقاد في امتلاكه القدرة على مساعدتنا. وبقدر ما يكون العون مضنياً يِعْظِمُ الشرف.
ـ أن تطيع يعني أن تشرّف، لأن البشر لا يطيعون من يعتقدون أن لا اقتدار لهم يخوّلهم مساعدتهم أو الإضرار بهم. وبالتالي فألا تطيع يعني أن تحقّر. أن تقدم لشخص ما هدايا قيّمة يعني أن تشرّفه لأن ذلك شراء(14) لحمايته واعتراف باقتداره. أن تقدم له هدايا وضيعة هو أن تحقّره لأنها ليست سوى صَدَقَات تفيد بأننا نتوجه لشخص ما من أجل معونات تافهة.
ـ أن نكون حريصين على تفضيل الخير للآخر أو نعمل على إطراءه، يعني أن نشرّفه، إذ أن ذلك هو علامة على أننا في حاجة إلى حمايته وعونه. أن نهمل (كل هذه الأفعال إزاء الآخر) يعني أننا نحقّره.
ـ أن تفسح المجال للآخر لما يتعلّق الأمر بمصلحة ما أو أن تترك له مكانك فإنك تشرّفه لأن ذلك هو اعتراف بتفوق اقتداره. أن نكون متغطرسين (إزاء نفس المصلحة) يعني أن نحقّره.
ـ أن نُبدي للآخر أية علامة حب أو خِشْية هو أن نشرّفه لأننا ـ سواء أحببناه أو خشيناه ـ فإننا (نقرّ) بقيمته. أن نزدريه أو أن نحبه أو نخشاه بدرجة أقل مما يأمله هو أن نحقّره لأن ذلك حط من قيمته.
ـ أن نمدح شخصاً ما أو أن نجله نعظمه أو أن نصرّح بغبطته هو أن نشرّفه لأن لاشيء يجل كالطيبة والاقتدار والغبطة. أن نلعنه أو أن نسخر منه أو ان نشفق عليه هو أن نحقّره.
ـ أن نُحَدِّث الآخر باهتمام، أن نبدو أمامه بمظهر متحفظ ومتواضع هو أن نشرّفه لأنها علامات على خشيتنا أن نجرحه. أن نحدثه دون اعتبار، أن نأتي أمامه أفعالا فظة باستخفاف ووقاحة يعني أننا نحقره.
ـ أن نعتقد في شخص ما ونثق فيه ونعتمد عليه يعني أننا نشرّفه لأنه دليل على اعتقادنا في فضيلته واقتداره. أن لا نثق فيه ولا نصدّقه يعني أن نحقرّه.
ـ أن نستمع إلى نصائح شخص ما أو كل ما يقوله مهما كان جنسه يعني أن نشرّفه لأن ذلك علامة على اعتقادنا في حكمته وبلاغته ورقيّه الروحي.
ـ أن يأخذنا النعاس أو أن نتركه لشأنه أو أن نقاطعه بينما هو يتكلّم يعني أن نحقّره.
ـ أن يقوم شخص ما للآخر بكل الأفعال التي يحملها (محمل) علامات الشرف أو التي جعلها القانون أو العُرْف كذلك، يعني أن يشرّفه لأنه عندما يُسَلِّم بالشّرف الذي أقرّه له الآخرون فانه يعترف بالاقتدار الذي اعترف به له الآخرون. أن يرفض القيام بها يعني أن يحقّره.
ـ أن نوافق شخصاً ما رأيه يعني أن نشرّفه بما أنها علامة إقرار بـ (وجاهة) حكمه وحكمته. أن نعترض على رأيه يعني تحقّيره وتقّريعه عن أخطائه كما عن حماقاته (إذا مسَّ الاعتراض كل المواضيع دون استثناء).
ـ أن نحتذي بشخص ما (في أفعاله) يعني أن نشرّفه لأننا نوافقه بحماس. أن نحتذي بعدوّه يعني أن نحقر به.
ـ أن نشرّف كل الذين يشرّفهم شخص ما يعني أن نشرّفه لأن ذلك علامة على موافقتنا لحكمه. أن نشرّف أعداءه يعني أن نحقره.
ـ أن نعتمد فرداً ما في النصيحة أو في المهمات الصعبة يعني أن نشرّفه لأنها علامة على اعتقادنا في حكمته أو (امتلاكه) اقتدارات أخرى. أن نرفض في الحالات المماثلة اعتماد كل من يطلب منا اعتماد (خدماته) هو تحقير له.
كل هذه السبل في التشريف هي طبيعية سواء داخل الجمهوريات أو خارجها. بَيْد أنه في الجمهوريات يمكن لكل من يملك السلطة العليا، سواء كان فرداً أو مجموعةً، أن يضع وفقاً لمشيئته علامات الشرف كما توجد (أشكالاً أخرى) من الشرف.(15)
لصاحب السيادة أن يشرّف أي فرد من الرّعية عبر مختلف الأوسمة أو الوظائف أو خطة أو أي فعل يقدّر أنه يُحمل على أنه علامة على إرادته في تشريفه.
لقد شرّف ملك فارس مرد شاي(16) عندما أَمَرَ (أعوانه) بأن يقودوه بين أزقة المدينة وهو مرتد الثياب الملكية ممتطياً صهوة أحد الجياد الملكية، حاملاً على رأسه التاج. وفي الأثناء يعلن أحد الأمراء الذي يقوده: هذا ما يتحقق لكل من يشرّفه الملك. وفي المقابل فإن ملك آخر لفارس أو نفس الملك في مناسبة أخرى قد استجاب لطلب أحدهم بأن يرتدي البعض من ملابسه الملكية مقابل خدمة عظيمة أدَّاها لفائدته، إلا أنه اشترط أن يرتديها بوصفه مهرّج الملك، ما يدل على أنه حقّره. بناء عليه يكمن مصدر الشرف المدني في شخصية الجمهورية ويتوقف على إرادة صاحب السيادة ولذلك فإنه وقتي، ويُسمَّى الشرف المدني، من ذلك مثلاً القضاء والوظائف والألقاب.. وفي بعض المناطق لباس الحرب والدروع المزركشة.. ويُشرّف بهذا كل من حظي بمنن من هذا القبيل وهي علامات التبجيل في الجمهورية، اذ أن هذه المنن دالة على الاقتدار. التّشريف سواء كان ملكية أو فعل أو خاصية إنما هو دليل أو علامة على الاقتدار.
بناء على ما سبق، فأن تكون مشرّفاً أو محبوباً أو مُهاباً من البعض فتلك دلائل على الاقتدار، أما إذا كنت مشرّفا من قبل فئة قليلة أو لم تكن مشرفاً من أحد فذلك يعني تحقيراً.
ـ السيطرة والانتصار مشرّفان، لأنهما يُكتسبان عبْر الاقتدار أما العبودية سواء كانت عن حاجة أو خوف هي تحقير.
ـ حُسْن الطالع إن دام هو مشرّف، إذ أنه علامة على الرعاية الإلٓهية. أما سوء الطالع والخسائر فهي محقّرة. الثروات مشرّفة لأنها اقتدار، أما الفقر فهو محقّر. الشهامة والتسامح والتمنّي والشجاعة والثقة هي مشرّفة لأنها تصدر عن وعي بالإقتدار، أما الجبن والبخل والخوف وعدم الثقة بالنفس فهي محقّرة.
ـ القرارات (التي نتخذها في) الوقت المناسب، والتصميم الذي يميّز الفرد فيما يقرّر انجازه هي مشرّفة لأنها تعني استهانة بالمشاكل الصغرى والمخاطر. التردّد في اتخاذ القرار هو محقّر لأنه علامة على أنه تعظيم لعوائق بسيطة ومنافع تافهة، إذ أن الشخص الذي يقدّر الأشياء أكثر مما يسمح به الوقت اللازم لذلك ولا يقرّر فذلك لأن الفرق في الأوزان طفيفة وإذا لم يحسم (الأمر) فلأنه يبالغ في تقدير الأشياء مما يدل على الجبن.
ـ كل الأفعال والأقوال التي صدرت أو تبدو أنها صادرة عن تجربة وافية أو علم أو حيطة أو فطنة هي مشرّفة بما أن هذه كلها اقتدارات. أما الأفعال والأقوال التي تصدر عن الخطأ والجهل والحمق فهي محقّرة.
ـ الجدّية، بالقدر الذي تبدو عليه متأتية من فكر منشغل بأمر آخر هي مشرّفة، لأن الوظيفة (التي نضطلع بها) هي علامة على الاقتدار. إلا أنّها ان بدت متأتية عن نيّة أن يبدو جدياً فهي محقرّة. لأن الجدية في الحالة الأولى تشبه توازن السفينة المملوءة بالبضائع، أما في الحالة التالية فهي تشبه توازن السفينة المعبئة أحجاراً وسقط المتاع.
ـ أن تكون (شخصية) مرموقة(17)، أي أن تعرف بالثروة أو بالمركز (الذي تضطلع به)، أو بالأفعال العظيمة أو بالمكاسب البارزة، هو مشرّف. وعلى النقيض من ذلك فان تكون (شخصية) مغمورة هو محقّر. أن تنحدر من أبويْن مرموقيْن هو مشرّف لأنه سيبلغك بأكثر يُسْر معونات أجدادك وصداقاتهم. وعلى النقيض من ذلك فأن تنحدر من نسب مغمور فهو محقّر.
ـ الأفعال التي تتأتى عن الإنصاف مقرونة بالخسارة هي مشرّفة لأنها علامات عن الشهامة، إذ أن الشهامة هي علامة على الإقتدار، وعلى النقيض من ذلك فإن اللّؤم والمراوغة وتجاهل الإنصاف هي محقّرة.
ـ السعي وراء الثروات الطائلة والطموح الى مختلف أشكال الشرف العظيم هو مشرّف، لأنه علامة على القدرة في الحصول عليها. أما الجشع أو السعي نحو مكاسب تافهة وترقيات بسيطة فهو محقّر.
وفي هذه الحالة لا يفسد الشرف سواء كان الفعل عادلاً أو ظالماً(18) (شرط أن يكون هذا الفعل عظيماً وصعب المنال، وبالتالي علامة على اقتدار وفير)، لأن الشَرَفَ يكمن فقط في الاعتقاد في الاقتدار. لأمر كهذا لم يكن الوثنيون القُدامى يعتقدون أنهم يحقّرون الآلهة بل يشرّفونها كثيراً لما يذكرونها في أشعارهم وهي تمارس الاختلاس والاغتصاب و[أفعال] أخرى عظيمة لكنها ظالمة وقذرة الى درجة أن لا شيء صنع شهرة جوپيتر غير خياناته كما لاشيء صنع شهرة ماركير غير (كثرة) الغش(19) والاغتصاب الذي ارتكبه، لذلك فأن أعظم [أصناف] المدح الذي قيل في ماركير في أحد أناشيد هوميروس هو أنه وُلد في الصباح وألّف الموسيقى عند الظهيرة وقبل نزول الليل اختلس قطيع أپولون من راعيه.

……………. التتمة في العدد

الليبرالية:فلسفة أم إيديولوجيا
منوبـي غباش 

من الصعب تحديد مفهوم كَثُر استعماله وتوظيفه في سياقات متنوعة وسجالات مختلفة مثل مفهوم الليبرالية. لاشكّ أنّ كل محاولة لتحديد هذا المفهوم وضبطُه هي مغامرة فكرية، وبحث يتطلّب استحضار الإرث الكبير للفكر الليبرالي، كما يقتضي الاهتمام بالسِجَالات النظرية التي ميّزت الأفق الفكري الليبرالي المعاصر.
إذا كان مفهوم الليبرالية يغطّي فضاءً تاريخياً واسعاً هو فضاء الحداثة، وإذا كان يحيل إلى تصوّرات وأفكار ونظريات متنوّعة تتعلّق بالاقتصاد والأخلاق والسياسة والقيم، فكيف لنا الظفرُ بتحديد مقبول له؟ لعلّ الصعوبة الأساسية التي تواجه الباحث عند محاولة تحديد مفهوم الليبرالية هي صعوبة الوقوف على الحياد إزاءه، فهل بالإمكان تجنّب اتخاذ موقف من الليبرالية؟ قد يكون الموقف الأسلم هو توخّي الحذر اللازم وعدم تبنّي مواقف وأحكام مسبقة متسرّعة وإذا كان لا بدّ من اتّخاذ موقف فليكن موقفاً مؤسساً ومُدَعّماً، ولكنه لا يمكن أن يتبلور إلاّ في خلاصة البحث.
تستمدّ الليبرالية معناها الأولي من «الحرية». ويرى كثيرون أنها مذهب في الحرية «ويقصدون تحديداً الحرية الاقتصادية والحرية السياسية، أي أنّها تعني مذهباً اقتصادياً يقوم على حرية الفرد في العمل والمبادرة والإنتاج، ويؤكّد على ضرورة عدم تدخّل الدولة في شؤون الاقتصاد أو تقليص ذلك التدخّل إلى الحد الأدنى، كما تعني أيضاً مذهباً سياسياً يتعلّق بكيفية إقامة السلطة وتنظيم علاقاتها بالمجتمع بحيث تكون أداة لحمايته وتحقيق تطلعاته لا وسيلة للهيمنة عليه. قد يكون هذا التعريف، على عموميته، صحيحا ولكنه يُهْمل ثراء الفكر الليبرالي وعمقه. لنقبل به كتعريف أوّلي يساعدنا على التقدم في تحليل المفهوم.
يمكن أن نفهم الليبرالية على أنها مجرّد نظرية أو نظريات صيغت في فترات تاريخية مختلفة واكتملت لتصبح مرجعية للتفسير والتأويل والتبرير، أو على أنها مدرسة فلسفية دارت مباحث مؤسسيها على موضوع محدد. كما يمكن أن تعتبر إيديولوجيا تستخدم لإضفاء المشروعية على نظام قائم، أو لتجريده منها. قد تكون كل هذه التعريفات صحيحة وذلك يدلّ على الطابع الإشكالي لليبرالية كنظرية وكممارسة إذا صحّ اعتبارها ممارسة .
الليبرالية تأويل أو رؤية للعالم تتشكّل نظرياً وتتعدّل على صعيد الممارسة التاريخية. وهذا الإندراج في التاريخ الفعلي هو الذي يَسِم الليبرالية بميّسم التنوّع والاختلاف، بحيث لا يمكن تصوّرها كنظرية مكتملة(1). لعلّ الأصوب أن تعتبرها اتجاهاً، توجّهاً في الفكر والواقع يرمي إلى حل المشكلات التي تنشأ في المجتمع والاقتصاد والسياسة. إنّ الليبرالية «ليست واحدة ولا موحّدة فكل اتجاه من اتجاهاتها يجد أساسه في حدث تاريخي، أو عند مفكّر لا ينتمي إلاّ إليها. وهنا تكمن خصوصية الليبرالية، أي عدم قدرتها ـ بما هي رسم لمعقولية وبما هي صورة لمجتمع ـ أن تعطي لنفسها عنصراً مؤسساً وحيداً سواء تمثّل في حدث تاريخي أو في فكر فيلسوف نبيّ»(2).
الليبرالية بالأساس فلسفة سياسية تقوم على فكرة «الحقوق الطبيعية» للفرد كحق الحرية وحق الملكية وحقّ المحافظة على الحياة. حقوق الفرد تعدّ أصلية وطبيعية أي سابقة على تكوين النظام السياسي، وهي تحدّد طبيعة وغاية ذلك النظام. تقوم الفلسفة الليبرالية على مبدأين أساسيين: الفردانية Individualisme والتعاقديّة Contractualisme. إن العقد الاجتماعي هو بمثابة قانون أساسي أو دستور يفترض أن تستمد كل القوانين منه. تعني الفردانية أولوية الفرد على المجتمع واستقلاليته عن السلطة، كل سلطة. لا يُتَصوّر المجتمع على أنّه كيان أو سلطة تقوم ضد الفرد، بل إنه مجال وجود الأفراد وتفاعلهم، مجال يجمعهم ويتكوّن منهم. يستمد الفرد حقوقه من ذاته، أي من طبيعته كإنسان، هذه الفكرة البسيطة تفضي إلى تأكيد حقوق الفرد وبالتالي تأكيد استقلاليته عن المجتمع والسلطة. أما التعاقدية فهي تدل على الطابع الاتفاقي والإصطناعي للوجود السياسي وللدولة. إنّ البشر هم الذين ابتكروا الدولة وجعلوها وسيلة لتجاوز العوائق التي يمكن أن تمنع تطور المجتمع، أو تهدّد استمراره؛ وهكذا لايمكن أن تتصوّر الدولة على أنها فوق المجتمع أو متعارضة معه. تعني التعاقدية إذن، الحد من السلطة وتقنين السيادة وتأطيرها بحقوق الأفراد والمواطنين. وسيتم تكريس النزعة التعاقدية من خلال آلية الفصل بين السلطات وطريقة التمثيل النيابي.
تقوم الليبرالية على التمييز بين المجتمع والدولة، وبين الفرد والسلطة. وتعتبر ذلك التمييز طبيعياً. إنها ترفض هيمنة الدولة على المجتمع أو استيعابها له. كما ترفض الفوضوية، أي تمرّد الأفراد والجماعات على النظام السياسي ومقاومتهم لكل سلطة. يمكن لليبرالية أن تجد صياغتها في نظرية الفصل بين السلطات، كما قلنا، أو في مذهب العقد الاجتماعي أو في «دفاع عن إستقلالية الفضاء الاقتصادي الخاضع لنظام محايثٍ للسوق»(3). ثمّة إذن صياغات أو ترجمات مختلفة للتصوّر الليبرالي تتجلّى في تنوّع اتجاهاته وتعدّد مفكريه واختلاف إسهاماتهم. من لوك وهوبز وسميث وتوكڤيل وكونستون… إلى ريمون آرون وفريديريك هايك وغيرهما، ومن الثورة الإنجليزية سنة 1688 إلى الثورة الفرنسية 1789 وصولاً إلى الليبرالية المعاصرة، أو ما يسمى اليوم بـ «النيو ـ ليبرالية»، مسار طويل ومتعرّج شقّه مفكرون مختلفون ساهموا في تشكيل البراديغم الليبرالي.
يمكن القول إن الليبرالية تبلورت من خلال ثلاثة اتجاهات رئيسية تكوّنت بحسب المكانة التي اتخذها هذا الجانب أو ذاك من جوانب الوجود البشري، وكذلك بحسب التقييم المختلف للحرّيات الأساسية. فالليبرالية السياسية تُولي الحرّية السياسية مكانة مميّزة، وهي بالتالي تجعل من السياسة النطاق الأول لممارسة الحرية الفردية، وكذلك لتحديد وجهة المجتمع ككلّ. وأمّا الليبرالية الإقتصادية ومدارها المُلْكية الفردية والحرية الاقتصادية باعتبارهما مترابطاتان ارتباطاً جذرياً. لا معنى للحرية إلا إذا تجسّدت في ملكيّة الفرد لوسائل الحفاظ على حياته واستمراره. كما لا تكون المُلْكية ممكنة إلا إذا كان حقّ الفرد في الحريّة حقاً فعلياً، أي إذا كان مستقلاّ عن كلّ سلطة. وأما التسامح الدّيني ـ كتوجّه ليبرالي ـ فهو يتأسس على حرية الفكر بصفة عامة وعلى حرية الوعي الديني بصفة خاصّة وهو يقوم على مبدأين اساسيين: 1) فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية. 2) إقرار حقّ الفرد في تبنّي ما شاء من آراء وعقائد وقناعات يراها ملائمة لخلاصه الرّوحي. إنّ هذا التمييز هو بطبيعة الحال تمييز نظري ولا يعني اختزال الليبرالية في توجّه معيّن، لأنّ كلّ هذه التوجّهات يمكن أن تلتقي عند مفكّر واحد كـ جون لوك ـ على سبيل المثال. كما يمكن أن يَنْمَ التّركيز، لدى مفكّر معيّن، على تصوّر ليبرالي محدّد كما هو الحال عند پيار بايل Pierre Bayle، الذي أكدّ على حرّية الوعي وعلى ضرورة التسامح الديني أو عند آدام سميث الذي جعل الحرّية الاقتصادية محور تفكيره. وينبغي أن نشير إلى أن بروز توجّه ليبرالي معين إنّما يكون عادة مرتبطاً بظرف أو بحدث تاريخي حاسم. لنذكر مثلاً بنجامين كونستون الذي أكّد على الحرّية السياسية في المناخ السياسي المميّز لفترة ما بعد الثورة الفرنسية.
لقد تمّت مراجعة التصوّر التقليدي للسياسة، ذاك الذي جعل السياسي يحتلّ الصدارة في الترتيب التفاضلي لأبعاد الوجود الإنساني ولاهتمامات الفرد. يتعلّق الأمر بالتخلّي نهائياً عن أسبقية السياسي على الاجتماعي والاقتصادي كما حدّدها أرسطو. لم يعد الانتماء إلى «مدينة» هو مصدر أو شرْط اكتساب الفرد لحقوقه، أي لم يعد السياسي هو الذي يحدّد الاقتصادي والاجتماعي بل إنّ طبيعة العلاقات الاقتصادية ـ الاجتماعية هي التي تفسّر حاجة الناس إلى إقامة نظام سياسي وإنشاء سلطة سياسية وظيفتها الأساسية حماية حقوق الأفراد. تعدّ السياسة في التقليد الفلسفي أرفع الاهتمامات التي يمكن للفرد الحرّ أن ينشغل بها باعتبارها تتوافق مع طبيعة الإنسان، فالسياسي هو اكتمال الوجود الإنساني أما الفكر الحديث فإنه يعطي للاجتماعي مكانة أساسية من خلال تصوّره الإنسان كفرد وككائن واقعي يتحرّك في الطبيعة فيتحرّر ويجسّد حقوقه التي يحملها في ذاته أو يستمدّها من طبيعته. مثل ظهور السياسة الحديثة مع ميكياڤلّي وهوبز ولوك، بدايةً تشكّل ما يُسمّى بـ «النموذج الليبرالي»، فلم تعد السياسة تُفهَم بحسب فكرة غائيّة الوجود الإنساني، ولم يعد السياسي في حدّ ذاته غاية، بل أصبحت السياسة وسيلة واصطناعاً إنسانياً واختياراً عقلانياً براغماتياً هدفها تنظيم العلاقات الاجتماعية بين أفراد اضطرّوا إلى الاجتماع والتشارك رغم تنافر واختلاف أهوائهم ورغباتهم وقدراتهم الطبيعية. لقد أصبحت السياسة من نظام الوسائل لا من نظام الغايات.
يمكن القول إن انفصال السلطة الزمنية عن السلطة الرّوحية شكّل لحظة تكوّن النموذج الليبرالي، لحظة ميكياڤلّي هي بحق علاقة فارقة في بداية تبلّور هذا النموذج. لقد جعل ميكياڤلّي من السياسة مجالاً للفعل الإنساني العقلاني الهادف والمستقلّ عن الرؤية الدينية للعالم. في عهد هوبز ولوك ستصل «دنيوة» Sécularisation الفكر السياسي إلى ذروتها. سيبيّن أعلام هذا الفكر الجديد كيف أن المسائل السياسية ليست مسائل نظرية خالصة وأن السياسة عموماً ليست إطاراً للتأوّل واستخلاص الدّروس فيما يتعلّق بالطبيعة الإنسانية، ولكنّها تعبير عن مشكلات واقعية يكابدها الناس وهي، أكثر من ذلك، نتيجة حتمية لطبيعة العلاقات والصراعات المميّزة لوجودهم. في هذا المناخ الجديد لم يعد بالإمكان تبرير السلطة دينياً ولا الاكتفاء بتشريعها أخلاقياً بل إنّ كل ذلك لم يعد لازماً، فالقيم السياسية والمبادئ التي تحرّك الفكر السياسي فقدت (أو أفرغت) من دلالاتها الدينية وأصبحت توظَّف في سياق رؤية لادينية للعلاقات الاجتماعية. وبالفعل فـ «إن أسلحة الحرية، أقصد مبادئ السياسة الجديدة (حقوق الإنسان والمواطن، حرية الوعي، سيادة الشعب)، كانت قد جهّزت خلال القرنيْن الأسبقيْن (16 و17) في صراع مرير ضدّ المسيحية وبخاصة ضد الكنيسة الكاثوليكية»(4).
أصبح الفكر السياسي والقيم التي توجهه تاريخيين أي صدى لوجود البشر التاريخي وانعكاساً لواقعهم المادّي. إنّه فكر ليبرالي يتعارض مع الفكر القديم الذي لم يعرف مقولة الفرد. لقد اتسمت العصور الحديثة باستقلال الحكّام عن رجال الدين حتى غدت الحياة الدينية للأفراد والجماعات منظّمة بقوانين مدنية تحوّل الدّيني إلى مجرّد مظهر من مظاهر الاجتماعي بعد أن كان مشتملاً عليه ومستوعباً له. لعلّ الفيلسوف الإنجليزي هوبز هو أبرز مؤسّسي هذا الفكر الجديد. لقد أسّس السلطة المطلقة انطلاقاً من تصوّره لمفهوم الحالة الطبيعية ولخصائص الفرد وهو في تلك الحالة. فالإنسان أناني وشرّير بطبعه، ومبادئ الحق الطبيعي تقود كلّ واحد إلى مواجهة الآخر والتصادم معه نظراً للتناقض بين الرغبات. إنها «حالة الحرب» أو «حالة الطبيعة» التي توصف بأنها عدم استقرار وانعدام أمان وفيها تقوى مشاعر الرهبة وخشية الموت. يقود إنفعال الخوف المشترك من الموت جميع «المتحاربين» إلى الخروج من «حالة الطبيعة» وتكوين سلطة مطلقة قادرة على تحقيق «السلام» و«الأمن» اللازمين ليتمتّع كلّ واحد بحقوقه الطبيعية، إن الشرط الأساسي للسلطة السياسية في التصوّر الهوبزي هو أن تكون مطلقة، أي غير محدودة وغير مقيّدة ومستقلّة عن السلطة الدينية؛ ذلك أنّ وجود سلطة دينية يعني ضعف السلطة السياسية وعجزها عن القيام بوظيفتها التي من أجلها أُنشئت. لعلّ الانفصال تحقّـق فعلياً بإعلان هنري الثامن (1509 ـ 1547) انفصال التاج البريطاني عن الكنيسة الرومانية، وهو في معناه انفصال سياسي أكثر مما هو ديني. إنه يعني تحرّر الملك من وصاية القساوسة واللاهوتيين الرومانيين(5). لا يوجد في تصور هوبز إلا سلطة واحدة هي السلطة المطلقة للملك، وإذا ما وجدت سلطة دينية فهي خاصة بالملك لا بأحد غيره. لقد ارتأى هوبز أنّ «الطريقة الوحيدة لإنقاذ السلطة الملكية بما هي شرط السلام المدني هي فصلها كلّياً عن الدين»(6).
لا تعني «دنيوة» السياسة فصلها فقط عن الدين وإقامة مبادئ الفعل السياسي في استقلال عن التعاليم الدينية، بل تعني أيضاً فصلها عن المعايير الأخلاقية، فليست السياسة تابعة للأخلاق، ولا توجد سياسة أخلاقية، فما يسمَّى بالقيم الأخلاقية الموضوعية ليس إلا مواضعات إنسانية، فالفضيلة مثلاً اختزلت في النزاهة في التبادلات والمعاملات الخاصة وبالتالي فقد تركت الفضيلة مجال السياسة للحق(7). لا تتحدّد أفعال الناس وفق مقولتيْ: الخير والشرّ أو الفضيلة والرذيلة، بل وفق قاعدة الحقّ ووفق القانون، وأكثر من ذلك تمت إعادة تقويم الأهواء والشهوات انطلاقاً من الفرد ذاته ومن فكرة «الحق الطبيعي». هذه الأهواء ليست في حدّ ذاتها تنشئة وليست بطبيعتها شرّاً، فمقولات الخير والشرّ والحسن والسيئ… لا تَظْهَر إلا في حالة الاجتماع المدني ـ هذا بالضبط ما يقوله هوبز.(8)
لقد أحلّ الفكر السياسي الحديث القانون، كقاعدة عامّة لتنظيم العلاقات السياسية والاجتماعية، محل القيمة الأخلاقية الموضوعية ومحلّ المبدأ الديني المطلق. هذان البعدان (الأخلاق والدين) أُدرجا ضمن عناصر الوعي الذاتي وأصبح القانون من حيث هو اصطناع إنساني واتفاقي هو الذي يحدّد علاقة الحاكم بالمحكوم. تنبني السلطة السياسية على إجماع الأفراد وموافقتهم. هذا هو المعنى الأصلي لمفهوم التعاقد. إنّ صاحب السلطة (الملك أو المجلس) لا يمتلك شرعية لاهوتية أو كفاءة طبيعية بل إنّه يستمدّ شرعية الحكم من المجموعة أو من الشعب، فهو مُكَلَّف من قِبَل أفراد المجموعة الذين تنازلوا له عن حقوقهم الطبيعية وعن قواهم بهدف العيش في سلام. لكن السلطة المطلقة سرعان ما تنفصل عن الأفراد نهائياً. إنّ صاحب السلطان لا يُسأل من قِبَل المحكومين، بل له عليهم كل حقوق السيادة وليس لهم عنده أي حقّ. لاتكون السلطة السياسية، في نظر هوبز، إلا مطلقة. يبدأ هوبز من الفرد وينتهي إلى القانون بما هو تعبير عن إطلاقية السلطة. فهل يصحّ اعتباره إذن ليبرالياً؟ إنّ السلطة المطلقة ليست بالضرورة متناقضة مع حرّيات الأفراد، فمهمتها الأساسية أو غايتها النهائية هي حماية المجتمع وضمان الحقوقه الطبيعية للأفراد. تكون سلطة الملك مطلقة لأنّ القانون يجعلها كذلك، هي سلطة مطلقة لأنها قانونية. «يمكن أن يُقال عن هوبز أنه مؤسس الليبرالية لأنه وضع التأويل الليبرالي للقانون ‹اصطناع إنساني خالص وخارجي بالنسبة لكلّ واحد›، وهو لا يحوّل ولايعلم الذرّات الفردية التي يتقيّد بضمان تواجدها السلمي. وهكذا يكون فكر هوبز الرَحِمْ المشترك للديمقراطية الحديثة ولليبرالية. إنه يؤسّس للفكرة الديمقراطية لأنه يبلور معنى السيادة القائمة على موافقة كلّ واحد، وهو يؤسّس للفكرة لليبرالية لأنه يبلور معنى القانون بما هو اصطناع خارجي بالنسبة للأفراد»(9). لا شكّ أن ثمّة ترابطاً بين الديمقراطية، من حيث هي طريقة للمشاركة السياسية وتنظيم السلطة وتداولها وبين الليبرالية، من حيث هي نمط للوجود الاجتماعي في أبعاده المختلفة، ولكن هذا الترابط والتواشج ليس تماهياً. فالليبرالية لا تقبل الاختزال في شكل الحكم الديمقراطي، ذلك أنّ الاستبداد يمكن أن يتلاءم مع الليبرالية وخاصة في جانبها الاقتصادي ـ لنكتف في هذا الموضع، بالتأكيد على اتساع مجال الليبرالية مقارنة بالديمقراطية ولنؤجّل النظر في العلاقة بينهما إلى حين.
من سمات الليبرالية التمييز بين المجتمع المدني والدولة، وبين الحرية والسلطة، وبين الحق والقانون. في إطار الليبرالية لا تستقلّ السلطة السياسية عن الدين فقط بل عن المجتمع أيضاً. نجد من جهة السلطة المطلقة والقوية التي تشرّع القوانين وتحتكر وسائل تنفيذها، ومن جهة أخرى الحقوق الطبيعية الثابتة ومن ضمنها حق الحرية. هل نجح التصوّر الليبرالي في التأليف بين السلطة والحرّية؟ أو بصيغة أخرى: ما مدى الحرّية التي يمكن للمبادئ الليبرالية أن تسمح بها؟ كيف يمكن حماية وصيانة الحرّية خاصة والحقوق عامّة في ظِلِّ سلطة سياسية مطلقة رهانها الأساسي تكريس النظام والسلم المدنيين؟ لنتذكّر أن المبدأ الأول لليبرالية هو مبدأ الفردية، الفرد أوّلاً، ولكن بمجرّد أن يتكوّن النظام السياسي وتتشكّل السلطة حتى يفقد الفرد، صاحب الحقوق الطبيعية، هذه المكانة ويصبح اقتضاء النظام والسلم في الصدارة، وينكفئ الأفراد على أنفسهم منشغلين بحياتهم وبتلبية رغباتهم الخاصة.
يقوم التصوّر الليبرالي على الفصل بين الملوك (أو الحكام) والرعايا، وذلك يعني أن الأفراد لا يراقبون السلطة، فضلاً عن ممارستها. والشؤون العامة تُتْرَك لفئة قليلة من الناس تمكَّنَت ـ لسبب أو لآخر ـ من الصعود الاقتصادي والاجتماعي، فأصبح لها نفوذٌ سياسيٌ مجسّد في حكم الأغلبية وتمثيلها. هل يصحّ أن نقول إذن: إن التعاقدية Contractualisme تمثّل ركناً أساسياً من أركان الليبرالية؟(10) يرى ڤابيان سبيْتز مثلاً أن التعاقدية ليست مكوناً أساسياً من مكونات التأليف الليبرالي، وأنّ هذا التأليف لا يتضمّن في ميدانه الأصلي الحد من السلطة ومراقبتها من قبل المواطنين(11)، فالعقد الاجتماعي عند هوبز يفضي إلى تنازل الأفراد كلّياً عن حقوقهم وسلطاتهم.
لقد صيغت النظريةُ السياسية في التصوّر الليبرالي بحسب مفردات حقوقية لا بحسب مفردات أخلاقية. فالقانون من حيث هو قاعدة عامة يكرّس واقعية الحقوق الطبيعية، وبحسب هذا النموذج الحقوقي ـ الليبرالي(12) تكون الحرية سلبية(13)، أي محدّدة ومحدودة بالقوانين. حرية الأفراد تعني أن يتمتّعوا بـ «حقوق بورجوازية» خاصة بهم من حيث هم أعضاء حقيقيون في المجموعة السياسية. أن يكون الفرد حرّاً يعني أن يكون خاضعاً للسلطة لا متحرّراً منها، لقد تمّ تحديد الحقّ بالنظر إلى الفرد، فهو مَلَكَة أو خاصية يستمدّها الفرد من ذاته وليس شيئاً متطابقاً مع ما هو عادل بحسب الطبيعة. إنّه لا يحيل إلى مرجعية موضوعية متعالية كالله أو الطبيعة. إن علاقة الإنسان بالآخرين ليست علاقة مباشرة بل إنها علاقة تتوسّطها الأشياء، فحق الفرد يتحدّد بامتلاكه للأشياء واستعماله لهذه االملكية(14)، إذن هي عنوان الانتماء بل شرْط الإنتماء إلى المجموعة السياسية. إن البورجوازي أو «المواطن الفاعل» في الدولة هو شخص حرّ ما دام يمتلك الاشياء، أما غير المالكين فهم ينتمون إلى الدولة ولكنهم ليسوا أعضاء في المجموعة السياسية.
في إطار التصور الليبرالي ليس للحقوق الطبيعية قيمة متساوية.إذ تكتسب الحرية مكانة متميّزة، ولكن ذلك لا يعني إلغاء القيم الأخرى مثل العدالة والمساواة، ولكنْ، هاتان القيمتان تتحدّدان، في هذا التصور، بالنظر إلى امتلاك أو عدم امتلاك الفرد للأشياء؛ ومعنى ذلك أنّ العدالة والمساواة تكون موجودة بين المالكين أنفسهم لا بين المالكين وغير المالكين. هناك لا مساواة (تفاوت) أصلية بين الأفراد في الحالة الطبيعية (هوبز، لوك)؛ وبما أن الحالة المدنية لا تُكْسِب الأفراد حقوقاً جديدة، فإن اللامساواة خلالها تستمر، بل يتم الاعترافُ بها وتكريسُها قانونياً. ومثلما يوجد تفاوت في الملكيات يوجد كذلك تفاوت في الحريات. فالحرّ هو من يملك، ومن لا يملك ليس حرّاً.
وظيفة النظام السياسي هي حماية الحقوق الطبيعية وذلك بتوفير المناخ الملائم ليتمتع الأفراد بممتلكاتهم وتنميتها بكل حرية. إنّ الحرية الفردية بحسب، التصوّر الليبرالي، هي حرية من أجل الملكية، بمعنى أن الحرية تكون واقعية وفعلية بقدر ما ترتبط بالملكية ـ طبعاً تفهم الملكية في معناها العام (ملكية الأشياء المنقولة والملكية العقارية) ـ باعتبارها جملة الوسائل التي تمكّن الإنسان من المحافظة على حياته، ومن البديهي أن من لا يمتلك الوسائل المادية للفعل لا يمكنه أن يكون حرّاً ومستقلاً عن إرادة الآخرين.
في غياب أفق معياري موضوعي ومتعال على حركات «الذرات الفردية»، كيف يكون التأليف بين النظام (السلطة) والحرية ممكنا؟ كيف تكون الليبرالية نظرية في الحرية وهي التي تفصل، من جهة بين الدولة والمجتمع فتجعل نطاق تدخل السلطة كما نطاق الحقوق ضيقاً، ومن جهة أخرى تلغي، أو على الأقل، تقلّل من شأن الانتماء إلى الكُل إذ تركّز على الإستقلالية الفردية باعتبارها شرْط الحريات والحقوق؟ لا شكّ أن التفكير في هذه المعضلة سيجعلنا نقف على نقاط ضعف النموذج الليبرالي.
لقد قامت الليبرالية على أساس الحق الطبيعي للفرد وهي بهذا المعنى، نظرية «فردانية» تتحدّد تصوّراتها حول السلطة والقانون والعدالة والحرية بهذا الأساس. «إنّ لحقّ الفرد الطبيعي في الحياة ثلاثة جوانب مترابطة ومتمايزة: الحق في الحماية، أي في سلامة البدن. الحق في الملكية، أي في وسائل العيش والحق في الحرية، أي حرية تحديد الوسائل التي تحقّق حفظ الذات»(15)، وبالفعل فإن النظام السياسي يكتسب مشروعيته من حمايته وضمانه لتلك الحقوق وسيلته في ذلك هي القوانين المستندة إلى العنف الشرعي (القوة)، ولكن القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، بحكم مصدرها، إنما تعبّر عن حقوق المالكين ومصالحهم، وهدفها الأقصى لا يخرج عن حماية تلك الحقوق. من الواضح هنا، أنّ هذه الفكرة تحيل إلى النقد الاشتراكي لليبرالية. ولكن المذهب الليبرالي لا يقدّم نفسه على أنه يعبّر عن مصالح فئة معينة أو جزء محدّد من المجتمع، بل عن مصالح جميع الأفراد في المجتمع الواحد. هل يجوز اعتبار الليبرالية إيديولوجيا: نمط من أنماط الوعي الاجتماعي يلعب دور التبرير والتمويه. لعلّه أفضل من عبّر بوضوح عن فكرة «حماية الملكية الخاصة» باعتبارها هدفَ تكوين كلّ نظام سياسي، الفيلسوف الإنجليزي جون لوك. وكلّ التأويلات الليبرالية اللاحقة لـ لوك تجعل من الملكية الفردية حقّاً أساسياً لا يجوز انتهاكه من قبل الدولة سواء عن طريق اغتصاب الملكية أو عن طريق فرض الضرائب على المالكين دون موافقتهم.
يُعدّ تدخّل الدولة في شؤون الأفراد، وخاصة في المجال الاقتصادي، متعارضاً مع المبدأ الأساسي لليبرالية المتمثّل في حرية الفرد واستقلاليته عن السلطة. ولتجنّب مساوئ ذلك التدخّل ركّز الليبراليون الكلاسيكيون على فكرة التمثيل. يمكن تصور الليبرالية على أنها ديمقراطية في المستوى السياسي، ديمقراطية تمثيلية أو نيابية: «حكومة تمثيلية لضمان عدم انتهاك الدولة لاستقلالية المجتمع، ومجتمع منظّم بـ «اليد الخفية للسوق، تلك هي الليبرالية الكلاسيكية»(16).
يقتضي تحليل مفهوم الليبرالية النظر في مفهوميْن أصبحا شائعيْن في النصوص الفلسفية السياسية، وكذلك في الأدبيات السياسية المعاصرة هما: الديمقراطية الليبرالية Démocratie libérale والليبرالية الاقتصادية Libéralisme économique. الأول يدور حول الحريات والحقوق السياسية والمدنية، والثاني حول الحريات الاقتصادية (حرية العمل والإنتاج والتملّك والاستهلاك.. إلخ)، ولكن يجب أن ننتبه إلى أن هذا الارتباط بين الديمقراطية والليبرالية لا يعني التماهي بينهما بالضرورة. لا يقتصر الحدّ من السلطة إذن على المجال الاقتصادي (عدم تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية)، بل يشمل كل الأنشطة والممارسات التي تتبلّور فيها الحريات والحقوق الأساسية للفرد. هكذا تكون الليبرالية الاقتصادية جانباً هاماً من الليبرالية ولكنه، على أهمّيته، لا يختزلها.
يعدّ ظهور «الليبرالية الاقتصادية» كتوجّه أساسي في الاقتصاد (في القرن الثامن عشر) نهاية للمركنتيليّة Mercantilisme باعتبارها نمطاً من أنماط تنظيم الممارسة الاقتصادية يُولي أهمية قصوى للتجارة وأساليبها بما هي الوسيلة الأولى لتحصيل الثروة الممثلة في المعادن الثمينة (الذهب والفضة). ارتبطت المركنتيلية تاريخياً بظهور الدول القومية، فقد اقترنت «سلطة الدولة بمصلحة التجار». «يعتقد الاقتصادي والمؤرخ الألماني غوستاف شمولرْ (1838 – 1917) والمؤرخ الاقتصادي السويسري إيلي ڤيليپ هيكشر (1838 – 1952) أن خدمة مصلحة التجّار والخضوع لها كانا الاتجاه الطبيعي للدولة القومية، فالتجّار هم الذين يزودون الدولة بالموارد الاقتصادية التي تدعم سلطتها في الداخل والخارج»(17).
في منتصف القرن الثامن عشر ستظهر مجموعة من المفكرين الاقتصاديين وسيعلنون رفضهم للأفكار المركنتيلية لأنّها لا تتناسب مع «القانون الطبيعي» الذي يحكم الأنشطة الاقتصادية. أطلق على هؤلاء المفكرين إسم «الفيزيوقراطيون»(18) Physiocrates، وسُمّوا أيضاً بـ«علماء الاقتصاد». ويمكننا أن نذكر من بينهم ثلاثة أعلام ساهموا إلى حد كبير في صياغة الأفكار العامة للمدرسة الفيزيوقراطية: الأول هو فرانسو كينيه (1664 – 1774) François Quesnay، الذي كتب «الجدول الاقتصادي» Tableau économique سنة 1758. وقد وضّح فيه كيف تترابط وتتكامل الأنشطة الاقتصادية انطلاقاً من الزراعة التي هي المصدر الأول للثروة. والثاني هـو روبيـر جاك تورجو Turgot Robert Jacques (1728 – 1781) الذي اشتغل بالسياسة في عهد لويس السادس عشر Louis XVI، وقام بإصلاحات لتشجيع الزراعة ودعم التجارة المحلية. الثالث هو صامويل دي بون S. Du bon du Namur (1739 – 1817) الذي جمع أعمال كينيه تحت عنوان «الفيزيوقراطية la physiocratie» . يؤكد الفيزيوقراطيون بصفة عامة، على ضرورة الدورة الاقتصادية الطبيعية وعلى حرية العمل والمنافسة. ثمة فكرتان أساسيتان في المذهب الفيزيوقراطي قد تبرّران اعتباره تدشيناً أو تمهيداً لليبرالية التي ستتبلور ملامحها لاحقاً سواء على صعيد الفكر النظري أو على صعيد الممارسة العملية: 1) الأرض هي مصدر ثروة الدولة وثروة المواطنين. 2) يخضع النشاط الاقتصادي للقانون الطبيعي (ثمة دورة اقتصادية طبيعية تبدأ بالإنتاج الزراعي فالبيع والشراء فالربح فالاستهلاك). يتحدّد النشاط الاقتصادي في هذه الدورة بحسب مبدأ الحرية، فلا تتدخل الدولة إلا بغاية تشجيع دورة الاقتصاد وتنشيطها. هذا المبدأ عبّر عنه ڤنسنت غورنيّ Vincent Gournay في العبارة الشهيرة: «دعه يعمل، دعه يمرّ».
إنّ ما سبق يسمح لنا بالتأكيد على أن الليبرالية ليست مجرّد نظرية، بل هي حصيلة تجربة تاريخية تشكّلت بواسطة الممارسة الاقتصادية والفعل السياسي والتنظير الفكري معاً. ربّما يصحّ القول إن الفيزيوقراطية مثّلت تمهيداً لليبرالية، فكلاهما مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية. ومهما يكن من أمر العلاقة بين الفيزيوقراطية والليبرالية الاقتصادية فإن الفكر الليبرالي في أصوله كان واضحاً: «لا تدخّل للدولة في الشؤون الاقتصادية، بل إن فعلها هو الضبط والتنظيم عندما يكون ذلك ضرورياً لضمان احترام اللعب الحرّ للآليات الاقتصادية الطبيعية من قبل الجميع».
مع ظهور كتاب آدم سميث (ثروة الأمم) Wealth of nations سنة 1776، تحدّدت الولادة الحقيقية لليبرالية الاقتصادية ولعلم الاقتصاد السياسي. رفض سميث الأفكار المركنتيلية وأكّد على حرية التجارة الداخلية والخارجية وعلى ضرورة «اقتصار أنشطة الدولة على النهوض بأعباء الدفاع وإدارة العدالة، وتعهد الأشغال العامة الضرورية»(19)، ورأى أيضاً أنّ الضرائب يجب أن تكون غير مرهقة في تقديرها وفي تحصيلها. لقد ارتبط تنظير سميث لليبرالية الاقتصادية بولادة الصناعة وحلولها في المرتبة الأولى بالنسبة للأنشطة الاقتصادية التقليدية. بحسب هذا العلم الجديد تكون المصلحة الخاصة هي المحرك الأساسي للاقتصاد، وتكون «اليد الخفية» للسوق هي الكفيلة بحل المشكلات المرتبطة بتلبية حاجات الأفراد. وتبعاً لذلك تكون وظيفة الدولة هي ضمان المنافسة بين المصالح الخاصة في إطار «السوق المعمّمة» التي تحقّق بواسطة آلياتها الخاصة التوازن الضروري بين المصالح الخاصة من جهة والمصلحة العامة من جهة أخرى.
هناك جانب آخر للّيبرالية لا يقل أهمية عن جانبها الاقتصادي وهو ما اصطلح على تسميته بـ «الليبرالية السياسية». يمكن أن تجد الليبرالية السياسية توجّهاتها الكبرى في الفلسفة السياسية الحديثة وخصوصاً لدى هوبز ولوك وسبينوزا وروسو الذين ركّزوا، كلٌّ على طريقته، على الحقوق الطبيعية الأساسية للإنسان واعتبروها سابقة على كل تنظيم سياسي وعلى كل سلطة. تتجلّى الليبرالية السياسية في الحريات السياسية كما تتجسّد في الانتخابات وفي التمثيل وفي تنافس الأحزاب(20). إنها تتعلق باختيار الفرد لمن يحكمه وبمسؤوليته الفردية في اختيار الحكّام. تتضمن الحرية السياسية حقوقاً أساسية للأفراد مثل حرية التعبير وحرية النشر وحرية التنظّم وحريّة الاجتماع. ولكن مهما كانت أهمية الفرد في الليبرالية السياسية فهي لا تتماشى مع فردانية «تجعل الفرد غاية في حدّ ذاته». إن الليبرالية السياسية تفترض التعدّد والتنوع والاختلاف الاجتماعي. فحقوق الفرد هي أيضاً حقوق كل الأفراد الآخرين والخضوع للقوانين لا يحرم الفرد من استقلاليته. هناك دائماً مجالات للاختيار الحرّ تكون مفتوحة أمام الأفراد ذوي التوجهات والميولات المختلفة. يعتبر الليبراليون أن وظيفة الدولة تقتصر على حفظ النظام والأمن وحل الصراعات التي تنشأ بين القوى الاجتماعية ذات المصالح المختلفة، وأن عليها أن تترك مشكلة العدالة والمساواة جانباً لأن قواعد السوق كفيلة وحدها بحلّها. وفي المقابل يجعل الديمقراطيون الدولة شرطاً ضرورياً لتحقيق الحريات وحمايتها، ذلك أنّه لا توجد حرّية خارج نطاق القوانين. وفي هذا السياق يمكننا أن ندرج الديمقراطيين ضمن النزعة الجمهورية Républicanisme وأن نعتبر بالتالي تصورهم للحرية تصوراً جمهورياً.
يمثل «الاقتصاد السياسي» الإطار الذي تبلورت فيه الليبرالية الاقتصادية، وهو يُعدّ نتيجة لتحولات معرفية واجتماعية واقتصادية كثيرة أفضت بالمجتمعات الغربية إلى الدخول في العصور الحديثة. ويمكن أن نعتبر هذا العلم تأليفاً نظرياً بين الليبرالية السياسية والليبرالية الاقتصادية(21)، على الرغم من أن بعض أعلامه اعتبروه علماً خالصاً موضوعه الظواهر الاقتصادية. لم ينكر كينيه ولا سميث تدخّل الدولة في الشؤون الاقتصادية عبر التشريعات والقوانين. فالليبرالية الكلاسيكية لا تعني حرية اقتصاد مطلق، وهي أيضاً لا تقول بدولة الحدّ الأدنى Etat minimal، بل إن مفكريها أكّدوا على ضرورة تأطير الحريات الاقتصادية بواسطة المؤسسات الحقوقية والسياسية. وقد عبّر سيسموندي Sismondi قي بداية القرن التاسع عشر عن هذه الفكرة في كتابه (مبادئ جديدة في الاقتصاد السياسي) 1819. أراد هذا المفكر ذو النزعة الإنسانية أن يوفّق بين «تقنيات الاقتصاد الليبرالي وغايات المجتمع السياسي، فإذا كان هدف المجتمع الليبرالي هو السعادة في كل الوضعيات وليس المساواة بين كل الوضعيات فمن الضروري تدخّل المشرّع والحكومة لبلوغ هذا الهدف». إنّ محاولة المزاوجة بين الليبرالية الاقتصادية كمذهب وممارسة في مجال الاقتصاد والليبرالية السياسية باعتبارها جملة الحريات السياسية اللازمة لتحقيق الرفاه والسعادة للأفراد ليس أمراً جديداً إذن. هذه المزاوجة تتم من منطلق أن الأمر يتعلّق بمجاليْن إجتماعيين مترابطين: الاقتصاد والسياسة. لا يتحقّق ازدهار اقتصادي أو رفاه اجتماعي دون حريات سياسية وحقوق مدنية، أي دون ديمقراطية. يعبّر بينوا P. Bénoit عن هذا المعتقد الليبرالي بقوله: «لا توجد حرية الإنتاج والاستهلاك دون حرية الاختيار، وهي المَلَكَة التي لا يعترف بها الأفراد سواء كانوا منتجين أو مستهلكين، إلا في إطار الليبرالية السياسية»(22).
مهما يكن من أمر حضور الاقتصاد في مفهوم الليبرالية فإنه يتضمن دلالات سياسية، إذ أنه يحيل إلى الوجود السياسي، وتحديداً إلى طبيعة العلاقة بين الفرد والسلطة التي في إطارها تندرج مسألة المُلْكية والسلطة والسيادة. إنّ «الليبرالية كما يَعْرفها الجميع نظرة لسياسة قائمة على تصوّر الفرد باعتباره كائناً خاصّاً يطلب أهدافاً ويدافع عن حرياته الخاصة، ولا يرى في الدولة إلا ضامناً لاستمرار نشاطه الشخصي. كما أن هذا الفرد يحتفظ بجزء كبير من شخصيته بمنأى عن تدخّل الحكومة [...] فبالإمكان الإعتقاد أن هذه الأخيرة تنحو إلى أن تكون لاشخصية وبالتالي، وبشكل مفارق، تسلّطية في الميادين التي لاتكون فيها غائبةً تماماً»(23).
***

……… التتمة في العدد

قراءة بنيويه ـ فعلانية لمنطق اشتغال المؤسسة
السياسة في مجتمعات ذات تركيبية قَبَلية ــ عشائرية
عمر الزعفوري

مقدمــة
ارتبطت مقولة «الرأسمال» تاريخياً بالصراعات الاجتماعية التي شهدتها مجتمعات الغرب الرأسمالي، حيث شدّد التنظير الماركسي على أن الطبقة البورجوازية تستمد شرعية هيمنتها على باقي طبقات المجتمع، وفي مقدمتها البروليتاريا، من امتلاكها لوسائل الانتاج المادي، أما الانتاج المعنوي من فكر وفن فيتحدد بموقع أصحابه داخل العملية الانتاجية، ومن ثمة لا سبيل إلى الحديث عن بنية فوقية للمجتمع إلا في ارتباطها بالبنية التحتية التي يشكل الرأسمال الاقتصادب أهم مقوماتها: من لايملك لا يُبدع.
هذه المقولة (الرأسمال) شهدت تطويراً على يد الفرنسي پيار بورديو عندما بنى تحاليله على فكرة الصراع والتناقض كما وردت في التنظير الماركسي، ولكن مع التنبيه إلى أن الرأسمال لم يعد اقتصادياً فحسب وإنما هو كذلك «سياسي» و«اجتماعي» و«ثقافي» وأيضاً «رمزي»؛ لأن الصراع ليس بين من يملك ومن لا يملك، بعد أن تراءى له المجتمعُ مجموعةَ حقولٍ، لكل حقل منطقُ اشتغاله الخاص ورهاناته التي يمكن أن تكون غير مادية. بمعنى آخر، يمكن أن يوظف الرأسمال الثقافي أو الاجتماعي أو حتى الرمزي لتحقيق هيمنة تتيح لأصحابها تحقيق بعض الامتيازات المادية. هذا التوجه الجديد الذي نلمسه كذلك في فكر الفرنسي آلان توران، أخرج الفكر الماركسي من دائرة «المركزية الغربية»، وفتحه على مجتمعات أخرى تختلف تركيبتها عن تركيبة مجتمعات عرفت الثورة الصناعية وما ارتبط بها من تحولات أفرزت قوى اجتماعية أخذت على عاتقها صنْعَ تاريخ مجتمعاتها؛ من هذا المنطلق سنحاول تطبيق مفهوم «الرأسمال الثقافي» على واقع مجتمعات ذات تركيبة قَبَلية ـ عشائرية لفهم منطق اشتغال المؤسسة السياسية فيها حيث يكون الرصيد الثقافي قابلاً للتحويل إلى رصيد سياسي يتموقع بواسطته العون الاجتماعي داخل فضائه.
I.البنيوية والفعلانية وجهان لعملة واحدة
يبدو الجمع بين البنيوية (le structuralisme) والفعلانية (l`actionnalisme)، لأول وهلة، غريباً لأنه يسعى إلى التقريب بين تصورين نظريين يصدران عن قراءتين متنافرتين ـ في الظاهرـ الظواهر المجتمع. الأولى (أي البنيوية) تشدّد على أسبقية البنية على الأعوان الاجتماعيين المنخرطين فيها، بينما تذهب الثانية إلى أن ما ينبغي التنبّه إليه هو ما يحدثه فعل الفاعلين الاجتماعيين في نسق الفعل. الفرد، من منظور البنيوية، حامل لجملة من البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يعيد انتاجها عبر عملية التنشئة والتطبع؛ أما الفعلانية، فبقدر ما تقر ضمنياً وجود النسق الذي يستوعب الفعل الاجتماعي ويحدده، فإنها تدرك قدرة الفاعل (acteur) على تحويل ذلك النسق وتغييره ليضحى صانعاً للتاريخ، علماً أن هذا الفاعل ليس بالضرورة فرداً، إذ يكون طبقة أو مجموعة اجتماعية أو حزباً أو نقابة أو غيرها من هياكل المجتمع.
قبل الخوض في توضيح جوانب التقارب بين القراءتين، حريٌّ بنا أن نشير إلى أن هذا الفهم القائم على منطق التضاد بين البنيوية والفعلانية لا يمكن فصله عن طبيعة تعامل العقل العربي مع المدارس النظرية الغربية الحديثة وعلى رأسها الماركسية التي تجد امتداداتها لدى كل من البنيويين والفعلانيين. هو تعامل يحنط هذا الفكر العلمي ويحكم عليه إما بالصلاحية لكل زمان ومكان، فيُنظر إليه على أنه يقدم حلولاً لكل المشاكل؛ والحال أن الفكر الماركسي لم يدَّعِ لنفسه ذلك إطلاقاً، أو يرفضه برمته بدعوى أنه لا يتلاءم مع مشاكل العصر ولا تتماشى منطلقاته مع قيمنا وتراثنا ومعتقداتنا.(*)
فقلما نعثر على قراءات جدلية لهذا الفكر، وإن لم تكن معدومة، تبحث عن تطويع لمفاهيمه قصد توظيفها لفهم تناقضات تخترق مجتمعات لا يمكن تصورها خالية من منطق الصراع الطبقي. فأغلب قراءات الماركسية يهتم أصحابها بمسألة نراها تشوّه الفكر الماركسي أكثر مما تقدمه على حقيقته كفكر علمي، حيث يشغل هؤلاء أنفسهم بمسائل البحث عن طبيعة نمط الانتاج وحصر عدد الطبقات في المجتمع لمعرفة طبيعة العلاقات بينها. هي قراءات تغريبية لأنها تعبّر عن حالة من الاستلاب الفكري يعرفها المثقف العربي عندما يعيش التاريخَ على أنه حركة دائرية تكرر فيها بعضُ المجتمعات نفسَ المراحل التي قطعتها مجتمعاتٌ أخرى أحرزت سبقاً في مجال التقدم التكنولوجي وحركة التصنيع. مثل تلك القراءات تجيز لأصحابها الحديث عن فشل الاشتراكية، أو تبقيهم في وهم انتظار ثورات شعبية تحقق ما تحدث عنه ماركس في القرن التاسع عشر ـ المجتمع الشيوعي.
لقد ذهب بعضهم إلى حد الحديث عن نهاية الفكر الاشتراكي وموت الفكر الماركسي، وذاك، في الحقيقة، تعبيرٌ عن حالة من الإحباط يعيشها مثقف يستشعر التهميش ويدرك أنه غير فاعل في واقعه. هذا التضارب الذي يفتعله البعض
ـ وربما عن قصد ـ بين بنيوية بورديو وفعلانية توران، يُعتبر امتداداً لهذه الذهنية التحنيطية التي تصرّ على تصنيف القرّاء والباحثين بوضعهم في قوالب بنيوية أو فعلانية؛ وإن أردنا لغة السياسة، فهي تضع كل من يتبنى قراءة بنيوية للواقع ضمن قائمة «الرجعيين» و«الانهزاميين»، وتعتبر كل من يحلل بمنطق الفعلانية «ثورياً» و«تقدمياً».
لقد قدم بورديو بصفته أحد المهتمين بالتصورات الثقافية في علاقتها بواقع الصراع الاجتماعي، مفاهيمَ على غاية من الدقة، تمكّن من تشخيص هذه الذهنية، لعل أهمها مفهوم «التصنيف» (catégorisation) الذي يرتب من خلاله أصحابُه ذواتِهم، ويتموقعون داخل البنية التي تحتضنهم عبر تصنيفهم لبقية الأعوان الاجتماعيين.
هذا التصنيف هو ضرب من ضروب التميّز distinction، المرتبط بموقع ما داخل الحقل، وبحجم الرأسمال الذي يحمله العون وكذلك نوعيته. معنى ذلك أن المجتمع منظور إليه كفظاء يتموقع فيه الأعوان الاجتماعيون طبقاً لرصيدهم من الرساميل، عبر جملة من الاستراتيجيات طورتها الطبقات التي ينتمون إليها للحفاظ على مواقعها الاجتماعية، وضمان استمرار امتيازاتها التي لاتتحقق إلا بإعادة انتاج الهيمنة (hégémonie). أصحاب تلك الرساميل من الطبقات المهيمنة هم الذين يتحكمون في سوق العرض والطلب داخل المجتمع الذي ينظر إليه كسوق (marché) لتبادل البضاعة المادية والرمزية. رصيدٌ قوي من العلاقات الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية أو غيرها، كفيلٌ بأن يجعل حامله قادراً على التحكم في اللعبة داخل الحقل وإدارتها وفقاً لما تتطلبه مصالحه، لتصبح القيم المتداولة بين مختلف الأعوان في حقل ما، مساهمة في تكريس الهيمنة ودافعة للمهيمن عليهم إلى قبول تلك الهيمنة، بل تشريعها (légitimation) عبر تمثلها وتبنيها إلى حد الدفاع عنها دفاعاً أعمى ،كزنها فيمهم التي أنتجوها بأنفسهم. الطريف في الأمر أن تلك الرساميل التي كان يستحيل انتقالها من طبقة إلى أخرى في نظر الفكر الماركسي الكلاسيكي قابلة للتحويل (capitaux convertibles) بحيث يمكن لحامل الرأسمال الثقافي أن يوظف رصيده ذاك في الحقل السياسي، ولصاحب الرأسمال الاقتصادي أن يبحث عن السلطة والنفوذ في الحقل الرياضي مثلاً ليصبح رمزاً من الرموز في المجتمع كما هو الحال مع رؤساء كبار الجمعيات الرياضية والذين يستغلون موقعهم ذاك لتدعيم ثرواتهم الاقتصادية مستغلين في ذلك ما أحرزوه من «شعبية» ومن رأسمال رمزي قد يؤهلهم للمنافسة على المناصب السياسية ما دامت الجماهير التي تقف وراءهم بصفتهم رموزاً رياضية هي نفس الجماهير التي تشكل الرأي العام السياسي في البلاد. لا يحتاج هذا التحويل إلى إذن مسبق لأن الحقول الاجتماعية مفتوحة على بعضها البعض مادام قانون المنافسة والصراع هو الذي يحكم العلاقات الاجتماعية. فالحقل ليس إذن، كما يتصوره البعض، عالماً صغيراً منغلقاً على ذاته (microcosme fermé)، مما يوحي لنا بأن الفعل والحركة غير منعدمين تماماً، وأن التصور البورديوزي للواقع لا يقوم على قتل الذات وانتفاء الحركة والتحول. أنسب لنا أن نتحدث عن أولوية البنية على العون لدى هذا المفكر من أن نذهب إلى الذات لا وجود لها أصلاً، وهو ما يجيز لنا البحث عن نقاط التقاء بينه وبين توران أول المهتمين بالحركات الاجتماعية ومسألة التغير والتحول منطلقاً بدوره من قراءة نقدية لفكر ماركس باعتباره فكراً يقرّ بأن حركة التاريخ خطية (linéaire) يحكمها منطق تطوري.
انطلاقاً من هذا المجتمع بين المقاربتين سنحاول قراءة الواقع السياسي لمجتعات ذات بنية قَبَلية ـ عشائرية متوسلين في ذلك ببعض المفاهيم التي أنتجها هذان القطبان لفهم الكيفية التي تشتغل بها المؤسسة السياسية في مجتمعات لا تخلو من الهيمنة والصراع الطبقي. لعل أول سمة تطالعنا عند مقاربة هذه البنية هي الانتقالية والتعدي (la transition) إلى بنية حضرية جديدة مما يجعل خطابات الفاعلين السياسيين متضاربة، في الكثير من الأحيان، مع الخطاب السياسي الرسمي، وذاك ما سنحاول إثباته عبر معالجتنا لانخراط المثقف في بوتقة العمل السياسي.
II. الفعل السياسي للمثقف في سياق التحضر الانتقالي
تنطلق بعض القراءات التبسيطية من اعتبار وضعية التحضّر الانتقالي(*) (l`urbanisme transitionnelle) حالة من تصلب البنى التقليدية وتكلسها تبديها مجتمعات يُنظر إليها على أنها تقليدية في مواجهة منها لمنطق التعصير، وهي نظرة تطور إزاءها صورة سلبية باعتبارها غير قابلة للتحضر ومنافية بطبيعتها لمنطق التغير والتحول.
في محاولة منا لتجاوز هذه النظرة التي لا تخلو من خلفية إيديولوجية، يصنّف(**) بمقتضاها أصحابُها المجتمعات إلى «متقدمة» وأخرى «متخلفة»، سنحاول أن نبين أن وضعية التحضر الانتقالي ليست إلا نتاجاً لمسار من التحولات، وبالتالي يقتضي فهمُها ربطَها بذاك المسار ووضْعَها في سياق ديناميكية المجتمع ككل.
فلقد انتقلت هذه المجتعات من نمط حياة يقوم على الأنشطة الاقتصادية المعيشية (تربية الماشية وزراعة الحبوب) إلى اقتصاد السوق بعد انخراطها في منظومة السوق العالمية، بدايةً من سبعينات القرن الماضي، لتعرف تخصصاً في بعض انخراطها في بعض المنتوجات (الزراعات السقوية خصوصاً) ولتصبح حياتها أكثر ارتباطاً بحركة السوق، وذاك من شأنه أن يؤثر في التركيبة الاجتماعية لهذه المجتمعات بأن تتفكك بناها القَبَلية ـ العشائرية وتتلاشى دونما اضمحلال ليقع توظيفها لخدمة البرنامج التحديثي الذي تضطلع به دولة الاستقلال.
فالتحضّر الانتقالي، حينئذ، ليس إلا نتاجاً لمسار التحول الذي شهدته هذه المجتمعات عندما انتقلت من بنية قَبَلية ـ عشائرية إلى بنية جديدة أفرزتها عملية التحديث (modernisation)، وهذا ما يعني أن قراءة بنيوية نهتم فيها بفهم التغيرات الهيكلية التي تلحق البناء الاجتماعي كما يمكن أن تكون قراءة فعلانية تقوم على مفاهيم «التغير» و«التحول» التي تحيل على الجانب الديناميكي.
لعل أقرب مفهوم في علم الاجتماع الفعلاني إلى فهم هذا الواقع الخصوصي هو مفهوم «حقل الفعل التاريخي»(1) (champ d`action historique)، باعتباره يحيل على معاني الفعل (action)، والصراع (champ)، وصنع الفاعلين الاجتماعيين لتاريخهم (historique). فمفهوم الحقل يفترض وجود الصراعات والرهانات والمواقع لا في المجتمع ككل، مثلما يشير إلى ذلك علم الاجتماع الكلاسيكي، وإنما في إطار نشاط اجتماعي مخصوص (الاقتصاد، السياسة، الثقافة، التربية، الفن..) تحت تأثير ظرفية تاريخية محددة. بمعنى آخر، يستمد الفعل الاجتماعي طبيعته من نمط مجتمعي مخصوص (مجتمع ما قبل صناعي، مجتمع صناعي، مجتمع مابعد صناعي، مجتمع تابع…).(***)
هذه النمذجة تفرض علينا تحديداً لطبيعة المجتمع الذي يندرج فيه الفعل السياسي للمثقف، وهو مجتمع تابع، لم تحافظ فيه البنى القديمة على نقاوتها ولم تنجح في الانخراط في النسق الحضري لتكتسب صبغة الحداثة، وهذا ما سيطبع ممارسة المثقف في الحقل السياسي.
لقد شعر هذا الأخير، طيلةَ الفترة البورقيبية في تونس، أنه مقصيّ من دائرة العمل السياسي، لأن المسؤولية السياسة آنذاك كانت موكولة إلى من كان منظوراً إليهم على أنهم قد ناضلوا وصنعوا تاريخ الحزب الحاكم، ولم تُفتح أمامه أبوابُ «المشاركة» السياسية واسعةً إلا في مطلع التسعينات عندما تطور خطاب سياسي جديد، غايتُه تعبئةُ النُخب المثقفة واستحثاثها للمشاركة السياسية، فكان التهافت على المنصب السياسي من قبل الكفاءات كبيراً، ترجمُه انفتاحُ المؤسسة السياسية على حاملي الشهادات العليا؛ وهو ما سينعكس على تركيبتها خصوصاً في الجهات التي شهدت حركة تحضر متسارعة. انخراط المثقف في العمل السياسي، مما يعني أن النؤسسة السياسية ستشهد أشكالاً جديدة من الصراعات والتناقضات.
ففي مستوى تركيبتها يعبر الهيكل التنظيمي بجلاء عن فاعلية المنطق القَبَلي ـ العشائري في صلبها، بحكْم أنها مكونة من خلايا دستورية، تمثل كل منها عرشاً معيناً أو حياً من أحياء المدينة، وهو ما يطرح على المسؤول السياسي على رأسها مهمة التوفيق بين تلك العروش باعتبار تضارب مصالحها واختلاف مواقعها في صلب التركيبة الاجتماعية؛ فيقاس نجاحه في مهمته تلك بمدى إحكامه لإدارة اللعبة السياسية في صلبها. فهو بإزاء منظومة معقدة من العلاقات تتخذ فيها التحالفات بين تلك الخلايا شكلاً أخطبوطياً، متأثرة في ذلك ببعض الأحداث أو القرارات على الصعيد القومي أو الجهوي.
ما يلاحط، في مستوى اشتغال هذه المنظومة، أن البنى القَبَلية ـ العشائرية لا تشتغل فيها نقيّةً لأن التناقضات ليست بين عرش وعرش فقط وإنما هي تخترق كذلك العرش الواحد فتضع خلية ما في مجابهة خلية أخرى(*)، وذاك من شأنه أن يعسر من مهمة المسؤول السياسي في رأب الصدع، لأن التناقض قد يخرج عن إطاره السياسي لتكون له امتدادات اجتماعية يُعسّر تطويقها والسيطرة عليها، وقد تعصف بذاك المسؤول عندما يخشى من أن يتحول ذاك التناقض الثانوي إلى تناقض رئيسي يضع السلطة في حدّ ذاتها موضع سؤال.
إن تعيين مسؤول سياسي جديد على رأس تلك المؤسسة أو خلع مسؤول آخر، على سبيل المثال، قد يفرز تحالفات لم تكن متوقعة ويدفع بشخصيات جديدة إلى دفّة المسرح السياسي. معنى ذلك أن الشرعية لا تستمد من أهلية تلك الشخصية بتحمل تلك المسؤولية بقدر ما تستمد من وظيفتها في إطار نسق معين من التحالفات قد تتجاوز رهانات المتحالفين أنفسهم. فأطراف الفعل السياسي في هذه المنظومة ليست محددة تحديداً آلياً بالبنية القَبَلية ـ العشائرية، وبمعنى آخر، لا يعيدون انتاج تلك البنية بطريقة ميكانيكية تجعلهم سجناء المنطق القَبَلي ـ العشائري وإنما يوجدون، عبر فعلهم السياسي، بنية جديدة تتفتت في إطارها البنية القديمة دون أن تنحل أو تفقد كيانها لأنها ستعيد التشكل من جديد كلما اقتضت الظروف والملابسات ذلك.
إنها حركة تراوح بين التفكك وإعادة التركيب، تُملي على الفاعل الاجتماعي في الحقل السياسي ألا يعرف بالتحديد موقعه ومواقع غيره من الفاعلين، وبالتالي يعجز عن رسم الاستراتيجية المناسبة لكي يكون في قلب اللعبة السياسية ويملك مفاتيح التحكم فيها. فاستراتيجيته هي ألا يتبنّى استراتيجية محددة وألا يكشف عن أوراقه السياسية لأنه يدرك جيداً أنه واقف على أرضية متحركة، وأن صديق اليوم السياسي قد يكون عدو الغد. لعلّ ذلك يمكن تفسيره بأن الاعتبارات القَبَلية ـ العشائرية لاتشتغل في المطلق، وإنما تبعاً لطبيعة المرحلة، أي أن الفاعل السياسي لا يعطي قيمة لانتمائه القَبَلي ـ العشائري إلا بقدر ما يخدم ذلك استراتيجيته ويتناغم مع طموحه السياسي. فكأن التموقع داخل الحقل السياسي لا يكون إلا بالمراوحة بين بنية قَبَلية ـ عشائرية تشد الفاعل إليها شداً قوياً، وبنية حضرية آخذة في التشكّل تفرض عليه الاستقلالية والتحرّر من الأولى.
كيف يمكن أن نفهم هذه النوعية من الممارسات في ظل وضعية التحضر الانتقالي؟ لا بد، في البدء، من التذكير بأن السمة المميزة لهذا التحضر هي الطفرة التي شهدتها بعض المدن في ظرف زمني قياسي في إطار ما سمي بـ «إعادة التوازن بين الجهات» حيث اتجهت عناية الدولة إلى تشجيع التمويلات قصد خلق أقطاب صناعية في جهات عرفت فراغاً حضرياً خلال العشريتين اللتين تلتا الاستقلال، فكان التركيز جلياً على البعد الاقتصادي للتنمية ولم تشهد، في المقابل، البنى الاجتماعية والثقافية تحولات تواكب تلك الانجازات(2). بمعنى آخر، لم تتفتت البنى القَبَلية ـ العشائرية ولم تندثر، بل ظلت تعبر عن وجودها واستمرارها من خلال بعض الممارسات اليومية ومنها الممارسة السياسية. ففي إطار التحضّر الانتقالي أضحت المدينة محل رهان وموضع صراع بين قوى اجتماعية، تعبر عن نفسها من خلال الانتماء العشائري. فبعض العروش التي انخرطت في مسار التحديث تتواجد، عبر مثقفيها وحملة الشهادات العليا، في صلب المؤسسة السياسية، لتمسك بدواليب التجارة والخدمات من داخل المؤسسة لأنه كان يستمد شرعيته من رصيد نضالي أيام حرب التحرير، وهو الآن جاهد في إعادة سالف تلك الأمجاد، إلا أن القاعدة الاقتصادية التي تستند إليها الشرعية السياسية في الظرف الراهن لا تتوافر لديه، مما ينقص من حجمه السياسي. أما البعض الآخر فإن رهانه منصب على النشاط الفلاحي في الريف ولا يتعامل مع المدينة إلا كفضاء تجاري لترويج منتوجاته، لذلك يكون وزنه السياسي صغيراً مقارنة ببقية العروش التي سبق أن أشرنا إليها. فالدعم أو المساندة التي يلقاها المثقف المنخرط في الحقل السياسي لا تعود إلى وزنه كرجل سياسة بقدر ما ترتبط بالوزن الاقتصادي للعرش الذي ينتمي إليه، ومن ثمة يهمش بعض المثقفين لأن عروشهم مهمشة في النسق الحضري الذي هو موضع رهان من قبل الفاعلين السياسيين.
هذه المصالح الاقتصادية التي تعبر عن ذاتها في ثوب سياسي تفضي إلى أشكال معقدة من التحالف في صلب المؤسسة السياسية حتى أن موقع بعض الفاعلين داخلها تُوحي لنا بأنها لا تتناسب مع مواقع عروشهم داخل النسق الحضري. حقيقة الأمر أن التهميش السياسي لأولئك الفاعلين يفرض عليهم البحث عن مواقع لهم حتى وإن تطلّب الأمر انسلاخهم عن الانتماء القَبَلي ـ العشائري، ولكنه انسلاخ ظرفي، لأن المرجعيات القَبَلية ـ العشائرية، في حال تَبَدُّل التركيبة السياسية، تبقى محددة في نهاية المطاف. فالعرش موطن الخلية الدستورية (الشعبة)، وهذه الأخيرة هي التي تضمن استمرار ذاك الفاعل السياسي في صلب المؤسسة السياسية وانسحابه منها. الطريف في الأمر أن الانضمام إلى صف المعارضة السياسية، بغض النظر عمّا إذا كانت معارضة شكلية أو فعلية، قد استند إلى تلك الأرضية القَبَلية ـ العشائرية حتى باتت سمة المعارضة تلحق بهذا العرش أو ذاك.
في خضم هذه المعادلات الصعبة والمعقدة تفقد الشهادةُ التي يحملها المثقف المنخرط في العمل السياسي قيمتَها العلمية، لأن صاحبها يبقى محسوباً على هذا الشق أو ذاك؛ وقد يُلاقي فشلاً ذريعاً وينتهي إلى الإنزواء. ولسائل أن يسأل: ما هو الرهان الذي يحفّز هذا الصنف من المثقفين؟ أهي الرغبة في ممارسة العمل السياسي، أم هو شيء آخر؟
في الحقيقة، لا يتسنّى لنا فهم هذا الرهان مفصولاً عن التوجه العام لمجتمع تحكمه قيم المادة والإحراز على أقصى ما يمكن من الامتيازات ودرجات الشهرة. فالمثقف، كغيره من الطامحين إلى تحقيق ذلك، يُدرك حيداً أن سبيل الثروة لا يُفتح أمامه إلا إذا نجح في تحويل رأسماله الثقافي إلى رأسمال سياسي، يمكّنه من احتلال منصب مرموق، كأن يُصبح عضواً في مجلس النوّاب، أو في اللجان المركزية للحزب. وربما حالفه الحظ بالارتقاء إلى رتبة كاتب دولة أو وزير. فالامتيازات المادية والمعنوية المقرونة في ذهن هذا المثقف بهذا الارتقاء عديدة (قروض للحصول على سيارة ومسكن، حصانة برلمانية، شخصية مشعّة جهوياً ووطنياً..)، لذلك يتطلّب منه الانخراط في العمل السياسي تضحيات كثيرة وتنازلات عديدة تصل حدّ التخلّي والتنكّر لمبادئ كان قد حملها ودافع عنها أيام كان طالباً بالجامعة، وحجّته في ذلك أن النظرية شيء والواقع شيء آخر. فكأن سيادة الحزب الواحد في بلاده تُلزمه بألا يُناضل في سبيل إرساء قيم العدالة والديمقراطية، وبأن ينحني أمام متطلبات الليبرالية الجديدة تحت وطأة الضغوط التي يسلّطها تيار العولمة على شعوب لم تنجح بعد في التخلّص من ربقة التبعية.
ينقلنا مسار التحليل من الحديث عن أوضاع المثقف في مجتمع بعينه، إلى الحديث عن دور المثقف العربي ـ بصفة عامة ـ
في مجتمعاتٍ تشهد هجمة شرسة تستهدف ثقافتها وقيمها وتراثها. والغاية من ذلك هي إعادة تشكيل بُناها بما يتوافق مع مصالح الطرف المهيمن على المنظومة العالمية على المدى القصير والطويل.

…………التتمة في العدد

الثورة العربية: الواقعة والتأويلات
زهير الخويلدي

استهلال
لعلّ الحديث عن الثورة هذه الأيام هو حديث تَنشد إليه الأنفس وتَطرب له الآذان، خصوصاً عندما ينبع من الوجدان، ويلهج به لسان عايش الثورة عن قُرْب، ويردد أهازيجها حينما يكون أمام ثلة من الفاعلين فيها والقائمين بها والذين قدّموا الغالي والنفيس من أجلها، ولعلّ أيضاً فهم أحداثـها وتذكُّر أيامها والتوقّف عند محطاتـها يتطلّب تأويلاً لامتناهياً لوقائعها وآلياتها، واستشرافاً لمستقبلها وغاياتها.
غير أن موضوع: «الثورة عند العرب» يستحق تحليلاً عميقا يعتمد على كلِّ ما يوفره الحسّ السليم ـ bon sens من آراء واعتقادات، وما تتلفّظ به الجماهير من تصريحات حماسية وأقوال عفوية تحاول الوصول إلى نتائج فورية إما عن طريق الغريزة أو عبْر نوع من الحدس الذي تغذيه التجربة المشتركة، ولكنه أيضاً يستثمر مقاربات العقل الأداتي Raison instrumentale، الذي بذل جهوداً كبيرة عن طريق وسائل الاتصال الحديثة من أجل توطيد العلاقة بين الأسباب والنتائج، وربط سلسلة من الظواهر الطبيعية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية بالحجج المنطقية والقواعد الكلية التي تفسرها.
بَيْد أن أهمية الموضوع والفيض الديمقراطي الذي أفرزه واشعله على المنطقة العربية يستوجب التسلّح بالعقل الفلسفي التواصلي ـ Raison philosophique communicationnelle ـ
والاستراتيجيات التأويلية من أجل فهم عميق لواقعة الثورة قصد تخليص المعطيات التي توفرها التجربة الإنسانية العامة في طابعها التلقائي المشتّت، وفهم الركائز المقولية Bases categorielles التي تشتغل وفقها التقنيات الإتصالية والتجارب الميدانية وإعادة بنائها في لوحة نظرية واحدة وفق جملة مفهومية شاملة تعبّر عن معرفة ناظمة تعكس تدفق الأحداث ونُبْل المقاصد وشرعية الوسائل وحيوية الأفعال ونضالية الحركات وتألق الفاعلين.
عندئذ يكون الحديث الفلسفي هو الحديث الأصيل لأن «الفلسفة هي اتخاذ موقع معقول بالمقارنة مع كلية الواقع»(2)، وأنها تنشد هدفين: هدف معرفي هو توحيد مكتمل لمختلف الأنساق، وهدف عملي يتمثل في تحقيق التساوق مع القيم. ان ما يضيفه العقل الفلسفي التأويلي هو التعرّف على مستويات جديدة من التفكير يتمثلها الثوار بشكل صامت وعفوي قبل الثورة، وكانت هي المحددات الشرطية للسلوك الثوري والسماح لها بأن تعبّر عن نفسها من خلال التفكير المقولي والمجهود النظري وشغل النص الفلسفي.
إن الأمر يتعلّق بالبحث عن الطبقة المقولية التي يخفيها الخطاب الثوري وتكتنز بها الثقافة الثورية واستخراج المشترك العملي والتصوّر النظري عند جميع الناس لحظة الثورة، وتَبْـيِّن مدى الانخراط في جملة من الأسس المعرفية والمبادئ التوجيهية للفعل يمكن تسميتها بالعقل الجمهوري العامل الذي يتميز بتحويل الحدث الافتراضي إلى تجربة ملموسة وحقيقة معاشة.
إن العنوان بهذه الصيغة: «ثورة الشباب العربي هل هي فرصة للقطع مع الماضي؟»، يتضمن فرضية قَبْلية تُشير إلى أن الشباب دون غيرهم كانوا القلب النابض للثورة، وأنهم منحوا الشعب فرصة للقطع مع الماضي. إن المسلمات الضمنية لمثل هذا الإدّعاء هي مساهمة فئات أخرى في الثورة مثل الأطفال والكهول والعاطلين والنساء والشيوخ والعمال والمثقفين.. وبالتالي رفع شعار ثورة الشباب على أهميته فيه كثير من التعميم وعدم الإنصاف.
من جهة ثانية، إن التمعن في لفظة فرصة المذكورة في العنوان، يُحيل مباشرة إلى المخاطر التي تتهدد الثورة وتحوِّل الفعل الثوري إلى ظرف طارئ واستثناء، وليس قاعدة ووضع مستقر وإمكانية ضياع المكاسب وظهور عوائق وقوى مضادة للثورة تعيد إنتاج النظام البائد وتواصل نفس السياسة الإرتجالية وتؤبد المنظومة الشمولية، وتمنهج الفساد والاستغلال.
كما يثير العنوان مفارقة تتمثل في التأكيد على ضرورة القطع مع الماضي والقيام بمراجعات نقدية لمضامين الفكر وشروط العمل، وكيف اشتغال المؤسسات، وفي الآن نفسه يفترض أن يحرص الجميع على بناء الكتلة التاريخية ويدخلوا في التحالف والعمل الجبهوي قصد تخطي منطق الإقصاء والتهميش وبلوغ درجة من التفاهم بين مختلف القوى المتعددة والرؤى المتباينة من أجل صناعة المشترك الديمقراطي وبناء الفضاء المواطني مستقبلاً.
إن ما يخفيه مثل هذا القول، أن الثورة منذ انطلاقتها قد سعت إلى تحطيم رواسب الماضي والإجهاز على البُنى التقليدية، وكنس قلاع الاستبداد. ربما قد يحصل كل ذلك دون أن يقوم أي طرف بمراجعات نقدية من جهة نظرية وبتحرير الممارسة العملية على الرغم من تفشي منطق الإقصاء والتهميش والتنازع بين الحساسيات والمجموعات.
إن هذا المُعطى يفسّر بافتراض أول؛ وهو أن الثورة حصلت دون التعويل على الثقافة المعارضة السائدة ودون حدوث تقريب بين وجهات النظر المتباينة.، إن قوى الشعب الثائرة عوَّلت على نفسها.
أما الافتراض الثاني فيتمثل في أن الثورة أسست لنوع جديد من التواصل مع الذاكرة النضالية، واستمرت في مراكمة الاحتجاجات وتكثيف موجات الغضب، وحوَّلت التذمّر إلى لغة الحياة اليومية. وبذلك عِوَضَ أن تقوم على منطق القطع والانكسار والفصل، ارتكزت على منطق المصالحة والانغراس في التربة الوطنية والترسّب والمراكمة.
غني عن البيان أن خطة البحث في هذا الانشغال الفردي والجماعي يتوزع إلى خمس مقامات:
1) كيف يمكن أن نفهم وقوع الثورة في هذا الزمن بالذات وليس قبله أو بعده؟
2) هل أحدثت الثورة قطيعة جذرية مع الماضي أم أنها حافظت على نفس الهيكلية العامة التي تنظم قواعد تصريف الشأن العام في تونس؟
3) هل جاءت الثورة التونسية نتيجةَ تشكّل فكر ثوري تغلغل في الجماهير وغذى انتفاضتهم المباركة ضد الظلم والتعسف والتمييز؟
4) من هم الفاعلون الحقيقيون في الثورة؟ وإلى من يمكن اسناد الفعل الثوري؟ ومن هو الثوري الحقيقي حسب المشهد العربي في تونس؟
5) هل يجوز اعتبار ما حصل في تونس ثورة ديمقراطية أم هبة من أجل الديموقراطية؟
إن رهان النظر ههنا يكمن في التخلّي عن الانتقاد والتشكيك في المسيرة الثورية للشعب نحو دولة الديمقراطية والمؤسسات العادلة، والابتعاد عن الفهم الفوضوي للحرية والتركيز على البنائية، وتحمل المسؤولية التاريخية تجاه مستقبل الحياة في هذا الوطن العزيز والاعتقاد في وجاهة القيم التي نهضت نحوها هِمَمُ الثوار، وضحوا بأنفسهم من أجلها.
I. تأويلات الواقعة:
﴿اذا وقعت الواقعة، ليس لوقعتها كاذبة، خافضة رافعة﴾(3)
لقد هبطت الثورة العربية واقعة برداً وسلاماً على المظلومين والمضطهدين وثبتت عزائمهم وأثلجت صدورهم وجعلتهم يضربون في الأرض وينقحون الأفق، ولكنها نزلت ناراً وجحيماً على الظالمين والفاسدين وزلزلت القصور والعروش ودفعت المذعورين إلى الفرار بجلودهم والسارقين إلى اخفاء معالم جرائمهم. فما الذي وقع الآن وهنا في العمق الترابي؟ ولماذا وقع الذي وقع؟ وكيف كان هذا الوقوع ممكنا؟
إن تأويل الواقعة في هذه النقطة بالذات يضيع في الوقائع المتعاقبة بسرعة وفي تعدد التأويلات، وعلى هذا النحو يمكن تأويل لفظ الواقعة القرآني على أنحاء ثلاث:
1) حدث غير متوقع وفجائي واستثنائي انفلت من كل الحسابات والتوقعات مثلما عبّر عن ذلك الفيلسوف الفرنسي إدغار موران بلفظ Imprévisible.
2) أمر عادي ومتداول يعبّر عن حركة التاريخ وانتقال الأحداث من مرحلة إلى أخرى، ونتيجة منطقية لانغلاق العالم السياسي ومآل منتظر لنظام أصيب بالتآكل البطيء منذ تشكله.
3) همزة وصل بين عالم الشهادة وعالم الغيب، وبرزخ بين خط الناسوت وخط اللاهوت، واستجابة إنسية إلى نداء وجودي ولطف إلٓهي بالعباد المستغيثة وتعبير عن غلبة قوى الخير على قوى الشر وانتصار الحق واندحار الباطل.
لكن كيف يمكن تأويل وقوع الواقعة وحدوث الثورة؟ ما نلاحظه أنه توجد ثلاث تأويلات حول واقعة الثورة العربية:
1) ثورة برجوازية ساهم فيها شباب الفايسبوك Facebook وحوّلت السخرية والنقد والتمرّد في العالم الافتراضي إلى الواقع العيني، وسميت بـ «ثورة الياسمين»، وكانت مطالبها ليبرالية متمثّلة في الحريات والحقوق .
2) ثورة اجتماعية قادها العمال والناشطون والنقابيون، وفجرت تطاحناً طبقياً، وأظهرت تصميم الفئات الشعبية على التخلّص من الحكم المركزي وفرض إرادة الشعب.
3) ثورة أخلاقية ثقافية ذات أرضية دينية صلبة، وظَّفت الرموز الإيمانية ضد الفساد والاستبداد، وواجهت العولمة المتوحشة بقيم روحية وتقاليد نيرة.
غير أن ما نقترحه هو تأويل تعددي يتفهم واقعة الثورة في سياقها الاجتماعي الواسع، ويضم المركز إلى الأطراف، ضمن منهج مركّب ومضمون متنوع الأبعاد يربط بين المصالحة مع الهوية والإنتصار للكرامة، ويستثمر القيم الكونية ويتفاعل مع الغيرية الجذرية ويبحث عن تأصيل للقيم والمبادئ بالاعتماد على فلسفة الضاد.
اللافت للنظر أن الثورة لم تقتصر على جهة بعينها أو بلد واحد، وإنما اشعلت لهيبها في القلب وازدادت نيرانها بمرور الأيام في كل مكان، وربما كان التناقض بين أصحاب رؤوس المال والأُجَرَاء أحد عوامل تفجرها؛ وربما أيضاً مثلت التجارب الإصلاحية تقريباً خطواتٍ تمهيدية نحو تفجّر الأوضاع، بل تصاعدت لتشمل عدة بلدان وتأخذ أشكالاً أخرى وتتبدل وسائلها، وصار بالإمكان الحديث عن الثورة الدائمة ولكن ليس بالمعنى التروتسكي، وإنما ثورة الفهم من أجل تفكيك المنظومة الشمولية وتمرّد العقل الجمهوري على التفكير ذي البعد الواحد.
من هذا المنطلق يمكن أن نسميها ثورة عربية في تونس ذات توجّه وطني، ألفت بين قلوب قوى الشعب الناهضة وجعلت الجماهير تتوحد في صورة جسد واحد الذي قام ضد الفساد. كما يمكن أن نتتبع العلاقة بين الثورة والإسلام، ونفهم الإسلام على أنه ثورة ضد الظلم والفساد ومحاولة لإرساء العدل والصلاح في الأرض، أو على الأقل نعتبر القيم الروحية الصافية لهذا الدين قد مثّلت أحد العوامل التي غذّت الثورة وخاصة في النهي عن المنكر والاصداح بالحق.
إن الفهم الاجتهادي التأويلي للإسلام عامة وللقرآن والحديث خاصة قد يوفر للناس نموذجاً في الحياة لايجدونه في الواقع، ولا يمكنهم التخلّي عنه وتجاوزه على مستوى الحلم والذهن. لكن لا نستطيع أن نطلب من الناس أن يكونوا مؤمنين بشكل مطلق، ولكنهم يوجدون في الواقع ويعيشون الإسلام بجوارحهم وعقولهم وقلوبهم على نحو جزئي. ولذلك هم عندما يقارنون بين الوقائع والمُثُل، وبين المنشود والموجود، يشعرون بالهوة وينهضون نحو التدارك والكدح.
غير أن تضمّن الإسلام لقيم المحبة والمودة بالنسبة للجماعة الإنسانية، وتأكيده على صلة الرحم ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف في علاقته بالغير قد مثلت المحرك الروحي والأخلاقي للثورة وساهمت في تحفيزها وإنضاجها ودفعها إلى الأمام لتستكمل مسيرتها.
كما أن الفقهاء ينقسمون إلى صنفين:
ـ الصنف الأول:
هم فقهاء السلاطين الذين يدعون إلى طاعة أُوَلي الأمر في كل حالة ويحرّمون الخروج على الحكّام ويستندون إلى مبدأ شهير هو: «سلطان غشوم ولا فتنة تدوم».
ـ الصنف الثاني:
هم فقهاء الأمة، ويمرون من العقيدة إلى الثورة ويرون بضرورة الخروج على الحكام المستبدين بُغْية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإظهار العدل. ويستندون إلى مبدأ شهير هو: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».
من هذا المنظور يمكن أن نعتبر الثورة واقعة، ونتدبر تأويليّاً واقعة الثورة بأنها حدث تاريخي استثنائي في التاريخ المعاصر سيكون له ما قبله وما بعده. فالثورة قامت بتكذيب كل التوقعات والتقارير المحبطة للعزائم والمتشائمة والتي تساند التوريث وتناشد من أجل التمديد. زد على ذلك يمكن أن نقرّ بأن الثورة رفعت رايات الحق والعدل والحرية والكرامة… وخفَّضت ألواح السيطرة والهيمنة والاحتكار والتفويض… وفَعَّلت مقولات العقل الجمهوري عند الفارابي والعدل عند ابن خلدون والحرية عند ابن رشد والإنصاف كما جاء في المدونة الفقهية.
يتبين إذن أن المقصود هو أن واقعة الثورة هي حقيقة مطلقة وحدث غير قابل للتكذيب، وأنها خَفَضَت المستبدين المفسدين، ورَفَعَت الأحرار والصالحين والمناضلين درجات في سُلَّم الوجود. لكن هل احتاجت الثورة ـ لكي تقع ـ إلى ميلاد ثقافة ثورية؟ وإلى مدى قطعت ثورة الشباب مع الماضي وأحدثت ثورة ثقافية؟
II. الثورة الثقافية والقطيعة الابستيمولوجية
«كان ثمّة بالأمس، من بين الشعب. عبيداً واليوم أصبح للشعب أعداء»(4)
من طبيعة الثورات أنها تمثل نقطة اللاعودة مع الماضي وتمثل منعطفاً وتحدث تحولاً وتقوم بمنعرج حاسم على جميع الأصعدة السياسية أولاً والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ثانياً. وهذه المُجْريات تحدث بفضل حسم الجديد معركته مع القديم، والتمكّن من هدمه وتحطيمه والإجهاز عليه. وتسمَّى هذه العملية قطيعة Rupture، ويدل هذا اللفظ المشتق من الجذر اللاتيني Rumpere على الإنكسار في معناه الفيزيائي، وعلى إلغاء الاتفاق والتنصّل من كل علاقة والانقطاع واللااستمرار والانفصال والتعارض بين حالة حاضرة والحالة التي سبقتها مباشرة.
كما يمكن الحديث عن قطيعة أبستيمولوجية عند غاستون باشلار بمعنى الانفصال التام وفك الارتباط الجذري بين التصوّر غير العلمي السابق والتصوّر العلمي اللاحق للواقع. من هذا المنطلق تمنع القطيعة الأبستيمولوجية العقل العلمي من التفكير في اللاعلمي بوصفه ما قبل علمي. وعلى نفس المنوال لا يجوز لنا أن نعتبر كل التاريخ الذي سبق الثورة على أنه خالٍ من الفعل الثوري، بل يجب أن نفهم ذلك على أنه مراكمة له وإعداد بطريقة مخملية صامتة.
إذا كان للثورة أن تكون انكساراً في مسار التاريخ، فإنه يجب أن يكون في صورة قَطِع مع الماضي الشمولي والاقصائي والنخبوي، ولكن في نفس الوقت يظلّ التواصل مستمراً مع الماضي المجيد والجانب النير من التراث والقيم الأصيلة، وتعمل التحولات الثورة على إعادة إظهارها وبنائها وتعزيزها وتطويرها. لقد قامت الثورة بشطب الديكتاتور وهي الآن بصدد تفكيك المنظومة الشمولية والتخلص من العقلية الجهوية والفئوية في سياسة الناس.
إن النضالات التي قام بها الثوار كانت تراهن على تجسيم العروة الوثقى بين المرجعيات الفكرية والوحدة بين القوى الاجتماعية على أرض الواقع، وتفتش عن إتيقا التحرّر، وتعتني بمطلب المعنى، وتعمل على إرضاء الرغبة في الاعتراف والانتصار للكرامة.
إن التفكير الفلسفي في الثورة لا يتمثل في التبشير بها والدعاية لها فقط، ولا يتوقف عن وصف أحداثها وانتقاء جملة من الدروس والعبر منها بطريقة غير منهجية، وإنما يجب أن يكون تفكيراً ثائراً، ولا بُدَّ أن ينخرط في تجاربها ويحاول قدر الامكان إعادة بناء ما جرى من جهة المنطق والأخلاق والميتافيزيقا ضمن فلسفة شاملة للتاريخ البشري والعقل الكوني.
إن كرامة الشخص الإنساني هي قيمته التامة والعليا من حيث هو شخص، وهذا يؤسس نوعاً من المطالبة العميقة من طرف كائن بشري بأن يُعترف به كإنسان من طرف كائن بشري آخر مهما كانت الفوارق في الرتبة أو القدرة أو الرأي أو الدين أو الانتماء الإثني.
إن الأمر يتعلق بمطالبة تامة بحق الاحترام وببلوغ درجة من شفافية المجتمع الواعي بذاته وتثمين جوهري للنوعية الانسانية المغروسة في كل انسان ضد كل أشكال الإستخفاف أو الإحتقار أو التنقيص أو الإستغلال أو الإستعباد أو السلب أو العنف الجسدي والمعنوي.
لقد فتحت الثورة الطريق نحو وضع التوازي بين العدالة والصداقة مع الاعتراف المتبادل. كما أصبح الحلم العربي بالوحدة والدولة العصرية والنظام الديمقراطي حقيقة معاشة ومحايثة للواقع اليومي، وبزغ إلى الوجود عالم جديد، وجِسْم سياسي مختلف في طور الظهور والتشكّل.
إن الثورة العربية هي حدث له أهمية كبيرة في التاريخ المعاصر ويدشّن مرحلةً تاريخية جديدة مليئة بالتحولات والتغيرات وقد تحمل معها موجات إيديولوجية ضاغطة، نتج عنها ارتدادات كبيرة في تاريخ الفكر السياسي. ولعلّها ستأتي بالعديد من المكاسب والمزايا بالنسبة إلى الشعوب. كما جاءت الثورة لتكذِّب قول سقراط: «التعرض إلى اللاعدالة أحسن من ارتكابها». لكن ما هي العلاقة بين الثورة الفعلية والفعل الثوري؟
III. الثورة الاجتماعية والفكر الثوري
«لا يستقيم التفوّق إلا إذا تمَّ الاعتراف به»(5)
الإشكالية التي تُعالَج هنا تقليدية إلى أبعد حد، وتمثل علاقة الفكر بالمجتمع وتُطرَح كما يلي: هل الفكر الثوري هو الذي أثمر الثورة الاجتماعية التي غيّرت الواقع وقَلَبَتْ المشهد السياسي رأساً على عقب؟ ولماذا لا تكون الثورة هي نفسها التي زلّزلت بُنية الفكر التقليدية، وحرّرت الإرادة من الانفعالات السلبية، وأنتجت قيمة مضافة وفائض في المعنى وتجديداً في الأخلاق؟
لا أحد من الناشطين والتوجهات في الساحة العربية يستطيع أن يدَّعي أنه قد مثَّل الثورة الشعبية بمفرده ووقف وحده وراء تفجّرها، ولا أحد يزعم أن فكره الثوري هو المنهج المتكامل للتغيير الاجتماعي، بل يمكن القول أنه لا أحد من التيارات أَبْدَى جاهزية واقتداراً على اقتراح وسائل معلومة للإمساك بالسلطة وملء الفراغ والقدرة على إدارة البلاد. كما أن تأثير الفلاسفة والكتّاب والمثقفين في الجماهير كان ضعيفاً، وذلك لانطوائهم على ذاتهم واتصافهم بالنخبوية، بينما التحم الناس بثقافتهم الوطنية وخصوصيتهم اليومية؛ بالمقابل إن الشعب ظلَّ منذ وقت طويل وتحت تأثير الآراء السياسية الشمولية. مرتبطاً هيكلياً بالمؤسسات الرسمية القائمة، ويرى وجودها أمراً ضرورياً من أجل المحافظة على معاشه.
إن الثورة العربية تتحقق تدريجياً حاملة معها العديد من المفاجأت، وتتبلّور تحت ضغط الأحداث المباغتة، ولم تعرف مراكمة طويلة من العمل السياسي المنظّم الذي مثَّل تحدياً إيديولوجيا للنظام السائد مثل الثورات الفرنسية والروسية والإيرانية. هذا المُعطى هو في العمق يدعو إلى التفكير والحيرة ويطرح الإشكال التالي:
ـ هل كانت الثورة العربية دون نظريات سابقة ودون نقاط مرجعيات وقبلات توجّه ودون أفكار؟
ـ كيف مرَّ الثوار مباشرة إلى العمل والفعل والممارسة دون الاستناد إلى تجارب يحاكونها ومعارف يطبقونها؟
ـ هل تكون الثورة العربية هي الثورة الأولى التي نجحت دون تنظير مسبق، والنموذج الوحيد الذي اشتغل فيه الناس بالالتزام التام والبراكسيس الفردي والجماعي؟
والحقّ أن الثورة العربية جاءت نتيجة السياسة الخاطئة التي اتّبعت اقتصادَ السوق والخصخصة، ومن أجل مواجهة النزعة النفعية والليبرالية الجديدة والتيار المحافظ الجديد في الفكر العربي. كما أن العنوان الأول هو أحقيَّة الشغل ورفض الفساد باسم الاحتكام إلى المصلحة المشتركة ورفض التملّك الفردي المشط وكل أشكال التمييز والحرمان.
إن السياسة الثورية هي سياسة شعبية تعتمد على المخزون النضالي للجماهير الذي مازال ينبض بالحياة ويوجّه سلوك الناس؛ وإن الثورة تحوّلت إلى الأداة الشرعية التي أعادت مصالحة الشعب مع نفسه ووحدته. وبرهنت مجدداً على «إن المبادئ الأساسية في كل سياسة هي الحرية والعدالة»(6).
لقد أحدث الإنسان المتمرّد جرحاً غير قابل للإندمال في العالم بين طموحه نحو السعادة والعدالة والظروف الحدية التي تتصف بالتوتر والحرمان. وتراوَحَ رده على هذا التحدّي بين الصمت والتعجب! ولكن الإنسان الثائر حوَّلَ هذه الدهشة إلى تساؤلات وهذا التمرّد إلى ثورة. «إن العبث تأثر، والتمرّد إرادة. وإن العبد الذي ينتفض على سيّده لا ينفي سيّده فحسب، بل يثبت أنه على حق»(7)
غير أن الثائر ينفي سيده ويعلن أنه كان ولايزال على باطل.
لكن كيف حازت الثورة على الاعتراف الدولي والشعبي بهذه السرعة؟ «ان الاعتراف لا يأتي بالغصب ولا يُنال بالتخويف بالتهديد والإغراء، أي في النهاية عبْر التوسل بالسفسطة. إن الاعتراف لا يحصل إلا إذا كان مقبولاً بصورة نقدية»(8).
لقد حازت الثورة العربية على الاعتراف لأنها كانت معقولة ومنطقية، ولأن الأدوات التي استخدمتها كانت مدنية وسلمية، والمطالب كانت شرعية وشعبية، والقيم التي ناضلت من أجلها حضارية وكونية. ولكن الاعتراف بالحقوق بشكل تام لا يحصل إلا عندما يتركز حكم راشد.
إن تفوّق الثوار لا ينتظر من أحد أن يعترف به، بل هم قد انتزعوا الاعتراف بفضل سموهم ورفعتهم ونبل مقاصدهم، وتحولوا إلى مرجع المشروعية وأصبح الآخرون يستجدون منهم الاعتراف.
لقد استندت الثورة العربية إلى عدّة مصادر اقتصادية وسياسية ودينية وفكرية.. ومثّلت قيم الديمقراطية ومنظومة حقوق الإنسان والثقافة القانونية  وسيادة الدولة المرجعية التي استلهم منها الثوار رؤيتهم الانتفاضية واستراتيجياتهم الميدانية والأهداف التي يسعون إلى تحصيلها. كما أن حالة الإحباط التي عانى منها الشعب بسبب ديمقراطية الواجهات والشعارات التجميلية الفارغة دفعته إلى الاحتكام إلى الوعود القانونية ونصوص الدساتير الموضوعة نفسها من أجل التنصيص على اللاديمقراطية المتبعة في العهد البائد وحاجتهم إلى ديمقراطية ناجعة وملموسة والمطالبة بالتمتّع الفوري والمباشر بالحقوق الأساسية والطبيعية. لكن ماذا صنعت التجربة الثورية مع النظام السائد والثقافة الماضية؟

…………. التتمة في العدد

تجديد النظر في المصلحة في الفكر الإسلامي الحديث
حمادي ذويب

لقد ركّزت هذه الدّراسات بشكل خاصّ على بحث المواقف القديمة من المصلحة إن على المستوى الأصولي النظري أو على الصعيد الفقهي العملي. لذلك آثرنا أن نولّي وجهة بحثنا شطر مصادر الفكر الإسلامي الحديث منذ بداية عصر النهضة وإلى حدود منتصف القرن العشرين أو بعده بقليل. فانطلقنا من كتابَي محمد الطاهر ابن عاشور (ت 1973 م) وعلاّل الفاسي (ت 1973م) حول مقاصد الشريعة. فلمسنا من خلالهما المنزلة الأثيرة التي حظيت بها المصلحة لدى روّاد النهضة والإصلاح بشكل خاص فهي أداة رئيسة للإصلاح ولمواكبة التغير وتوسيع آفاق الشريعة. وقد عبّر عبد الوهاب خلاّف (ت 1956 م) عن هذه الحاجة بقوله: «لو لم يفتح للمجتهدين باب التشريع بالاستصلاح ضاقت الشريعة الإسلاميّة عن مصالح العباد وقصرت عن حاجاتهم ولم تصلح لمسايرة مختلف الأزمنة والأمكنة والبيئات والأحوال مع أنّها الشريعة العامّة لكافّة النّاس، وخاتمة الشرائع السماويّة كلها»(2). وانتقلنا بعد هذين الكتابين إلى كتب أخرى سياسيّة وتاريخيّة واجتماعيّة كتبها علماء المشرق أو المغرب الإسلاميين فبيّنّا من خلالها منزلة المصلحة. ولم يكن شاغلنا خلال بحثنا أن ندرس المصلحة في الفكر الإسلامي الحديث درساً أكاديميّاً يقف عند مفهومها وأنواعها وتقسيماتها، بل كان همّنا منصبّاً على البحث عن مدى التقليد أو التجديد في مقاربات المفكّرين المحدثين للمصلحة؛ لذلك بعد أن جردنا المواقف الحديثة من المصلحة في كتب كثيرة نراها مجرّد نماذج تحتاج إلى أن تتوسّع لتشمل مناطق جغرافيّة ما زال الحصول على مصادر أعلام نهضتها عسيراً، ارتأينا أن نقوم بعمل تأليفي نذكر فيه أهمّ الأسس التي بدا لنا أنّها تشكّل عناصر التجديد في مقاربة المصلحة في الفكر الإسلامي الحديث. وقد لا تكون هذه الأسس المستندات الوحيدة للتجديد لكنّها نواة أولى تصلح لمزيد البحث والتوسع في بحوث أخرى. وأمّا الجانب العملي والتطبيقي في هذا العمل فقد جاء مقتضباً نوعاً ما رغم أهميته الكبيرة، ففيه التجلي الحقيقي لتوظيف المصلحة في مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصاديّة والعلميّة والدينيّة. وقد كانت المصلحة في كل هذه الميادين سنداً للمصلحين لفتح الواقع الإسلامي على المستحدثات والمخترعات التي لا تصدم قواطع الشرع، وجعل الشريعة متكيفة مع الجديد الحادث غير منغلقة على نفسها مكتفية بالنظر إلى الماضي. ولا شكّ أنّ ما كتب من فتاوى ومن كتب مستقلّة تعتمد على المصلحة وعلى غيرها من الأصول لشرْعنة المستحدث من العلوم والمخترعات وغيرها يحتاج إلى دراسات عميقة وشاملة لتبيّن مختلف مجالات توظيف المصلحة وحجج موظّفيها وردود الفعل عليها. إنّ هذه الدراسات هي بعض الوفاء بالدين الذي ندين به لأصحاب هذه الكتب فلولاهم لما كناٍّ ننعم بكثير من المخترعات التي كان الكثيرون ينظرون إليها بعين الاستهجان لأنّها متأتّية من غير دار الإسلام.
لقد كانت المصلحة في أغلب كتب أصول الفقه القديمة مهمّشة غير معترف بها دليلاً أو أصلاً للتشريع مستقلاً، لذلك لم يكن يخصّص لها مبحث قائم بذاته، بل كانت تدرس ضمن مباحث القياس والعلّة. وكانت توسم بأنها من الأصول المختلف فيها أو الموهومة. وقد شخّص الشيخ محمّد الطاهر بن عاشور وضْعَ المصلحة والمقاصد ضمن علم أصول الفقه قائلاً: «إنّ علم أصول الفقه نشأت فيه أسباب توجب اختلالاً في تعاطيه منها الغفلة عن مقاصد الشريعة فلم يدوّنوها في الأصول إنّما اثبتوا شيئاً قليلاً في مسالك العلّة مثل مبحث المناسبة والإخالة والمصلحة المرسلة. وكان الأولى أن تكون الأصول الأولى للأصول لأنّ بها يرتفع خلاف كبير»(3)، ولئن تواصل هذا الحال في بعض كتب أصول الفقه التقليدية في بداية العصر الحديث خاصّة(4)، فإنّ أغلب الكتب التي درست علم أصول الفقه خصّصت مبحثاً للمصلحة المرسلة، بل إنّ بعضها اعتبر المصلحة المرسلة دليلاً سادساً(5). ومع ذلك فإنّ الموقف الجديد من المصلحة عموماً ومن المصلحة المرسلة بشكل خاصّ نجده في غير الكتب التي درست أصول الفقه. وهكذا برز المقوّم الرئيسي لتجديد النظر في المصلحة، وهو اعتبارها قاعدةً جوهرية للدّين وأصلاً مكيناً للأحكام الدنيوية. وبرز هذا الموقف جلياً منذ بداية عصر النهضة. فقد اعتبر محمد عبده (ت 1905 م) أنّ الدين إنّما جاء لمصلحة النّاس وأنّ من أصوله منع الضرر والضرار(6). وبناء على هذا اعتمد عبده في فتاويه التي أصدرها على الأصول الأربعة للتشريع، وكذلك على الأصول التكميلية كالمصلحة والاستحسان والعرف. ونادى بمنع تعدّد الزوجات اعتمادا على قاعدة» درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح»(7).
ويعدّ رشيد رضا (ت 1935 م) الرائد الحديث الأكثر توسعاً في استخدام المصلحة مستنداً للتجديد في المجالين الفقهي والسياسي. وقد أعلن صراحة «أنّ المصلحة هي الأصل في جميع الأحكام الدنيوية»(8). وأنّ «من علامات استعداد الأمم للإصلاح الإسلامي النظر في أصول هذا الإصلاح… ومنها جعل أحكام الشريعة دائرة على درء المفاسد وحفظ المصالح وتحكيم العُرْف»(9).
ولم يقتصر الاحتفاء بالمصلحة أصلاً للأحكام الدنيوية والمعاملات على علماء مصر والمشرق بل شمل أيضا علماء المغرب الإسلامي؛ ففي رسالة كتبها المؤرّخ التونسي ابن أبي الضياف (ت 1874 م) سنة ثمان وستّين وثمانمائة وألف، تنويهاً بصدور كتاب خيرالدين (ت 1899 م) «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»(10) خاطبه قائلاً: «أوضحت فيه من قواعد شريعتنا المحمدية الصالحة لكلّ زمان بما فيها من اعتبار المصالح والاستحسان»(11). وقد بيّن خيرالدين فعلاً أنّ من أصول الشريعة «اعتبار المصالح المناسبة للوقت والحال وتقديم درء المفاسد على جلب المصالح»(12). وفي الإطار نفسه بيّن ابن أبي الضياف أنّ ركائز قانون الملك الإسلامي هو «القرآن العظيم وأقوال الرسول… ثمّ استنباط الأئمة المجتهدين من الكتاب والسنة بالقياس وحفظ مقاصد الشريعة في الخلق لأنّها جاءت لإخراج المكلّف عن داعية هواه في جميع الأحوال من عبادة ومعاملة حتّى في الملك الذي هو ضروري للاجتماع الإنساني، فأجرته على قانون ومنهاج قويم من الدين في شروط صاحبه، وما يجب عليه من العدل والرفق والأمانة واتّباع المصلحة وإن خالفت هواه…»(13).
وقد تواصل اعتبارْ المصلحة لدى أغلب علماء الأجيال اللاحقة في مختلف بلدان المغرب الإسلامي، فالشيخ محمّد الطاهر بن عاشور يعتبر أنّه «لا شُبْهة في الاستناد إلى المصلحة  المرسلة. ويرى أنّ في إطالة الكلام في المصالح المعتبرة شرعاً فائدةً عظيمة ليتعلم مزاوِلْ هذا العلم أن طريق المصالح هو أوسع طريق يملكه الفقيه في تدبير أمور الأمّة عند نوازلها ونوائبها إذا التبست عليه المسالك»(14).
وفي كتاب «مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها» بيّن علاّل الفاسي منذ المقدمة أنّ غاية الشريعة هي مصلحة الإنسان باعتباره خليفة في المجتمع الذي هو منه. وخصّص فصلاً للمصلحة المرسلة، أكّد فيه أهمّية المصلحة على مستوى استنباط القواعد الشرعية خاصة، وأوضح أنّ الشافعي وأتباعه ذهبوا إلى نفي الاستنباط بالاستصلاح. إلاّ أنّ «في مذهبهم نظريات فقهية لا يبرّرها إلاّ القول بالمصلحة المرسلة»(15). وقرّر أنّ الذي تزعّم القولُ بالمصالح المرسلة واشتهر بها هو الإمام مالك ورجالُ مذهبه.
وفي الجزائر اعتبر ابن باديس (ت 1940 م) أنّ من مقاييس التجديد في الحياة «أنّ الإسلام يجيز كلّ ما فيه مصلحة» وهي كلّ ما اقتضته حاجة النّاس في أمر دينهم ونظام معيشتهم وضبط شؤونهم وتقدّم عمرانهم ممّا تُقرّر أصولُ الشريعة»(16). وعلى صعيد ثان يمكن أن نعتبر الاحتفاء بنظرية الطوفي (ت 716 هـ) في المصلحة من محاور تجديد المصلحة في الفكر الإسلامي الحديث. وكان جمال الدين القاسمي (ت 1914 م) وهو أحد علماء الشام، أوّل مفكر مسلم في العصر الحديث يهتمّ برسالة الطوفي في المصلحة ويطبعها ضمن مجموعة رسائل في الأصول لبعض أئمّة الشافعية والحنابلة والظاهرية ويوضح ما يحتاج إلى الإيضاح في حواشي هذه الرسالة. وقد استثمر فكرة المصلحة في بعض مؤلفاته لشرْعنة الاعتماد على المخترعات الغربية الحديثة. وبعد أن اطّلع رشيد رضا على هذه الرسالة منشورةً تأثر بها وارتأى أن ينشرها بحواشيها في مجلته «المنار» لتكون «تَبْصِرَةً لأوُلي الأبصار» على حدّ عبارته. وتمّ ذلك سنة 1906. ويتّضح من كلام رشيد رضا تبنيه لنظرية الطوفي وخاصّة منها تقديم المصلحة على النصّ في غير مجال العبادات. يقول: «وممّا بيّناه فيها (بعض أجزاء المجلدين الثالث والرابع من مجلة المنار) أنّ الأحكام السياسية والقضائية والإدارية ـ وهي ما يعبّر عنها علماؤنا بالمعاملات ـ مدارُها في الشريعة الإسلامية على قاعدة درء المفاسد وحفظ المصالح أو جلْبها، واستشهدنا على ذلك بترك سيدنا عمر وغيره من الصحابة إقامة الحدود أحيانا لأجل المصلحة فدلّ ذلك على أنّها تُُقدَّم على النصّ»(17). وقد عبّر ابن بدران (ت 1927 م) بشكل مختزل عن إعجابه بموقف الطوفي من المصلحة المرسلة قائلاً: «وقال الطوفي: الراجح المختار اعتبار المصلحة المرسلة وفصّل هذا النوع في (شرحه على مختصر الروضة) تفصيلا حسنا»(18).
وقد كان علاّل الفاسي من أكثر المنبهرين بنظرية الطوفي هذه فقد اعتبر أنّ شرحه حديث «لا ضَرَرَ ولا ضرار».. «انبثقت منه نظرية عظيمة الأهمية لم يُسْبق إليها وهي اعتبار المصلحة وتقديمها على جميع الأدلة»(19).
وخلال سنة 1944 قدّم محمّد مصطفى شلبي رسالة إلى كلية الشريعة بالأزهر بعنوان «تعليل الأحكام»، أيّد فيها موقف الطوفي وناقش باستفاضة آراء ناقديه مستدلّاً بأنّ «أصحاب الرسول عملوا بالمصلحة في أبواب المعاملات وما يتعلّق بالنظام الاجتماعي وإن كانت في مقابلة النصوص. واشْتُهِر ذلك عنهم في وقائع كثيرة»(20).
ومن مستندات رأيه هذا أنّ تغليب المصلحة على النصّ قد تدعو إليه الضرورة «وقد قرّر العلماء أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة. واشتهرت هذه القضية بينهم حتّى غدت من المسلّمات عند الفقهاء جميعا(21).
والواضح من هذا ومن غيره من آراء شلبي أنّه يعتبر العمل بالمصلحة أصلاً، وقاعدةً ينبغي أن يُستند إليها في استنباط الأحكام وتعليلها(22) وبعد عشر سنوات من هذه الرسالة ناقش مصطفى زيد رسالة ماجستير عنوانها «المصلحة في التشريع الإسلامي»، ونجم الدين الطوفي. وهي تعدّ أوّل عمل يحلّل ويناقش آراء الطوفي في المصلحة مناقشة مستفيضة. وقد انتهى هذا الباحث إلى أنّه «لا محلّ للخلاف في أصل بناء الأحكام على المصلحة إذ هو من أقوى الأصول الشرعية وأثبتها وأولاها بأن تبنى الأحكام عليه»(23). وتوصل على صعيد ثان إلى تقديم المصلحة على النصّ والإجماع عند تعارضهما لكن بشرط أن تكون قطعية وضرورية وهذا في نظره استثناء وليس قاعدة. ومن الجلي أن موقف هذا الباحث متأثر بآراء أساتذته ومنهم عبد الوهاب خلاّف الذي يرى أنّ «الوقائع التي فيها حكم بنص أو بإجماع لا يعدل عن أحكامها إلاّ في حال الضرورة، وهي إذا كان حكم النصّ أو الإجماع يعارض مصلحة ضرورية قطعية كلية»(24). أمّا أستاذه علي حسب الله فهو يذهب إلى أنّه في حالة «معارضة المصلحة للنصّ تُرجِّح المصلحة المقطوع بها إذا كانت ضرورية ويُرجح النصُّ إذا كانت المصلحة تحسينية». ولا شكّ في أنّ تأثير الغزالي في هذه المواقف واضح لمن يقارن بينها وبين ما جاء في كتاب «المستصفى في أصول الفقه» حول المصلحة. وفضلاً عن هذا كانت الخلفية المقاصدية الشاطبية محوراً من محاور تجديد أصول الفقه في العصر الحديث عامّة والمصلحة خاصّة. وقد اعتبر(25) رضوان السيد أنّ التونسيين ومحمّد عبده اكتشفوا في الوقت نفسه تقريباً وهو مطلع الثمانينات من القرن التاسع عشر، كتاب «الموافقات» للشاطبي المطبوع في تونس عام 1884(26). ويبدو أنّ التأثر بفكرة المقاصد برز قبل ذلك التاريخ، فهي حاضرة لدى ابن أبي الضياف مثلاً في مقدمة كتابه «الإتحاف» حيث قال: «واعلم أنّ هذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم؛ وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري. وهي الحكمة العامّة لمراعاة الشرع في جميع مقاصده الضرورية الخمسة من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال»(27). وقد ذكر ابن أبي الضياف قولاً للشاطبي أورده في كتاب المقاصد من «الموافقات» يبرز الصلة الوطيدة بين المقاصد والمصالح(28). وفي هذا الإطار دعا خير الدين علماء الأمّة إلى توسيع مفهوم السياسة الشرعية الذي كان يشمل لدى السلف كل ما لا يخالف الكتاب والسّنّة، وإنْ لم يرد نصٌّ فيه، لأن في ذلك تحقيقَ مَقْصدٍ من مقاصد الشريعة. وقد استخدم هذا المصلح كثيراً من العبارات والمصطلحات المرتبطة بالمقاصد الشرعية على غرار «ارتكاب أخف الضررين» و«ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب» و»جلب المصالح ودرء المفاسد» ومن هذا المنطلق قامت الإصلاحات التي قام بها كلّ من خير الدين وابن أبي الضياف في مختلف مجالات الدولة، على اجتهاد العلماء في فهم نصوص الدين ومقاصد الشريعة الإسلامية. ولا ينبغي أن نهمل هنا دور محمود قبادو (ت 1871 م) وبيرم الخامس(1889 م) وسالم بوحاجب (ت 1924 م) في بلورة المشروع الفكري والإصلاحي لخير الدين وطبعه بالطابع الاجتهادي الشرعي والمقاصدي(29). وما يُعضد هذا الرأيَ ما ذهب إليه أحد العلماء الأجلاء في تونس وهو محمّد الفاضل بن عاشور من أنّ الشيخ سالم بوحاجب «صار من أشهر الدعاة إلى مراعاة مقاصد الشريعة وتطبيقها على الأحوال الحاضرة»(30). وفي السياق نفسه كان محمّد الخضر حسين (ت 1958 م) تلميذ الشيخ بوحاجب. أوّل من تعرض في افتتاحية مجلته العلمية «السعادة العظمى» الصادرة سنة 1904 م إلى مسألة المقاصد بقوله: «القصد من التشريع إقامة المصالح على وجه يستقيم به نظام الحياة»(31). وقد دفعه تبنيه لفكرة المقاصد إلى إعادة طبع كتاب «الموافقات» سنة 1925 م بتحقيقه وتعليقه.
وفي مصر استخدم محمّد عبده فكرة المقاصد لفتح باب الاجتهاد من خلال توسيع آفاق القياس كما ابتغى من خلالها إصلاح الدين عبر تجاوز الأفكار التقليدية حول وظيفة الدين والشعائر. ورام كذلك اعتماد المقاصد لوصل الشريعة بالمدنية الحديثة من خلال ردوده على هانوتو ورينان والمستشرقين وفرح أنطون(32). ولئن حاولت الحركة الإصلاحية تحت تأثير الإمام محمّد عبده أن تستأنف نظرية المقاصد الشاطبية وأن تطورها، فإنها «سجلت في العشرينات نوعاً من الانكفاء إلى درجة أن رشيد رضا أبرز ناطق باسمها والذي اشتهر بدعوته إلى الاجتهاد المطلق المستقل في الشرع، لا يكشف عن استئنافه هذه النظرية بقدر ما يكشف عن فهم تقليدي للنموذج الأصولي بقي محصوراً في تكرار القواعد العامّة، مثل أن المحرّم بالنص يباح للضرورة والمحرّم لسدّ ذريعة الفسادُ يباح للمصلحة الراجحة»(33). ويبدو أنّ رشيد رضا وإن أثنى على كتاب «الموافقات» للشاطبي في مقدمة طبعته لكتاب «الاعتصام» فإنه غيب ذكره في كتابين منشورين له، وغاب أيضاً مصطلحُ المقاصد فلم يذكر إلاّ مرّة واحدة إذ يقول: «والعمدة في شروطه فهم الكتاب والسنة ومعرفة مقاصد الشرع والوقوف على أحوال الناس وعاداتهم، لأنّ أحكام الشريعة ولا سيّما المعاملات منها دائرة على مصالح الناس»(34). ولعلّ ما يدعم هذا الرأي أنّ رشيد رضا حين سُئل عن الكتب التي خاض أصحابها في موضوع الاجتهاد والتقليد ذكر عدّة عناوين لا ذكر لأي كتاب للشاطبي بينها(35). وبعد رشيد رضا سيظهر كتابان أساسيان بعثا الروح من جديد في نظرية المقاصد الشاطبية وساهما في تجديد علم أصول الفقه وتطعيمه بأفق معرفي جديد. فأمّا الكتاب الأوّل فهو موسوم «بمقاصد الشريعة الإسلامية» لشيخ جامع الزيتونة محمّد الطاهر ابن عاشور وقد طبع للمرة الأولى سنة 1366 هـ/1946 م. وأمّا الكتاب الثاني فهو «مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها» لعلاّمة المغرب علاّل الفاسي. وقد نشر لأوّل مرّة سنة 1382 هـ/1963 م.
وممّا يؤكّد المرجعية الشاطبية في كتاب الشيخ ابن عاشور ما قاله فيه ابنه الشيخ الفاضل ابن عاشور فهو يعتبره «أقرب إلى كتاب الشاطبي منه إلى كلّ كتاب من هذه الكتب التي استعرضناها. وإن كان ينقد الشاطبي ولا يلتزم أصولَه ولا مناهجه. ولكنّه يسير على الغاية التي سار إليها الشاطبي في إبراز مقاصد الشريعة وأسرارها محاولا تطبيقها على الأبواب الجزئية، بإيجاد جوامع كلية ومعاقد منهجية لتصرفات الأحكام على حسب ما تتلاقى فيه المذاهب بالنسبة إلى كلّ باب من الأبواب. فكان في نظرنا عملاً تطبيقياً للمنهج الذي قلنا إنّ الإمام الشاطبي لم يطبقه تطبيقاً جزئياً…»(36).
أمّا المرجعيّة الشاطبية في كتاب العلاّمة علاّل الفاسي فإنّها حاضرة في أغلب أجزاء كتابه وفي كثير من مواضيعه على غرار تقسيم الشاطبي المقاصد إلى أقسام ثلاثة ضرورية وحاجية وتحسينية. والاعتماد عليها لإسباغ المشروعية على بعض الأصول التكميلية كشرع من قبلنا والاستحسان ومراعاة الخلاف وسدّ الذرائع والمصلحة(37). إلاّ أنّ الفاسي لا يعود إلى كتاب «الموافقات» فحسب وإنّما يرجع أيضا إلى كتاب «الاعتصام» للشاطبي(38). كما يعود إلى غيره كابن القيم ناقلاً عنه اعتباره «أنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد»(39).
ويمكن أن نعتبر أنّ النزعة النقديّة لممثلي هذا الفكر من أهمّ مرتكزات التجديد في مقاربة المصلحة أصلاً للتشريع في الفكر الإسلامي الحديث. فقد آمنوا أنّ قدر كلّ تجديد أن يحدث قطيعة مع السّابق إن كلياً أو جزئيّاً. فنجم الدين الطوفي على سبيل المثال نقد بعض علماء مذهبه الحنبلي(40) لأنّهم كانوا لا يقدمون على التّصريح بالمصلحة مع أنّهم في كتبهم الفقهيّة يتمسّكون بها تبريراً للأحكام. وقد نقد الطّوفي أيضاً التقسيم التّقليدي للمصلحة عند الأصوليّين(41). وقد حضرت المقاربة النقديّة عند كلّ المجدّدين والمصلحين منذ مطلع عصر النّهضة، فالشيخ رشيد رضا مثلاً نقد المتعصّبين لمذاهبهم ودعا إلى الاعتماد على كلّ المذاهب في الاجتهاد وإلى أن تكون مراعاة المصالح إحدى القواعد العامّة لإصلاح الأمّة الإسلاميّة(42). وقد كان حضور النزعة النّقديّة لأصول الفقه سمة بارزة في كتاب «مقاصد الشريعة» لابن عاشور فقد نقد ظاهرة الاختلاف في مسائله وغياب حكمة الشريعة ومقصدها منها في مقابل التركيز على الألفاظ لاستنباط الأحكام منها، ونقد أيضاً تهميش مسائل أصوليّة لها صلة بالمقاصد كمباحث المناسبة والإخالة في مسالك العلة والمصالح المرسلة والتواتر والمعلوم بالضرورة. وقد حمل أيضاً على غياب الطّابع القطعي في مسائل الأصول مقابل طغيان الطابع الظني. يقول: «وقد وقع لإمام الحرمين في كتاب» البرهان» اعتذار عن إدخال ما ليس بقطعي في مسائل الأصول… وهو اعتذار واه لأنّا لم نرهم دوّنوا في أصول الفقه أصولاً قواطع يمكن زجر المخالف عند جريه على خلاف مقتضاها كما فعلوا في أصول الدّين، بل لم نجد القواطع إلاّ نادرة مثل ذكر الكلّيات الضروريّة: حفظ الدّين والنّفس والعقل والنّسب والمال والعرض، وما عدا ذلك فمعظم أصول الفقه مظنونة»(43) ولا يخفي ابن عاشور أنّ غايته من النّقد هي تأسيس علم مقاصد الشريعة لكن دونما رغبة في القطع الكلّي مع أصول الفقه ذلك أنّه أبقى لها وظيفتين أولاهما: بيان طرق تركيب الأدلّة الفقهيّة، وثانيتهما جعل المسائل الأصوليّة المتّصلة بالمقاصد مبادئ لهذا العلم. وشمل هذا النّقد لدى ابن عاشور عدداً من كبار العلماء على غرار الجويني والغزالي في موقفهما من المصلحة، يقول: «وإنّي لأعجب فرط العجب من إمام الحرمين على جلالة علمه ونفاذ فهمه كيف تردّد في هذا المقام، وأمّا الغزالي فأقبل وأدبر فلحق مرّة بطرف الوفاق لاعتبار المصالح المرسلة ومرّة بطرف رأي إمام الحرمين إذ تردّد في مقدار المصلحة»(44). ولئن اعترف بأنّه استفاد من الشاطبي واحتذى به فإنّه ينقده أيضاً وهكذا شأن كلّ لاحق يتجاوز السّابق ويحاول ترك بصمته، يقول عنه: «ولكنه تطوّح في مسائله (كتاب المقاصد ضمن «الموافقات») إلى تطويلات وخلط، وغفل عن مهمّات من المقاصد بحيث لم يحصل منه الغرض المقصود. على أنّه أفاد جدّ الإفادة فأنا أقتفي آثاره ولا أهمل مهمّاته ولكن لا أقصد نقله ولا اختصاره»(45). ويبرز هذا الموقف من كبار علماء الإسلام أن الفكر الإسلامي الحديث قد تحرّر إلى حدّ كبير من ظاهرة التشبث المرضي بالماضي وبالسّلف وأنّه أصبح يتعامل مع أعلام التّراث تعاملا نقديّا يقدّر إيجابيّاته وينكر سلبيّاته، وبناء على هذا كان نقد موقف الأصوليّين المنكرين للمصلحة وأخْذهم بها في ممارستهم الفقهيّة أحدَ المواقف المتواترة لدى أعلام الفكر الإسلامي في هذا العصر، ومن ذلك قول علاّل الفاسي: «وذهب الشافعي ومن تَبِعَهُ إلى أنّه لا استنباط بالاستصلاح ومن استصلح فقد شرّع.. وفي مذهب الشّافعيّة نظريّات فقهيّة لا يبرّرها إلاّ القول بالمصلحة المرسلة…»(46). وإذا كان هذا النّقد خاصّا بالشافعي ومذهبه فإنّ محمّد الخضري يعمّمه ليشمل أغلب الأصوليّين، يقول: «إن كان جمهور الأصوليّين ينفون القول بالمصالح المرسلة فإنّ معظم الفقهاء في استنباطهم كثيرا ما يعوّلون عليها. وسلفهم في ذلك عمر بن الخطّاب فإنّه اعتبر هذه المصالح في كثير من اجتهاداته»(47). والواضح أنّ هذا النّقد يعود أصلا إلى القرافي(48) (ت 684 هـ) إلاّ أنّه لم ينتشر ولم يجد صداه إلاّ في العصر الحديث فقد اعتمد حجّة لتبرير الأخذ بالمصلحة المرسلة أصوليّاً وفقهيّاً في الآن نفسه.
ولئن كانت أهمّ حجّة تؤصّل المصلحة قديماً هي إجماع الصّحابة وأفعالهم رغم الاحتراز عليها(49) فإنّ الحجّة العقليّة هي أساس حجيّة المصلحة في الفكر الإسلامي الحديث. وتقوم المصلحة هنا على استقلال العقول بإدراك المصالح والمفاسد في نطاق المعاملات والعادات. وهذا التوجّه الذي سار عليه الطوفي مخالفٌ لآراء أغلب العلماء. فهم يعتبرون المصالح والمفاسد مُدركةً بالاهتداء بالنصوص الشرعيّة التي تشهد لنوع المصلحة أو لجنسها بالاعتبار.
وقد برزت محاولة عَقْلنة أصول الفقه منذ أن شبّهها الطهطاوي (ت 1873 م) بالقوانين الحديثة يقول: «فما سمّي عندنا بعلم أصول الفقه يسمّى ما يشبهه عندهم بالحقوق الطبيعيّة أو النواميس الفطريّة. وهي قواعد عقليّة تحسيناً وتقبيحاً يؤسّسون عليها أحكامهم المدنيّة…»(50) ولَئِنْ اتّهمُ هذا القولْ بأنّه يسوّي بين متناقضات ولا يلتفت إلى أصول المفاهيم فإنّه في نظرنا وليد هاجس الاندماج في مكتسبات العصر الحديث، والسّعي إلى بيان عدم التعارض بين العلوم التراثيّة والعلوم الحديثة. وهو ما تجلّى في اعتماد الطهطاوي مفهومَ جلب المصلحة ودرء المفسدة القديم مقابلاً لمفهوم المصلحة العامّة الحديث(51) وسيتبلور الاعتماد على العقل لدى محمد عبده فقد اعتبر أنّ أوّل أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي، أمّا الأصل الثّاني فهو تقديم العقل على ظاهر الشّرع عند التعارض(52). وبناء على هذا كان العمل بالمصلحة لازماً، لأنّ العقل يقضي أنّه «إذا ترتّب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه في زمن قبله، فلا شكّ في وجوب تغيّر الحكم وتطبيقه على مقتضيات الحال الحاضرة»(53).
وسار رشيد رضا على هذا النهج نفسه معلناً أنّ «الدّين ثابت والشريعة قائمة على أساس العقل والاجتهاد، فمن مَنَع الاجتهاد فقد أبطل مزيّتها ومنع حجّتها»(54) واعتبر ابن عاشور أنّ العقل هو مصدر العقائد الحقّة والأعمال الصّالحة وأن الحضارة الحقّة من الفطرة لأنّها من آثار حركة العقل الذي هو من الفطرة، وأنّ حفظ العقل من المصالح الضّروريّة وهي حفظ الدين والنفوس والعقول والأموال والأنساب(55). ولم يشذّ علال الفاسي عن هذا الخط معتبراً أنّ حجّة الشّرع لا يمكن أن تناقض العقل السليم، وأنّه ليس هنالك في الإسلام أصل دينيّ فوق العقل(56). وبناء على هذا كان من شروط المصلحة أن تكون معقولة في ذاتها تتلقّاها العقول بالقبول متى عرضت عليها(57). وقد أدرك المفكّرون المسلمون المحدثون أنّ أهمّ الدّواعي إلى اعتماد المصلحة أصلاً تشريعيّاً فتْحُ باب الاجتهاد حتّى يواكب الفقه الإسلامي المستجدّات والمستحدثات. يقول في هذا عبد الوهاب خلاّف: «والظّاهر لي هو ترجيح بناء التشريع على المصلحة المرسلة لأنّه إذا لم يُفتح هذا البابُ جَمُدَ التشريعُ الإسلامي ووقَف عن مسايرة الأزمان والبيئات»(58) وهكذا أدرك المحدثون أنّ فتح باب التشريع على المصالح المتغيّرة المتجدّدة هو السّبيل الوحيد لبثّ الحياة في التشريع الإسلامي(59). ولم يكن هذا الوعي خاصّاً بالباحثين السنيّين فحسب، بل انضمّ إليهم الباحثون الشّيعة على غرار مهدي فضل الله. فهو يذهب إلى أنّ من مستندات إثبات المصلحة الاستدلال بالعقل «فإذا كانت أحكام الشّرع قد جاءت لتحقيق مصالح النّاس وخيرهم، وإذا كانت هذه المصالح التي قامت عليها أحكام الشّرع معقولة، يقرّها العقل لحسنها أو نفعها المأمور به وقبحها أو ضررها المنهي عنه، فذلك يعني أنّ العقل ـ إذا ما حصلت واقعة لا نصّ فيها ـ قادر على إدراك الحكم المناسب لها، على أساس صحيح معتبر من الشّارع»(60).
ولئن كان الموقف من المصلحة في الفكر الإسلامي القديم قائماً على مدى صلتها بالنّصوص والأصول التشريعيّة فإنّ المعيار في الفكر الإسلامي الحديث هو مدى صلة المصلحة بالضّرورة التي يفرضها الواقع التاريخي. وقد أدرك المفكّرون المسلمون في العصر الحديث أنّ تغيّر موازين القوى لغير صالح بلدانهم وإمساك الحضارة الغربيّة بزمام المبادرة في الاختراعات والعلوم وفي كلّ مجالات الحياة، يستدعي فتح باب الاجتهاد من جديد لاستيعاب التحوّلات الكبيرة الحادثة في كلّ حين.
وهكذا وقف جمال الدّين الأفغاني ضدّ من يقول بسدّ باب الاجتهاد وأعلن أنّ الأحكام تتبدّل بتبدّل الزّمان(61). واعتبر خيرالدين أنّ من أصول الشريعة اعتبار المصالح المناسبة للوقت والحال(62)، وذهب محمد عبده إلى وجوب تغيّر الحكم وتطبيقه على مقتضيات الحال الحاضرة جرياً على قاعدة درء المفاسد وجلب المصالح(63). ورأى قاسم أمين أنّ الأحكام المبنيّة على ما يجري من العوائد والمعاملات قابلة للتغيير على حسب الأحوال والأزمان»(64). وحذّر محمد الطاهر ابن عاشور الفقيه قائلاً: «إنّه إن لم يتبع هذا المسلك (المصالح) الواضح والمحجة البيضاء فقد عطّل الإسلام عن أن يكون ديناً عاماً باقياً ولم يأمن أن يسلك وادياً أخوف إلاّ ما وقى الله سارياً»(65).
وفي الاتجاه نفسه أعلن المصلح المغربي محمد بن الحسن الحجوي (ت 1956 م) أنّ الله لا تأخذه سنة في سنّ الأحكام «فما ترك النصّ فيها إلا ليترك لنا باب الاجتهاد مفتوحاً لنتطوّر فيه بتطوّر الأزمان ونعمل بما يصلح الأمّة ويبلغ بها مستوى الأمم الراقية… والشريعة لا بدّ أن تتبع أحكامها الدنيويّة الأزمان والأمم لحفظ المصالح العامّة»(66).
وهكذا وجد المسلمون المحدثون في المصلحة مصدراً تشريعيّاً خصباً يسعفهم بالأحكام اللازمة لمواجهة ظروف الحياة المتغيّرة دون خروج عن مبادئ الشريعة وأحكامها القطعيّة. ولم يكن هذا الوعي خاصّاً بفئة من العلماء دون أخرى فالظّاهر أنّ الأغلبيّة السّاحقة منهم ـ على عكس ما كان سائداً في الفكر الإسلامي القديم ـ آمنت بالمصلحة مسلكاً من مسالك تجديد حياة المسلم عامّة وتجديد الأصول خاصّة لذلك ألفينا انسجاماً في الموقف من المصلحة جمع الإسلاميّين والعلمانيين رغم نقاط الاختلاف الكثيرة بينهم. فقد ذهب الإمام حسن البنّا (ت 1949 م) إلى أنّ المصلحة المرسلة أصل يعمل به ما لم يصطدم بقاعدة شرعيّة، وأنّه قد يتغيّر بتغيّر الظّروف والعرف والعادة(67). أمّا مصطفى السّباعي (ت 1964 م) وهو أوّل مراقب عامّ للإخوان المسلمين في سوريّة فإنّه يرى «أنّ رعاية مصالح النّاس هي الأساس في كلّ التشريع الإسلامي»(68)، وأن «المصلحة هي قطب الرّحى في أحكام الإسلام»(69)، ويسير خالد محمد خالد (ت 1996 م) على النهج نفسه رغم علمانيّته ليؤكّد أنّ استعمال العقل في تطوير الفقه الإسلامي لم يعرف الحدود والحواجز وأنّ الحكمة المقصودة من الفقه هي تلبية الضرورات والمصالح(70). ومن هذا المنطلق اعتبر المصلحة من أدوات العقل التي تطبق في المعاملات لا في العبادات. واستخلص في خاتمة بحثه ضرورة الثقة المطلقة بالعقل وإمكانيّة اعتبار بعض الفقه الإسلامي «قانوناً وضعيّاً» من حيث «إنّ تسعة أعشاره من عمل العقل وإلهام المصلحة والعرف»(71). وهذه النتيجة تلتقي مع ما توصّل إليه مصطفى السّباعي من أنّه «لا يجد أيّ حرج في تأكيد أنّ التشريع الإسلامي مدني علماني يضع القوانين للناس على أساس من مصلحتهم وكرامتهم»(72).
والملاحظ أنّ العلمانيّة هنا يقصد بها الدنيويّة وتعزيز شرْعنتها في علاقة جديدة تكون فيها الشريعة مصلحة والمصلحة شريعة.(73)
إنّ ما تقدّم كان يرمي بشكل أساسيّ إلى بيان المنزلة الجديدة التي اكتسبتها المصلحة في الفكر الإسلامي باعتبارها مصدرا للتشريع وقاعدة للأحكام في مجال المعاملات خاصّة. لكنّ هذه المنزلة لا يكتمل النظر فيها دون التطرّق إلى استثمار أصل المصلحة في مختلف مجالات الحياة الإسلاميّة. وقد يكون التجديد في هذه الجوانب العمليّة أهمّ بكثير ممّا وقع على الصّعيد النظري. وقد تجلّى توظيف المصلحة بشكل خاصّ في المستوى السّياسي لا سيّما أنّ تراث السّياسة الشرعيّة يزخر بما يفيد أنّه من الضّروري الخروج عن نطاق النّصوص ومراعاة المصالح المتجدّدة والمتغيّرة(74). وفي هذا الإطار اعتمدت المصلحة لشرعنة ضرورة قيام سلطة سياسيّة متعاضدة مع علماء الدّين لتولي مصالح الأمّة(75). وقد يكون هذا الرّأي من أثر ما أوعز به سالم بوحاجب لـ خيرالدين ـ يعاضده في ذلك صديقه الشيخ محمد بيرم الخامس ـ من الاستدلال برسالة محمد بيرم الأوّل في «السّياسة الشرعيّة» التي تتضمّن فقرات تحثّ على ضرورة نزول علماء الدّين من عليائهم ومعاضدة السّاسة على مقاومة الظّلم واستثمار هامش المصلحة في الشريعة وسدّ أبواب الجور(76). وبناء على هذا دعا كثير من المفكّرين إلى تحديث الممارسة السّياسيّة بل إنّ بعضهم نادى بارتباط شكل الحكم الإسلامي بالمصلحة وعدم حصره في شكل واحد هو الخلافة وترك الأمر بأيدي النّاس يقرّرون أيّ شكل يلائمهم. يقول علي عبد الرازق: «إذا رأت جماعة المسلمين أنّ مصلحة المسلمين في أن تكون الحكومة خلافة، فالخلافة تكون حينئذ حكومة شرعيّة واجبة طاعتها فيما لا يخالف الدّين، وإذا رأوا أنّ مصلحة المسلمين في أن تكون حكومتهم على شكل آخر غير شكل الخلافة المعروف فذلك الشكل الذي يختارونه يكون حينئذ حكومة شرعيّة واجبة طاعتها أيضاً فيما لا يخالف الدّين وكل ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»(77).
ومن أهمّ الغايات التي وظفت من أجلها المصلحة في المجال السّياسي تقييد سلطة الحاكم والدّعوة إلى ترسيخ الشورى. وهذا ما جعل محمد رشيد رضا يذهب إلى أن «سبب هذا الأمر للرسول بالمشاورة في أمر الأمّة جعله قاعدة شرعيّة لمصالحها العامّة، فإنّ هذه المصالح كثيرة الشعب والفروع ولا يمكن تحديدها. وتختلف باختلاف الزمان والمكان فلا يمكن تقييدها»(78)، إلاّ أنّ الشورى ليس لها شكل محدّد بل المصلحة هي التي تحدّد شكل نظامها(79). والملاحظ في هذا الصّدد أنّ المصلحة قد استثمرت لغايتين متباينتين فهي من جهة وسيلة تقييد لسلطة الحاكم اعتماداً على مبدأ الشورى(80)، وهي وسيلة أيضاً لتبرير قتال السلطان الجائر أو خلعه. يقول رشيد رضا: «والأمّة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها»(81). وهي من جهة أخرى أداة تبرير استخدام القوّة في الممارسة السّياسيّة لردع بعض الرعيّة باعتباره من قبيل التوسعة على الحكّام في السّياسة. يقول علي باشا باي (ت 1902 م) في هذا الصدد: «وإذا رأى الحاكم المصلحة في قمع السّفلة بإشهارهم بجرائمهم فعل»(82)، ويستند هذا الحاكم إلى القرافي وإلى المصلحة المرسلة لشرعنة جواز التوسّع في الأحكام السّياسيّة لكثرة فساد الزّمان وأهله. ولعله يبتغي من خلال ذلك إسباغ المشروعيّة على اعتماد القوّة لإسكات خصومه ومعارضيه.
ومن أهمّ الميادين التي استند فيها إلى المصلحة مجال العلوم الحديثة والمخترعات الجديدة. وقد برز فريق مشكّك في مدى شرعيّة اعتماد المسلمين لها لأنّها نشأت في دار الكفر إلاّ أنّ روّاد الإصلاح كان لهم حسّ تاريخيّ مكّنهم من تثمين أيّ اختراع نافع للبشريّة مهما كان مصدره. وفي هذا يقول سالم بوحاجب: «ثمّ بعد أن نجح استخدام القوّة البخاريّة بحراً استخدمت في السّكك الحديديّة براً فحصل من تسهيل الأسفار وتقارب البلدان ما اتّسع به نطاق العمران بكلّ بيانه للعيان أفيظنّ بعد هذا أن عاقلاً أو متديّناً يذمّ العلوم الموصلة إلى هذا النّفع العام أو يوجّه إلى من يتعاطاها الملام بمجرّد كونها لم تكن في صدر الإسلام، ثمّ إنّ الله ما جعل شريعتنا خاتمة الشّرائع إلاّ وقد أودع فيها اعتبار المصالح التي تتجدد بتجدّد الأزمان والمواضع بحيث مهما حدث شيء يُعرض على موازينها العدليّة، فإن لم يوجد فيها ما يمنعه لم يتوقّف في الانتفاع به خصوصاً على القول بالإباحة الأصليّة»(83).

……………………..  التتمة في العدد

ماهية الأثر الفني عند هيدغر

محمد مساعدي

I. مدخل
إذا كانت الذات في ظاهراتية هوسرل تتجه نحو موضوع ما لتدركه، فإنها عند هيدغر تستسلم للحضور غير المُقَنَّع للأشياء في الوجود لكي تتيح للموجودات التجلّي من خلالها. بهذا تكون ظاهراتية هيدغر قد استَبدلت مفهوم القصدية بمفهوم الحضور. ولعلّ هيدغر، الذي حَمَلَ على عاتقه مهمة إعادة النظر في الوجود والموجود وفق رؤية جديدة، أراد أن يتجاوز ترسندتالية ظاهرية هوسرل التي تعلّي من شأن الذات من خلال إضفاء فعل القصد والوعي عليها، على حساب الموضوع، لتصبح مجرّد وسيط تُفْصِح من خلاله الموجودات عن وجودها. وهكذا فإن ظاهراتية هوسرل تراهن على إدراك الأشياء كما هي من خلال تجلِّيها المباشر للوعي، أما الوجودية الظاهراتية لـ هيدغر فإنها تركّز على فعل الظهور والتجلِّي، أي ظهور الأشياء وتجلِّيها من تلقاء ذاتها دون تدبير أو توجيه منَّا. فكيف إذن تتجلّى الأشياء في ماهيتها من خلال الأثر الفني؟
II. منبع الأثر الفني
ارتبط مفهوم الخبرة الجمالية عند هيدغر بالبحث عن أصل أو منبع الأثر الفني، والمقصود بـ«المنبع» ماهية الشيء، أي طبيعته وأسلوبه في الوجود، أي ما يكونه الشيء وكذا الكيفية التي يكون عليها. وهذا معناه أن ماهية الشيء ليست ماهية ثابتة كاملة التحقّق، ولكنها مرتبطة أشدّ الارتباط بفعل حدوث الأشياء، أو بأسلوبها في الوجود. ولهذا فإن البحث عن الماهية هو بحث عن الكيفية التي تحدث بها حقائق الأشياء وتظهر للوجود.(1)
ولعلَّ هيدغر بفهمه هذا لمنبع الأثر الفني يريد أن يُفَعِّل بطريقته الخاصة المبدأ الظاهراتي الذي عبَّر عنه هوسرل بقوله:
«إلى الأشياء ذاتها»، حيث ركّز على فهم حقيقة الأثر الفني إنطلاقاً من الأثر الفني ذاته وليس من خبرة الفنان بعملية الإبداع أو خبرة جمهور القرّاء بالأثر وطريقة تلقيهم له. إن الخبرة بالأثر الفني إذن خبرة به باعتباره ماهية تفصح عن حقيقة الوجود بأسلوب ما. هذه الرؤية محكومة بهاجس التخلّص من الأفكار المسبقة التي تحكّمت في النزعة الذاتية والتي يتم بموجبها إدراك حقيقة الأثر الفني بوصفه موضوعاً أنتجته ذات لها كفاءات خاصة. وبحسب هيدغر فإن «الأثر الفني في تجربته الأصلية ليس موضوعاً، أي ليس شيئاً كائناً بالنسبة لنا وقائماً قبالتنا. إن الفكرة الأساسية
لـ هيدغـر في هذه الدراسة بأكملها هي استقلال الأثر الفني، وقيامه في ذاته واستقراره أو سكونه في ذاته واكتفائه بذاته؛ ولهذا فهو يبحث عن طريق لإدراك الأثر في استقلاله وقيامه في ذاتـه».(2)
إن الرأي الشائع الذي يسلِّم بسهولة بأن الفنان هو منبع الأثر الفني باعتباره مبدعاً له، لا يرتكز على أُسس متينة، إذ أن مساءلته وتقليبه على مختلف أوجهه يكشف عن هشاشته:
فما هو منبع صفة الفنية التي يكتسبها الفنان؟ أليست هي الآثار الفنية التي أبدعها؟ فكيف يمكن إذن لمنبع أن يكون منبعاً لشيء لولاه لفقد حقيقته وماهيته؟
أوَليس كل طرف من الطرفين منبعاً لغيره:
الفنان منبع الأثر، والأثر منبع الفنان؟ فما هو إذن المنبع الذي يستمد منه هذان الطرفان المتلازمان حقيقتهما؟ أليس الفن
بشكل عام؟
هذا ما يؤكد عليه هيدغر بقوله:
«وكما أن الفنان يكون منبع الأثر بكيفية مختلفة بالضرورة عن الكيفية التي يكون بها الأثر منبع الفنان، فإن الفن يكون منبع الفنان والأثر معاً بكيفية أكثر إختلافاً بالتأكيد».(3)
وما دام الفن هو منبع الأثر الفني، فهذا معناه أن البحث عن منبع الأثر الفني هو بحث عن ماهية الفن وطبيعته وأسلوبه في الوجود. لا مفرّ إذن من هذه الحلقة التأويلية التي تقتضي معرفة ماهية الكلّي (الفن) إنطلاقاً من الجزئي (الأثر)، كما أنه لا يمكن الخروج من متاهة هذه الحلقة إلاّ بتحديد نقطة البداية. ومما لا شك فيه أن نقطة البداية تتحدد مما هو ملموس وقابل للرصد والمعاينة، أي من الآثار الفنية المفردة، أو بالأحرى من إنتقاء عيِّنة من الآثار الفنية ودراستها دراسة مقارنة لاستخلاص الثوابت والمتغيرات قصد معرفة طبيعتها وماهية حقيقتها. فعلى أيّ أساس إذن ننتقي الآثار الفنية لنقارن بينها إذا نحن لم نحدد بعد صفة الفنية؟
إن ماهية الفن باعتبارها جوهراً غير مُعطى كامنة في الآثار الفنية باعتبارها حالات جزئية معطاة، لذلك يحرص هيدغر على معاينة هذه الماهية غير المعطاة في الآثار الفنية المعطاة، وهذا يقتضي نَهْج خطةٍ تأويلية تعتمد الوصف والتفسير ولا تستبعد الحدس لاستخلاصها. وتجدر الإشارة إلى أن اهتمام هيدغر بما هو مُعطى في الفن يندرج ضمن اهتمامه المتفرّد بحقيقة الأثر الفني ووجوده في ذاته، فالأثر الفني عنده لا يُحيل على مضمون ولا ينتمي فقط إلى عالمه، وإنما عالمه حاضر فيه وهو يكشف عنه بطريقته الخاصة(4). من هذا المنطلق انصبَّ اهتمامه على مكوِّن من مكوِّنات الأثر يؤمن بوجوده علمُ الجمال التقليدي، لكنه لم يولِهِ ما يستحق من عناية بدعوى هامشيته، مقارنةً مع جانب آخر يتحدد بموجبه الأثرُ باعتباره أثراً فنياً. هذا الجانب الذي همَّشه التقليد الجمالي واهتم به هيدغر هو الجانب الشيّئيّ في الأثر، ما دام الأثر الفني، في نظره، لا يُحيل على شيء خارجه، بل إن الأشياء ذاتها هي التي تنتصب داخله وتُظهر شيّئيتها.
III. ماهية الشيء
إن أوَّل ما يواجهنا في الأثر الفني هو الأثر ذاته بوصفه شيئاً، وهذا الطابع الشيّئي يمكنه أن يُشكّل منطلقاً لفهم ماهية الأثر الفني بوصفه شيئاً. ولما كانت الماهية هي طبيعة الشيء وأسلوبه في الوجود، فإن ماهية الأثر الفني هي أسلوب وجوده كشيء متميّز عن باقي الأشياء الأخرى. إلاّ أن التحقّق من شيئية الأثر الفني تقتضي، حسب هيدغر، الوقوفَ أولاً عند مفهوم الشيء في ذاته بمعزل عن الدلالة التي نُضفيها عليه. هذا المفهوم تناوله التفكير الفلسفي الغربي عبر ثلاثة تأويلات أساسية وقف عندها هيدغر وقفةً نقديةً فاحصةً راهنت على إبراز جوانب القصور في إدراكها لماهية الشيء:
أ. التصوّر الأول أرسطي؛ يتحدّد بموجبه الشيء باعتباره جوهراً له أعراض.
ب. التصوّر الثاني كانطي؛ يختزل الشيء في تلك الوحدة القابلة للإدراك الحسي المباشر بطرق متعددة.
ج. التصورّ الثالث أرسطي بدوره؛ ينظر إلى الشيء باعتباره مادة متشكِّلة(5):
ج ـ 1) الشيء جوهر له أعراض
يعود الاهتمام بالشيء، باعتباره جوهراً حاملاً لخصائص ومميزات، إلى الإغريق. فالشيء عندهم لم يكن تجميعاً للخصائص المميّزة له، إنه بالأحرى نواة تتجمع حولها هذه الخصائص. والمقصود بـ «نواة الأشياء عند الإغريق» ما هو قائم على الدوام وبشكل مسبق كأساس للشيء، أما المميزات والخصائص فإنها تظلّ ملازمة دائماً لنواة الأشياء. لا يُخفي هيدغر نظرته الإيجابية لهذه التحديدات فمن خلالها «تمَّ تأسيس تأويل لشيئية الشيء أصبح منذ ذلك مرجعياً»(6)، إلا أن الترجمة اللاتينية للكلمة الإغريقية التي تفيد «نواة الأشياء»(*) بالموضوع، وللكلمة التي تفيد المميزات الملازمة لـ «نواة الأشياء»(**) بالمحمول أحدثت تحوّلاً عميقاً في أسلوب التفكير في ماهية الشيء. وقد علَّق هيدغر على هذه الترجمة قائلاً:
«لقد تبنى التفكير الروماني الألفاظ الإغريقية دون التجربة المرتبطة بها والمنبثقة معها من الأصل نفسه، دون تجربة ما تقوله تلك الألفاظ، أي دون الكلمة الإغريقية.»(7).
وهذا لايعني ـ حسب هيدغر ـ أن الترجمة اللاتينية كانت عديمة الفائدة، بل بالعكس كانت ترجمة حرفية وفيَّة للأصل، لذا يعزو السبب في حدوث هذا التغير في أسلوب الفهم، إلى عبور التجربة الإغريقية من كيفية في التفكير إلى كيفية أخرى مغايرة. مع هذا العبور بدأ التفكير الغربي حسب هيدغر يفقد أرضيته الصلبة التي يقوم عليها(8)، حيث أصبحت النظرة للشيء باعتباره جوهراً له أعراض، مرتبطة أشدَّ الارتباط ببنية الجملة الخبرية: الموضوع/المحمول، إذ لم يعد الجوهر مستقلاً بذاته ويُحيل على الشيء في ذاته بقدر ما أصبح موضوعاً محدداً تحديداً مسبقاً، يُسند إليه بالضرورة المحمولُ، وهذا معناه أن بنية الجوهر/العرض أصبحت ـ بفعل فهمها إنطلاقاً من بنية الموضوع/المحمول ـ تقوم على التسليم بالانسجام والتناغم بين كون الشيء في ذاته، وكلامنا عنه، ومن ثمّ فهي لا تكشف عن ماهية الشيء بقدر ما تُسقط عليه تأويلَنا المشروط ببنية اللغة. هذا الإسقاط يصفه هيدغر بأنه اعتداء على الشيء، ولا يمكن التخلص من هذا الاعتداء إلا إذا أتحنا الفرصة للشيء لكي يُظهر بشكل مباشر ما هو شيّئي فيه، وهذا يقودنا لفحص التأويل الثاني.
ج ـ 2) الشيء وحدة لتعدد الإدراكات الحسية المباشرة
إننا نتعرّف على الأشياء من خلال ما تنقله لنا الحواس عنها من معطيات حسّية مميزة من قبيل: اللون، الصوت، الخشونة، الليونة، الصلابة، الكثافة، البرودة، الحرارة… هذا النمط من التعرُّف يختزل الشيء في مظهره القابل للإدراك الحسي بحيث لا يُمَكّننا من إدراك الأشياء في ماهيتها المجرّدة الخالصة. إننا نسمع الصوت أو الضوضاء من خلال هدير المحركات أو خشخشة أوراق الأشجار أو لعب الأطفال، «ولا نسمع أبداً إحساسات صوتية أو مجرّد ضوضاء فقط، ولكي نسمع ضوضاءً خالصةً يجب أن نبعد سمعنا عن الأشياء، أن نسحب آذاننا منها، أي أن نسمع بكيفية مجرّدة».(9)
والخلاصة، إن هذا التصوّر الحسي يوهمنا بأنه يقرّبُنا من الأشياء، ولكنه في الواقع يُبعدنا عن طبيعتها الخالصة وماهيتها الحقيقية، لأنه يقف بنا عند حدود المعطيات الحسية المعطاة لنا في خبرتنا المباشرة، ولا يرقى إلى مستوى إدراك الأشياء في ذاتها. وقد حاول هيدغر إبراز قصور هذا التأويل الثاني من خلال مقارنته بالتأويل الأول قائلاً:
«إذا كان التأويل الأول للشيء يفصله عن جسمنا ـ إذا جاز التعبير ـ ويبعده عنا جداً، فإن التأويل الثاني يقربه جداً من جسمنا، وفي التأويلين معاً ينمحي الشيء، ولذلك ينبغي إذن تَجَنّب مبالغات التأويلين معاً، ويجب أن يُترك الشيء نفسه في استقراره وفي ذاته. يجب أن يُؤخذ في ثباته المميِّز له»(10)
فهل سيتحقق ذلك في التأويل الثالث؟
ج ـ 3) الشيء مادة قائمة في صورة
تجمع المادةُ أو الهيولى بين نواة الأشياء أو الجوهر الذي قام عليه التأويل الأول، وبين المعطيات الحسّية التي ارتكز عليها التأويل الثاني، وهو ما عبَّر عنه هيدغر بقوله:
«إن ذلك الذي يمنح الأشياء ثباتَها ونواتها، ولكن يسبّب في الوقت نفسه نوعَ تدفقها الحسي: اللون والصوت والصلابة والكثافة، هو الجانب المادي في الأشياء»(11).
هذا الجانب المادي هو الذي يشكل، وفق هذا التأويل، الجانب الشيّئي للشيء في الأثر الفني، فالمادة ليست إلا قاعدة تتأسس عليها صورة، وهذه الصورة هي التي تحول المادة من الخفاء إلى التجلِّي، من الفوضى إلى النظام حين تبلّورها في شكلٍ ما، يمكِّننا من إضفاء دلالة عليها. فالحجر مادة، والفنان هو الذي يتصوَّر شكلاً معيناً، فينحت الحجر ليحوِّله إلى أثر فني، أيّ أن الفنان يضفي على الكتلة المادية الصلبة والكثيفة صورةً، أو بالأحرى نظاماً يميّزها عن سائر المواد الأخرى الفوضوية. وهكذا فإن الصورة تنقل المادة من الخفاء إلى التجلِّي، حين تضفي على ثباتها واستقرارها صفةَ التماسك والتناسق، وهو ما عبَّر عنه هيدغر بقوله:
«ثبات شيء وتماسكه يكمن في اتحاد مادة ما مع صورة، فالشيء مادة قائمة في صورة».(12)
إن الصورة بوصفها تنظيماً للمادة تعبّر عن بنية الشيء، وبفضل هذه البنية يكتسب الشيءُ دلالة. ومن الدلالات التي تكتسبها المادة حين تتجلّى من خلال صورةٍ، دلالة الفنية وصفةُ الإبداعية التي تميّز بنية شيء عن غيره من الأشياء. ويستفاد من هذا أن الصورة المرتبطة أشدّ الارتباط بالجانب الدلالي تُعَد جزءاً لايتجزأ من وجود الشيء في ذاته. إضافة إلى ذلك، فإن هذا التأويل الذي يدرك الشيء باعتباره مادة قائمة في صورة يمتاز عن التأويلين السابقين بكونه لا يطمح فقط إلى فهم ماهية الشيء في عمومه، ولكن أيضاً إلى إدراك طبيعته الخاصة حين يتجلى باعتباره أثراً فنياً. ففي الآثار الفنية يمكِّننا نموذج الصورة/المادة من التمييز بين الجانب الشيّئي أو المادي في الأثر والذي يُعَد بمثابة قاعدة أو أساس، وبين بنية الشيء أو الصورة التي يتجلّى من خلالها والتي تُعَد بمثابة البِنَاء الفوقي الذي يُقام على الأساس المادي، وهذا البناء الفوقي هو الذي يُضفي على الأثر دلالة الفنية.
فهل هذا النموذج يُتيح لنا إدراك تلك الفروق الجوهرية الدقيقة بين الآثار الفنية باعتبارها مُنْتَجاً إنسانياً، عن غيرها من المنتجات الأخرى التي يصنعها الإنسان من أجل تحقيق غايات محددة؟ أو بعبارة أوضح ما الذي يميز الأشياء التي تكتسب دلالة فنية (منحوتات، لوحات تشكيلية، موسيقى، شعر.. إلخ) عن الأشياء التي صنعها الإنسان لاستخدامها كأدوات (المنشار،الفأس، المطرقة، الحذاء… إلخ)؟
صحيح أن الأداة بدورها مادة قائمة في صورة مَثَلِها، مثل كتلة الغرانيت، إلا أن المادة في كتلة الغرانيت قائمة في صورة تفتقر للتنظيم والترتيب والتوزيع المحكم، في حين أن المادة في الأداة منتظمة ومرتبة بفعل الصورة التي تتخذها على يد الصانع. وتعتبر الصورة في الأداة حاسمة للغاية في تحديد نوعية المادة وانتقائها، فلا يمكن للصانع أن يختار مادة صلبة وثقيلة لصنع حذاء أو حزام مثلاً، أو مادة رخوة ومرنة لصنع فأس أو مطرقة… لذلك يقول هيدغر:
«إن الصورة هي التي تحدّد ترتيب المادة. ليس ذلك وحسب، بل إنها تحدّد مسبقاً نوعية المادة وتوجه إنتقاءها حسب كل حالة».(13)
إن هذه الصورة تتحدّد بالطبع، بحسب الهدف الذي من أجله ستُستعمل الأداة، والإستعمالية ليست مجرّد غاية مفارقة لماهية الشيء، إنها بالأحرى سِمة يتجلّى من خلالها الشيء المُعَدَّ لهذا الغرض ويتحدَّد. وإذا كانت الصورة في الأشياء المُعَدّة للإستعمال هي التي تُحدد طبيعة المادة ونوعيتها وكيفية تنظيمها وفْق الغرض الذي من أجله صُنعت، فهذا معناه أن الشيء المجرّد ينفلت من مركّب المادة/الصورة، لأن الاهتمام ينصبُّ على الشيء باعتباره مُنْـتَجاً «تمًّ صنعه كأداة لأجل شيء ما»، وليس بوصفه أداة تتحدّد في ذاتها بمعزل عن الغرض الذي من أجله صُنعت. ويقصد هيدغر بالمجرّد «التجرّد من الإستعمالية والصنع»(14)، وكذا التجرّد من التأويلات التي تتحكّم في نظرتنا للشيء، والناتجة عن هذه العلَّة الغائية. وبما أن الشيء المجرَّد هو ما يتبقَّى بعد حذف كل ما يتعلق بالإستعمالية والصنع، فإن إدراكه باعتباره كذلك يظلُّ أمراً بعيد التحقق، وهذا دليل واضح حسب هيدغر على مدى قصور مركّب مادة/صورة عن إدراك الشيء المجرّد في ماهيته وأسلوبه في الوجود.
إذا كانت الأداة تمتاز عن كتلة الغرانيت بالتنظيم والترتيب الذي تضفيه الصورة على المادة، فإن الأثر الفني وإن كان يشبه الأداة في التنظيم والترتيب فإنه يتميّز عنها بالإستقلالية. والمقصود بالإستقلالية هنا التجرّد من الغاية الإستعمالية النفعية الضيقة. «إن الأداة لها قرابة مع الأثر الفني، من حيث إنه يتم إخراجها بيد الإنسان، على أن الأثر الفني يشبه بالأحرى، في حضوره المكتفي بذاته، الشيءَ المجرّد الناشئ بذاته والذي لا يخضع لتأثيرنا. ومع ذلك فإننا لا ندرج الآثار الفنية في عداد الأشياء المجرّدة (كتلة الغرانيت مثلاً)… وهكذا فإن الأداة تشبه الشيء لأنها تتحدد بالشيئية، إلاّ أنها أكثر من ذلك؛ وهي في الوقت نفسه تشبه الأثر الفني، إلاّ أنها أقل من ذلك، لأنها ليست مكتفية بذاتها مثل الأثر الفني، إن الأداة تحتل مكانة وسطى خاصة بين الشيء والأثر، إذا جاز لنا أن نقوم بهذا التصنيف الحسابي».(15)
إن مركّب المادة/الصورة، وإن كان يتناغم مع النظرة السائدة التي يُعتبر المضمون والشكل في الآثار الفنية أحدَ تجلّياتها، يرتكز على تصور في فلسفة الفن يُسلِّم بوجود بناء تحتي مرتبط بالجانب الشيّئي في الفن تمثله المادة، وبين بناء فوقي ينظم المادة ويبلّورها في صورة معينة تكتسب بموجبها دلالة فنية. فهل هذا معناه أن هذا النموذج القائم على هذا التمييز المفتقَد في النموذج الأول والثاني قد قَدَّمَ جواباً مُقْنِعاً عن ماهية الشيء في الأثر الفني؟
إن هذه التفسيرات الثلاثة للشيء لم تستطع ـ حسب هيدغر ـ ملامسة ماهية الشيء لأنها لم تتخلص من الفروض المسبقة، إذ ظلَّت ترهن وجود الشيء بتصورات قبْليَّة تحدِّد وجوده، لذلك اختزلته حيناً في جوهر له أعراض، وحيناً آخر في معطيات حسّية، وحيناً ثالثاً في مادة متَشَكِّلة، فلم تتمكن بذلك من فك التشابك بين الشيء والأداة والأثر الفني، ومن فَهْم الموجودات من خلال أسلوبها في الوجود أو من خلال خبرتنا المباشرة بها، ومن ثمة إدراك ماهية الشيء في الأثر الفني. فما السبيل إذن لفهم الموجودات باعتبارها معطاة لنا في خبرتنا المباشرة؟
IV. ماهية الشيء إنطلاقاً من الأثر الفني.
إن إدراك ماهية الشيء باعتباره مُعطى لنا في خبرتنا المباشرة، يقتضي منا تجاوز التصوّرات التقليدية التي تنطلق من الشيء لفهم ماهيته، وتبنّي رؤية جديدة تنطلق من الأثر الفني باعتباره مُعطى لنا في خبرتنا المباشرة لفهم أسلوبه في الوجود، ولذلك فعِوَض الإنطلاق من الشيء لفهم الأثر الفني يجب الإنطلاق من الأثر الفني لفهم طابعه الشيّئي، لأن هذا الطابع ينكشف لنا من خلال الأثر الفني ذاته، أي من خلال أسلوبه في الوجود الذي يُفصح عن تميّزه الشيّئي(16).
صحيح أن الفنان، مثله مثل الصانع، يستخدم المادة ليُضفي عليها صورة، إلا أن المادة أو الشيء في الأثر الفني لا تُستهلك ويُتلاشى وجودها في الغاية التي من أجلها تتشكَّل في صورة، ولكنها تظلّ حاضرة حضوراً مثيراً للانتباه. فإذا كانت الوظيفة التي تؤديها الأداة هي التي تثير الاهتمام على حساب مادتها التي تُبْلَى وتُسْتنفذ تدريجياً بفعل الاستخدام، فإن الجانب الشيئي في الأثر هو الذي يثير الانتباه بفعل تجلِّيه للملاحظ. في الأداة إذن يحتجب الشيء، وفي الأثر الفني يتجلَّى ويظهر للعيان.
إن الأداة بدورها تتميّز باستقرارها في ذاتها، هذا الإستقرار يفصح عن ذاته من خلال استعماليتها القائمة على الثقة، أي تلك الإستعمالية التي يتلاشى فيها وجود الأداة ويذوب. ويتجلّى من خلال الثقة، باعتبارها ما يفصح عن ذاته في استعمالية الأداة، أنه لا يمكن الحديث عن وجود الأداة بشكل خاص والموجود بشكل عام بمعزل عن الخبرة، وهذا معناه أن وجود الشيء في ذاته لايفصح عن حقيقته إلاّ في خبرتنا، وخصوصاً حين يتعلّق الأمر بتلك الأشياء الموجودة من أجلنا وفي مقدمتها الأداة.
للكشف عن أداتية الأداة، أي ماهيتها وأسلوبها في الوجود، لم ينطلق هيدغر من الحذاء المرئي والملموس باعتباره أداة نستعملها في حياتنا اليومية، ولكنه انطلق من لوحة للفنان التشكيلي العالمي ڤان غوغ. وقد حاول من خلال هذا المسعى البَرْهَنَة على تَميُّز عمل الفنان عن عمل الصانع، فالصانع يوظّف المادة لإنتاج أداة تُستخدم استخداماً نفعياً، فتذوب بذلك الأداة في استعماليتها، أما الفنان فيستخدم المادة لتُفصح عن طبيعة الأشياء وأُسلوبها في الوجود. وبموجب هذا الاستخدام تصبح الخبرة بالفن خبرة كشفية، لأنها تكشف لنا عن حقيقة الموجودات، أي عن الجانب الشيّئي في الشيء والأداتي في الأداة والأثري في الأثر، وتجعلها مرئية. هذا الكشف هو الذي يخرج الأشياء من الخفاء إلى اللاخفاء. ويُسمِّي هيدغر هذا الإخراج حقيقة، كما أنه يعتبر أن:
«ماهية الفن هي وضع حقيقة الكائن لذاتها في الأثر»(17).
فكيف إذن تحدث حقيقة الأداة وتنكشف في لوحة ڤان غوغ؟

………… التتمة في العدد

نيتشه... الميتافيزيقا وفيزيولوجيا الفن

عبد القادر بودومة

I. الفيزيولوجيا المبدعة: مدخل.
يبدو ضرورياً اليوم العملُ على فَهْم ما كتبه نيتشه [1844 ـ 1900] من خلال الوضعية التالية: أن نكون معه وضده في آن معاً. لم يتوانَ نيتشه عن طرح الأسئلة المقلقة، والمجرحة، والتي كثيراً ما وضعت قراءه أمام وهج السؤال الفلسفي، وحَرَقته الأنطو ـ ميتافيزيقية. السؤال الذي سار بنا إلى حيث الأفق المفتوح، تمكّن نيتشه خلاله من تدشين نمط كتابة جديدة، وأسلوب كتابة هو الآخر جديد كل الجدّة. هذا ما يميّز الاعتقاد بأصالته الفلسفية والإبداعية عموماً، كونَها أصالةً عكست جدارته وصرامته في الآن معاً، إذ لم يتناول القضايا الفلسفية الكبرى بالكيفية نفسها، التي تناول بها الفلاسفة السابقون عليه قضايا مثل: الروح، الجسد، الحقيقة، الوجود والعالم..
بفضل الانقلاب في الكيفية التي من خلالها تعامل نيتشه مع قضايا الفلسفة، تمكَّنَ من إحداث قلباً جذرياً للأنساق الفلسفية. فنجده على سبيل المثال يحدث تعويضاً [إبدالاً] على مستوى الاشتغال الفلسفي. فكثيراً ما تعامل الفلاسفة مع عملتهم المتمثلة في ابتكار المفاهيم، في حين نجد نيتشه يفضّل تعويض المفهوم بشخصيات مفاهيمية، إذ نجد مثلاً حضوراً مكثفاً لـ شخص «سقراط»، «أپولون» و«ديونيزوس»، إلى الدرجة التي تسمح لنا بإمكان القول أنه ليس ثمّة مفاهيم بالمعنى الدقيق لدى نيتشه. ذلك لأنه كان في غنى عن البحث عما يمثل التحديد والثبات، وإنما السَيْر وشقّ الطريق أمام ظل المسافر، والسَيْر على خطاه كي نتمكن من بلوغ أي حقيقة إن أمكن، الحقيقة المتوارية خلف الحقيقة ذاتها، تلك الحقيقة التي صارت مع نيتشه مجرد حكاية fable fari
من هذا المنطلق، سيغادر نيتشه المكان وسيغادر الأسلوب الصارم الخاص بالفكر العقلانوي ليترك المجال لكتابة أخرى تتميز بأنها شذرية aphoristique، كتابة ترفض ملامسة البَرْهَنَة، والقول بالتبرير والصرامة المنطقيتين، لا تلتفت أبداً إلى فبركة الوثوقيات، ولا الحقائق النهائية. ويرجع الفضل في كل هذا إلى الأسلوب الجيد الذي أبدعه نيتشه، بحيث صار يتبوأ الدرجة الرفيعة، والمكانة الجليلة داخل الفلسفة.
طبعاً سيتحقق هذا الظفر، ونيتشه يقيم خارج الأسوار والقلاع الضيقة المتميزة بها الجامعات. إذ كلنا يعلم أن نيتشه غادر مبكراً الجامعة. ولم يكن أبدا فيلسوفاً «أكاديمياً»، بحيث لم يُولِ اهتمامه بوضع معجمية، ولااصطلاحية، ولا صياغةٍ لكتاباتَ نهائية ومغلقة الأفق؛ لقد أقام نيتشه خارج كل نسق. النسق الذي يجعل صاحبه دائم العوز، وتخلو حياته من الثراء، بالإضافة إلى بؤس يومياته. كانط مثالُ ذلك.(1)
لم يكن نيتشه في الواقع إلا كاتب محاولات essayiste، الفيلسوف الذي حمل إلى الفلسفة، وإلى ثقافة عصره رؤية أصيلة وعميقة للعالم وللحياة، إذ نجد أعماله في عمومها قدمت بصورة مغايرة «شذرية»، وأحياناً يكون التعبير لديه شعرياً، مجازياً، لهذا كانت الكتابة الشذرية، الكتابة المناسبة التي وجد فيها نيتشه إمكانَ نبْذ الاستمرار والوصل؛ كتابةٌ تقحم الزمان، داخل نص العالم، لكنه ليس الزمان الميتافيزيقي وإنما زمان العود الأبدي عينه، باعتباره فكر الفكر. الفكر في مضاعفاته؛ فالفكر صار لدى نيتشه متعذّر التفكير في الأشياء، وإنما انعطف، وانثنى على ذاته ليفكّر التفكيرَ عينه. وقام بإحاطته بنوع من اللغز والسر، هذا ما مكَّن أعماله من أن تصير مفتوحة على تأويل متعدد يتراوح بين التفكيك والحفر والجنيالوجيا، والتقويض. ومثلُ هذا التعامل مع نصوصه أحدث وفاقاً مع الفكرة القائلة بتعدد الواقع وانفتاحه الدائم على الخلق والإبداع.
يكمن الإنجاز الحقيقي لـ نيتشه في السعي من أجل إنجاز مصالحة بين الحكمة والحياة. وهذا ما يُمكن نَعْتُه بـ «الحضارة النظرية». وذلك من خلال معاودة تأهيل réhabilitation البُعْد التراجيدي الخاص بالمعرفة الإغريقية، البعد الذي تمَّ إخفاؤه داخلَ الثقافة الغربية. هكذا ستبتعد الفلسفة عن التأمل، والاستيطان، لكي تصير نموذجاً للحياة. وربما كانت كتابةُ نيتشه الشَذْرية أدلَّ على العودة إلى الحكمة الحدسية، وتحريرها من هيمنة المنطق.
يمكننا إيعاز رفض نيتشه لكل قول بالحقيقة إلى تبنّي الرؤية الفيزيولوجية physiologie تجاه العالم باعتبارها رؤية تعيد للجسم بهاؤه وامتيازه المفقودين داخل الفلسفات التقليدية. فميل الميتافيزيقيين إلى القول بوجود حقيقة مثالية جعل منهم، مثلما يشير نيتشه: «كمن يفرّ من كل حقيقة متحركة وحيَّة، فاعلة ونشطة؛ وفي مقابل هذه الحقيقة الثابتة، سيقترح نيتشه في مدخل عمله (ما وراء الخير والشر) Par delà le bien et le mal (1886) حقيقةً من نوع آخر: (حقيقة ـ امرأة) vérité ـ femme، حقيقة محمولة: بالشر، وباللغز، حقيقة هاربة، متعذِّرُ امتلاكُها أو الإمساك بها، ولكي يتمكن منها يجب ممارسة الإغواء والافتتان، أي أن نصير «دون جوان المعرفة»
Don Juan de la connaissance. هذا ما يؤكد عليه نيتشه في عمله (الفجر) (Aurore (1881 في الشذرة رقم: 327.
دون جوان: «لم يتمكن إلى اللحظة اكتشافُه من قبل أي فيلسوف، ولا من قبل أي شاعر. انه لا يرغب في الأشياء التي يعرفها، لكن يحمل من الروح والاندفاع تجاهها وتجاه مؤامرات المعرفة»(2)، لم تعد المعرفة تقيم وتتواجد حيث القدرة على التحكّم، وعلى امتلاك الحقيقة، وإنما صارت مرتبطة بمدى قدرتها على تحريك وتهييج الاكتشاف ومعاودة تشفير ما هو لغزي، مفضِّلةً اللااكتمال بدل الانغلاق داخل النسق، اللايقينَ المؤلمَ بدل اليقينات الخاطئة المنتجة من طرف العقلانيات.
إن الفلسفة النيتشوية صارت تمنح الامتياز للمحاولات وللمغامرات، مفضّلة وضع الأفكار بين علامات التعجب point de suspension. وسيكون الطرح من العناصر الأكثر خطورة، لكن المؤكد أن الأمر صار بدوره من أهم تراكيب الفلسفة «ملاطفة الوحوش الضاربة». هكذا يفضل زارادشت التعامل مع أخطاره، فالذي لا يمكن أن يطاق حسب نيتشه: صمت أولئك الميتافيزيقيين أمام مزاعم البحث عن الحقيقة المطلقة، رافضين كل ما يمت بصلة للأهواء، وللإنفعالات لكونها تمثل برأيهم عوائقَ أمام التفكير. وعليه يجب أن نترك المجال لنظام العقول؛ غير أن نيتشه كان على طلاق معه. ذلك يثبت أنه وفي الجسم تتواجد أفكاره، فهي إما تبهجه وتفرحه، أو تنغص عليه وتؤلمه. فالحالات الروحية والفيزيولوجية لدى نيتشه متلازمتان، ومترابطتان ولا يمكن أبدا الفصل بينهما، ذلك لأنه لا يمكن البتة التوقف عن التفكير عندما يصير المؤلم، المقلق، المزعج، مبدأ للفلسفة، شأنُ ما هو معروف عند كل المفكرين العليلين، وربما كان المفكرون العليلون متفوقين في تاريخ الفلسفة؛ لكن كيف سيمسي الفكر ذاتَه، وقد خضع لضغط المرض؟ ذاك السؤال الذي يهم عالم النفس، وهنا تكون التجربة محتملة، «من الآن فصاعدا نعرف إلى أين، باتجاه ماذا يقود عند الضرورة الجسدُ المعتلّ العقلَ [...] فنحن الفلاسفة لا نملك أن نفصل بين الروح والجسد، ذلك لأنه يجب علينا أن نولّد أفكارنا من صميم آلامنا، وبأمومةٍ نُنعم عليها بكل ما فينا من حياة، من حب، من رغبة، من شغف، من وجع، من شعور، من مصير، من حتمية، أن نحيا هذا يعني بالنسبة لنا أن نغير باستمرار كل ما نحن عليه نوراً، ولهياً [...] أما ما يتعلّق بالمرض، هل من الممكن على الأقل، إذا سَّولت لنا أنفسنا، أن نتساءل هل من الممكن أن نعفي أنفسنا من ذلك. وحدَه الألمُ العظيم هو المحرّر النهائي للعقل».(3)
لقد كانت التراجيديا القديمة بمثابة الزواج الحاصل بين قوتين مندفعتين، كل واحدة منهما ترمز إلى إلٓهين متصارعين بلا هوادة، إلٓهين عبَّرا في البدء عن الطبيعة، ويظهران باعتبارهما من عمل الفنان، يتجلّيان في صلب الحلم والهذيان rêve et détire؛ لكن لا يجب أن يتعامل مع صراعهما بجدية مفرطة، ذلك لأن تعارضهما ينتج عنه آثار مختلفة على الرغم من أنهما يحملان نقاط مشتركة. هذا ما جعل نيتشه في نهاية المطاف يتجه نحو إيجاد التطابق بين القوتان داخل العنصر الديونيزوسي، إلى الدرجة التي يمكننا القول عليه بأنه مثل لديه (أي لدى نيتشه) العنصر الأولي المنحدر من القوة الأيولونية. «أيولون: الإلٓه اللامع، المضيء، النبي، يعرض الفنون التشكيلية، الحلم، والتمثلات الجميلة، إنه يعكس متعة الصور، وبهاء النظر والتجلي. لا يقصي الأحاسيس المنبوذة المنتجة للكدر والانزعاج والنفور. فالميزة الجمالية المعبر عنها من خلاله تجمل الحياة embellit la vie، وتشجع الناس على عيشها، هنا تكمن الميزة الضرورية التي يبرزها نيتشه: إذ ومن دون «أيولون» لن تكون الحياة جديرة بالعيش، فاستتيقا «أيولون» هي عيار الهدوء، الحكمة والفضيلة في أوج تهيج الوجود، في حين نجد ديونيزوس، العنصر الذي يعكس خصوصيات: الفرح واللعب، إنه إلٓه الإنشاء، والربيع في خصوبته، وسعي ديونيزوس من خلال مبدئه إلى إزالة الفردانية ليعاود من جديد: ربط الإنسان بالطبيعة، إنه أي «ديونيزوس» لغز الواحد الأصلي الذي يهيئ البشر لأداء رقصة العشاء الأخير».(4)
هكذا يصير الإنسان بالنسبة إلى الإلٓه عملاً فنياً، سيرقص البشر سويّة، عندما يتمكنوا من التخلّي عن فرْادنيتهم، عن أنانيتهم. ولن يتحقق ذلك إلاّ عندما يتوجّه الكل ليلتحقوا بـ ديونيزوس سيسيرون نحو تحقيق غاية الإلٓه:
«ديونيزوس، أحسّ أن إلٓهاً يرقص بداخلي، فأنظر إلى خطواتي تدرك حالي، وإذا رأيتني راقصاً، فاعلم أنني اقتربت من هدفي، إن بين طلاب السعادة، حيوانات ضخمة حركتها وبينهم ما وُلد كسيحاً، فمثل هؤلاء الرشّاقة كالفيل يحاول أن ينتصب على قمة رأسه، غير أن المجانين بالسعادة خير ممن ينجون بالشقاء، والراقص متثاقلاً أفضل ممن يتعارج في مشيته [...]، فتعلموا أيها الراقون أن تقفوا سوياً على أقدامكم [...] أيها الرجال الراقون، إن شرّ ما فيكم هو أنكم لم تتعلموا الرقص على أصوله لتتوصلوا إلى الانطلاق بخطواتكم فوق رؤوسكم، وما يضيركم ألا توقفوا إذا حاولتم [...] إن الممكنات كثيرة أيها الراقون».(5)
II. فيزيولوجيا الفيلسوف: الفنان
مخافةَ من أن تصير فلسفته في الفن صنماً، قام نيتشه بتقديمها على أساس أنها فلسفة للفنان.. philosophie de l’artiste، لايتعلّق الأمر بمدى قدرة نيتشه على التحكّم في مادته الفنية، بقدر ما يرتبط بهاجس الارتقاء بالفن إلى أعلى درجات الاحترام الفلسفي، ربما لم يحدث، يقول نيتشه في إحدى مراسلاته إلى صديقه هيرمين Hermann، وأن كان هناك فيلسوف ـ موسيقي أكثر أصالة وعمقاً من ذي قبل، لهذا لم يكن مصادفة أن نجد نيتشه يحدد الانفعال الفلسفي داخل علاقة حصرية بالموسيقى. ويبرز مثل هذا الميل في عمله «حالة ڤاغنر»le cas Wagner (1888) فبقدر ما نكون موسيقيين بقدر ما نصير فلاسفة إلى درجة أنه يمكن ردّ شهرة نيتشه إلى إيقاعه الموسيقي الحاد الذي تميّز به في تأليفه الفلسفي.(6)
يميل نيتشه إلى إنشاء ثقافة جديدة، ثقافة يميّزها الخلق، العفوية والفن. ويشكّل النشاط اللّعبي أو الرقص أفضل صورها. وديونيزوس رمزها. وعليه نجده يطالب بضرورة تخطي الثقافة المغرقة في الإيمان الزائف بإطلاقية الحقائق المنتجة من قبل نماذج الوثوقيات والتقنيات منذ اللحظة السقراطية إلى غاية هيغل؛ وعن طريق الثقافة الجديدة يستعيد الديونيزوس المتواري والمقنّع masqué، مكانته الضائعة، لهذا السبب بالذات يفضّل نيتشه:
«على سلاسل الحجج بالطريقة التي كانت تفتن ديكارت كثيراً، [يفضّل] الشعرَ والمثلَ السائرَ، وجوامع الكلم، والمجاز والحكمة، والمحاكاة الساخرة، أي كلَّ هذا الفيض الذي يشكل كتاب زارادشت. فثمة فكرٌ وتغيير ينبثقان من تلك الثقافة الأخرى المبشَّر بها، ولا يجري قولبتُها في قوالب الثقافة العقلانوية».(7)
يمثل الفن بالنسبة إلى نيتشه العنصر الأساسي والجوهري للحياة، ذلك لأن الفن يهب المثال والانعكاس المنتظم للوجود، فللفن أولوية مؤكدة وجليّة، بالمقارنة مع المقولات النظرية الأخرى، المنغرسة على وجه الخصوص داخل العلم، والسياسة والأخلاق. لكن لا يجب فهم الحياة Leiben في معناها الضيق، كأن نجعل منها مقتصرة فقط على البعد البيولوجي، أو على المعنى المنطبق على الدائرة الطبيعية وحسب، وإنما يؤسّس معنى الحياة لدى نيتشه نوعاً من التحوّل المفاهيمي للمضمون يجعل منه أكثر اتساعاً، بحيث يصير من الصعب إيجاد تحديدٍ له، إن الحياة حسب نيتشه:
«تحدّد سلباً، بوجه خاص، كسلب متقدم لكل الحدود، وكإلهام بالنسبة إلى الشمولية( .Totalité (8
أصدر نيتشه ما بين عامي 1872 و1880، عملين أساسيين، تمكّن خلالها من إنجاز تأملٍ حول الإبداع، أو الحالة الإبداعية، الأمر يتعلّق بـ «مولد التراجيديا»، والثاني بـ «الشذرات» les fragments، إذ من خلال هذا التأمل صار الفن لديه يحمل سِمَة بَعْدية متخطية للحظة الرومانسية. الامتداد الذي كان محمولاً بثقافة التشاؤم المنعكسة خلال أعمال شوبنهاور الفلسفية، وأعمال ڤاغنر الموسيقية، لقد قدم نيتشه صياغة جديدة للفن بحيث صار هذا الأخير يمثّل التعبير المباشر عن الطبيعة، إنه «لوغوس» خطاب الفيزيس [physis] ـ الطبيعة بالمفهوم اليوناني. الفن انبثق في الإنسان على شاكلة قوة طبيعية. يقول نيتشه في (الشذرات) مانحاً ولأول مرة امتياز وتفضيل لبعض الحالات الجسمية، وبعض الحالات الانفعالية الشديدة التي قد تكون في الغالب حالاتٍ محكومةً بمرض الفيلسوف، والتي قد تسيطر على جسم الفنان:
«ربما كان المفكرون العليلون متفوقين في تاريخ الفلسفة [...] إن التنكر اللاشعوري للحاجات الفيزيولوجية تحت أقنعة الموضوعية، التصور الذهني، العقلانية الخالصة، قادر على أن يأخذ أبعاداً مخيفة، وكثيراً ما تساءلت، يقول نيتشه، بعد تقليب طويل، إن لم تكن الفلسفة إلى ذلك الحين عبارة عن تأويل للجيد، وسوء فهم له على الإطلاق».(9)
الحالة الفيزيولوجية للفن هي التعبير الحقيقي عن النهوض ضد المثالية الفلسفية التي جعلت من الجسم خيطها الهادي. طبعاً الأمر لا يتعلّق أبداً لدى نيتشه بفيزيولوجيا مغرقة في إفراطها المادي، ولا حتى بتلك المشدودة إلى البيولوجيا. إن الفيزيولوجيا التي يقصدها نيتشه هي تلك التي تنجز معاودةَ تأويلِ الجسم باعتباره العقل الأقصى الأكثر من الروح ذاتها، فيزيولوجيا لا تمت في الأصل بصلة إلى الظواهر العارضة، تقوم ضد كل موقف مثالي محكوم بثنائية النفس والجسم. من هذا المنطلق تسمح فرضية إرادة القوة بإعادة الاعتبار للفعالية المؤولة للجسم، لكونها منبعاً لكلّ تطور، وهي تعكس بالأساس المحاولات النيتشوية المختلفة التي تسعى إلى إيضاح فيزيولوجي لكل من الأخلاق، والمعرفة والسياسة والفن. بإمكاننا القول إذن: «أنه ومع تفضيل نيتشه العودة إلى الفيزيولوجيا، تمكّن من جعل المعاودة الجنيالوجية لاحترام وتقدير القيم ممكنا تجاه الحياة الاندفاعية باعتبارها نصا ممكناً».(10)، سيستعمل نيتشه مصطلح الفيزيولوجيا في ثلاثة أبعاد: البعد الأول الذي يحدد فيه فيزيولوجيا الإنسان جسدياً بصورة أساسية، وهذا الفهم للذات الجسدية هو بمثابة مبدأ للحجب والاستتار الفكريين. البعد الثاني يعكس الوظائف العضوية أو الانفعالية التأثيرية، أيّ كل ما يمسّ وبصورة مباشرة ما هو جسدي. السؤال المطروح هنا هو: هل كانت للتجربة الجسدية الخاصة بشخص نيتشه، دعماً لما كان يقصده بالفيزيولوجيا؟ وهل كانت هذه التجربة مهمة لنيتشه؟ أما البعد الثالث فإنه مرتبط كلية بالفهم النيتشوي للفيزيولوجيا باعتبارها ضرورة أجزاءٍ تؤثر كل واحدة منها في الأخرى(11). فالفيلسوف باعتباره فناناً هو شخص استثنائي فيه يحدث توافقاً وتكاملاً بين الجمع والفرْق، ذلك لأن الإبداع عنده (أي الفيلسوف) مرتبط بمدى قدرته على التدمير. إذ بقدر ما ندمر، بقدر ما تبدع. إن الفنان محكوم بقوة التدمير، فوحدهم المبدعون، يقول نيتشه:
«قادرون على التدمير، غير أنه لا يجب أن ننسي ما يلي: يكفي أن نبدع أسماء جديدة، تقديرات، واحتمالات جديدة لنبدع على التمادي أشياء هي الأخرى جديدة»(12)، لهذا صار عمل المبدع مرتبطاً لدى نيتشه، بمدى قدرة الإنسان على استيعاب الحالتين الأساسيتين المنعكستين لكل من الإلٓهيْن الإغريقيين: أپولون Apollon وديونيزوس
Dionysos الحالة، الأول يظهرها أپولون في الحلم Rêve. الرؤية التأثيرية للصور المثالية للآلهة. وتُظهر بصورة عامة: الحدّ والميزان والتفرّد، والعنصر التشكيلي. أما الحالة الثانية مرتبطة بالثمالة أو الانتشاء Ivresse، الانتشاء الديونيزوسي حيث يتجلّى التحرّر الصوفي للذات.(13)
ويعتبر كلاً من الجنس والخمرة هما المحدثان الرئيسيان لهذا النوع من الانتشاء، انتشاء مفرط في فحشه الإيروسي، الديونيزوسي، محكوم بالتوحد المرعب مع الطبيعة، مسافر يسير نحو صمت الموت، والإمحاء المرح للحدود ووجد العلاقة الموسيقية، ديونيزوس القوة، القادر على تسمية اللامعنى. إنه المتعذر على كل تسمية، أي ما ينفلت من التسمية. لا يرتبط الأمر بموضوع تمَّ الاعتراض عليه أخلاقياً، فـ
«ديونيزوس يمثل الموسيقى: الليل في عتمته، ورعبه، العمق والدهاليز، العنف والقوة، فتاريخ الفن مرتبط كلية بهذه الثنائية، ثنائية أپولون، ديونيزوس».(14)
إن التعارض المؤسس من طرف نيتشه يمثل مدخلاً أساسياً إلى الاستتيقا: (الأپلوني ـ الديونيزوس، مفهومين يجسدان لديه نوعين من الانتشاء: «فالانتشاء الأيولوني يهيج على وجه الخصوص «العين L’œil» ليصير معه الفنان بعد ذلك «رائياً visionnaire» بامتياز. أما الحالة الديونيزوسية، فتُميِّزها الموسيقى «السمع ـ الأذن L’oreille» ويعكس الفن المضيء لما هو تشكيلي، بالإضافة إلى ذلك يرمز على العكس من ذلك إلى عالم الانتشاء والتحوّل)(15). فلكي يكون ثمّة فن، ولكي يكون هناك فعل ونظرة جماليتان، لا بدَّ من شرط فيزيولوجي: الانتشاء، فالموسيقى مثلما نفهمها اليوم يقول نيتشه في عمله (أقوى الأصنام):
«هي كذلك تهييج كلّي، تفريغ كلي للانفعال، لكنها ليست مع ذلك سوى إثارة عالم تعبير انفعالي أشد كثافة، ليست سوى بقية من التمثل الديونيزوسي».(16)
 «بيـزيـه» موسيقى القدري
انتقد نيتشه وبصورة جذرية تغافل شوبنهاور عن المعنى الأستتيقي للأغنية الشعبية الألمانية Leid «اللبيدة». وبالإضافة إلى ذلك، أخطئ في عين نيتشه، حينما قام بتأويل المأساة باعتبارها نفياً لإرادة الحياة، وانتقد نيتشه رؤية شوبنهاور التي جعلت من التعارض بين الذاتي والموضوعي معياراً لتصنيف الفنون، فالفن لدى نيتشه يقيم حيث الإثبات، ويُداخل بين هذه الإثباتية وتاريخانية ديونيزوسية، فالفن يحدث قناعاً بالنسبة إلى الموسيقى. من هنا يكون نيتشه قد عزَّز القطعَ الجذري مع التصوّر الشوبنهاوري عن الموسيقى، باعتبارها تجربة مباشرة للأساس الأصلي للوجود.(17)
وفي اتجاه آخر، منح نيتشه لـ شيبلر Schiller المكانة الأساسية ضمن عمل (مولد المأساة)، جاعلاً منه، ومن غوتيه Goethe الحليفين الدائمين له، فلقد استعان شيلر في بداية الأمر بالضامن السيكولوجي لحظةَ إقدامه على إقامة الرابط بين الشعر والموسيقى.(18)
ففي الفقرة الخامسة من الكتاب، يؤكد نيتشه على جدارة امتياز بشيلر في هذا الشأن؛ فلقد أعلن غوتية أثناء تآليفه المسرحية «فلينشتين» Wallenstein بأن العمل الشعري يقوم عنده لحظةَ التأهب الموسيقي، فالفنان التشكيلي، يقول نيتشه:
«شأنُه الشاعرُ الغنائي، يتقارب معه من دون أن يقع في تأمل محض للصور. والموسيقى الديونيزوسية لن تكون لحظتَها شيئاً آخر سوى المعاناة الأصلية، وهي في الآن معاً ستكون بمثابة الصدى الحقيقي لهذه المعاناة»(19).
ورأى نيتشه من خلال هذه الشهادة التي أدلى بها شيلير إلى غوته، بأن الشعر يعبر استعارياً عن مضمون الموسيقى:
«بأمرٍ عن غرائزهم، فإن الممثل، والمؤمن والراقص، والموسيقي والشاعر الغنائي أنسابٌ بشكل دقيق،  وممتزجون في الأصل، لكنهم تخصصوا وابتعدوا أحدَهم عن الآخر، إلى حد التعارض. إن الشاعر هو الذي بقي مرتبطاً بالموسيقى لأطول مدة مثلما الممثل مع الراقص»(20).
ويضيف في عمله (إنساني مفرط في إنسانيته):
«إن الموسيقى في ذاتها ولذاتها ليست غنية بالدلالة، بالنسبة لكيانها الداخلي. مهما يكن التأثير الذي يجعلنا نعتبرها لغة الإحساس المباشرة قوياً، غير أن ارتباطها بالشعر قد وضع الكثير من الرمزية في حركة الإيقاع، وفي قوة وضعف الأصوات حتى أننا الآن نتوهم أنها توجه الخطاب مباشرة إلى الروح وتنبع منها».(21)
هناك أسباب دفعت نيتشه نحو إحداث القطيعة الجذرية مع موسيقى ڤاغنر، وعلى الرغم من اختلافها إلا أنها عجَّلت بها (أي بالقطيعة). أولى هده الأسباب: ميل ڤاغنر القوي في أن يجعل من موسيقاه تعكس الثقافة المسيحية. ففي رسالة بعث بها نيتشه إلى زوجة ڤاغنر Von Meysenbug بعد وفاته، في 22 فبراير 1883، مؤكداًَ بأنه قد شعر بعودة ڤاغنر البطيئة إلى المسيحية. وإلى الكنيسة ولقد مثلت هذه العودة عنده إهانة شخصية؛ تأكيدٌ كهذا يضعنا أمام السبب المباشر الذي جعل نيتشه يعلن عن ضرورة مغادرته ڤاغنر الذي صار يحمل في نظره مشروع المسيحية والجرمانية، لكن ثمّة سببٌ آخر يبدو أنه ذو أهمية بالغة بالمقارنة مع الأول، والذي تساءل من خلاله نيتشه عن الأساس الأستتيقي للموسيقى وللأثر الفني الڤاغنري.

……………………… التتمة في العدد

مفهوم الخلْق في فلسفة برغسون
خـالـد الـبـحري

توطئـة
لقد بدا لنا الإهتمام بفلسفة هنري برغسون ـ في بادئ الأمر ـ محفوفاً بمزالق عدَّة بالنظر إلى خصوصية أفقه الفلسفي فكراً وأسلوباً وتكويناً، ذلك أن الرجل قد نَهَلَ من علوم عصره وتشبّع بفنونه وآدابه ما جعله مفكّراً متفرّداً. ولعلّ ما عزّز جانب التردّد لدينا أنّنا حين أقبلنا على تعقّب جملة الإشكالات التي نطلب عندها قوام النظر البرغسوني في مفهوم الخلْق وفي معانيه وإجرائيته، كانت تطلعاتنا إلى إحكام معاشرتها وإلى العمل على أن نُصيبَ منها حِيَلَ انتظامها الدّاخلي، [كانت] متفائلة؛ غير أنّ محاورتنا لفلسفة برغسون وإستشرافنا للأفق الذي في اتجاهه وفي حيّزه قد ننال ما نطلب، اصطدماً بجملة من الصعوبات، لعلّ من أهمّها تلك التي تتّصل بالنّص البرغسوني المتقلّب بين ما هو فلسفي وما هو علمي، وبين ما هو فنّي وما هو أدبي، وتتّصل أيضاً باللّغة البرغسونية التي يحتاج رصدُها إلى جهدِ تفهّم لا يبتر ما فيها من طيّ وانفتال(1)؛ لذلك عَسُر علينا أحياناً التعاملُ مع سُبُل حركة الفكرة في النصّ. أضف إلى ذلك أن ما يحمله مفهوم الخلْق من معانٍ متراكَمَة ودلالات متقاطعة، وما يُحيل إليه من تداخل وتشابك وتحوّل وغموض أيضاً، جعلنا لا نكون متيقّنين تمام الإيقان إن كان بمستطاعنا التعامل بحذق مع مغارسِهِ الميتافيزيقية، السيكولوجية أو الفنية، الإستتيقية أو البيولوجية، الكوسمولوجية أو الإيتيقية، السياسية.
وإذا اعتبرنا، من وجهة نظر معيّنة، أن صناعة الفلسفة في فرنسا شَهَدَت خلال القرن التاسع عشر نوعاً من الانحسار مقارنةً بعصر الأنوار، وأنّ الفلسفة الألمانية لقيت إشعاعاً كبيراً، لم يتسنّ لمتفلسفة فرنسا ولا لمؤسساتها الأكاديمية إدراكُ مداها ومعناها إلا إبتداءً من ثلاثينات القرن الماضي، وذلك مع الحدثيْن البارزيْن المتمثليْن في الحلقة الدراسية التي قام بها ألكسندر كوجيف حول هيغل، واكتشاف هوسرل من قبل سارتر والظهور المتأخر لـ نيتشة مع دولوز، وإذا كان هناك في هذه القراءة التاريخية ـ الفكرية جانب من النظر والتحليل، فإنّ الأقرب إلى الحقّ في تقديرنا أنّ فرنسا شهدت في القرن التاسع عشر جيلاً من المفكرين أمثال: دي پيران، بوترو، راڤيسون، رينوڤييه، ليتراي، تان، رونان، وخاصة برغسون الذين كثيراً ما تمّ تهميش إسهاماتهم في تاريخ الفكر الفلسفي بخاصة وفي تاريخ الأفكار بعامة في عصر يمكن أن نزعم دون تجديف في القول أنه: عصر الأزمات.(2)
ولعلّ ما يمكن الاحتجاج به للوقوف على بعض ما يمكن أن تكون دواعي إقبالنا على برغسون يستمدّ من أننا لا نعلم الكثير في ما يتعلّق بعبارة «خلْق» في حدّ ذاتها، لكن نعلم أنّ نحت هذا المفهوم وتحويل وجْهته يعودان ـ بشهادة الأستاذ كنغيلام(3) ـ إلى برغسون لأنه هو من كشف تكوّنه وربوّه وإجرائيته وهو الذي أتى البيّنة على إمكان منازلته خارج حصنيه التقليديين، نعني الحصن اللاهوتي والحصن الميتافيزيقي.
والحقّ أنّ لنا أن نذهب إلى أبعد ممّا ذهبنا إليه حتّى الآن، ذلك أن برغسون لم يكن طَلِعَةً يجتهد في الإلمام المعمّق بما شهده عصره ـ فلسفةً وعلماً وأدباً وشعراً وموسيقى..إلخ ـ من تحوّلات، بل إنّه عثر على شاغل فلسفي بعينه ما انفكَّ يشغشب فكره، وهو منكبّ على دراسة الرياضيات، ألا وهو حدس الديمومة الخلاّقة(4). غير أنّه ما كانت لتتهيّأ له مناظرةُ أَضْرُبٍ من الميتافيزيقا واللاهوت والوضعية معاً، إلاّ بارتسام أفق هو الحدسية، يختبر فيه نوازل المشكلات ومنقلباتها النظرية وصروفها العملية.
وإذا كان ليس من السهل أن نتعامل مع فيلسوف متوعّر ومشاكس مثل برغسون، فإن الأمر يبدو أكثر عسراً ونحن نُقْبل على قراءة نصّ سيّار، شكّيل، مبتكر، مستصعب إلى الغاية، وهي كلّها سمات جعلت من تجربة التفلسف محنةً تعنّاها برغسون وهو يواجه المؤسّسة العلمية الفرنسية المنتصرة آنذاك للنزعة الكانطية الجديدة (5)(Néo-Kantisme)، وللمدرسة الوضعية (Positivisme)، وجعلت من فلسفته ذاتَ وضعٍ جدالي إضطرّه من جهة ما إلى بلورة مفاهيمه في سياق الردّ على خصومه. أفليس معيار فصل المقال في ما بين النصّ وقارئه من الاتّصال أو الانفصال، إنّما هو أن نستوسِل بمن لم تُعوزه بذلك النصّ حذاقةٌ ولم تثنه عن مسعاه لا عواصةُ الفكرة ولا مهاوي التسآل ومغاليقه؟
إن ما يشهد لوجاهة هذا السؤال ويكشف في الوقت ذاته عمّا ينطوي عليه من مفارقة، أن «الهاوي في الفلسفة ـ والقول
لـ برغسون ـ هو الذي يقبل حدود المشكل العادي كما ترد عليه، أمّا التفلسف بحق فيتمثل ههنا في خلْق طرح المشكل وفي خلق حلّه».(6)
ولمّا كنّا لا ندّعي في العلم فلسفةً، ولا نزعم امتلاك كل المفاتيح التي بها نفكُّ غموض النصوص البرغسونية وحركانها المفهومي، وكأنّنا أعرف بتلك المعاني ممّن أبدعها، فإنّه قد لاح لنا أن الاستعانة ببعض من سَدَنة تلك النّصوص ستيسّر علينا تعقّب اشكالية الخلْق في شتّى مغارسه.
وإذا كان ليس لنا ولا علينا، في هذا الموضع، أن نستوفي شروط إجابة ممكنة عن سؤال مفترض يروم البحث في منزلة البرغسونية في المشهد الفلسفي الفرنسي المعاصر، فإنّنا سنكتفي باستشراف الأفق الذي في اتّجاهه وفي حيّزه، قد ننال ما نطلب، ولذلك نحن نقدّر أوّلياً أنّ استشراف ذلك الأفق يكون بتوسّط القامات الثلاث التالية:
أوّلا: موريس مرلوبونتي ونصّه الذي اختتم به مؤتمراً حول فلسفة برغسون عقد أيام 17 ـ 18 ـ 19 و20 أيار/ماي 1959(7)، وكذلك درسه الافتتاحي الذي ألقاه يوم 15 كانون الثاني 1935/جانفيه بمجمع فرنسا(8)، بمناسبة انتخابه أستاذ كرسي علم النفس والبيداغوجيا وقد تجاوز فيه بعض التصوّرات البرغسونية.
ثانياً: جيل دولوز وكتابه (البرغسونية)(9)، وجاء هذا الكتاب تدشيناً لجيل جديد من قرّاء برغسون (بعد وفاته) خاصة في خضمّ تنامي أو تصاعد أسهم الفلسفات المناوئة (بول نيزان، جـ.ب.سارتر، ريمون أرون، جورج بوليتزر..) المحسوبة على التيّار الماركسي.(10)
ثالثاً: فريديريك ورمس، وهو يشغل حالياً خطّة أستاذ الفلسفة بجامعة ليل الثالثة ومدير المركز الدولي للدراسات حول الفلسفة الفرنسية المعاصرة بدار المعلّمين العليا، ورئيس جمعيّة أصدقاء برغسون ويشرف منذ سنة 2002 على النشر المنتظم للحوليات البرغسونية les Annales bergsoniennes، وساهم بنشاطاته الغزيرة في التظاهرات العلمية التي أقيمت حول برغسون في شهر تشرين الأول/أكتوبر من سنة 2007 (ملتقى في بواتييه ثم في اليابان وآخر في كوريا الجنوبية ويوم 30 و31 تشرين الأول/أكتوبر 2007 في ليل)، ناهيك عن أنّ شهر تشرين الثاني/نوفمبر من السنة نفسها، شهد تخصيص يوميْن دراسيين لكتاب التطوّر الخلاّق (23 ـ 24 نوفمبر) بمجمَّع فرنسا وبدار المعلّمين العلّيا بمناسبة مرور مائة عام على صدور هذا الكتاب.
والحقّ أنّ العودة القويّة للبرغسونية في المشهد الفكري الفرنسي على الأقلّ قد تعزّزت بالطبعات الجديدة لمؤلفاته. فبعد الطبعة الأصلية الصادرة عن دار Félix Alcan، ثم طبعة P.U.F التي تلت وفاته مباشرة بدأت منذ سنة 2001 المطابع الجامعية الفرنسية بإصدار النشرة النقدية.
وإذا كنّا نروم بهذه الملاحظات تبرير اختيارنا للمدوّنة التي سنشتغل عليها واستشرافاً أولياً لبعض الصعوبات التي اعترضتنا في عملنا، فإننا لا نجانب الصواب إن قلنا إنّنا لم نقدّر الرّجل بعد حقّ قدره: فأين نحن من قراءة برغسون؟ لماذا يجب علينا اليوم ـ أكثر من أي وقت مضى ـ
أن نعيد قراءته؟ وكيف يمثِّل مفهوم الخلْق أفقاً ملائماً لمنازلة قضايا الفلسفة البرغسونية ومدخلاً مناسباً لامتحان رهاناتها في ما يُطرح علينا اليوم من قضايا ومشكلات؟
قد يبدو من المبالغة والتمحّل أن نقول إنّ برغسون هو ـ على حدّ علمنا ـ من أكثر الفلاسفة الذين تمّ تغييبهم وتهميشهم في ما يُعقد بين ظهرانينا من ملتقيات وندوات فلسفية، وفي ما يُدرّس في كلّياتنا من مسائل فكرية، وفي ما ينجز فيها من بحوث أكاديمية، وفي ما ينشر عندنا من كتب علمية عدا بعض الإستثناءات فائقة الندرة.(11)
إن غياب برغسون أو بالأحرى تغيّيبه مثّل لنا جنساً من الصعوبات التي اعترضتنا، ذلك أنه إذا كانت الأعمال أو الدراسات التي تناولت فلسفته بعامة ضئيلة جدّاً، فإنّ البحوث التي اشتغلت رأساً على مسـألة الخلْق لديه منعدمة.(12)
وإذا سلّمنا بأنّ من مقوّمات الدّراسات أو البحوث أن تكون بكراً وأن تعمل قدر الإمكان على ضمان تأشيرة براءتها الفكرية والعلمية، فقد آلينا على أنفسنا محاولةَ تجاوز الخطوط التأويلية المعتادة التي حصرت فكر برغسون ضمن مفاهيم الحدس والحياة والديمومة والروح والذكاء والتصوّف.. وارتأينا أن الاشتغال على مفهوم الخلْق لديه هو الذي سيساعدنا على تبرير جانب من جوانب العودة الفلسفيّة والعلميّة إلى برغسون والذي سيضمن ـ في تقديرنا ـ ارتسام الخيط الإشكالي الذي سيشدّ أجزاء بحثنا بما يضفي حدّاً أدنى من التماسك المنهجي والتسلسل المنطقي بين أطروحاته وأفكاره وتحليلاته.
وإنّ ما يبرّر لدينا إعادة قراءة برغسون وتجديد الإهتمام بفلسفته، هو أن الأمر لا يدور عنده على لفظ يدقّق أو خاص يعمّم، وإنّما على استبدال كامل لطريقة في التفلسف بأخرى. ولذلك لنا أن نزعم أنّ ما يحيل إلى راهنية مفهوم الخلْق وفاعليته التأويليّة والنقدية بالنسبة إلى مشكلات المدينة المعاصرة هو:
ـ أولاً: أنّ المشكلات الفلسفية ليست مشكلات مجرّدة ومجانية، وإنّما هي مشكلات تخفي دائماً توتّراً عميقاً جدّاً يسكن قيعان ذواتنا وأعماق حياتنا وأغوار وجودنا، وهو ما يعني أن بذرة الخلْق أو الإبداعية كامنة لدينا بما أن حياتنا الباطنية إمتلاء مطلق.
ـ ثانياً: وجود علاقة جوهرية تجمع الحرية بالخلْق والخلْق بالاختلاف والتفعّل، ذلك أن تجربة الخلْق في كل أبعادها تقتضي فاعلية الجهد باعتباره طاقةً تسمح بالتحرّر والفعل والتأثير في العالم. مثلما تُحيلنا إليه تجاربُ كبار الفنّانين والشخصيات الاستثنائية المبدعة للأخلاق.
ـ ثالثاً: إنّ تأكيد برغسون أهمية الزّمن الخلاّق في التجربة الفنيّة، ما يعني أنّ السلوك الابداعي ليس مجرّد صنع أو انتاج أو إعادة تركيب، وإنّما هو تجربة غير متوقّعة، وهو ما يحيل إلى سمات الأصالة والجدّة والفرادة التي ستجعل منها الإنشائية مع روني باسرون مقوّماً من مقوّمات السلوك الإبداعي في التجربة الفنيّة.
ـ رابعاً: إنّ ما يُحْسَب لـ برغسون أيضاً هو أنّ اهتمامه بحركية الجملة وحركان الكلمة ودفق المعنى وحيوية التعبير في رحاب الشعر خاصة، دفع به إلى التمييز بين الاستعمال المألوف للغة والاستعمال الخلاّق لها، ولعلّ ذلك ما يفسّر لدينا مبلغ تأثر مارسال پروست مثلاً
بـ برغسون بل وما تثيره هذه المسائل من قضايا ألسنية وفينومينولوجية وأدبيّة هامّة.
ـ خامساً: إنّ فكرة برغسون حول الكون الذي يتكوّن أيّ الذي يكون بصدد الإنخلاق والتغيّر والإنتشار المستمرّ فكرة تبدو قريبة اليوم من نظرية الإنفجار العظيم (Le big bang)، وكذلك فإنّ فكرة انبثاق الجديد تطرح قضايا إبستمولوجية مثل منزلة المصادفة والسجال بين القائلين بمذهب الخلْق (Créationnisme)، والقائلين بمذهب التطور (Evolutionnisme).
ـ سادساً: ان اكتشاف بنية الـ ADN (الحمض النووي الريبي المنقوص الأوكسجين) سنة 1953 والميكانيزمات البيوكيميائية للخلية، وإن دفعت مثلاً بعالم البيولوجيا فرنسوا يعقوب إلى معارضة فكرة الاندفاع الحيوي الخلاّق، فإن ما قاله برغسون بشأن الذاكرة والدماغ يُطرح اليوم بإلحاح من زاوية عرفانية(13)
ـ سابعاً: إن مسائل السياسة الحيوية والمجتمع المفتوح والمثل الأعلى الديمقراطي، وقضايا السلم والحرب ولقاء المواطنة بالإخاء تؤكد ـ دون تظنّن ـ التوجّه الإنسانوي للسياسة لدى برغسون والذي تترجمه آخر جملة من كتابه: (منبعا الأخلاق والدين).(14)
ـ ثامناً: تبدو المقاربة الحيوية للإتيقا راهنة، ذلك أن المشكل الأخلاقي يخفي قوة حيوية حقيقية، وهي قوّة الضغط (Pression) الذي يقود المجتمعات المغلقة ويفضي إلى الحرب، لكن ثمّة أيضاً قوة أخرى ليست أقلّ من الأولى حيوية وهي قوة التطلّع (Aspiration) إلى الانفتاح والسلّم التي تؤمنّها الشخصيات الاستثنائية، ومن دون التطلع لن يكون ثمّة نقدٌ للحرب، وتبعاً لذلك لن يكون هناك مشكل أخلاقي.
لعلّ في هذا كلّه بعض الجوانب من الإطار العام الذي يمكن أن نتزّل فيه اشتغالنا على مفهوم الخلْق في فلسفة برغسون، وهو موضوع صرّفناه على جملة من المسائل مبتداها مقدمة عامة ومنتهاها خاتمة عامة.
مقدمـة عامـة: الخلْق والمفهوم
نحن نفترض أننا بهذا العنوان نقلب الزوجيْن المفهومين الواردين في عنوان البحث، وقصدنا من ذلك أَشْكَلة العلاقة بين مفهوم الـ «مفهوم» ومفهوم الـ «خلْق»، سعياً لتجاوز ما يبدو أنه مفارقةٌ لمّا نروم الإشتغال على الخلْق كمفهوم لدى فيلسوف، وصنّفت فلسفتُه كفلسفة معادية أصلاً للمفهمة وللفلسفات التي تجتهد في بناء صروح مفاهيمية.(15)
لأجل ذلك نؤكد أن برغسون ميّز بين ضربيْن من المفاهيم:
ـ أولاً: المفاهيم السيّالة والمرنة واللّينة(16) المعبّرة حدسياً عن التوتّر والجدّة والتغيّر والديمومة والصيرورة والتدفق ومن ثمّة الخلْق نظراً لإقترانها بحركية الذات والحياة ولعودتها للتمفصلات الطبيعية للأشياء.
ـ ثانياً: المفاهيم الجاهزة والمتصلّبة والمصطنعة وتامة التكوين(17) التي تشلّ حركة الذات والحياة بردّ التفكير إلى كلمات تكون بمثابة ثياب جاهزة(18) أو تصوّرات جافة تصطنع لأغراض إجتماعية أو «مومياءات موجّهة إلى ترهيب كل إبداع» على حدّ عبارة دولوز وغواتّري(19).
ولسنا نحتاج في هذا الموضع إلى بيان كيف أنَّ البعض من خصوصية المقاربة البرغسونية لمسألة الخلْق تكمن في تجاوز المقاربة الميتافيزيقية للخلق كمفهوم جامد وكفعل وقتي، وكذلك المقاربة اللاهوتية للخلْق من عدم ولذلك لم يعد الخلْق ـ لدى برغسون ـ لغزاً(20)، وإنّما هو صار اقتضاءً أو حاجةً روحيةً(21) نجرّبها في أنفسنا بمجرّد أن نفعل فعلاً بكلّ حريّة.
وتبعاً لذلك أن يكون الخلْق قرين الجهد والفرح(22) ما يجعل من البرغسونية الفلسفة الوحيدة التي قرنت مصير الإنسان(23) بالخلْق والإبداع والتجديد. وإن الذي أقصد برغسون إلى مثل هذا التثمين للخلق كحالة انفعالية وكفعالية مستمرّة وكتدفّق فعلي للجدّة غير المتوقّعة، إنّما هو بالدقّة اللازمة للوقوف على أنّ التفلسف يعني التجديد(24) والخلْق، وأن الإنسان مجهود خلاّق وأنّه حيثما «وُجِدَ الفرح وُجِدَ الخلْق» وكل إنتاج إنساني ينطوي على شيء من الإبداع، وكلّ عمل إرادي يحتوي على جانب من الحرية، وكلّ حركة لكائن عضوي حيّ تتجلّى تلقائيته إنما يأتي بشيءٍ جديد إلى هذا العالم.
1) الخلْق ـ الذات
إن امتحان دعوانا الرئيسية التي أقمنا عليها البحث ضمن أفق سيكولوجي ـ ميتافيزيقي، جرياً على التقليد الفرنسي السائد آنذاك، يوجب علينا العودة أساساً إلى مؤلف سنة 1889 (محاولة في معطيات الشعور المباشرة) لأنه سيعيننا على إيضاح طبيعة العلاقة بين الخلْق والذات، ومحاورة مسائل تتّصل بامتلاء الذات(25) وثراء الأنا العميق في مقابل الأنا السطحي(26)، ومعجزة خلْق الذات ذاتها (Création de soi par soi)، وعلاقة الجهد بتنمية الشخصية، وتقصّي قيعان المعيش الروحي ودخيلة الذات التي لا تفهم إلا كيفياً.
إن النظر في انصراف ديمومتنا إلى الأشياء وتصريف الأشياء لديمومتي، يكشف النقد البرغسوني للنزعة الترابطية (Associationisme) التي تعمل على تجزئة الحالات النفسية(27) وتُحيل الزمن المعيش إلى زمن مقيس أو ميقاتي يقرّ بأن العاطفة كائن يعيش وينمو ويتغيّر دون توقف(28). ومن ثمّة لا تناقض بين الامتلاء والابداعية من جهة أولى، لأن الخلْق الداخلي نشاط اغتنائي، ولا تعارض بين الحرية والسبيبة السيكولوجية(29) من جهة ثانية، لأن السبيبة لا تختزل في التفسير الآلي، وإنّما هي تأكيد للدينامية الخلاّقة بما يجعل من الحرية سببيّة خلاّقة، ومن ثمّة فإنّ المعلول ليس متضمناً كلّياً في علّته طالما أنّه ينطوي دائماً على شيء ما جديد.
واستناداً إلى ذلك نقول إنّ الصلة بين تجربة الخلْق وفعّالية الجهد تجعل من الذات والحياة والكون امتلاءً كلّياً خالياً من أية فجوة أنطولوجية أو فراغات روحية، وهو ما يعني أن الحرية ليست حركية وجدانية وعاطفية وروحيّة فحسب، وإنّما هي إلى ذلك وضع أنطولوجي لا ينقدر وفق أفكار عامة ومبادىء ميتافيزيقية ثابتة وتصوّرات مجرّدة ومفاهيم محنّطة، وإنّما يقوم على واقعة الترقّي المستمرّ لشخصيتنا الحرّة، أعني أن الديمومة الخلاقة تتميّز بأنّها غير قابلة للإنعكاس (irréversible) لأننا لا نستطيع أن نحيا حالة واحدة مرّتين وبأنّه لا سبيل ثانياً للتنبؤ بها (imprévisible) لأنها جدّة مستمرّة وخلق متواصل وأصالة غير متوقّعة.
وإذا كان اهتداء الإنسان إلى الخلْق لا يمرّ إلا عبر اهتدائه إلى طريق الحرية باعتبارها تفعّلاً(30)، فإن الطريق إلى الحرية هو طريق الجهد(31) بما هو قوام تجربة الخلْق الذاتي. لأمر كهذا كان الأقرب إلى الحق اعتبارُ أنّ الفعل لايكون حرّاً إلا إذا عكس الشخصية بأكملها، وصدر عن الأنا العميق ـ بمعنى أن النفس بأسرها يمكنها أن تنعكس في كل حالة من حالاتها العميقة ـ ولذلك كانت بين الأنا العميق أو الحقيقي وأفعاله علاقة شبَهٍ عائلي(32). وبهذا التقدير تكون الحرية هذا الخلْق الذاتي، أي الدفعة المتواصلة من التغيّر التي تستمدّ من ذاتها، في كل آن، إبداعاتٍ غير متوقّعة، وهذا يعني أن حياتنا الروحية اختراع وخلق، وأنّ إيتنا ليست متكوّنة، وإنّما هي تتكوّن وتتشكّل باستمرار ودون توقف.
إنّ القدرة على بذل الجهد هي إذاً قدرة غير منفصلة عن كل فعل حرّ، وهي أيضاً قدرة لا تحرّرنا فقط من الإكراه الخارجي وإنّما كذلك من الضرورة الدّاخلية. وبنقْدِه للصبغة المجرّدة للإرادة التي تقرّر كأنها خارج ذواتنا. ينتهي برغسون إلى التأكيد أننا لسنا نحن من يختار ومن يغيّر طباعنا، وإنّما طباعُنا، هي التي تتغيّر وهي وحدها التي تكون ذواتنا(33). وتبعاً لذلك فإنّ مختلف درجات الحرية تتناسب مع مختلف درجات الإرادة الواعية التي تتصيّر شيئاً فشيئاً حرّة بتجاوزها الاختيار الحرّ عبر الحرّية/القرار liberté/décision، والحريّة/الإبتكار
invention/Liberté، والحرية/الخلْق Création/liberté.
وهكذا يتسنّى لنا أن نخْلُص إلى التأكيد أنّ تفسيرات العقل، وصروحه المفاهيمية وتركيباته الجافة لا تدرك امتلاء الحياة النفسية، ولا تفهم تجربة الخلْق والابتكار والانبثاق والانبجاس التي تميّز مشاعرنا وعواطفنا وأحاسيسنا غير القابلة للحصر والتجزئة، لأنّ الزمان لايكرّر، وإنّما هو يبتكر ويخلق أشكالاً غير متوقّعة.
2) الخلْق ـ الفن
إنّ المماثلة بين الخلْق الذاتي والخلْق الفنّي بناءً على أنَّ الأثر الفنّي هو فعل حرّ ـ هي التي ستسمح لنا بكشف طبيعة العلاقة بين الخلْق والفن ـ وهو ما يدعونا إلى بيان أن الشعور هو الإنبثاقية الأكثر جوهرانية لدخيلتنا، وأن التغيّر الحقيقي هو التغيّر الذي لا ينقسم والذي يشمل أنفسنا والأشياء، وهو ما يؤكد أن الحياة الباطنية بمثابة لحن موسيقى عظيم(35)، لأنّ الوجدانات تشبه إيقاعات المعزوفة، أي أن القطعة الموسيقية وحدة عضوية لا فصل بين إيقاعاتها، شأن الكائن الحيّ باعتباره كلاًّ لا يتفكّك، ومن ثمّة فإنّ استمرارية التغيّر التي تكون غير قابلة للتجزئة، أحالتنا إلى ما يُسمّيه برغسون «الدندنة المتواصلة للحياة النفسية»(36) وهو ما يعني أنه ثمّة مماثلة بين الحياة الباطنية والأثر الفنيّ.
ولقد قادتنا هذه المماثلة إلى الوقوع على قيمة الإيحاء والإيقاع، بما كشف لنا أنَّ الشِعْر هو ترجمان الموسيقى الباطنية والكونية، وأن روح الشاعر تسمع دقات أنباض الحياة(37). لذلك كانت العواطف تتحوّل لديه إلى صور والصور إلى كلمات موزونة بما يعني أنَّ في الإيحاء والإيقاع عودة إلى الخلْق والتفرّد، ولذلك لم نستغرب مَيْل برغسون إلى المدرسة الإنطباعية في الرّسم (Renoir, Manet)، والمدرسة الرومنطيقية في الشعر (Novalis)، والمدرسة الألمانية النمساوية في الموسيقى (Beethoven)، كما أننا لم نستغرب إلتقاء مطلب الشاعر والرسام والموسيقار الذين لا يرون الأشياء طبقاً لمصالح المؤسّسات الرّمزية أو وفقاً لإغراءات الأهواء الجامحة.
ولمّا كان الأثر العبقري في الأدب مثلاً أو «الكتب العظيمة»(38) بلغة مرلو بونتي إنما هو نتاج انفعال يغيّر الإنسان ويخلقه خلقاً من بعْدِ خلْق، لأنه مزيج من الحساسية واليقظة الفكرية والإلهام الروحي والحدس الصوفي، فإنّنا نعتبر أنّ برغسون ميّز، ضمن مشكل اللغة والتعبير وتدفّق المعنى، بين الاستخدام المألوف للغة والاستخدام الخلاّق لها(39)، الذي يحرّر الكلمة وحركة التفكير من الترابطات التقليدية، لتشكيل مفاهيم جديدة تحترم التمفصلات الطبيعية للأشياء وحركية الوجود. ولذلك من المهمّ أن نؤكد أنّ المنهج الحدسي لغةٌ تعبّر عن ذاتها في صور يرجع من خلالها الفيلسوف للسانه وحركيته واندفاعه. ومن ثمَّ من تعسّف التأويل أن يكون الاختراع المنهجي للاستعارات والأمثولات والمقارنات العينية ـ وما أكثرها في مدوّنة برغسون ـ مناطاً في الفلسفة لديه بتجميل الأسلوب وتصيّد شوارد الكِلَم، وإنما يعود بالأساس إلى أنطولوجيا الحركية و«فينومينولوجيا» الإبداعية.
وقد يكون من المفيد أن نذكر في هذا السياق أن اللغة ليست لدى برغسون تعبيراً رمزياً وإنما هي بالأساس حركة الديمومة الخلاّقة ذاتها، وهو ما يجعل من الكلام مساراً حيوياً من التفعّل، أي مساراً خلاّقاً شأنَ اعتمادِ البطل الأخلاقي أو المتصوّف اقتدارَ الكلمة وخلْقَ الصور وابتكار الاستعارات المسايرة لسيلانية النفس المنفتحة، وتغيّرها كسبيلٍ لتبليغ الرسالة الروحية، وهو ما يعني أنّ الكلمة حرّة لأنها تحرّر العقل وهو العقال.
وليس من قبيل الإسراف القول إنّ الديمومة الخلاّقة تنسرّب في اللغة جاعلةً منها حركة، أي أنّ التعبير عن الديمومة وخلْق المعنى يتجلّيان من خلال حركة الجملة(40)، لأن تجاور الكلمات لا يخلق المعنى، وأنّ القراءة هي الفعل الذي بواسطته نطبع في الكلمات حركة ونربط بينها على خطّ الزمان، ويكون ذلك عبر تفعيل الإيقاع العميق الذي يضمّها.
وعلى افتراض أن الكلمات لا تؤلّف ـ لدى برغسون ـ
معنى الجملة ذلك أنها تمثّل لأفكار جزئية، فإنّ الجملة تكون تعبيراً عن تفكير يكون بمثابة حركة خلاّقة، بمعنى أن في الجملة حركة داخلية. وممّا يشهد لما ذهبنا إليه من تأوّل للجملة لدى برغسون اختباره لإيقاعها العميق (أي إيقاع الجملة) تحت صورة خطاطة محرّكة (un schéma moteur)(41).
تكون صالحة لتوجيه عمل الفكر ضمن وجهة محدّدة. وإذَّاك لم تكن الجمل المتعاقبة على امتداد خطاب ما قطعاً منفصلة من الأفكار المتصلّبة والمتراصفة والمتجاورة. إنّ خطاباً أو قولاً لن يكون أصيلاً إلا إذا صدر عن انفعال عميق ونَبَعَ عن جهد خلاّق، وانبثق من حدس يكون بمثابة انتباه محمول على الحركية المؤلفة لجوهر الأشياء ذاتها لأنه بمثابة توتّر نحو التعبير. واستناداً إلى ذلك تكون اللغة شكلاً من الخلْق الحيوي بناء على تميّزها بأبعاد ثلاثة(42): ديناميكي وقصدي وبنيوي. ومن ثمّة توجد علاقة أنطولوجية بين اللغة الحيّة والاندفاع الحيوي، طالما أنها حركة مزدوجة من التوتّر (tension) أي الجهد والانفراج أي زوال التوتّر، ولولا هذا الازدواج الذي يسكن اللغة لما تسنّى لنا الحديث عن أشكال من القيل أو الخطاب.
ولمّا كانت الديمومة تحريضاً على الحركة فإنّ اعتبار اللغة شكلاً من الخلْق الحيوي ما يجعل منها ملزمة بتفعيل المعنى، ذلك أنّ اللغة لا تختزن المعنى لأنها لا تستطيع أن تعطينا إلا إرشادات حول الوجهة التي ينبغي أن يتّبعها الفكر من أجل إدراكها شأن علامات الطريق. وبهذا التقدير يمكن تفعيل المعنى باعتباره توتراً نحو التعبير، لأن اللغة إختراعية شأن لغة الطفل مثلاً التي تكون فيها العلامة مؤلفة بكل حرية، وكذا حال اللغة الشعرية التي تكون فيها صور الشاعر ـ هذا الكاشف عن قسم مخبوء من ذواتنا ـ معبّرة عن الشعور في فَرْديته الخلاّقة وفي كليّة قدرته الإيحائية.
ويمثّل الفن كذلك ـ لدى برغسون ـ إختراعاً لأن الزّمان، وإن كان عاملاً عرضياً في مثال إعادة تركيب صورة ما، فإنّه يكون عاملاً جوهرياً في مثال تجربة الخلْق الفني الأصيل، ومن ثمّة فإمّا أنّ الزمان يكون ابتكاراً وإمّا ألا يكون شيئاً البتّة.(43)
ولمّا كان الخلْق، لدى الرسام مثلاً، يُفضي إلى صورة، كان من الضروري القول إنّ الصورة لا تكون معطاة بصفة مسبقة في فكرة وإنّما هي تتجسّد شيئاً فشيئاً، لأنه يجتهد في انتزاعها من أعماق نفسه اجتهاداً.(44)
ولقد قادنا هذا الفهم إلى بيان كيف أنّ الفنّ لدى برغسون «يحيا على الخلْق»(45)، ولذلك يشكّل التنكر للجدّة والانبثاق أصل المشكلات الميتافيزيقية سيّئة الطرح، لأنّ الخلْق الفنّي ليس صنعاً أو مجرّد إنتاج، وإنّما هو ابتكار، بمعنى أنّ الأثر الفنّي المتفرّد ليس نتيجة آلية لحاصل شروط مسبقة، كما أنه منزّه عن المنفعة ويروم تحقيق الإتّصال المباشر بيننا وبين أنفسنا وبيننا وبين الأشياء.
3) الخلْق ـ الحياة
إنّ عقد الصلة بين مفهوميْ: الخلْق والحياة، يدعونا إلى الاستعانة بمتون «الطاقة الروحية» و«التطور الخالق» و«الفكر والمتحرك» لأنّ ما يجمع الحياة بالذات وبالفنّ هو أنّها تخلق في كل لحظة شيئاً جديداً ومن ثمّة فهي لا تتكرّر أبداً لأن التكرار هزلي.
وإذا تأكّد لنا أننا لا ندوم بمفردنا وأنّ هناك ديمومات بحسب تنوّع درجات الوجود، فإنّ أهميّة الديمومة هي التي جعلت من برغسون يُصالح بين فكرة الخلْق وفكرة التطوّر، ناقداً الآلية الجذرية والغائية الجذرية. وعلى اعتبار الذكاء مساراً من العكس يصرفنا عن الحقيقة الواقعية الحيّة، فإنّ نزعته المفهومية تجعله عاجزاً عن فهم تطوّر الحياة ومعاينة عملية الخلْق خلافاً للحدس.
وإذا كان ليس ثمّة من إرادة تفعّل دون مواجهة معوّقات، فإنّ الحياة تكون جهداً والاندفاع الحيوي يكون حاجةً إلى الخلْق، لأنّه يجعل من حقائق واقعية وأكثر تعقّداً تنبثق في مجرى الزمان.
وبما أن الحياة تتميّز بالزمان/الابتكار فإنّ برغسون يدرج التطوّر ضمن الديمومة باعتبارها ما يتكوّن ويتشكّل، في حين أنّ الزمان المقيس أو الميقاتي المتفضّي يقوم على معيّات أو تزامنات أو مُدَدٍ توقّف افتراضية كما هو الحال في العلم. وتبعاً لذلك، فإنّ أي بحث لم يتفحّص في الصفات المميّزة للزمان لايمكنه أن يفكّر في الخلْق والجدّة وغير المتوقّع، ويتمثل شرط تفحّص تلك الإقامة في الديمومة التي يكون فيها التطوّر خلقاً ويكون فيها الجديد متدفّقا باستمرار. ولذلك شنّع برغسون ببعض المذاهب بسبب تجاهلها لجدّة كل لحظة من التطوّر، ذلك أنها اعتقدت أنّ مُمْكِنَ الأشياء يسبق وجودها، في حين أنّ الواقع لدى برغسون هو الذي يصير ممكناً وهو ما يُسمّى لديه بـ «